
رواية جمعية حب الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم شمس محمد بكري
|| أصدر القاضي حكمه ضدها ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
إنسانٌ حُر مثلي يصعُب عليه أن يكون مُقيدًا..
يستحيل عليه أن يكون مجبورًا وكل الاختيارات عليه مفروضة،
أنا إنسانٌ يسعى بكامل طاقته لنيل الحُريةِ؛ لا يُمكن أن يكون الأسر دربيّ، لكني ارتضيتهُ
ورضيت بهِ حين كان بعينيكِ، حين كنتُ أسيرًا في مدينةٍ لم آلف غيرها طوال حياتي، مدينة لم تكن يومًا غريبة عنيّ؛ ولم تُغربني يومًا عنها؛ مدينة حين سِرتُ على دربها لأول مرةٍ وجدت نفسي آمنًا على أطرافها، وتُضلل عليَّ بجفونها، وتُشرق شمسي بِحُريتها هي
فأنا إنسان حُر
يُشبه مدينة ضائعة
لا يسكنها أحدٌ
وهي الوحيدة التي تسكن قلبه..
<"بدون أسفٍ للعالم؛ أُعلن عليه الخصومة لأجلك أنتِ">
يُقال أن عدو رفيقي بمثابة عدوٍ ليِّ..
واليوم أن أقف مع رفيق دربي وأُعادي العالم بأسرهِ لأجلهِ هو
بدون أسفٍ؛ وبغير ندمٍ أعلن خصومتي على العالم
واستثنائي الوحيد لكِ أنتِ..
_أنتِ نوف ناجي عبدالحي؟.
حين أتاها السؤال بحدةٍ وانفعالٍ؛ حركت رأسها موافقةً بلهفةٍ وترقب فأمر الضابط بإحضارها وإلقاء القبض عليها فورما أومأت له، فسادت حالة من الهرج في المكان وسط اندفاع "غسان" الذي حاول تخليصها من أياديهم وظل يتدافع معهم وهي تستنجد به وتستجير حتى صرخت باسمه باكيةً وهي تُساق كما الشاه لمصيرٍ مجهولٍ.
في ثوانٍ كانت مُقيدة بداخل العربة وكأنها تغرق في عمق البحر؛ فراشة بجناحين صغيرين تواجه الطوفان وحدها، تبحث بعينيها عنه وتصرخ تضرعًا بنظراتها وهو يتدافع ويصرخ وينفجر بصوتهِ؛ يُعلن الخصومة على العالم والحماية لها وحدها..
في خارج السيارة ظل يحاول مع الضابط حتى نطق بأكثر الكلمات والطرق التي يكرهها ويكره استخدامها في حياته:
_أنا ابن اللوا "طاهر أبو سويلم" واللي أنتَ قبضت عليها دي تبقى بنت أخوه وخطيبتي، يعني من الآخر كدا حطيت نفسك في حيطة سد.
ابتسم الضابط بتهكمٍ وقال بسخريةٍ:
_الجمل دي سمعتها كتير بس مفيش حد فوق القانون يا باشا، روح بقى لباباك وقوله يلحق سمعته وسُمعة بنت أخوه، يلا يا شاطر روح لبابي خليه يلحقك بواسطته.
تبدلت نظرات "غسـان" لأخرى مُخيفة؛ نظرات تعكس الوحش الذي يسكن بداخلهِ لكنه يخفيه عن العالم بأسرهِ، وفي ثانية مد يده يمسك مرفق الضابط ونطق بوعيدٍ له:
_وكلامك دا برضه هخليك تدور على حد يلحقك بسببه، بس أنا هعتبرك غلبان وبتشوف شغلك مش أكتر، علشان لو ماعتبرتكش كدا أنا هوريك بقى بعمل إيه بواسطة أبويا اللي بتتريق عليها دي.
وزع الضابط نظراته بين "غسان" وبين يده الممدودة تقبض فوق مرفقهِ ثم ابتسم ساخرًا وسحب ذراعهِ ورمقه باستهلالٍ وعدم اكتراثٍ ثم رحل من أمامه قاصدًا إثارة غيظه، بينما الآخر اندفع كما الرصاصة داخل سيارته يتبع السيارة التي تحركت بها ويده الأخرى تبحث عن الهاتف كي يُخاطب والده ويتصرف قبل أن تتأذىٰ هي ويُصيبها مكروهٌ وسط عالمٍ لم تألفه.
بعد مرور نصف ساعة وصلت لمقر نيابة الشؤون المالية والتجاربة كي يتم التحقيق معها؛ وهو الشيء الذي أذهل "غسـان" وجعله مُرتابًا من الأمرِ برمتهِ، نزل من سيارته بلهفةٍ يتبعها بقلبه قبل جسده، يركض خلفها بعينيه قبل قدميه، يركض زاحفًا كما الجندي حين يطلب الوطن نضالهِ وكفاحهِ؛ بينما هي فكانت تُساق كما شاهٍ مجرورة لذبحها، لمحته يتبعها فالتقطت أنفاسها كأنها تأكدت من أمانها.
صدح صوت هاتفه بوالده فجاوبه بلهفةٍ وهو ينطق بضياعٍ:
_ألو، أيوة يا بابا أنا محتاجلك ضروري.
لاحظ "طاهر" لهفة ابنه وضياعه وصوته فسأله مُتعجبًا:
_حصل إيه يا غسـان؟ مالك في إيه؟.
_نوف مقبوض عليها في مباحث الأموال العامة.
الجملة وحدها زلزلت كيان "طاهر" الذي انتفض تاركًا محله وهو يسأله متشدقًا بانكارٍ واضحٍ لما قيل له:
_نعم !! مين دي اللي مقبوض عليها؟ غسـان أوعى تكون بتهزر ولا دا مقلب منك واشتغالة زي عوايدك؟ حصل إيه فَّهمني.
وعلى قدر الإنكار أتى الإنفجار منه بقوله هادرًا بنفاذ صبرٍ:
_مش بهزر والله وهي دي فيها هزار؟ اتقبض عليها من شوية وأنا مشيت وراها مش فاهم هيحصل إيه ولا المفروض أعمل إيه علشانها، أبوس إيدك ألحق أتصرف يا بابا.
_حاضر حاضر متقلقش هكون عندك حالًا وهجيب معايا محامي، أهم حاجة فريدة أمها ماتعرفش حاجة، حاول تهدي الوضع لحد ما أجيلك أنا.
أغلق الهاتف مع والده ووقف بموضعه يُطالع المكان بوجعٍ، خيبة أملٍ لحقت به حتى وأدت كل أملٍ نبتَ في بستانهِ، ضاعت آماله بشأن اليوم وما خطط ودبر له، وقف يفكر فيها وفي وضعها وهي بهذا الضعف وهذه الكمية من الهشاشة والرقة نظير قسوة وغلظة العالم حولها، كان يتمنى أن تتم الرأفة بها بدلًا من قص أجنحتها.
في الداخل تم احتجازها بداخل مقر النيابة لحين موعد العرض، ثم تم التحفظ على هاتفها للفحص سجل الاتصالات والتحفظ على المضبوطات من مكتب أبيها ومقر الشركة، في خلال مرور ساعة واحدة انقلب صباحها رأسًا على عقبٍ، تدمرت حال دخولها هذا المبنى واحتجازها هُنا وسط مجموعة من النسوةِ والفتيات لا تعلم أيًا منهن ظالمة وأيًا منهن مظلومة؛ لا تدري مَن مِن بينهن جانية ومَن جُنيٰ عليها..
جردوها من كل شيءٍ إلا الثياب فقط؛ حتى الحذاء تم تفتيشه وتفنيد كافة محتوياتُها ثم رُميَّت بداخل الحجز وهي تُسب بأصعب الكلمات، ولازالت لم تفهم سبب الاحتجاز وسبب القبض وماذا أجنت في حق المجتمع كي تُعاقب بمثل هذا العقاب، وفي حق من أجرمت؟ كل تلك الأسئلة ظلت تدور برأسها ولم تنتبه قط أن جُرمها أولًا وأخيرًا هو الحُب،
وأن الوقوع في الهوىٰ بمثابة الذنب.
____________________________________
<"مُنذ ماضٍ مر وأنا أعرف أن العمر الذي معك لن يمُر">
بعض الحكايا لا تكون كأنها مجرد كلماتٍ فوق صفحة عابرة..
بل معظمها تكون النقطة الأساسية والحبكة التي لأجلها تسير القصة بأكملها، تلك الصفحة تحديدًا لا يمكن أن تتخطاها كأنها لم تكن، فاحفظها جيدًا لأن في مرةٍ ما بالعمرِ سوف تعود لها..
وقت الضُحى قُبيل الظُهر تحديدًا كان الهدوء هو سيد الموقف..
الشقة ساكنة، معظم الأضواء مُنطفأة والاعتماد بأكملهِ كان على الضوء النافذ من خلال النوافذ والشُرفات المُفتوحة، الضوء المار أشبه بالأمل حين يعود للحياة المُعتمة فُينير كل ظُلمتها ويُزيل كل البأسِ من الطريق والدربِ..
صوت القرآن ملأ أركان الشقة ورائحة المُعطر والتنظيف انتشرت فامتلأ المكان بالدفءِ، بدأت "عُـلا" تستعيد نفسها التي تكاد تكون ضاعت منها، تذكرت ليلة أمسٍ وكيف مرت عليهما سويًا بعدما تناولا طعامهما معًا، عادت بذاكرتها لليلة أمسٍ وهي تبتسم لأن الحياة توافق أخيرًا على الهُدنة التي كانت تتمناها..
( ليلة أمسٍ..)
تناولا طعامهما معًا مبتسميْن والسَكينة تملأ المكان بأكملهِ، كانت تختلس النظرات له بين الحين والآخر في حين كان هو يجلس بشرودٍ غريبٍ عليها، عاد لصمتهِ ولم يتحدث أو يمازحها أو يتذكر أية تفاصيلٍ أخرىٰ وهو يشاركها تفاصيل يومه، لاحظت هي شروده وطيلة صمته، فشعرت بالمللِ يحاوط المكان، أصبحت هي من تنتظر كلماته، تودده لها، محاولة اقترابه وهو يمازحها ويُهددها أنه يفعل ما يريد وقتما يُريد، لكنه كان صامتًا.
بينما هو فظل يُفكر مع نفسهِ لمَّ كل الأشياء تستحيل عليه حين يرغبها؟ بخلاف قصته مع "لمار" لكن حتى علاقته بأول رفيقة له منذ صغره تبدو غريبة عليه، بعدما صارت زوجة له والمسافات بينهما كبيرة، تمنى لو كانت العلاقة بينهما أفضل ليخبرها عن الذي حدث معه، ليخبرها كيف تعرض للاستغلال والاستهلال بمشاعرهِ، رفع عينيه يُقابل عينيها حين كانت تراقبه وتلاقت النظرات مُجددًا.
ابتسم لها بعينيهِ ثم أشار برأسه نحو طبقها الممتليء وسألها بهدوءٍ:
_ماكلتيش ليه؟ كملي أكلك طبقك زي ما هو لسه.
حركت رأسها بارتباكٍ ونكست رأسها نحو الطبق وهي تتعجب من تبدل مزاجه، تتيقن أنه لم يكن على ما يُرام، هناك ما يضايقه وهي تخشى أن يكون تواجدها أو يكون لها شأنٌ بهذا الموضوع، رفعت رأسها بلهفةٍ وسألته بغير ترتيبٍ أو برمجةٍ لحديثها:
_هو أنتَ متضايق مني؟ يعني حاسس أني باجي عليك أو مثلًا بظلمك؟ قولي بدل ما تسيبني كدا وأفضل أفكر أنا ودماغي تتعبني، أنا مش جاية أظلمك ولا جاية من تاني أكركب حياتك زي زمان، ولا جاية يا أدهـم علشان أفرقك عن أخوك، أنا جيت علشان الدنيا ضاقت عليا هناك ومكانش بأيدي مكان أروحله.
لاحظ أنها مشحونة بالكثير من المشاعرِ التي تُثقِل روحها وتُصيبُها بالضياعِ، لذا تولى الحديث بدلًا عنها ونطق بصوتٍ هاديءٍ:
_ومين قالك إني بفكر كدا؟ أنا سايبك براحتك تتأقلمي مع وضعك الجديد وتتعودي عليا وعلى العيشة هنا، ضيقتي مش بسببك ولا منك، أنا مخنوق لوحدي خِلقة من غير حاجة، بس متقلقيش مش بسببك.
_بسبب جدك، صح؟.
خمنت الجواب بنبرة تقريرٍ جعلت نظراته تتبدل، لأنه حقًا يتألم لهذا السبب، يتألم لأن جده لم يرأف به وبمشاعرهِ ولم يُراعِ حتى رابطة منه، فهو لم يُراعِ من هو ليبحث عن مراعاةٍ منه؟ نظر في وجه "عُـلا" وفكر لوهلةٍ ماذا لو أصابها مكروهٌ من جده؟ ماذا لو تعرض لها كما فعل مع ابنة عمهِ؟ ماذا لو تسبب في ضٌرٍ لها ولأخيه؟.
عند هذا التفكير بدأت دواخله تضطرب مع بعضها، بدأ يقلق بشأنها هي فتنهد بقوةٍ ثم ترك ملعقة الطعام وعاد للخلف يراقبها، وللحق أدرك أنها ضعيفة نظير فوة جده، رقيقة أمام طوفانه وبطشهِ، تحتاج لحمايته كما فعل حين كان صغيرًا، لذا خرج الحديث منه مباشرةً بغير موارةٍ:
_عُـلا أنتِ مش محتاجة أقولك إنك هنا معايا في أمان، يعني أي حاجة تحصلك أو أي حد يتعرضلك أنا معاكِ وفي ضهرك، واللي بينا المفروض واحد، يبقى ماتخبيش حاجة عني، حتى لو الحاجة دي هتعصبني أو تضايقني، عرفيني أهم حاجة وبعدها نحلها مع بعض أنا وأنتِ، بلاش تخلي المسافات اللي بينا دي تبعدنا أكتر ما إحنا بُعاد.
لاحظت اضطرابه وانفعاله أثناء الحديث فعقدت ملامحها بعبوسٍ وحركت رأسها بدون وعيٍ توافقه، بينما هو ترك الطاولة وترك الطعام وولج غُرفته من جديد، تاركًا إياها بالخارج وحدها وهي تُفكر في سبب تغييره وحديثه، لذا لملمت البعثرة ونظفت موضع الطعام ثم تحركت نحو الداخل على استحياءٍ ومشت بترددٍ..
طرقت الباب حتى سمح لها فولجت الغُرفة بصمتٍ، جلست على طرف الأريكة بينما هو ولج المرحاض وتركها وحدها لمدة دقائق معدودة وهي تحاول إيجاد طريقة كي تتحدث معه، جلست في انتظاره حتى خرج عاري الجذع بسروالٍ قصير ووقف يُثبت عينيه عليها، بينما هي شعرت بالارتباك كونه يظهر هكذا أمامها، ولأنه لمح نظراتها سحب سترة قطنية يرتديها وجلس مقابلًا لها ونطق بهدوءٍ:
_عاوزة حاجة يا عُـلا؟.
رفعت عينيها له لتراه يستر جذعه أخيرًا؛ فتنهدت ونطقت بترددٍ وكأنها تمشي خلف سيره مُرتابة الخُطىٰ:
_عاوزة اسألك مالك ومش عارفة ليه مِدية لنفسي الحق دا بس حاساه واجب عليا، ممكن تكون مش عاوز تقولي ودا حقك وبراحتك بس أنا نفسي تعتبر دي حاجة عادية وتقولي، ساعدني يا أدهـم خليني أتعود على الحياة مع الناس.
نبرتها كانت مخلوطة بمزيجٍ من الألمِ والوجع، عيناها فاضتان بما حاولت تُخفيه عنه وتصبغه بالاعتيادية، وما إن استشف ذلك قال بهدوءٍ:
_طب ما تيجي نعكس الأدوار، قوليلي أنتِ عن اللي حصلك لما مشيتي، قوليلي كنتِ عايشة هناك إزاي، أحكيلي وخلينا إحنا الاتنين نرجع اللي كان بينا يا عُـلا، احكيلي عنك.
ابتسمت بحزنٍ، بسمة غريبة لم تطل عينيها لكن مُقلتاها تشبثتا بالأملِ فسحبت نفسًا عميقًا وتفوهت بصدعٍ شق روحها:
_للأسف مكانتش حياة ينفع يتقال عنها حاجة تخليني أحكيها، كنت عايشة ومش عايشة، كل يوم عندي أمل إن حد ييجي ياخدني تاني ويرجعني لحياتي، يوم يجيب يوم ويوم يجيب يوم تاني وعمري كله خلص وأنا بستنى، استنى ماما تيجي، استنى باباك ييجي، استناك أنتَ تيجي، استنى آدم يكبر وييجي، عِشت عمري كله بستنىٰ واللي استنيته ماجاش…
اختنق صوتها وبان البكاء واضحًا في كلماتها فتنسفت بعمقٍ أكبر وأكملت الحديث بقولها المختنق:
_كان صعب عليا أقف قدام قاضي يحكم عليا علشان أعيش عمري كله أنفذ الحكم دا وأنا عيلة لسه ماعملتش حاجة، صدقني أنا مش علطول مكشرة ولا علطول بعيط ولا علطول خايفة، أنا كنت حلوة أوي وروحي كانت خفيفة بس برضه مكانش سهل عليا كل اللي شوفته، تخيل عيلة صغيرة كل أسبوعين تشوف أمها بحكم محكمة وفيه اتنين عساكر واقفين على راسهم؟ كنت بحس إني مجرمة عملت ذنب وواقفة أتعاقب عليه، كنت كل مرة أسألها…
توقفت حين انهارت باكيةً، بكت ولم تتمالك نفسها بقدر ما كتمت هذا الألم في حياتها طوال أيام العُمر حتى نست كم تألمت، بكت وانهمرت العبرات منها ولم تشعر إلا بذراعيهِ حين طوقها بهما وأخفاها في عناقهِ ومسح فوق خصلاتها المعكوصة بطوقٍ مطاطي، ظل يُربت فوق رأسها حتى رفعت عينيها الباكيتين له فقال هو بصدقٍ وقد نسىٰ ما كان يؤلمه:
_ادعيلها بالرحمة، ادعيلها علشان أنا شوفت بعيني هي اتوجعت إزاي في غيابك، وازاي كانت بتيجي هلكانة وكل مرة تفضل تعيط علشان مش بإيدها ترجعك تاني، محدش هنا كان ناسيكِ يا عُـلا، ولا عرفنا نتأقلم على غيابك، بالعكس إحنا كلنا خدنا وقت نتعود فيه إنك بعيد عننا، يمكن أنا أكتر واحد فضلت مستني علشان ماكنتش لاقي حد يلعب معايا، رغم إنك كنتِ رخمة وبتخليهم يزعقولي بس كنت بحب ألعب معاكِ برضه.
ابتسمت رُغمًا عنها وضوت عينيها بمجرد حديثه بينما هو فتوسعت بسمته تلقائيًا وكأنها تسبب في عدوىٰ له، مسد فوق عينيها فوجدها تغمض جفونها بتأثرٍ كَون حركاته الحنونة هذه تظهر في حياتها بعد أعوامٍ من القسوة، وقد مال هو وطبع لثمة حنونة فوق وجنتها حتى فتحت عينيها ونظرت في وجههِ بخجلٍ من الذي تعيشه معه، بينما هو فهمس بمراوغةٍ:
_مش يمكن حصل اللي حصل دا علشان تبقي نصيبي في الآخر؟ والله لو الموضوع كان كدا هبقى أروح أبوس القاضي، وأقوله ألف شكر يا غالي، الأمانة وصلت في وقتها.
حديثه لم يفعل شيئًا غير أنه أزادها خجلًا فوق خجلها، تدفقت الدماء في وجهها وأحست بالسخونة تُصيب رأسها وكأن الدماء انفجرت في خلاياها، وما إن نظرت في عينيه وجدت الأمان كله الذي سُرِق وسُلب منها عنوةً، وعلى النقيض كان هو، وجد سببًا يجعل الأمور أكثر وضوحًا في عينيه، لأن نصيبه كان محفوظًا له في مكانٍ بعيدٍ، يحميه الخالق ويرعاه له ويحفظه لحين إشعار الوقت المناسب، وهو يعيش وهو يسأل لمَّ لم ينل ما يرغب؟.
انتهت الليلة بهما حين نامت فوق الفراش ونظرت جهة نومه فوجدته يتسطح الأريكة ثم ابتسم لها قبل نومه وغفىٰ رُغمًا عنه ليتركها تُراقبه طوال الليل حتى نامت وهي تراقبه كأنها تُثبت صورته في عقلها حتى لا يخدعها من جديد بأمر الرحيل والفُراق.
(عودة للوقت الحالي..)
قامت بتحضير وجبة الفطور وانتظرته حتى يخرج من الغُرفة، وابتسمت بمجرد أن تذكرت كيف أمست تفضل المكوث في هذه الغرفة خلال أيامٍ لمجرد فقط أنها ممتلئة برائحة عطره وبكل الأشياء التي يُحبها، وقد وقفت في المطبخ تصنع له عصير البرتقال الذي يُحبه في كل صبحٍ، وأثناء العمل وجدته يخرج من غرفته يبحث عنها وبمجرد أن لمحها ابتسم واقترب منها يقول ببسمةٍ بشوشة:
_صباح الخير، عاملة إيه دلوقتي؟.
ابتسمت ما إن تذكرت احتوائه لها بالأمسِ وحركت رأسها موافقةً تؤكد له أنها بخير بينما هو اقترب يقف بقربها وساهم معها في تحضير الطعام وبمجرد أن استعدا لتناول الطعام نطق بصوتٍ رزينٍ وهاديء:
_بعد الفطار لو وراكِ حاجة شوفيها علشان هننزل أنا وأنتِ مع بعض، مازهقتيش من قعدتك هنا كل الوقت دا؟ مش عاوزة تخرجي خالص؟.
ملامحها تهللت وبان فيها أثر حماسها وهي تُتابع وجهه فوجدت بسمته تتسع بالتدريج وتحولت لضحكة خافتة وهو يمازحها بقوله:
_هو أنا حابسك هنا ولا إيه؟ هخرجك يا ستي وأخليكِ تشوفي الدنيا هنا عاملة إزاي، مع إني عارف إن اللي عاش طول عمره في اسكندرية مايملاش عينه غير الجنة بصراحة، إن شاء الله تنبسطي النهاردة واليوم يعجبك، بعدين كفاية إنك معايا صح ولا إيه؟.
كان يمازحها ليُثير غيظها لكنها أذهلته حين حركت رأسها توميء له كأنها تُدلي بموافقتها على حديثهِ، لتقول في الخفاء أنه وحده أصبح يكفيها، لم تترك لخيالها جموح التفكير حتى لا تُصاب بالخُذلان لكن تواجده بجوارها كان خير دليلٍ على أنها أمست معه وبجواره وله.
____________________________________
<"تأتي القرارات الصحيحة بوقتٍ مُتأخر، لكنها تأتي حتمًا">
قد لا يُريد المرء حياة مثالية بقدر ما يحتاج لحياة هادئة..
حياة بسيطة تليق بآمالهِ،
تُشبه رقة أحلامه
تُقارن بمدى سعة قلبه،
حياة حين يُفكر فيها يراها مناسبة لما يرغبه؛
لكن الغريب في الأمرِ أن حتى الحياة الهادئة هذه تأتيه بعدما يُسلب منه الحق في الحياة والأحلام..
بمدينة الغردقة بداخل بيت "نصار".
استيقظ "يُسري" في الصُبحِ فوجد زوجته بجواره تنام في عناقهِ بعدما وافقت أن تعود للبيتِ من جديد، وقد رآها هو فرصة جديدة للحياة التي كان يُسّحَب بُساطها من تحتهِ وكاد ينزلق في حُفرة الخسائر وبئر الظُلمات، لذا حين رآها بجوارها ربت فوق خصلاتها ثم سحب هاتفه يطلب موعد مع الطبيبة وتحرك نحو الأسفل يشرف على تحضير طعامها..
بعد مرور ساعة بالتقريب التفّت العائلة بأكملها حول المائدة ومعهم "مُـراد" الذي جلس بإلحاحٍ من "صُهيب" الذي قضى الليل بأكملهِ في عناقهِ، جلست "ولاء" بجوار زوجها وفي وجهها كانت حماتها تبتسم لهما ثم نطقت بفرحةٍ غطت صوتها:
_البيت نور بيكِ يا ولاء، ربنا يبارك فيكم ويقومك بالسلامة وتفرحينا كلنا بالنونو.
حديثها كان مفاجأة للجميع وخاصة "حسين" الذي عقد ملامحه وسأل بثباتٍ بلغ أشده بأعلى درجات التحكم بالنفس:
_هي ولاء حامل؟.
مجرد السؤال وحده أربكها هي وجعلها تتوتر من نبرته، ارتجف كفها ولاحظها "يُسري" الذي تولى الرد عنها بقوله الصارم الذي لا يقبل المناقشة:
_آه الحمدلله، كلها شهور بسيطة وصُهيب يجيله أخ أو أخت.
حرك والده رأسه موافقًا دون أن يرد أو حتى يُبارك لهما، على عكس "حُسني" الذي رغم حزنه ووحدته وقهره تحدث بفرحةٍ يبارك لهما ويتمنى لهما الرزق بذرية صالحة تكون عوضًا من رب العالمين لهما، وفجأة تحدث "حسين" بتهكمٍ:
_ألف مبروك، مبروك إنك نسيت اللي اتقال في حق أختك من مراتك وإنها أول واحدة وقفت في وشنا وقالت اللي قالته، شكلك نسيت بجد، بس ملحوقة، واضح إن الأيام فعلًا بتنسي.
تهكم وازداد حديثه بالسُخرية المريرة بمذاق العلقم، وحين تبعته الأنظار ثبت عينيه على وجه "يُسري" الذي استقام واقفًا وأناب عن الجميع بالردِ قائلًا:
_بلاش تفتح أنتَ الكلام دا علشان صدقني اللي في قلبي كتير وهيزعلك مني، بس دا مايمنعش إن محدش ليه الحق يجيب سيرة مراتي ولا يضايقها ولا حتى يعاتبها على حاجة، واللي حصل زمان دا أقل بكتير من اللي المفروض يحصل، علشان لو هنتكلم بحق ربنا يبقى اللي المفروض يحصل كتير أوي.
وقف والده في مواجهته وهدَّر بإنفعالٍ قاتمٍ:
_أنتَ اتجننت يا يُسري؟ ما تحاسب على كلامك ولا خلاص؟ علشان رضيت عنك هتلبخ في كلامك !! بلاش خيابة وقلة عقل.
_أنا برضه اللي بلاش خيابة؟ ولا أنتوا كلكم اللي خلاص عقلكم قفل منكم ومش عاوزين تفتحوه؟ كلكم ما صدقتوا حاجة واحدة حصلت علشان تخربوا بيها حياتنا؟ بص بعينك كدا على البيت وقولي وضعه دا يرضي مين؟ بص لأخوك وشوف حاله وهو لوحده وابنه بعيد عنه هربان، بص لابنك اللي الكاس مش مفارقه بعدما كان راجل ملو هدومه بيتعمله ألف حساب، بص لأمي اللي الكل كان بيحسدها ويقولوا أنها مستحيل تكون أم لينا بقى شكلها ضعف عمرها إزاي، بص لابني اللي مابقاش فاهم وسطنا حاجة وشايف أبوه وأمه بيتاعملوا زي الغُرب قصاد بعض، بص لمراتي اللي فرحتها مطفية بحاجة حلمت بيها من زمان ومش قادرة تفرح علشان مش عارفة تطمن، بص ليا وشوفني أنا وصلت لفين وبقيت عامل إزاي، ودا كله علشان خاطر مش عاوز تسمع كلمة الحق من حد فينا، رغم إنك عارف إن الحق معانا كلنا.
انفجر ولم يستطع احتواء نوبته، لم يقدر على كتمان مشاعره أكثر من ذلك لأنه أخيرًا وجد مبررًا يجعله ينفجر ويتحدث، لطالما كان هو الأكبر في العائلة وهو الحامي لهم جميعًا لم يقبل أن يكون الوضع كارثيًا لهذا الحد، وعلى الجبهة الأخرى في الحرب كان والده يطالعه بنظراتٍ قاسية، يتمنى لو اقتلع رأسه قبل أن يتحدث بما تفوه به، لكنه أضاف من جديد بنفس الغضب:
_من دلوقتي مفيش أي حد ليه الحق يهاجمني على حاجة هعملها ولا يفرض رأيه في حاجة تخصني وتخص حياتي، أنا اللي هقرر وأنا اللي هعمل، علشان مايبقاش اللي جاي عليا زي اللي راح، وعلشان مايجيش ابني التاني يلاقي أبوه مالهوش كلمة وماشي مغمي عينيه عن الحق، ومن النهاردة أي حد هيفكر يتعرض لحد يخصني أنا هاخد مراتي وابني وأمشي، بس المرة دي محدش هيعرف ليا طريق، ويبقوا بدل الواحد اتنين.
لم يكن تهديدًا بل كان قرارًا أخذه وسوف ينفذه إذا ظلت الأوضاع كما هي، لذا انتفضت أمه تتمسك بكفه وهي ترجوه بعينيها ألا يفعل ما يتحدث عنه لكنه نظر لها آسفًا ثم أمسك كف زوجته وتحرك بها للأعلى وهرول معهما ابنه الذي أخذ صف والديه منذ الحين.
ارتمى "حسين" فوق المقعد ونظر له "حُسني" بأسفٍ لأنه مهما فعل سيبقى شقيقه الصغير وتظل الشفقة هي المصدر الأول والأخير للنظرات، بينما "مُراد" انسحب وتوجه خلف شقيقه وحين وجده على أعتاب الغُرفة ولج خلفه يقول بلهفةٍ:
_أهدا شوية يا يُسري مكانش ينفع تزعق في أبوك كدا، واحدة واحدة هو برضه مهما كان تعبان ومش حمل اللي بيحصل.
ولأنه لم يكتفِ بما أفصح عنه انفجر مُجددًا بقوله:
_أنا اللي مش حمل اللي بيحصل وهيحصل خلاص يا مُراد، ما تفوق أنتَ شوية يا أخي وشوف بعينك الوضع حواليك عامل إزاي، شوف اللي وصلناله كلنا وشوف ذنب مين دا، ذنب يحيى اللي بهدلناه وخليناه هربان زي المجرم لمجرد شوية كلام وحقيقة في علم الغيب؟ واللي أكدوا الحقيقة دي اتهمتوهم بالكدب؟ مراتي هتتبلى على مودة الله يرحمها ليه؟ بلاش هاجر اللي كانت خطيبتك هتتبلى ليه عليها؟ الاتنين حلفوا على مصحف ربنا إنها مقالتش ليه وخبت، بس أنتوا مش قادرين تصدقوا، مش عاوزين تستوعبوا إنها ممكن تكون خافت عليه أكتر ما خافت عليكم.
ولأن الحديث عن هذه المرحلة يعد الجرح الغائر بروح "مُراد" فأخيرًا رفع صوته يعبر عن ألمه بقوله:
_بلاش تتكلم في حاجات توجعنا كلنا يا يُسري، قفل على السيرة دي كأنها ماحصلتش علشان أنا وأنتَ عمرنا ما هنتفق في الموضوع دا، هنفضل دايمًا مختلفين ومش هتقدر تقتنع بكلامي.
والرد جاء بتهكمٍ من شقيقه كأنه يسخر منه:
_برضه مصمم تخليني أقتنع؟ طب أنا اللي هقنعك بقى، إن أختك واللي عملته كله كان غرضه حبها المجنون لـ يحيى، سواء خوفها على مشاعره إنه يتوجع ويخاف عليها، أو خوف إنه يسيبها ويروح لواحدة تانية كل دا غرضه كان حبها لجوزها اللي أنا وأنتَ عمرنا هنقدر نفهمه، وللأسف الكلام دا بقى في علم الغيب، لو مش مصدقني روح كدا وشوف الوضع برة وهتفهم قصدي، بص بعينك على البيت دا وهتلاقيه مقبرة بس أجمل شوية، روح دور على نفسك يا مُراد علشان الوقت بقى بيضيع مننا ومحدش فينا واعي، لو عليها هي بقت في مكان أحسن، لو علينا فياريت نعمل حاجة عِدلة، على الأقل مانبقاش ظالمين واحد.
لم يستطع "مُراد" تحمل الحديث أكثر من ذلك، لذا خرج من أمامه كما الطلقة حين تتحرر من فوهة السلاح لأن الحديث هذا يقتله هو، يجعله في غيابة الجُب عن الواقع حوله، كارثة لا يستطع معايشتها لأنه أضعف من تقبل حقيقة مثل هذه، ولن يُنكر أنه تسبب في ضياعِ نفسه منه وضياع كل آماله، لكنه مجرد جسدٍ فقد الروح، يعيش بالاسم فقط لأن المعنى الحقيقي للحياة لم يعد موجودًا..
تُرى هل كل الحكايا التي رُويت عن التوأم حقيقية؟
إذا تألم أحدهما يصيب الألم نفس المكان لدى الآخر، وإذا شعر أحدهما بشيءٍ يداهم الشعور ذاته قلب الآخر.
لكن ماذا عن الموت؟ هل إذا مات أحدهما يأخذ الروح كُلها ويترك الآخر معطوبًا بجسدهِ فقط؟.
____________________________________
<أن يكون المرء جبانًا هذه كارثة حياته ولو حارب مدى حياته>
الحرب دومًا بلا نهجٍ..
تقوم وفق رغبات كل فردٍ فيما يرغب فيضع القانون الذي يُناسبه هو، رُبما ينتهج سياسة القطيع، وقد يستهل كل المشاعر حتى يصل لما يرغب، وقد يسفك دماء كل من يختلف عنه..
الحرب خديعة يربح فيها الأمكر ويموت في محيطها الأشجع..
انتصف النهار وهي لازالت محتجزة في هذا المكان ولا تعلم إلى أين ينتهي بها المصير، مخبوءة بين جدرانٍ تتكيء على جانب جسدها بعيدًا عن ضجيج النسوة حولها وعيناها تذرفان العبرات لأنها حقًا تختبر أقسى ما يمر على المرء في حياته، تختبر معنى الظُلم للمرة الأولى، كأن الناس انتظروا موت أبيها حتى ينهشوا فيها.
انقبض قلبها وهي تدور بعينيها للمرة الألف لتجد نفسها بداخل الزنزانة ولم يكن هذا مجرد خبالٍ أو حتى كابوسٍ بشع يُراوض نومها، هذه حقيقة _وللأسف أنه حقيقة_ موت والدها حقيقة، بشاعة عائلتها حقيقة، الخوف في قلبها حقيقة، تحملها المسؤولية حقيقة، كل الألم حقيقة والأمل وحده هو الكاذب في هذه القصة.
غزت رائحة السجائر أنفها فسعلت ودارت بعينيها لتجد فتاة تجلس بقربها وهي تسألها بنبرةٍ متكهنة وتتشدق بنطقها:
_إيه يا حتة مالك قاعدة قالباها نكد كدا ليه؟ مين زعلك يا مزة؟.
نظرت للفتاة بطرف عينها وأغمضت جفونها كي تهرب من الواقع الذي تعيشه فسخرت الفتاة منها ونطقت تتهكم عليها:
_دا إيه أصله دا؟ مالك ياختي فاكرة نفسك في الجامعة الأمريكية؟ دا أنتِ جاية زنزانة يا روح أمك، يعني نصابة وشكلك كدا عملتيهم كويس، بقولك إيه قلبي نفسك واطلعي باللي معاكِ، كمرتي إيه قبل ما تدخلي؟.
عقدت "نوف" ملامحها ورمقتها بنفورٍ ثم عادت تدفن رأسها في الجدارِ لكن الأخرى مدت يدها بالقرب من جيدها كي تصل لمنطقة الصدر فانتفضت "نوف" تصرخ في وجهها بحدةٍ أتت بغير حسابٍ:
_أنتِ مجنونة؟ إزاي تمدي إيدك كدا؟.
_مين دي يا بت اللي مجنونة !! نهار أمك مش فايت أنتِ يابت بتعلي صوتك عليا أنا وريني مين هينجدك من تحت أيدي النهاردة.
أنهت الفتاة صرخاتها وهجمت على "نوف" تُمسك شعرها ثم رمتها أرضها أسفل قدمها وأشارت للأُخريات من أتباعها وهجموا على "نوف" يُمسكن ذراعيها كأنها طيرٌ قُصصَ جناحيه، حاولت أن تصرخ لكن فمها تم تكميمه وكذلك ساقيها تم تقييدهما فلم تستطع أن تركل أيًا منهن، انهالت الضربات عليها كما ضربات العدو على أراضٍ مغتصبة، صفعات تسقط فوق وجهها وهي عاجزة حتى عن الاعتراض، لم يكن فيها مثقال ذرةٍ من حُريةٍ _باستثناء دموعها النازفة_ وكل ذلك تحت أنظار الشفقة والجُبن من الأُخريات العاجزات عن التدخلِ..
سقطت رأسها فوق الأرض بعدما دفعتها الفتاة لتشبه في حالتها هذه الطير الحُر حين يطير ويرتفع ويُحلق ويفرد جناحيه يُعاند بهما الرياح والعواصف كونه أمسىٰ حُرًا، وفجأة تُرشقه رصاصة غادرة فتسقطه أرضًا من السماء العالية للأرضِ المخسوفة، الدم ينزف من أنفها وفمها، والألم يستوطن كل عظام جسدها كما الاحتلال حين يزحف للأراضي الحُرة، والرؤية ضبابية تتشوش بغير وضوحٍ وهي تتمنى الموت بدلًا من العجز هكذا.
في الخارج كانت أمها عرفت عن طريق أحد العاملين بالشركة، وقتها صرخت وركضت بغير هدىٰ ولا وجهة منشودة وسحبت ابنتها الثانية وركضت وهي تحاول الوصول لابنتها، لم تجد غير "غسان" تتواصل معه وقبل أن يكذب ويختلق أفكارٍ غير مُجدية وجدها تصرخ في الهاتف بقولها:
_ماتكدبش عليا قولي بنتي فين !! راحت فين يا غسـان؟.
لم يستطع أن يفعلها ويكذب عليها، صرح لها بالمكان وأخبرها أنه لم يتركها، وقد وصلت له في طرفة عينٍ وجدها تركض باكيةً حتى كادت أن تسقط لكنه التقطها بلهفةٍ فسألته بعجزٍ وقهرٍ رآهما في عينيها:
_نوف فين يا غسان؟ حصلها إيه؟.
_هتخرج، والله العظيم هتخرج حتى لو اضطريت أدخل أنا مكانها ومهما كانت التهمة اللي بيقولوا عليها عندي استعداد أقول إني اللي عملتها بس هي تخرج، واثقة فيا صح؟ أوعدك بنتك هتخرجلك.
ومنذ الظهر وهو يحاول البحث عن طريقة، يحاول إيجاد حلٍ مع أبيه الذي ظل يُجاهد طوال اليوم ويبحث عن علاقاته حتى وصل أخيرًا لمسشارٍ قانوني جمعه العمل به خلال فترة سابقة، وحينها لم يرفض له الرجل مطلبًا، فأتى له وجلس معه ومع ابنه وأمها وهو يبحث عن تفاصيل الواقعة وسجل البلاغ المُقدم، وحينما وصل لما يُريد قال بأسفٍ:
_للأسف دا بلاغ ضدها بيتم اتهامها فيه بالنصب والاحتيال باستغلال اسم الجمعية الخيرية لربح غير مستحق، وغسيل أموال عن طريق تجارة مشبوهة وغير مُصرح بيها، واضح كدا إن اللي مبلغ دا قريب أوي من آنسة نوف لدرجة إنه عارف الشغل بتفاصيله والجمعية بكل تفاصيلها، بس متقلقوش، النهاردة هيحققوا معاها، لو معاكم محامي ياريت أقابله.
استدعى "غسـان" المحامي الذي جمع كل الأوراق التي تثبت صحة كل أدلته وصدق مرافعته، ثم تقابل مع المستشار الذي نطق بهدوء يليق بمكانة عمله وعلمه:
_أنا واثق في حضرتك وإن شاء الله ربنا يكرم وتخرج النهاردة، بس هاقولك كام حاجة تخلي بالك منهم، هي مقبوض عليها الصبح ودا معناه إنها ماينفعش تقعد لمدة أربعة وعشرين ساعة من غير عرض على النيابة، لو وكيل النيابة مش موجودة حاليا وهييجي الصبح يبقى كدا هيعدي أكتر من أربعة وعشرين ساعة فدي نقطة كويسة، تاني حاجة هما بالفعل أخدوا موبايلها وكل حاجة ممكن تدينها، العمل دلوقتي على الأدلة اللي معاك وعلى الشهود اللي ممكن نحتاجهم في وضع زي دا، طالما البلاغ متقدم بتهمة النصب والاحتيال، يبقى لازم ننفي التهمة دي، إن فعلًا الجمعية ليها دور وأي تبرعات مادية كان ليها جهة محددة بتروح ليها.
كان "غسان" في عالمٍ غير العالم، في وادٍ منعزل عن البقية، كان يفكر فيها بالداخل، يفكر في قسوة مثل هذا الحال على أعتى الرجال حتىٰى، فماذا عنها وهي أرق من جناحِ الطير الكسير، انقبض قلبه وهي يشعر أن هناك مكروهٌ ما يكاد يكون أصابها، لذا تحدث بلهفةٍ يوجه كلماته لصديق والده:
_أنا عاوز أشوفها، شوف أي حل يخليني أشوفها وبعدها أنا ممكن أسلم نفسي حتى وأقول إني اللي محرضها كمان.
انفعل والده في وجهه بقوله:
_يابني كلامك دا مش هيفيدها بحاجة، دا كدا بتثبت التهمة عليها، إحنا مش عاوزين حد يشيل حاجة مكانها، أنا عاوزها تخرج حُرة من هنا زي ما كانت طول عمرها وتخرج وهي رافعة راسها، ومتقلقش هتصرف وأخليك تشوفها، بس أمسك أعصابك علشان تساعدني، أنا مش هقدر أتصرف لوحدي، عاوزك معايا.
تمالك "غسـان" أعصابه بأعجوبة ولازال في طور الغضب والانفعال حتى أنه تمنى لو يُحقق كل تدريبات الرماية في هذه اللحظة ويُرشق كل سهامه في وجه من يُعاديه ويُعارضه، ظل جالسًا معتكفًا بجانبٍ وحده وأمها تبكيها وتبكي على حالها بعد رحيل زوجها وهو يأسف لها بعينيه أنه فشل في وعده بحمايتها، لقد أتته الكارثة غفلةً حتى يأس هو عن لملمة بعثرتها.
بعد مرور نصف ساعة من التحركات والبحث وسط العلاقات والواسطات أصحاب المكانة العالية تم الوصول أخيرًا لحلٍ مفيدٍ، تدخل أحد أفراد السُلطة العُليا وصرح بمقابلة "غسان" معها، وقد جلس في انتظارها وهو يرسم ألف سيناريو في خياله عن رؤيته لها، حتى أنه تمنى أن يغفر الخالق له أي ذنبٍ قد يقترفه في لحظتها، تمنى لو كان حلالًا له أن يُعانقها ويُطمئنها بين ذراعيه..
فُتِح الباب مُصدرًا صريره المُزعج لكن في حالته كان صوت الأمل من بعد لحظات اليأس، انتقض يُفتش عنها بعينيه ليجدها تدخل له مجرورة بحسدٍ هزيلٍ وثياب ممزقة، وجهها عَلُقَ به أثر الدم المتجلط من أنفها وفمها، هناك أثر ضربات فوق وجهها وكذلك كفها، تدمرت بالكُلِ وهي تُنكس رأسها أمامها في انتظار فك الأغلال الحديدية عن رسغها..
وبمجرد حدوث هذا ارتمت على طرف المقعد فانتفض هو يلتقطها وخرج سؤاله مُضطربًا وملهوفًا وهو يُساندها:
_مالك يا "نوف" ومين اللي عمل فيكِ كدا؟ عملولك إيه؟.
لم تجرؤ على رفع عينيها كي تواجهه، لم تستطع أن تفعلها وتبكي حتى لو بينها وبين نفسها، لم تفعلها ولم تملك القدرة على فعلها لوهلةٍ، ذرفت دمعها مدرارًا باكيةً بقهرٍ حتى علا صوت النحيب فأمسك وجهها يرفعه لتنظر داخل عينيه عنوةً ويزيد القهر في مُقلتيها، تقابلت الأعين وهي عاجزة عن الردِ حتى لتدافع عن نفسها أمامه، بينما هو شدد نبرته وسألها بقهرٍ:
_مين عمل فيكِ كدا؟ وليه أصلًا؟.
بكت من جديد وسقطت فوق المقعد تُلقي بحملها عليه فجلس على عاقبيهِ أمامها يسألها بحنوٍ تلبس صوته كأنه يرفق بها وبحالتها المُزرية:
_قوليلي مالك، أنا جنبك ومش هسيبك.
رفعت عينيها له وقالت بصوتٍ باكٍ مقهور والروح سُحِبَت منه:
_مش لاقية حاجة أقولهالك، بس لو في إيدك حاجة تعملها يبقى كتر خيرك والله لو عملتها وخرجتني من هنا، إن شاء الله أعيش عمري كله مديونة ليك، أنا ماعرفش عملت إيه ولا تهمة إيه اللي خدوني بيها، والله ما عملت حاجة، ماعملتش حاجة..
انهارت باكيةً فسحب المناديل الورقية ومسح عَبراتها ولاحظ أنها تتألم بمجرد مرور تلك الورقة فوق وجهها، تبدلت نظراته لأخرىٰ مُشفقة عليها ومتألمة لأجلها وجلس بقربها وعيناه تستقران عليها وهي تحاول ضبط حجابها ولملمة خصلاتها الظاهرة أسفل الحجاب، كانت تشعر بالخزي حتى قال هو بلهفةٍ:
_أنا معاك ومش هسيبك ودلوقتي هطلع أشوف حل وأعرف مين اللي عمل فيكِ كدا ومش هسيبك جوة تاني، وإن شاء الله المحامي هيلاقي حل وتخرجي من هنا، أنا مش هسيبك لوحدك حتى لو اضطريت أدخل أنا مكانك هنا وتخرجي أنتِ، والله ما هسيبك.
رفعت عينيها المتورمتين له ونظرت في وجهه بألمٍ ووجعٍ، نزل الدمع من عينيها دون أن تعي لذلك وقالت بتهكمٍ:
_ريح نفسك مش هتلاقي حل، أنا متوصي عليا بالجامد شكلي كدا، البنت اللي ضربتني فضلت تقولي إني زعلت الغاليين عليها، ودا تأديب ليا علشان احترم نفسي، مش عارفة مين بس شكلهم ناس تقيلة.
حديثها جعل عقله يعود ويعمل من جديد وهو يرى شيئًا جديدًا منذ أن وصلت لهنا، لذا وعدها وتلك المرة كان وعده أكيدًا حيث قال بثباتٍ:
_أوعدك إنك هتخرجي وتباتي في بيتك، لسه معانا وقت وأكيد هيحقووا معاكِ النهاردة، لسه الساعة ماجتش ٧ ومعانا لحد ١٠ بليل، هتصرف متقلقيش، وبابا شاف صرفة تخليكِ تباتي برة الحجز وهدخلك أكل هنا كمان، مش هسيبك لوحدك.
حركت رأسها توميء له لكنها لم تَرِد أن توهب نفسها أملًا فيتحول لألمٍ، لم توهب لحظات عمرها للأمل وهي تنتظره فيخذلها دون أن يجيء لها، رأته يستعد للمغادرةِ فتبدلت نظراتها للخوف وهي تراه يتحرك لذا سألته بلهفةٍ أعربت عن قلقها:
_أنتَ خلاص هتمشي؟.
_لازم أخرج دلوقتي علشان ماتباتيش هنا، لازم أطلع وأعمل اللي أقدر عليه وعلشان أعرف أجيب حقك الليلة دي، صدقيني مش هقدر أسيبك لو على جثتي حتى، ولو حصل وماقدرتش أوفي بوعدي ليكِ أعرفي إن حاولت باللي أقدر عليه لحد ما بقيت عاجز عن إني أعمل حاجة.
أنهى الحديث وهرب قبل أن يضعف، أراد أن يخطفها في عناقهِ ويأويها كطيرٍ ابتل جسده وثَقُل جناحاه عن الطيرِ، تشبه ورقة غريبة بداخل كتابٍ بمجرد أن يفتحه القاريء تسقط منه هذه الورقة فتُدهس أسفل الأقدام، والغريب أن هذه الورقة رغم أنها بها أهم المحتويات لكنها تسقط لأنها خارج الكتاب.
خرج بعدما وجد أمها تسأل عنها فكذَّب عليها حتى لا يخبرها عن حالة ابنتها التي وجدها عليها، ونظر لوالده يطلب منه أن يُكمل هو بدلًا عنه لحين يجد هو الحل المرغوب، الحل وإن كان صعبًا سوف يفعله.
أخذ سيارته ورحل بها من المكانِ قاصدًا وجهته والنيران تشتعل في روحه كأنه يود إحراق المدينة بأكملها، يُريد الثأر لها، يُريد أن يُفنى العالم إن كان ظالمٌ فقط لأجلها، يُريد الضياع من كل الدروب ويبقى سائرًا فقط في دربها، يُريد من كل العالم أن يحكمه العدل ويُعطي الحُكم لها..
نزل من السيارة بسرعةٍ كبرى يصفك بابها بعنفٍ وولج يُلقي نفسه داخل قاع الجحيم، يسير فوق الصراط بغيرِ استقامةٍ حتى وصل للمُراد واقترب منه، وجده يجلس في الحديقة يمسك جريدة اليوم يقرأ ما بها لأنه يكره عالم التواصل الاجتماعي المزيف، ولا شك أن "أدهـم" يُشبهه في هذا الطبع، سقط ظل "غسـان" عليه فسحب نفسًا قويًا أخرجه على مهلٍ ثم نطق بضعفٍ:
_أنا جاي عاوز مساعدتك، ومن النهاردة اعتبرني تحت أمرك.
التفت "داغـر" له يعقد ملامحه فاقترب منه "غسان" يقول بضعفٍ أكبر من السالفِ وبعينين أعربتا عن قهر الرجال:
_أنا مش جاي اتهمك إنك اللي عملت فيها كدا، أنا جايلك تساعدني علشان عارف إنك تقدر تساعدني وليك علاقات كتيرة تقدر تخلصها من اللي هي فيه، هي والله ماتستهلش تكون هناك، شوف اللي يرضيك وأعمله بس خرجها، أنا جايلك علشان الطُرق كلها قفلت قدامي.
وقف "داغـر" أمامه ونظر له بصمتٍ ثقيلٍ والأعين تتبادل الأحاديث بينهما، نظرته تتحدث عن شموخ رأسه وعزة روحه، نظرة واحدة فقط تحدثت أنهم سيعودون إليه مهما جرت الأمور على عكس وضعها وبغير مسارها، نظرته خير الدليل أنه يستطيع فعل أي شيءٍ يُبرهن أنه يقدر على ما لم يقدروا هُم عليه.
____________________________________
<"إن جاءك الفرح؛ يسعد من يُحبك ويَحزن من يكرهك">
إذا أردت أن تعلم عدوك أخبره بفرحك
وإذا أردت أن تعرف صديقك الحقيقي أعلمه بحزنك
وإذا أردت أن ترى طباع الناس اصمت وقت حديثهم
وإذا أردت الحياة عليك بنجاة نفسك من الهلاك..
الوضع تبدل بين ليلةٍ وضُحاها في طرفة عينٍ، بمجرد معرفة خبر حمل "ورد" تبدلت أوضاع البيت، حيث سعد "مُرسي" وابتهجت ملامحه بزفاف هذا الخبر السعيد لحياتهم، قضى ركعتي شكر لله سبحانه وتعالى على الرزق الجميل الذي أغدقهم.
بينما "خيرية" في وقتها أطلقت زغاريد عالية تزف الخبر السعيد للجيران والعائلة، نشرت خبر حمل زوجة ابنها وأعلنت الفرحة، ثم ضمتها في عناقها تُبارك لها، منذ الأمسِ وهي معها على هذا الحال، تحبها، تتقبلها، تخشى عليها لأنها تحمل في رحمها الجنين الذي يوهبها حياة تُريدها في مثل هذا العمرِ.
تناولوا الطعام سويًا وبعد الانتهاء كادت "ورد" أن تتحرك وتُنظف المكان لكن "خيرية" نطقت بهدوءٍ:
_لأ خليكِ أنتِ لسه في الأول، بلاش حركة كتيرة خلي الحمل يثبت، هقوم أنا وبالمرة أعلق على الشاي، حد فيكم يشرب شاي معايا؟.
أومئوا لها فتحركت هي وتابعتها "ورد" بذهولٍ وتمنت لو كان الجنين هذا حضر منذ زمنٍ حتى ترى حماتها معها بهذا اللُطف، لكنها إرادة الخالق تأتي في الوقت الذي يُقدره المولىٰ له وليس في الوقت الذي يريده هو، كان "منتصر" يجلس بقرب والده يناوله حبات الدواء وهو يشعر أنه سوف يشتاق لهذه الحياة وسطهم لكنه الأمر أصبح واجبًا عليه لأجل مولوده القادم..
طُرِق الباب فتحرك "منتصر" يفتحه ليجد زوجة عمه أمامه تبتسم له بإصفرارٍ ثم ولجت وهي تقول بضحكةٍ مفتعلة خالية من الروح والبهجة:
_مساء الخير، مبروك يا منتصر يا حبيبي ربنا يقومهالك بالسلامة ويكرمك بالذرية الصالحة يا رب ويسعدك بما جالك.
_تسلمي يا مرات عمي وعقبال ما تشيلي ولاد مروة وربنا يفرحك بيها، اتفضلي تعالي.
ولجت الشقة تُرشق "ورد" بسهامها الحادة ثم جلست بقربها وربتت فوق فخذها وهي تقول بودٍ مصطنعٍ لم يكن حقيقيًا أبدًا من قلبها:
_مبروك يا ورد يا حبيبتي، ربنا يقومك بالسلامة يا رب ويكملك على خير، خلي بالك من نفسك بقى علشان أنتِ في مرحلة مهمة، خلي الحمل يثبت بقى وربنا يراضيكِ، مش عاوزين حركة كتيرة ونزول وخروج، خليكِ هنا في البيت أحسن مع حماكِ وحماتك، كلنا معاكِ هنا.
ابتسمت لها "ورد" بملامح مُرتابة وقلوقة ثم أغصبت شفتيها على بسمةٍ مجبورة وهي ترد عليها بأدبٍ حتى لا تُزعج نفسها:
_إن شاء الله خير وربنا يقدرني وأحافظ على الأمانة دي لحد ما ربنا يكرم وييجي بالسلامة، شكرًا ليكِ.
ابتسمت لها الأخرىٰ وشدت جانب فمها بزاويةٍ وهي تُفكر لمَّ تنل هذه الغريبة كل شيءٍ وابنتها لم تنل شيئًا قط، لقد تخطت عامها السابع وعشرين بدون زواجٍ.
هي فتاة حادة الطباع وجامدة الصفات كلما تقدم شابٌ لخطبتها تتسبب في ذهابه بغير عودةٍ، والوحيد الذي انتظرته فضل أخرى عليها وتزوجها، في أغلب الأحيان يؤلمها قلبها كأمٍ على ابنتها وهي على مشارف طريق العنوسةِ، وفي بعض الأحايين تشعر أن "ورد" سرقت ما لم يكن حقًا لها.
بالأسفل كان "خلف" يجلس في المقهى الشعبي لحين اقتراب موعد رحيله على العمل وقد لمح "مروة" بداخل الصيدلية وحدها ثم دخل أحد الأشخاص يبتاع العقار الطبي منها وفجأة علا صوتها وهي تنفعل بغضبٍ، تحرك نحو الداخل واقترب يمسك الشاب وهو يسأله بجمودٍ:
_مالك ومالها يا ريس؟ بتضايقها ليه؟.
_وربنا ما عملت ليها حاجة، هي اللي عمالة تعلي صوتها وتتشنج ومش فاهم مالها، مش عاوزة تشتغل يبقى تكلم الناس عِدل وماتقرفناش، والله ما هجيب علاج منك.
دفع يد "خلف" عنه ورحل من المكان بينما هي ثبتت عينيها على الشاب وهو يرحل ثم رفعت صوتها وهي تقول:
_يلا غور في داهية.
انتبه لها "خلف" وقال بانفعالٍ:
_مالك أنتِ كمان؟ في إيه لكل دا مش طايقة حد من الصبح وكل شوية تشدي مع حد؟ مين جه جنبك لكل دا؟ ولا دا علشان موضوع صحبتك؟ يا ستي ماتزعليش نفسك، بكرة ربنا يعوضك بابن الحلال اللي يقدرك.
تحولت نظرتها لقهرٍ وألمٍ وقالت بوجعٍ حقيقي لأول مرة تُفصح عنه في روحها:
_مش عاوزة حد ابن حلال، أنا كنت عاوزاه هو مش غيره.
ابتسم بزاوية فمه لأنه كان على يقينٍ من جوابها وأضاف:
_بس هو مش ليكِ يا مروة، انسيه وعيشي حياتك، وكل ما تحني افتكري أنه كان يقدر يختارك ويشوفك أنتِ بس اختار وشاف واحدة تانية، مش علشان حاجة، بس علشان هي حلوة وعرفت تشده، خلاص الوقت فات، شوفي نصيبك وانسيه، خليه يندم إنه ضيعك من إيده.
ركزت مع حديثه وانتبهت للشق الأخير وتمنت له الندم،
تمنت أن يُدرك أنه أضاعها من يده ولم تعد له،
تمنت لو يتقين أن الشيء إذا ضاع لن يعود
لقد أطلق هو سراحها وأخبرها أن لن تصبح غير أختٍ له
وهي اختصرت فيه صورة رجل الأحلام ولن ترى رجلًا غيره،
لكنها سوف تراه هو في كل رجلٍ..
-إن القلب الذي يُصاب بداء الحُبِ
لا يُشفى بل يبقى عليلًا
وكأن الحب تُهمةٌ والألمُ كان عليها دليلًا.
____________________________________
<"كل ما في المرء يحتاج إلى أملٍ كي يحيا،
إلا اليأس يحتاج لألمٍ كي يعيش">
الحياة لا تُعاش بغير أملٍ
وكذلك اليأس لا ينمو بغير ألمٍ،
فلا يحيا المرء بغير حياةٍ يرغبها
ولا ييأس بدون ألمٍ ينتشر في خلايا روحه..
اليأس هو سرد قاموسه الوحيد، كتابه لا يعرف سوىٰ الغرق بغير نجاةٍ واليأس بدون أملٍ، لقد أصبح الظلام هو الرفيق الدائم له وصديقه هو دُخان السجائر التي لم تترك عناق يده، ترك العالم بالخارج وأغلق على نفسه مجددًا يواكب انتكاسة ابنته الصحية، طوال اليوم يحاول معها، فتنام رُغمًا عنها ثم تستيقظ بفزعٍ من كابوسٍ مروعٍ فتداهمها نوبة غضبٍ…
يتكرر المشهد كل يومٍ وكل ساعات نومها وكأن هناك مخرج يود التقاط المشهد مضبوطًا فيُعيد تكراره، ولأنه يأس من إصلاح الحال هذا لم يجد حلًا غير الهرب من جديد، تلك المرة سوف يهرب للأبد ويقتل "يحيى" حتى يحيا من جديد.
وسط الظلام الدامس جلس يُدخن سيجاره وشرد في حياته، صوت الموج امتزج بصوت ضحكاته ومزاحه وبطولاته وصياحه العالي حين يفوز في مسابقات الغوص ويُحقق المسافة الأكبر والسرعة الأعلى، كان بطلًا حقيقيًا يُخلد اسمه في دولٍ عديدة..
صدح صوت جرس الباب فانتبه وتحرك بمللٍ بعدما أطفأ السيجار ودلك عنقه وهو يشعر بالألم ينتشر في أنحاء جسده، وبمجرد أن فتح الباب تبدلت ملامحه لأخرى منبسطة حين وجد "آدم" مع عمته "ربـاب" يقفا على أعتاب بابه، حمحم ثم رحب بهما ليقول "آدم" بإحراجٍ شاب نبرته:
_معلش إننا جايين فجأة كدا بس جايين نتطمن على "رحيق" وعليك، هي كويسة دلوقتي؟.
حرك رأسه موافقًا ونطق أخيرًا بصوتٍ ثقيلٍ:
_أحسن كتير الحمدلله، اتفضلوا.
ولجا سويًا معه بينما فتح هو الأضواء والنافذة ليُعيد الحياة لمعالم الشقة وقد مدت "ربـاب" يدها بحقيبة بُنية تشبه أوراق التغليف القديم وقالت ببسمةٍ بشوشة:
_دي حاجة بسيطة عمايل أيدي علشانكم، عارفة إن الوضع صعب عليك إنك تهتم بيها وتاخد بالك من شغل البيت وأكلها علشان العلاج، بس أنا موجودة معاك هنا وياريت تعتبر نفسك زي أدهـم و آدم بالظبط وأنا عيني ليك، من غير كسوف والله.
جاهد كي يبتسم لكنه لم يستطع فقال بامتنانٍ لها:
_والله شرف ليا وكفاية حاجات كتيرة عملتوها معايا من ساعة ما جيت وخطيت هنا، ومن غير ما تقولي أنا بعز حضرتك جدًا.
ابتسمت وهي تدعو له براحة البال والعوض الجميل، فيما طلب "آدم" منه أن يرى الصغيرة وبعد دقائق أتت له وظل والدها بالداخل يُحضر المشروبات لهم، وحين رآها اعتدل يفرد ذراعيه لها ثم حملها في عناقهِ، ضحك بقوةٍ حين ضمته ثم مسد فوق ظهرها وحين نظرت له بملامحها الرقيقة، وعسليتاها تابعاه وابتسمتا له فلثم وجنتها ثم جلس وهي بين أحضانه، ثم مال على عمته يسألها بسخريةٍ:
_إيه يا ربـاب العرايس بتوعك راحوا فين؟ ما تشوفي عروسة للراجل الغلبان دا بدل الكرب اللي هو عايش فيه دا، دي حالته صعبة خالص.
كتمت ضحكتها ولكزته في كتفه بينما الصغيرة فابتسمت حين وجدته يسحب عُلبة من العُلب بداخل الحقيبة ويمد يده لها بالكعكة المفضلة لديها وهو أمهر من يُجيد صُنعها، صفقت بكفيها وتناولت القطعة منه وقد راقبها "يحيى" الذي عاد بالمشروبات ولاحظ الفارق الذي يصنعه "آدم" في حياتها وتلقائيًا تذكر "مُـراد" وعلاقته بها حين كان لا يتركها من يده ولا يُهنيء "يحيى" على لحظةٍ معها.
تنهد يطرد ذكرياته ثم اقترب منهم ووضع العصير وجلس يُراقب ابنته بعينين حنونتين وتمنى لو تبقى هكذا مبتسمة، متفاعلة مع العالم حولها، تستكشف وتنبهر، تُلاحظ وتتعلم، تمناها لو تبقى إنسانة بحياةٍ وليست دُمية مُطرزة بالفقدِ والألمِ..
____________________________________
<"نظير كل صدمةٍ؛ تستفاد درسًا جديدًا،
والحمار وحده من يُراكم الدروس المستفادة">
أن تدخل الغابة هذا لا يعني أنك على أهُبة الاستعداد للقتالِ..
لكن قد تكون كما الضبع متطفلًا فقط كي تتعلم كيف تُقاتل كما الأسود، وأن تقف في مواجهة الأسد هذا لا يساوي قوتك بقوتهِ؛ فقد تكون فريسته اليوم، ورُبما تكون أنتَ ضارية الغدِ..
لا يعرف كيف يتحول ملجأ أمان الإنسان لمصدر قلقه وعدم ارتياحه، ولا يعلم كيف أصبحت الرؤية التي كانت تُسِر القلب لسببٍ في التعاسةِ والضيق، يبدو أن الخُذلان لا ينتهي بسهولةٍ، ولا يُشفى عليلٌ منه، وهذا ما يشعر به تجاه زوجته بعدما تخلت عنه وهو يحاول.
كان "سُليمان" يستعد في غرفته للتحرك بعدما بدل ثيابه ثم سحب سترته يرتديها وهو يُهندم هيئته فصدح صوت هاتفه، تحرك يلتقطه ويجاوب فوجد "سُعاد" تقول بحيرةٍ مترددة:
_معلش علشان المفروض أتصرف وأنا مش عارفة، المفروض رحمة كلمتنا وعاوزة تيجي تقابل سالم علشان عاوزة تفاصيل منه بخصوص القضية وطبعًا هي عارفة وضع سالم وإن صعب يتحرك وهي كتر خيرها قالت هتيجي، بس الورق والتفاصيل دي كلها معاك، هتقدر تيجي؟ ولا أقولها تخليها مرة تانية؟ بس حاساها حركة مش لطيفة يا سليمان بصراحة.
عقد حاجبيه يحاول الوصول لقرارٍ ثم تنهد وقال بغلبٍ على أمره:
_خلاص هاجي أنا، أنا كنت هروح المعرض شوية وأعدي عليكم بعدين بس هاجي الأول عندكم، أكدي عليها تيجي وأنا هاجي علشان أفهم سالم لأنه لحد دلوقتي مايعرفش حاجة عن اللي حصلت ولا علاقة رحمة بينا إيه، ربنا يسترها بس ويرضى ياخد قرار يخلصنا من الهم دا ونقفل سيرة الاتنين.
أغلق الهاتف واستعد للرحيل فوجد "مها" تقترب منه ثم قالت بلهفةٍ تُبدي حماسها:
_عاوزة آجي معاك ممكن؟ وقبل ما تعترض أنتَ معرفني إنك هتروح عند مامتك النهاردة، خدني معاك وساعدني نغير كل اللي فات، وبالمرة أشوف سالم وأتطمن عليه، أطلع استناني في العربية وأنا هاجي وراك هوا.
مط شفتيه بيأسٍ ثم حرك رأسه موافقًا وتحرك نحو الخارج وبعد دقائق لحقته وهي ترتدي سترة شتوية وتفرد خصلاتها وتهرول نحو السيارة ثم ركبت بجوارهِ وظلت تُراقبه مبتسمة الوجه والملامح بينما هو صدر جموده لها ثم قصد الطريق نحو بيت أمه حتى وصل بعد صمتٍ ثقيلٍ وتجاهل منه لها..
ولج بها البيت وجميعهم يطالعونها بعجبٍ وهي تبتسم لهم وتُرحب بهم وخاصة حين اقتربت من أمهِ احتضنتها وهي تُخبرها عن شوفها ومدى اشتياقها لها، فأغصبت "ثُريا" بسمتها على الظهور ثم رحبت بها بقولها المنطفيء من ضوء البهجة:
_نورتينا يا مها يا حبيبتي، اتفضلي.
جلست معهن وقد عزفا الصغيران عنها لأنهما عهدا قسوتها وتجاهلها لهما حين كانا في حضرتها بعقر دارها، ثبتت عينيها على "سُعاد" التي جلست بين الصغيرين فارتميا في عناقها، والأخرى تمط شفتيها تتصنع الابتسام لها لأنها منذ أن رآتها وهي لا تبغض سوى رؤيتها.
في الداخل ولج "سُليمان" لشقيقه وعاونه كي يُبدل ثيابه ثم جلس أمامه وهو يبحث عن مقدمة مفيدة يباشره بها في الحديث عن علاقة "رحمة" بهم وهو يتجاهل إخباره، لكنه قرر أن يخبره بالحقيقة أنها أخطأت وأصلحت الخطأ بسرعة البرق دون أن يزيد الأثر أو يظهر عليهم.
في الخارج صدح صوت جرس الباب وقبل أن تقوم "ثُريا' تحركت "مها" باعتيادية كأنه بيتها وفتحت الباب لتواجه "رحمة" التي توسعت عيناها حين رآتها هنا، بينما "رحمة" ففرغ فاهها وكأنها تُساق داخل مضمار سباقٍ بغير دعوةٍ للسباق، وقفت كأنها تولت مرافعة الدفاع فأصدر القاضي حُكمه ضد موكلها هي..
#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_الثالث_وثلاثون.
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..