رواية جمعية حب الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم شمس محمد بكري


|| لا ضرر ولا ضرارٍ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

على كلا الجبهتين وُجِدتُ مُحاربًا..
أحارب نفسي ويأسي وفقدان أملي على طرفٍ
وفي الطرف الآخر أحارب العالم وناسه وأناسه وكل ما فيهِ..
لم أعِش يومًا بدون حربٍ، 
بل كانت الحرب دومًا واجبةً عليَّ
لكن تلك المرة ولأجلك الحرب قد تطلب منيّ أنفاسي 
ولن تكن أنفاسي كفايةً لأجلك..
حتى لو كنت مُرغمًا على خوضِ الحرب، وحتى لو أصابني التيه 
سوف يكون رُشدي في عينيكِ، 
ومن أخبرني بذلك هو قلبي، قلبي المُعذب الذي لم يُكذب قوله حين أخبرني أن عينيها مدينة تأوي كل ضائعٍ..
وتغويان الراشد كي يتوه فيهما..

     <"لأجل الحق ينتصر؛ عليك مُحاربة البطل أولًا">

الحياة مجرد دربين متناقضين..
المرء فيهما قد يضيع لأنه لم يعرف كيف يخطو نحو الدرب الصحيح، وقد يلجأ للاختيار الأكثر خطورة لمجرد فقط أن ينجو من حيرة التفكير، وقتها وبعد ضياع الوقت سوف يُدرك أنه حين اختار لجأ للجنون كي يرحم عقله الواعي من الفكرِ..

في الداخل ولج "سُليمان" لشقيقه وعاونه كي يُبدل ثيابه ثم جلس أمامه وهو يبحث عن مقدمة مفيدة يباشره بها في الحديث عن علاقة "رحمة" بهم وهو يتجاهل إخباره، لكنه قرر أن يخبره بالحقيقة أنها أخطأت وأصلحت الخطأ بسرعة البرق دون أن يزيد الأثر أو يظهر عليهم.

في الخارج صدح صوت جرس الباب وقبل أن تقوم "ثُريا' تحركت "مها" باعتيادية كأنه بيتها وفتحت الباب لتواجه "رحمة" التي توسعت عيناها حين رآتها هنا، بينما "رحمة" ففرغ فاهها وكأنها تُساق داخل مضمار سباقٍ بغير دعوةٍ للسباق، وقفت كأنها تولت مرافعة الدفاع فأصدر القاضي حُكمه ضد موكلها هي..

_أنتِ؟ بتعملي هنا إيه؟.

نطقتها "مها" باستنكارٍ بالغٍ لأنها لم تُصدق عينيها أنها تراها هُنا من جديد بعدما ظنت أمرها انتهىٰ، لكن "رحمة" لم تجاوبها والتزمت الصمت للحظة قدوم "سُعاد" تُرحب بها مبتسمة وهي تنطق بحفاوةٍ شديدة:

_نورتي الدنيا كلها، اتفضلي يا رحمة.

ولجت الأخرى بعدما رمقت "مها" بطرف عينها ثم ولجت بشموخٍ ترفع رأسها حتى اقتربت منها "ثُريا" تضمها وهي تفتح لها ذراعيها ومُدن قلبها المُحصنة، على عكس "مها" التي أغلقت الباب وولجت تراقب تعاملهما معًا وهي تستدعى كل التعجب في موقفٍ مثل هذا، وسُرعان ما تذكرت اللقاء الذي جمع بينهما في المكتب وتذكرت أمر عداوتها مع زوجها، لذا ابتسمت لأنها سوف تستغلها كي تُثبت له ما تود إثباته..

في الداخل كان يجلس رفقة شقيقه الذي كان مُنصتًا له بكامل حدسهِ، أخبره عن سبب دخوله المشفى وعن سبب ظهور "رحمة" في حياتهم وعن عودة الصغار له عن طريقها هي، أخبره بكل شيءٍ وأضاف مُكملًا ومُتابعًا:

_يعني أي سؤال بخصوص رحمة إجابته كلها في كلمة صابرين، وجودك في المستشفى مكانش أزمة قلبية زي ما فهمتك، دا كان بسبب المقويات والمُنشطات اللي كانت بتتحط ليك، حصلك أزمات صحية كتيرة منها إنه تقريبًا بوظ أعصاب جسمك كلها خصوصًا النص اللي تحت، ودا خلاها ترفع قضية ضدك تقول إنك هربان بعد محاولات اعتداء مستمرة عليها بسبب المقويات اللي كنت بتاخدها، وبعدها خدت مننا سليم وسدره بحكم محكمة، ولما رجعوا كانت رحمة السبب، ولما فوقت أنتَ تاني ربنا برضه جعلها سبب علشان تفوق، فبصراحة أنا مش هقدر ألوم عليها.

تغضنت ملامح "سالم" وبانت إمارات الألم فيها وفوق صفحات وجهه، عيناه تُفصحان عن خُذلانٍ كبيرٍ وملامحه تسرد عن مقاومة شجاعٍ لن يُهزم البتة، حاول تنقيح الكلمات حتى انتقى منها الجزء الذي يخصه حاليًا وقال بهدوءٍ يواري خلفه قهره:

_طب ورحمة دي هتقدر تعمل إيه؟.

_كتير، تقدر تعمل كتير بما إنها عارفة كل حاجة عن صابرين، أقل ما فيها ترجع الشقة بحكم محكمة، ترفع قضية تشهير وتزوير لأنها خبت تقاريرك الطبية وخبت أخبار حالتك والتواريخ موجودة، بين فترة التوكيل اللي هي عملته وفترة دخولك المستشفى، يا سيدي نسحب منها اللي خدته.

جاوبه بحماسٍ شغوفٍ لأنه يرغب في الثأر منها ووضعها في بئر الظلام، أو ربما أقل انتقامٍ يُرضيه أن يراها تائهة في غابةٍ مظلمة ثم يهجم عليها أسدٌ ينهشها ويقضي عليها، غرق في خيالاتهِ فيما ارتسمت سُخرية مؤلمة فوق ملامح شقيقه وهو يرد الحُجة بأقوى منها:

_والعمر والشباب اللي ضاعوا عليها يرجعوا إزاي؟ أنتَ مش واخد بالك من وضعي يا سليمان؟ أنا عندي ٣٦ سنة تشوفني تقول عندي ٥٦ سنة وأنا عاجز كدا، دا أنا ضيعت الحلو اللي كان فيا كله علشان هي تعيش بس مرتاحة.

كان يشعر بغبطةٍ وحقدٍ نحوها، تمامًا كطيرٍ حُر حُبِس بداخل القفص بأمرٍ من نسرٍ جارح احتل السماء ليُحلق بها وحدهِ، ربت شقيقه على كتفه وضمه لعناقهِ وهو حقًا يُشفق عليه وعلى ما آل إليه وضعه بسببها، لكنه عزَّم أمره أن حق شقيقه لن يأتي به غيره هو..

طُرق الباب وظهرت "سُعاد" تبتسم لهما وقالت تخفي تأثرها برؤيتهما في عناق بعضهما واحتواء كلًا منهما للآخر:

_رحمة جت برة ومستنياكم، ياريت تيجوا بسرعة يكون أفضل.

عقد "سُليمان" حاجبيه بخصوص الجزء الأخير من الحديث وسُرعان ما بدر لذهنه وجود "مها" فسألها بلهفةٍ:

_بقولك هي مها احتكت بيها برة؟.

درات بعينيها ومطت شفتيها ترسم ملامح حائرة ثم نطقت بسخريةٍ:

_لحد دلوقتي لأ، هي بس هتاكلها بعينها، هما يعرفوا بعض؟.

التزم الصمت لأن الجواب ثقيلٌ بشكلٍ لا يُصدق، خرج من الغرفة يقود مقعد شقيقه وتوجه لهن، تحركت "رحمة" بخطواتٍ رتيبة صاحبة طابعٍ عملي، واقتربت بشموخٍ من "سالم" تقف أمامه وهي تقول بدبلوماسية شديدة ولهجة عملية بَحتة:

_أتمنى حضرتك تكون بخير حاليًا يا أستاذ سالم، وأتمنى برضه تكون جاهز علشان كلامنا مع بعض، ومتقلقش أنا مع حضرتك لحد ما حقك يرجع.

واجهها بعينيه وحاول أن يستدعى كل غضبه منها أو يتذكر ما تسببت فيه خلال غيبوبته لكنه لم يكد يفعل ذلك إلا وتذكر ما قامت به لأجله ولأجل عائلته حين حاربت بدلًا عنه، لذا أغصب ملامحه على اللين وشابت شفتيه بسمة منقوصة تُزين قوله:

_جاهز يا أنسة رحمة، اتفضلي.

كانت "مها" تقف كمن تأخر على موعد القطار وتاه بالمحطةِ، لم تفهم أي شيءٍ يدور حولها بالأخص بين "سالم" و "رحمة" التي لم تكن يومًا إلا غريمةً له، لذا نطقت بهجومٍ حادٍ وجهلٍ بما يحدث أعماها عن النظرِ:

_هو مش المفروض إن أنتِ محامية صابرين؟ وأنتِ اللي ساعدتيها؟ جاية دلوقتي هنا ليه؟ وإزاي هيثقوا فيكِ تاني؟.

حديثها أحدث طفرة في المكان، النظرات تبدلت والأحوال اختلفت بمجرد أن تكلمت وتباينت الملامح كُلِها، لكن "رحمة" تمالكت نفسها واستعادت ثبات روحها وهي تلتفت لها ببسمةٍ وقورة وقالت بنفس البرود الثلجيّ المُثير لكل زوبعات النفس:

_عادي هيثقوا فيا، هو مش أنتِ برضه جيتيلي علشان أرفع قضية على جوزك واستردلك منه مستحقاتك ونفقتك؟ غريبة إنك جيتي واتقابلنا تاني، والأغرب إننا نتقابل سوا في بيت جوزك، اللي كنتِ عاوزة تفضحيه يا مدام مها.

هي لم تدرس في الجامعة وتتعب في التعلم والبحث وتولي المُرافعات كي تخسر أمام غبية مثل هذه التي تقف أمامها، لقد جاهدت أمام أعتى القُضاةِ، وثابرت أمام مئات الخصومِ في رحاب المحاكم، وعاندت أمام جيوشٍ من الرجالِ وانتصرت عليهم جميعًا، لم تترك سبيلًا واحدًا للضعفِ كي يقتحم طريقها. 

اشتعلت المقابلة بينهما وكذلك النظرات فتدخل "سُليمان" يُحمحم وما إن جذَّب الأنظار له قال بثباتٍ وهدوءٍ:

_اتفضلي يا أستاذة رحمة علشان نعرف نتكلم براحتنا.

قادها مع شقيقه لغرفة مكتب والده حتى لا يترك مجالًا للأحاديث الفارغة هذه كي تسرق من وقتهم الثمين، اختفوا بداخل المكتب فيما ظلت "مها" بالخارج تحاول كتم غيظها، وجود "رحمة" في المُحيط حولها يعني تعسر كبير في طريقها، كأنها كانت تخفي نتيجة اختبار سقوطها عن والديها وأتى المُعلم كي يُفشيها أمامهم.. 

بالداخل جلست وأخرجت مجموعة أوراق تكشفها له وهي تقول بعمليةٍ مفرطة وهي تحاول صبغ نبرتها بالثبات رُغم أن هناك فجوة كبيرة تتسع بينها وبين الاتزان أمامه:

_دي كل تقاريرك الطبية من أول دخولك المستشفى الأولى من شهور فاتت، ومُرفق معاها تاريخ كل التحاليل والآشعة الطبية ومعاهم كمان تذاكر الدخول ودفع الفواتير والتكاليف، وفيه كمان تقرير طبي معمول في أعلى المعامل من حيث الجودة والثقة بيكشف نسبة المقويات في جسمك وبداية دخولها تقريبا اللي قبل الأزمة الصحية تقريبا بـ أربع شهور، ومعاه تحليل DNA علشان يوضح إن مفيش أي أمراض وراثية ممكن تسبب الحالة اللي حصلتلك دي، كل دي تقارير وأدلة أنا هتحرك بيها، عاوزة بس توكيل منك علشان ألحق أتحرك، وعاوزة توكيل من أستاذ "سليمان" علشان قضيته هو كمان.

بُهِتت ملامحهما وسألها "سالم" بقلقٍ بلغ أشده على شقيقه:

_وهو سليمان إيه علاقته بالموضوع؟ قضية إيه دي؟.

مطت شفتيها بيأسٍ واستأنفت طريقتها الدبلوماسية كي تجاوب:

_الحقيقة إن أستاذ سليمان برضه اتعرض كتير لأذى منها زي أنها اتهمته بخطف الأطفال وبالاستيلاء على ممتلكاتك والتحكم فيها وحرمانها هي والأطفال من حقوقهم في مالك، دا غير طبعًا التشهير بسمعته وسُمعتك إنك هربت ورميتها ورميتها عيالك، ضكل دا يخليني أرفع عليها دعوتين، أول دعوى هي التشهير بيكم وبسمعتكم والتحايل على القانون، وتاني دعوىٰ هي التزوير لأنها زورت فواتير بعدم تولي أي مصاريف ليها، دا غير أنها اتهمت أستاذ سالم بالهروب وإنه حاول أكتر من مرة يعتدي عليها بما إنها زوجها، إحنا بقى نقدر نثبت إن المقويات دي هي السبب وإن هي كانت بتحطهاله، يعني يعتبر شروع في قتل عن طريق السِم، لأنها استخدمت عقارات طبية أضرارها بتوصل للموت.

أذهلتهما بحديثها، لم تكن هينة أو يُستهان بشخصها وقدر دهاؤها، هي محامية مُخضرمة تُجيد التحايل بالقانون وأوراقهِ وكل ثغراته، تتحدث بكل يقينٍ أنها سوف تفلحُ فيما تفعل، وقد رأت نظراتهما لبعضهما فتدخلت تؤكد إصرارها بقولها:

_ماتقلقوش الضامن هو ربنا طبعًا، بس أنا بتكلم في أدلة ملموسة وقانون هيقدر يجيب الحق وينصف صاحبه، عارفة إن ممكن تكون دي خطوة صعبة شوية عليكم ويمكن تكون مُوترة بس أنا هعمل كل اللي أقدر عليه وأنا اللي هتحرك في الدِرا وهخلي "يارا" اللي معايا في المكتب هي اللي تظهر في الصورة، علشان مايكونش فيه أي ضرر من جهة صابرين.

حديثها ونظراتها يؤكدان أنها تستطع، لم تكن صاحبة جدالٍ أو تراهات أو حتى تبحث عن بداية حربٍ بين الرجال والنساء، هي أولًا تبحث عن الحقيق وتُظهر الحقيقة، ثم ما بعد ذلك تستطع التعامل معه..

حصلت على موافقة "سالم" وأخذت توقيعه وتوقيع شقيقه بالموافقة وسوف تتولى هي شأن التوكيل عن طريق التعاملات الحديثة، وقد استأذنت للخروج والرحيل وتقدمت تسبقهما للخارج استعدادًا للرحيل، لكن أمهما تقدمت لقربها تسألها بلهفةٍ:

_رايحة فين؟ مش هتقعدي تتغدي معانا؟ أنا عاملة حسابك معانا وقولت إنك أكيد هتتغدي، أقعدي معانا شوية كمان.

ابتسمت لها بودٍ وهي تقول:

_على عيني والله بس أنا ورايا شغل كتير وحضرتك أكيد عارفة، مرة تانية هنتقابل إن شاء الله ونقعد براحتنا، عن إذنكم.

همت بالتحرك لكنها نظرت نظرة أخيرة في وجه "مها" قبل أن ترحل ثم ابتسمت بزاوية فمها واندفعت للخارج لكن "سُليمان" لحق بها ونطق بصوتٍ منخفض:

_هاجي أوصلك، اتفضلي.

لم تجابه وتُجادل معه، فقط التزمت الصمت وولجت المصعد تتصفح هاتفها وهي تتجاهله وتتجاهل تواجده وقد احترم هو صمتها وسكونها حتى خرجا من البناية وقبل أن تتجه لسيارتها نطق هو يوقف سيرها بقوله:

_أنا آسف على الكلام اللي قالته مها فوق، هي بس تلاقيها استغربت وجودك لأنها أكيد عارفاكِ وعارفة أنتِ مين.

كانت على يقينٍ أنه سيفعل هذا لذا رفعت عينيها نحوه وقالت ببسمة ظافرة منتصرة:

_لا عادي وأنا برضه مابعرفش أسكت لحد من غير ما أرد وآخد حقي كويس، وهي عارفة أكيد حاجة زي دي، المهم ياريت طالما رجعتها ماتجيبش ليها سيرة عن أي حاجة بخصوص القضايا، لأن وارد جدًا تكون على علاقة بـ صابرين وتبلغها اللي ناويين عليه..

كفت عن الحديث وبترته ثم استأنفته بتهكمٍ تقول:

_مع إن مايبانش عليك إن شخصيتك ضعيفة أو ممكن تكون ساذج لدرجة إنك ترجعها تاني بعد اللي حصل، بس واضح إن مفيش حد يقدر يفهم حركات الرجالة، حتى الرجالة نفسهم.

تباينت ملامحه وارتسمت عليها الحيرة ليسألها مُتعجبًا:

_قصدك إيه؟.

ببسمةٍ اتسعت جاوبته بثقةٍ موضوعة بمحلها المُصيب:

_قصدي إنك لو مش جايبها بمزاجك تبقى مجبور، وفي كلتا الحالتين أنا مايهمنيش غير إنك تضمنلي إنها ماتبقاش سبب يضر القضية وشغلي، خاصةً لو "صابرين" عرفت إن أنا اللي بكمل في القضية من بعد اللي حصل، سلام يا سليمان.

تركته محله متخبطًا وحائرًا ثم ولجت سيارتها وركضت بها من أمامها، طارت بالسيارة كما السجين حين يُصبح حُرًا خارج حدود السجنِ، بينما هو فوقف يُلملم شتات أفكاره ثم اتجه للأعلى من جديد، ولج ليجد الأجواء متوترة بعض الشيء وزوجته تجلس بعيدًا في طرفٍ مُرتكنٍ بعيدًا عن البقية وتتحدث مع أمها.

تجاهلها ثم اقترب وجلس بجوار أمه التي رمقته بعتابٍ ثم زفرت بقوةٍ وتحركت تقوم بتحضير الطعام.
بينما هو جلس صامتًا يشعر كأنه سجينٌ
 رُغم أنه _ظاهريًا_ لازال يملك أمر حُريته.
____________________________________

   <"لأجل من نُحب قد نقاوم ما نكره ونُعايش ما نخاف">

إن مقاومة ما تكره هي أصعب أنواع الجُهد من المرءِ..
ومحاولة الإنسان في التمسك بأخلاقه ومبادئه هي المحاولة الأكثر مشقة عليه وعلى نفسه؛ كأنه استمسك بجمرة نيرانٍ وقبض بها لتمسك في جلد يدهِ وتحرقه..
لكنه يفعل وسيظل يفعل لأجل من يُحب.

مجرد مقابلة واحدة ترتب عليها الكثير بخصوص كل شيءٍ، مقابلة أحدثت جلبًا وشغبًا في النفوس حين ظهر المارد المُرعب، حين ولج مع حفيده لمكان احتجازها تعجبوا جميعًا من طَّلتهِ وشخصوا بأبصارهم نحو "غسـان" الذي تجاهلهم جميعًا وركزَّ بعينيه على جده، وبعد مرور أقل من ساعة انتهى كل شيءٍ..

تم التحقيق معها بشكلٍ مباشر وتم إخلاء سبيلها وتبرئتها مما نُسِب إليها لكفاية الأدلة المُقدمة، تم الكشف عن حسابات والدها والكشف عن مصادر الكسب والكشف عن طُرق التبرعات وجمع الأموال لأجل الجمعية الخيرية، لم تُثبَّت عليها تُّهمة واحدة فقط، ولأجل حضور "داغـر" معها في التحقيق انتهى كل شيءٍ كأنه لم يكن..

خرج أولًا ينظر له وقد تأهبت حواس "غسـان" وهو يُطالعه بنظراتٍ ميتة كأنه يتشبث في العودة للحياة، وبعد مرور ثوانٍ تبعته "نـوف" تُنكس رأسها للأسفلِ وتَشُد أكمام سُترتها الممزقة كي تستر جسدها المُرتجف، حاولت إخفاء أثر الضربات عن الجميع لكن الشيء كان مرئيًا رؤية الشمس في وضحِ النهارِ..

هرول لها "غسان" يُلبسها سترته ويُغطي ذراعيها المكشوفتين وسار معها حتى منتصف الرواق موضع وقوف أسرتها وأسرته وقد هرولت لها "فريدة" ركضًا وضمتها باكيةً وهي تسألها بلوعة أمٍ مكلومٌ قلبها على فلذة كبدها:

_عملوا فيكِ إيه يا روح ماما؟ طمنيني عليكِ أنتِ بخير؟ فيكِ حاجة؟ اللي تتقطع إيدهم دول ويتشلوا عملولك إيه؟.

تسأل وتزبُد في السؤال وتنتظر الجواب، لكن منذ متى والميت يُجيب سائلًا؟ كفت الأخرى عن الكلامِ والتزمت الصمت راغبةً في السلامِ من بعد الحرب القاسية التي عاشتها التفوا حولها وهي تتشبث بعناقِ أمها وترجف بخوفٍ وعقلها أصبح في وادٍ آخر، ضاعت كُليًا وتمنت لو تركض وترتمي في عناقِ والدها وتحتمي بهِ.

تدخل "طاهر" يقوم بفضِ الزحام هذا يقول بلهجةٍ عملية:

_يلا يا جماعة نروحها علشان ترتاح شوية من التعب دا.

أمره نفذ ولم يُناقش، تحرك خلف ابنه بسيارته وقد أخذها "غسـان" في سيارته وحدها حتى يحاول فتح الحديث معها، حمحم وسأل يطمئن عليها ويحاول فتح الكلام لكنها اكتفت بالصمتِ وحركت رأسها موافقةً ترميها على زجاج النافذة.

شعر بالضيق والحزن لأجلها وتابعها بعينيه الحزينيتن لأجلها هي، انقبض فؤاده لمجرد رؤية المعاناة تتجسد في داخل عينيها، منذ أن مات والدها وهي تتصنع قوة واهية، لكن آن الوقت كي تكشف عن ضعفها وهشاشتها..

وصلوا البيت جميعًا وهربت هي منهم داخل غرفتها تُغلقها على نفسها ورمت جسدها الضعيف فوق الفراش حتى لا تتعرض لأي مسائلات أخرىٰ اليوم، حتى الدمعُ انحصر في مُقلتيها واكتفت بالصمتِ والسكون وهي تهرب من ضجيج العالم، لضجيجٍ أكبر يواجه نومها.

بالخارج جلست "فريدة" تسند رأسها بكفها وعبراتها تسيل فوق وجنتيها وقد لمحها "غسان" فاقترب يجلس بقربها واستطرد حديثه الثقيل ناطقًا:

_بلاش تعيطي علشان تقدري تقويها بعد اللي حصل، هي هتكون محتاجة ليكِ تقفي جنبها وتساعديها، لازم تقويها أنتِ وتكوني بتقومي بدور عمي الله يرحمه، هي في الوقت دا هتكون محتاجاله أكتر من أي وقت تاني، وأنا هعمل اللي عليا علشانها.

رمقه والده بنظرة حادة أشبه بطلقات نارية، نظرات لم تكن كارهة بقدر ما كانت غاضبة تُلقي باللومِ على كتف صاحبها، استأذن والده وهمَّ بالتحركِ وقد تحرك ابنه معه بعدما أخبرها أنه سيعود من جديد في الغدِ وأخبرها أنه سوف يطمئن بين كل حينٍ والآخر عن طريق الهاتف وهي شكرته وامتنت له باكيةً لأنه وقف في صفهن بعدما تخلت عنها عائلة زوجها وتركوها وحدها هي وابنتها في هذه الأزمة..

بعد مرور الوقت اللازم للوصول إلى البيتِ..
ولج "طاهر" البيت أولًا وصفك الباب بعنفٍ حين لحقه "غسان" الذي ارتد جسده وأجفل إثر هذه الحركة وقد خرجت "رئيفة" من الداخل مهرولةً لهما وقد جلس "طاهر" يهز ساقيه بغضبٍ وراقبته هي في حين تقدم ابنه منه يسأله بنفاذ صبرٍ:

_في إيه يا بابا؟ مالك مش طايق نفسك ولا طايق حد في وشك ليه؟ وبتعاملني كدا ليه كأني قتلت قتيل؟ أنا جيت جنبك؟.

أرشقه بنظرة واحدة نارية ثم نطق منفعلًا معبرًا عن سُخطهِ:

_جيت جنبي؟ كل دا ومش واخد بالك عملت إيه؟ روحتله ليه؟ ذليت نفسك وخليته يوصل للي هو عاوزه إن كلنا محتاجينه؟ خليته بعد العمر دا كله يوصل للي هو عاوزه علشان يثبتلي إني من غيره مش هقدر أعمل حاجة؟ دا أنا في عز ضعفي وقلة حيلتي وأنا لسه ببدأ حياتي اتحديته ورفعت عيني في عينه علشان مايفكرش يذلني، كان هياخد مني أمك واتحديته وحطيت راسي براسه وبرضه ماقدرش عليا، تيجي بعد العمر دا كله تروحله يساعدك؟ خلاص اتعميت؟.

كان صوته هادرًا يُزلزل المكان ويتردد صداه حتى انفعل "غسان" هو الآخر ورد عليه بنبرةٍ أعربت عن الإنفعال:

_لأ ماتعميتش بس مكانش في أيدي حاجة تانية أعملها، هو يعرف كتير ويعرف اللي أعلى مننا ومنه هو ذات نفسه، روحتله علشان ماقدرتش آمن عليها ساعة زيادة في اللي هي فيه دا، ماكنتش هخاطر بيها تاني علشان خاطر خايف على شكلي ولا خايف على منظري، يقول اللي يقوله أنا خلاص ماعنديش مشكلة، أنا مايهمنيش غيرها هي وبس، وزي ما أنتَ زمان استحملت وجيت على نفسك علشان اللي بتحبها، أنا كمان جيت على نفسي علشان اللي حبيتها.

لأول مرةٍ يُصرح بها أمام والديه، نطقها من وسط غضبه حتى تبدلت النظرات نحوه فتنهد هو بثقلٍ وقرر أن يختفي من أمامهما لأن طاقة غضبه إذا انفجرت سوف تلحق به خرابًا، وقبل أن يتحرك أوقفه والده بقوله متهكمًا:

_وياترى بقى المقابل اللي طلبه منك كان إيه؟ عمل زي الأفلام الهابطة وقالك أخرجهالك من الحجز وتخرجها أنتَ من حياتك وتنساها؟ ولا قالك تتجوز على مزاجي قصاد حُريتها؟ ماهي مش جديدة عليه دي، لسه فاكر إن الدنيا كلها تحت طوعه.

توقف "غسـان" وزفر أنفاسه الغاضبة ثم التفت ورد بثباتٍ وشموخٍ ورفعة نفسٍ:

_مش أنا اللي حد يساومني ويحط صباعي تحت ضرسه، الموضوع جه عرض وطلب وأنا وافقت علشانها، قدام خروجها سليمة من جوة ومتباتش ليلة واحدة كمان، أنا همسكله شغله ومصنعه، وليه يومين عندي كل أسبوع هقضيهم عنده.

هنا تدخلت "رئيفة" التي التزمت الصمت تسأله مندفعة بقلقٍ واضطرابٍ:

_عنده فين؟ قصدك تروح بيته تقعد معاه؟.

حرك رأسه مومئًا بحركةٍ بالكاد رآتها هي فتوسعت عيناها وبدأت تتحدث بغير تصديقٍ وانفعالٍ لأول مرةٍ منذ زمنٍ:

_شكلك اتجننت، حد يروح للنار بنفسه يرمي نفسه فيها؟ رايح للبيت اللي ما صدقت خرجت منه وسيبته وسيبت أيامه؟ كل دا علشان إيه؟ ليه تتحمل كل دا؟ وفكرك العيشة معاه سهلة؟ دا أنتَ هتكره نفسك واللحظة اللي فكرت فيها تروحله، روح بس ماترجعش تشتكي.

في الحقيقة هو واجه الكثير من الأمور والأوضاع الثقيلة على نفسهِ لذا قرر اللجوء للهرب من المكان، عليه أن يرتاح كي يُنظم ثورته وبعثرته قبل أن تأتي الرياح الجديدة وتُبعثره أكثر، لكن بمجرد أن وصل لقمة الدرج لحقه صوت "طاهر" يهتف بغضبٍ:

_اسمع يا غسـان علشان كلامي مش هكرره، أنا طول عمري حُر نفسي وعمري ما خليت حد يتحكم فيا، ولما حصل كملت الباقي بمزاجي، وعلشان أنا طول عمري مربيك تكون حُر نفسك زيي مش هجبرك على حاجة، بس بقولك أهو، نار جدك مابتدفيش محتاج، دي بتحرق وبس، اعقل كلامي مع نفسك بقى.

وصله الحديث ووصلت الجملة الأخيرة وتمركزت بمحلها فيما ولج هو غرفته وارتمى فوق الأريكة يفرك وجهه بكلا كفيه وصورتها لم تبرح خياله، تتردد بين الضحكة القديمة وبين الانكسار الجديد، كان يشعر أن قلبه يجلس بموضع غير مكانه، ينتمي لهناك حيث مجلسها ومرقدها هي، كأنه جزءٌ منقوصٌ من لوحةٍ لم تكتمل بغير هذا الجزء، شعر كأن قلبه يريد التحدث ببلاغة القول ناطقًا:

-ياليتني كنت طيرًا يملك حُرية نفسه..
كان في بداية النهار يطير ويعلو
 وينعم بدفء شمسه..
____________________________________

<"لو كان الأمر بيدي كنت عُدت للماضي واحتليُت حاضركِ">

الإنسان ليس بمسيرٍ ولا بمُخيرٍ..
الإنسان يسير وفق إرادة الخالق بما كتبه الله له، ومهما اعترض المرء ومهما بالغ في الأمر يظل أمر الله نافذًا وحُكمه للمرء عادلًا..

للمرةِ الأولىٰ يشعر فيها "أدهـم" بالحياةِ منذ فترةٍ طويلة ظن فيها أنه فقد كل معاني العيش، ظن أن أمر الحياة وسط العالم يكاد يكون مستحيلًا خاصةً حين يتعرض المرء للخذلان على يد من يُحب، وهو تعرض للكثير والكثير حتى أن جرح قلبه لم يبرأ بعد، لكن اليوم هو يشعر بمشاعر أخرى مختلفة كُليًا، هي معه تضحك وتمزح، رأى فيها حياة أخرىٰ، أتى بها لواحدٍ من أشهر المولات التجارية الضخمة، كأنه مدينة متكاملة لكل وسائل الترفيه..

تحركا في المكان سويًا مع بعضهما وقاما بشراء عدة مشتريات لكلًا منهما، اشترىٰ لها ملابس جديدة نالت إعجابه وإعجابها هي الأخرى ورُغم اعتراضها لكنه ابتاعها لأجلها وقال يمازحها:

_بتلبسي على ذوق آدم بس ولا إيه؟ ما تجربي ذوقي مش يمكن يعجبك هو كمان؟.

ابتسمت بخجلٍ ووافقت حين قام بحمل الحقائب وفي الخارج وسط الزحام حرر إحدى كفيه ثم التقط كفها وقبض عليه بقوةٍ وحين تأثرت من ملمس كفه الدافيء همس لها بشقاوةٍ مرحة:

_أحسن تتوهي مني ولا حاجة.

سارا بجانب بعضهما وهي تتحرك معه تتابع المكان بذهولٍ ولم تستوعب بعد هذا الكم الهائل من البشرِ في مكانٍ واحدٍ وقد تحركا مع بعضهما حتى وصل للمكان الذي يبتاع منه ثيابه وحين وصلا للداخل مال يهمس لها بمرحٍ كي تعتاد على نمط حياته الحيوي:

_أعملي حسابك هتنقيلي على ذوقك، واحدة بواحدة.

توسعت بسمتها وسألته بمرحٍ وكأنها آلفته أخيرًا:

_افرض بقى ذوقي مش عاجبك؟.

_يا شيخة ودي تيجي؟ توكلي على الله واثق فيكِ أنا.

تحركت تنتقي له وهو خلفها، تشير مرة على قميصٍ تراه يُناسب جسده، ومرة أخرى على سُترة شتوية، ومرة تنتقي نوع ملابس كانت تتمنى أن يكون زوجها المستقبلي يرتدي هذا النوع من الكنزات الصوفية وأسفلها ياقة القميص الكلاسيكي، أشارت له على هذا النوع فابتسم وقرر أن يخوض التجربة.

بينما هي فكانت تنتظره بشغفٍ وحماسٍ، جلست تنتظره حتى خرج لها مبتسمًا وهو يُهندم هيئته فتوسعت بسمتها لتجده ينطق ببسمةٍ هو الآخر:

_خبيلك ضحكة للعيد.

تحولت بسمتها لضحكة واسعة تحتل تقاسيمها على جبهةٍ وعلى الجبهة الأخرىٰ تحتل عينيه كأنه لا يرى غيرها، تقدمت هي منه تُقيم الهيئة ثم أشارت له بإبهامها وقالت بمزاحٍ تشاكسه:

_طول عمري كان نفسي الراجل اللي هتجوزه يكون بيلبس كدا.

_طب يعني مفيش مكافأة للراجل اللي تعب وقاس دا؟.

لكزته في مرفقهِ وهي تحذره بعينيها ثم دفعته للداخل فضحك هو الآخر ثم ظل يُجرب كل شيءٍ تنتقيه له وطلب منها أن تنتقي لأخيها لأنه يعلم أن "آدم" لا يُعجب بثيابٍ غير التي يرتديها، كان يشعر حقًا أنه لازال يشعر وقد يكون هذا هو الأهم في الأمرِ، أنه لم يفقد قلبه ولم يفقد نفسه التي كانت على سابق عهده، يألفها كأنه لا يعرف طريقًا غير طريقها هي، ويتمنى لو تألفه هي كأنها لم تنتمي لمكانٍ في العالم غيره.

ترك الحقائب في سيارته وعاد بها للداخل من جديد يستأنفا نزتهما، وقد ولج بها أحد المحال الخاصة ببيع الحيوانات والطيور، ومنذ الوهلة الأولى أدركت أنه مكانه المُفضل، ولج ورحب صاحب المكان واحتضنه بقوةٍ وقال يمازحه:

_طمني سيمبا أخباره إيه؟ أوعى تكون مزعله.

ضحك له "أدهـم" وقال بسخريةٍ يرد مزاحه:

_وهو دا فيه حاجة برضه تزعله؟ دا يزعل بلد بواحدة زيها، المهم أنا جاي عاوز هدية حلوة للمدام، بس حاجة تبقى حنينة، بلاش جوارح وزواحف، شوف حاجة كدا طيبة.

توسعت عيناها وفرغ فاهها فيما أشار لها الرجل الذي يقرب عمر والدها وأكثر ورحب بها بحفاوةٍ شديدة وحين التقط "أدهـم" كفها وقبض عليه بقوةٍ شعرت بالتيه وكأنها لم تنتبه لغير حركاته وتصرفاته، فقال الرجل ضاحكًا:

_أنا أعرف "أدهـم" من وهو في ثانوي، ساعتها اشترى مني تمساح يربيه في البيت ولما التمساح تعب منه جه يدور على علاج ليه، من ساعتها وهو تقريبا جرب التعامل مع كل الحيوانات لما بقى خبرة قد الدنيا.

تدخل "أدهـم" بتهكمٍ ينطق مزايدًا فوق حديث الرجل:

_لأ بس سيبك أنتَ، التعامل مع الحيوانات اللي بتتكلم حاجة تانية.

ضحك الرجل وكذلك هي، وحين أعطاها الرجل إذن الاختيار تحركت في المكان تراقب الطيور المُلونة وأسماك الزينة وراقبت الزواحف، فتذكرت على الفور غُرفته حين ولجتها للمرةِ الأولىٰ، ابتسمت وهي تتحرك في المكان حتى شعرت بشيءٍ على ذراعها فالتفتت بعجالةٍ لتجده وضع بغبغاءً فوق ذراعها فضحكت وتلجلج صوتها وهي تسأله بتوترٍ:

_مش هيعملي حاجة صح؟.

ابتسم لها بحنوٍ ثم حرك رأسه نفيًا وأتى بالثاني والثالث والرابع بمختلف الألوان والأحجام، التقط لها الصورة وهي تضحك والطيور تحاوطها، كأنها صورة رمزية للحُب، الحُرية، الأمان وكأن كل المخلوقات تألفها وتألف صُحبتها، أخذ واحدًا ووضعه فوق كتفه ثم وقف بجوارها والتقط لهما صورة سويًا وهما يضحكان معًا، ثم صورة أخرى وهو ينظر لها وهي تُداعب الطيور فوق ذراعها، ثم أخرى وكلاهما ينظر للآخر..

عاشت معه تجربة رائعة لا يُمكن أن تُقارن بغيرها، وقد انتقى لها هرة صغيرة بيضاء اللون وبعينين رزقاويْن، وجدها تلتقط الهرة بحنوٍ وتمسح فوق رأسها، توسعت بسمته وسألها بدفءٍ انبعث لقلبه برسول نبرته:

_حبيتيها؟.

نطقت بلهفةٍ تُعبر عن فرحتها بالهرة الصغيرة:

_حبيتها أوي يا أدهم، جميلة أوي.

أومأ لها ثم قام باختيار حقيبة صغيرة للهرة، وتحرك ينتقي زوجًا من العصافير في قفصٍ على شكل بيتٍ أبيض اللون، ابتسمت لأنها منذ صغرها تعشق الطيور وكانت تتمنى امتلاك زوجًا من العصافير، لمعت عيناها وكأنها تشعر أن "أدهـم" الذي كان لا يعرف غيرها لازال موجودًا، راقبته مبتسمة وحين تلاقت الأعين ابتسم هو الآخر ثم اقترب منها يمد يده بالطيور والهرة وهو يقول:

_دي الهدايا اللي أنا اخترتهالك، شوفي لو نفسك في حاجة؟.

حركت رأسها نفيًا وكتمت عبراتها داخل سجن المُقلِ..
خشيت أن تبكي فينصرف عنها وتفقد أمانه، لذا ابتسمت له وقالت بتأثرٍ:

_مش عاوزة حاجة والله غير الأمان دا منك.

تأثر هو تلك المرة وثبت عينيه عليها، ظل يتابعها وهو يتمنى ألا يأتي اليوم ويكون سببًا في حُزنها وظُلمها، تمنى أن يكون هو المصدر الوحيد كي تكون آمنة معه، إذا كانت اختفت من حياته وعانت ما عانته فمن المؤكد أن رب العالمين جعله يفقد ما فقده حتى يحين موعد اللُقا بينهما فيكون كلًا منهما عوضًا للآخر.

خرج معها وجلسا سويًا يتناولا طعامهما معًا باختيارٍ منها وقد كانت شاردةً بصمتٍ لكن ملامحها منبسطة، لم تكن متضايقة أو منزعجة، لذا مد كفه وربت فوق كفها المبسوط أمامه وسألها بلهفةٍ:

_أنتِ كويسة يا عُـلا؟.

انتبهت له فحركت رأسها موافقةً وأغصبت شفتيها على بسمةٍ صافية وهي تقول بدبلوماسية شديدة لكنها مُنكهة بطابعٍ ودي:

_كويسة أوي، أنا بس مشدودة شوية، الحياة دي حلوة وجديدة عليا، يعني افتكرت شوية من اللي فات وبقول لنفسي أرضي بالمقسوم، علشان لما رضيت وصبرت قبل كدا ربنا كرمني وبيعوضني أهو، أنتَ لسه حنين زي ما أنتَ يا أدهـم، قلبك ماتغيرش، من يومك تحب فرحة اللي حواليك، ربنا يرزقك باللي يفرحوك. 

ابتسم لها بقلة حيلة وقد وصل الطعام عندئذٍ فتناولاه معًا وسط مزحات وضحكات بينهما وتذكرةٍ بالماضي حين كانا مجرد طفلين يعيشا معًا تحت سقفٍ واحدٍ يجمع بينهما، ولم يكن أيًا منهما يفكر ذات يومٍ أن هذا السقف جمع بينهما ليكون سببًا في عودتهما من جديد وتلك المرة بدونِ فراقٍ كما حدث سابقًا..
____________________________________

       <"من حفر حُفرةً لأخيه عليه التأكد من عُمقها">

إذا حفرت حُفرةً لتوقع بها أخيك عليك التأكد من شيءٍ..
أولًا أنك أجدت الحفر بصورةٍ مثالية، 
والثانية أنك تفوقت في رميهِ بداخل الحفرة
لأنه إذا خرج منها حيًا يُرزق لن يُرمى غيرك فيها؛ فتتلقف أنتَ ما صنعت يداك..

الليل حين يأتي يصل غسقه لروحها هي، حتى أنها لا تُخشى دُكنة الليل حولها بقدر ما تخشى الدُكنة التي تسكنها هي، تخشى ما رمت نفسها فيه وآلت إليه بأفعالها الدنيئة وتصرُفاتها، اليوم هي تحصد ما زرعته، وتُجني ثمار شرورها وشرور أفعالها وثمن خيانتها لـ "رحمة" حتى حُرمت من الرحمة..

عادت من بيت أمها لشقتها القريبة وهي تحمل ابنها فوق ذراعها وتركض به من وسط البللِ، هرولت فوق الوحلِ حتى لا تنغرس فيه رُغم أنه لطخ روحها، وصلت البيت بأعجوبةٍ وولجت الشقة وفتحت الباب وما إن ولجت لمحت المشهد التي أصبحت تكرهه وتكره نفسها كل يومٍ بسببه..

زوجها يجلس على الأريكة ولم يُبالِ بغير نفسه فقط، أمامه زجاجة خضراء زهيدة الثمن، ذو رائحة كريهة وبجوارها طبقٌ صغير الحجم به مواد مُخدرة وهو يقوم بتحضير لُفافة التبغِ المحشوة بمخدر الحشيش، امتقع وجهها وبُهِتت ملامحها واقتربت منه تصرخ فيه بقولها:

_يا أخي الله يخربيت الهباب اللي بتطفحه دا، كل يوم زفت وقرف فوق دماغك ومعيشنا في فقر وهم وغم، ومخلينا نمد إيدنا ونشحت وكل ما يجيلك قرشين تروح تجيب بيهم هباب تطفحه؟ ربنا ياخدك علشان أرتاح منك.

أصدر صوتًا من حنجرته يعبر عن ضُجرهِ ثم أخذ يرطن بكلماته بعدما أتت وعكرت صفو جلسته، وقد بدأت تتحرك بعنفٍ وهي لم تكف عن الحديث، تنعي نفسها وحظها الذي جمعها به، وقد تابعها هو بعينيه ثم فاض الكيل به، جف بحر صبره فصرخ بقوله:

_دماغك بقى خلاص افصلي شوية، دا أنتِ ولية خميرة عكننة، كل يوم أم المُوشح بتاعك دا ودماغك مابتفصلش؟ نفسين هاخدهم يظبطوا الدماغ شوية وتِكني في حتة بدل ما أقوم أظبطك أنتِ.

اعترضت لأنها فاض بها، صرخت بضعف نفسٍ لأنها تكره ما أصبحت عليه، أصبحت شيطانة في عُقر جحيمه، وهو يُعاملها كأنها مفعول الطاقة لديه، إما بتفريغ الغضبِ وإما بتفريغ مشاعره، فجاءت صرختها من جوفها:

_يا رمزي أبوس إيدك فوق شوية وبص لحالنا بقى عامل إزاي، الشقة بتفضى وكل شوية نبيع حتة حتة فيها، بفلوس الهباب دا تقدر تساعد في مصاريف البيت، ابنك على أيدي عاوز لبن وغيارات وأنتَ مطنشه، حرام عليك يا أخي الواد ضِعف من قلة الغِذا.

نفخ وجنتيه ودفع الصحن وهو يسبها ويسب نسلها كله، وقد أجفل جسدها وقالت بصراخٍ حاد:

_ماهو أنتَ لازم تفوق شوية، لازم تبصلي وتبص لابنك اللي على دراعي دا، من يوم ما خلفت وأنتَ مش واعي لنفسك ولا لابنك، مش كفاية مستحملة قرفك والحريم اللي بتعرفهم وزبالتك كل يوم؟ كمان مش هتعيشنا زي الخلق؟ خلاص طلقني وخليني أشوف حالي، طلقني ولا مش هتقدر علشان مش هتعرف تدفع اللي عليك؟ صحيح هتدفعه إزاي؟ وأنتَ حشاش ومسطول.

هُنا انفجرت الدماء وغلت بداخل رأسهِ، لقد أهانته وهو لن يقبل بذلك، اندفع نحوها فوجدها تتصنع الشجاعة وقالت بتهكمٍ:

_إيه هتخوفني ولا إيه؟ فوق لنفسك دا أنتَ بقيت هوا ولا حاجة، لولا الكام شهادة زور اللي بتشهدهم في المحكمة والقضايا الشمال اللي بتخلصها من تحت لتحت كان زمانك مرمي على الأرصفة، مابتعملش راجل غير عليا ليه؟.

انطلق الشرر من عينيه حتى أصبحت هيئتهما مُخيفة، وأيد نظرته بأفعالهِ حيث خطف ابنه من فوق ذراعها بحدةٍ مقصودة ثم وضعه فوق الأريكة بعنفٍ، وهجم عليها يرميها أرضًا بدفعةٍ من يدهِ ثم هجم عليها يُفرغ فيها كل طاقة غضبه، ورجولته، يعتدي عليها بالضربِ حتى تسقط خائرة القوىٰ ثم يغتصبها ويأخذ كل حقه غصبًا وغضبًا..

هي تعيش معه أبشع ما يمكن للمرأة أن تعيشه، رجلٌ يمتهن أنوثتها ومشاعرها وكرامتها، رجلٌ يدهسها ويملأ جسدها وروحها باللوثِ، يُفرغ فيها جمَّ طاقته وهي تبكي لأن وحشٍ ضارٍ مثله نال من كرامتها نيل الأعداء من بعضهما، هي تستحق ولن تُنكر، لكنها سئمت الحياة البشعة هذه وسئمت نفسها كأنثىٰ ترضىٰ بالذُّلِ والامتهان..

تركها فجأةً وابتعد عنها يدفعها بركلةٍ من قدمهِ فاهتز جسدها وآلمها وكتمت عبراتها فيما هدر هو فيها بعنفٍ:

_قومي حضريلي طفح وخلصي ليلتك دي بدل ما أوريكِ اللي عمرك ما شُوفتيه، ولو بوقك دا اتفتح هجيب راس أمك دي تحت رجلي، وكلمة طلاق دي لو فتحتي بوقك بيها تاني هحبسك هنا لحد ما تعفني، قومي يا بت.

أجفل جسدها وتحاملت على نفسها فوجدت صرخات ابنها تعلو فوق الأريكة كأنه يفعل ما لم تفعله هي، زحفت على جانب جسدها حتى وصلت له ثم التقطته بذراعيها الراجفتين وضمته بقهرٍ تحتمي فيه هو، كأنه رجلها الذي تُربيه كي يقف في مواجهة وحشية أبيه، رمقها "رمزي" بنظرة مستحقرة متخلطة بنظرة شهوة راغبة، وأمرها بحدةٍ وهو يُشعل لُفاقة تبغهِ:

_أدخلي جوة نيميه وحضري لُقمة واستنيني، فاهمة؟.

أجفل جسدها وأومأت بلهفةٍ ثم تحاملت على نفسها وسارت للداخل بجوار صغيرها وهي تبكي أخيرًا وتطلق سراح عبراتها، تبكي نفسها وحالها وضعفها وقلة حيلتها وذنبها الذي لم يُغتفر، تبكي لأنها كما الأرض المُجرفة وكل يوم يمر عليها يلوثها المُحتل بقذارتهِ..

وفي الخارج كان في حالة انتشاء غريبة، يشعر أنه طيرٌ فوق السحاب، يتذكر الحبيبة الهاربة ويبتسم، يمر طيفها فيرحمه من قسوة واقعه، يتخيل عينيها المبتسمتين، وجهها المليح، جسدها الذي يعتبر مثاليًا بالنسبةِ له، كل شيءٍ بها كان "رحمة" ولازال يتمناها له، لازال ينتظرها ويبحث عنها لتعود له.

في منزل "مُحمد المُشير"..
كان البيت في حالة هدوءٍ وصوت نرجيلة تُكركر في سكونِ الليل ودُخانها المتصاعد يعلو ويلوث المُحيط حولها، ويجلس "مُحمد" والنيران تضمر صدره حتى أتى ابنه "ربيع" وجلس بقربهِ يقول بحماسٍ وتشفٍ كونه قارب على الانتصار:

_علشان تعرف إنك مخلف رجالة، فيه واحد محامي معرفة من زمان، قولتله إننا عاوزين نعرف مكان اللي ماتتسماش دي راحت فين، قالي سهلة وليه معارف يقدروا يوصلونا ليها، وعارف ناس في النقابة تقدر تجيبله كل تفاصيلها، بس والله لو جت ما هيكفيني دبحها في وسط الشارع، وساعتها اللي هيقفلها هجيبه تحت رجلي، أنا مش هعتمد حد يا أبويا.

طفق الغل الدفين يظهر في عيني والده وتشدق بقسوةٍ غلبت على كل طباعه وصفاته:

_تيجي هي بس، هاتوهالي هنا وأنا وربنا المعبود لأخليها تتمنى الموت وماتليقهوش، علشان دي فاجرة وفاكرة إنها كدا مالهاش كبير يلمها، مسيرها في يوم هتيجي، ومسيري قدام الخلق كلهم أرد حقي منها، هي هتروح فين يعني؟ مسير الحي يتلاقى زي ما بيقولوا.

كان يُمني نفسه بالعودة والثأر منها، سوف يلقاها في طريقٍ ما، في دربٍ ما بطريقةٍ ما وسوف يُعيد حقه الضائع منها وحق شرف العائلة وسُمعتها، مهما كلفه الأمر ومهما بلغت صعوبته، لكنه لن يكون أصعب من أن مجرد فتاة ضعيفة في العائلة تضيع سُمعة عائلة بأكملها..

*****

ولأن الظُلم قريب الظلام..
فمهما بلغت قوة نور الظُلمِ سيظل نورًا فاسدًا
لأنه بمجرد ظهور العدل سوف ينطفيء أمام وهج ضياء الحق..

_يا عُـلا، رُدي عليا يا بنتي روحتي فين؟.

كانت "ياقوت" تصرخ باسم حفيدتها وتناديها كما تفعل منذ أشهر مرت بلا توقف ولا وقوفٍ، وقد ولج لها "مأمون" وقال بهدوءٍ يواسيها:

_عُـلا مش هنا يا جدتي، راحت تجيب حاجة وجاية.

نظرت في وجهه بأسىٰ وثقَّبت عينيها عليه من بين جفونها المتجعدة وقالت بصوتٍ مبحوحٍ:

_طب روح طُل عليها، هتلاقيها راحت على الإمة تقعد هناك شوية ولا عند البحر، قولها تعالي نامي علشان متتأخريش على المدرسة بكرة، عندها امتحان يا ولاد ولازم تنام.

أشفق هو على تلك المرأة وعلى نبرتها المنكسرة، وقد لاحظ مدى تأثر جدته بالاهمال الذي طرأ عليها ولاحظ أنها أمست مُهملة ومُهمشة بعدما ركضوا جميعًا نحو مصالحهم الشخصية، جميعهم مشوا في مسارهم الخاص وتركوها هي وحدها عند مفترق الطُرق بغير دليلٍ يُرشدها، ومن شدة قسوتهم عليها ضيعوا المُرشد عن دربها لتكون نجمة مفقودة في سماءٍ كحيلة..

ولجت ابنة ابنتها الكُبرىٰ تمسك الهاتف وترتمي فوق الأريكة بثقل جسدها ولمحها "مأمون" فقال بتهكمٍ:

_أنا نفسي مرة تعملي حاجة كويسة يا شيماء بدل الزفت اللي في إيدك دا، ما تشوفي يا بنتي جدتك عمالة تعيط وتصرخ، تعالي شوفي علاجها ولا حضري ليها لقمة، أنتوا طول اليوم سايبينها كدا؟ محدش فيكم عنده رحمة بيها خالص؟.

قلبت عينيها بملامح ملولة ثم زفرت ومالت للأمام قليلًا وهي تقول بدبلوماسية شديدة البرود كأنها تعقد صفقة:

_يابني هو أنا في أيدي حاجة أعملها؟ هي هتفضل تصرخ وتعيط علشان عُـلا، وأنا ماعرفش حاجة عنها لأن عُـلا الوحيدة اللي كانت بتعرف تتعامل معاها، وهي ناسية العيلة كلها ماعدا هي، شوف أنتَ حل، بعدين هي مابترضاش تاكل من أيدي، كلملها عُـلا مش لسه معاك رقمها.

لمعت عيناه بهذه الفكرة وأخرج هاتفه ثم جلس بقرب جدته وفتح كاميرا هاتفه وطلب منها بهدوء:

_عاوزة إيه يا ياقوت؟ قوليلي.

_عاوزة عُـلا يا حبيبي، قولها ترجع بسرعة الدنيا مطر برة والموج هياخدها، هتبرد وهي عندها امتحان الصبح، بعدين شكلها ماكلتش كويس، روح دور عليها وأنا هجيبلها البوزو اللي بتحبه.

ردت عليه بطيبة شديدة وبتلقائية جعلته يبتسم وهو يقول:

_طب عرفيها إنك بخير ومستنياها، قوليلها ارجعيلي يا عُـلا.

تنهدت بثقلٍ ولمعت عيناها بضوء الانكسار وعبرات الذُل وهي تتوسلها بشوقٍ جارفٍ:

_ارجعيلي يا عُـلا، مستنياكِ يا ضنايا.

أغلق الجهاز ثم وضع الهاتف بجيبه وتحرك يجلب لها طعامًا ثم عقد صفقة معها، أخبرها أن تتناول طعامهما وتُنهيه ثم يُحضر لها "عُـلا" متى أرادت هي هذا، ولأنها أصبحت تربط أمنها وسلامتها بها وباسمها، وافقت وبدأت تتناول الحساء الدافيء، راقبته ابنة عمته ساخرةً ثم تحركت للخارج تمسك الهاتف ولم تُبالِ بالعالم حولها، رُغم أنها أمامهم جميعًا تجلس مراعاةً لجدتها..

-الحياة تُشبه رحلة بقطارٍ 
تبدأ بذهابِ أحدهم ليعيش المغامرة بأكملها 
فيمضي عُمره وتمر أيامه
ثم يعود لنفس القطار مُجددًا
 وأثناء عودته يُقابل المُغامر الجديد
هذا يذهب بكل شغفه وحماسه
والآخر يراقبه بسخريةٍ وتجاعيده خير دليلٍ
وكأن كليهما يجهل مقصد الرحلة 
فيتركها تصدم الآخر بمفاجآتها.
____________________________________

 <"عليك اتخاذ القرار قبل أن يفوتك هو ويُصبح مستحيلًا">

على مرِّ العصور لم يندم شخصٌ على ما حاول لأجلهِ..
بل كل المحاولات أتت مُحترَّمة من قِبل المحاولين، بداية منذ بدايات هيرقل ومغامراته حتى وقتنا هذا..
فمن ذا الذي يحكُم بالفشلِ على شيءٍ لم يُجرب لأجلهِ؟
الفشل الوحيد حقًا المأخوذ بهِ، أن تكف عن محاولاتك 
فتصنَّف فاشلًا بجدارةٍ..

هو حاول وحقه عاد بعد المحاولة، زوجته عادت له ولغُرفتها من جديد بعدما تصالحت معه كُليًا، والده خضع للهدنة ولجأ للصمتِ لأنه لن يقدر على فراق ابنه وحفيده، والدته ترعى زوجته وبدأ وهج عينيها يعود لها من جديد، "مُـراد" لم يستطع الهرب من ابن شقيقه الصغير فتورط معه في الصداقة فأصبح لم يبرح مكانًا هو فيه..

عاد "يُسري" من العمل وتوجه لغرفته فوجد "ولاء" تجلس فوق الفراش تتابع شاشة التلفاز وتجلس بهدوءٍ وبملامح مستقرة، لكن الغريب هي البسمة التي عادت لوجهها عند رؤيته، بسمة كاملة غير منقوصة، بلا ارتباكٍ ولا توترٍ ولا غضبٍ، بسمة حنونة جعلته يقترب منها ثم لثَّم جبينها وسألها باهتمامٍ:

_أخبارك إيه النهاردة؟ طمنيني عليكِ بقيتي كويسة؟.

حركت رأسها توميء له ثم قالت بطفرة مشاعر متضاربة غمرتها كأنها عروس جديدة في بيت حبيبها:

_الحمدلله كويسة، رجعت شوية بس النهاردة ومعدتي قلبت شوية بس طنط مسابتنيش طول اليوم، فضلت معايا وخليتهم عملولي أكل مخصوص، تستاهل إني أرجع البيت وأفضل فيه علشانها.

رفع حاجبيه ساخرًا وهو يسألها متشدقًا بقوله:

_هي بس؟ طب وابنها اللي طلع عينه دا؟.

دارت بعينيها تتصنع التفكير ثم قبضت فوق قميصه وهي تتوعد له بقولها هامسةً:

_ابنها دا أنا نفسي أوجع قلبه وأشربه من نفس الكاس اللي شربته أنا، بس خليني أجدع منه ومش هردله اللي عمله، علشان بس قلبي طيب.

ابتسم لها ومال يهمس بشقاوةٍ اشتاقت لها في طباعه:

_عندك ابنها أهو أعملي ما بدالك فيه، المهم وأنتِ قصاد عيني ومعايا، كفاية اللي ضاع بسبب غبائي، بعدين إيه ماوحشتكيش؟ افتكري كدا معايا وارجعي بالزمن لورا، دا إحنا كنا سيرة على كل لسان في البيت الشؤم دا، عين أبوهم جابتنا الأرض.

ضحكت على حديثه ثم نظرت في وجهه وتذكرت موقفه صباح اليوم مع العائلة ومع أبيه، تذكرت محاربته لأجلها ولأجل استردادها فمالت عليه ودفنت نفسها في عناقه واشتمت عطره الذي ساورها بالحمايةِ والأمان، ثم همست له برقةٍ وهي تبتسم:

_وحشتني أوي، وحشني يُسري اللي حبيته وشوفت إن مفيش راجل غيره يملا عينيا، وحشني أحس نفسي متطمنة زي كدا وأنا جنبك حتى لو ببص عليك من بعيد، وحشتني الحنية اللي سيبتها في بيت أهلي وجيت لاقيتها هنا معاك، علشان خاطري أوعى ترجع تاني زي ما كنت، أنا كأني كنت تايهة ورجعت خلاص.

حديثها يشبه السلاح ذا حديْن، رُغم أنه يُفرحه ويُسعده لكنه على النقيض جعله يشعر بمدى وضاعته ودناءة طباعه، أحس بكلماتها كأنها سوطٌ يضرب جلده فيُدميه ويُشققه، لذا مسد فوق خصلاتها وطبع قبلة حنونة فوق قمة رأسها والتزم الصمت لأنه مهما تحدث لن يوفيها حقها كفايةً بالكلامِ..

في غرفةٍ كبيرة مجاورة بنفس الرواق كان "مُـراد" يجلس فيها وهو يُتابع تصاميمه وتطبيقاته على الحاسوب، يجلس بكامل تركيزه رُغم انخفاض الادرينالين بجسده وكذلك نسبة الخمور التي لم يتجرعها منذ الأمس، بحث بعينيه عن مصدر الإزعاج فلمح "صُهيب" يجلس بكامل حماسه أمام الشاشة الكُبرىٰ يتابع أحد أفلام الحماس والحركة..

ناداه وعلا صوته وهو يُنبهه بقوله:

_كفاية فُرجة لحد كدا عينك هتوجعك، أقفل الشاشة خلاص.

رفض الصغير إغلاقها وتذمر وعاند مع عمه فتحرك هو له يجلس بقربهِ ثم تابع التلفاز الكبير معه حتى انتبه له "صُهيب" فسأله بلهفةٍ:

_هو أنا هكون قدك إمتى؟.

عقد الآخر حاجبيه وركز بعينيه معه فكرر السؤال باستفاضة:

_يعني هكون كبير زيك كدا إمتى؟.

ابتسم الآخر بسخريةٍ وقال بحسبةٍ سريعة:

_يادوب أنتَ عندك ٨ سنين وأنا عندي ٢٩ كلها ٢١ سنة ومتقلقش هيعدوا عليك هوا، مش هتحس بيهم خالص.

حرك رأسه موافقًا ثم عاد ونطق بلهفةٍ حماسية:

_ساعتها هشرب عصير الكبار اللي أنتَ بتشربه؟.

توسعت عيناه واعتدل يسأله مستنكرًا بملامحه قبل لسانه، فجاوب الصغير بضحكةٍ واسعة كأنه يفهم كل ما يدور حوله:

_شوفتك عند الجسر ماسك إزازة عصير شكلها غريب أوي روحت طلبتها من بابا وهو قالي دا عصير للكبار بس، قولتله هو عمو مراد بيشرب حاجة عيب قالي إني لسه صغير ومش هينفع أشرب منه علشان جسمي صغير وعضلاتي مش قوية زيك، لما أكون قدك بقى هشربه عادي.

توسعت عيناه وفرغ فاهه لأنه لتوهِ أدرك خطورة ما يفعل ويُقدم عليه، هو بصورةٍ غير مباشرة أفسد نظرة الصغير له، وشقيقه يظل مشكورًا كونه لم يُشوه صورته في عين ابنه وحافظ على احترامه، لذا حمحم وانتبه للصغير وقال بوعدٍ يقطعه له:

_بص هو العصير دا أصلًا وحش أوي ومش مفيد زي الشيبسي والكاندي والحاجات المُضرة اللي ماما بتمنعها عنك، أنا مش هشربه تاني وهرجع أروح الجيم علشان عضلاتي ترجع قوية، بس أوعدني إنك أنتَ كمان تكون قوي وتخلي بالك من صحتك وأكلك، اتفقنا يا بطل؟.

ضحك الصغير وأومأ بلهفةٍ ثم نطق من جديد بحماسٍ:

_وأكون زي عمو يحيى كدا في المياه وأعرف أعوم وأغطس؟.

ارتبك "مُـراد" من مجرد السيرة لكنه أومأ بقلة حيلة حتى قفز الصغير بحماسٍ لأنه سيكون كما البطل الذي عاصره ولم ينسَ بطولاته ومهاراته العالية، حتى لم ينسَ تدريبه له وأنه أول من علمه كيف يتحدى الخوف والمياه فيغوص وحده فيها، لم ينسَ معلمه الأول ولم ينسَ هذا البيت الدافيء الذي شهد أجمل وأسعد اللحظات والتجمعات قبل أن تسودهم الفُرقة..

في مدينة القاهرة بشقة "يحيى"..

كانت ابنته في المرحاض تقضي حاجتها ثم انتهت وغسلت كفيها وسارت تفتح الباب لنفسها، بحثت عنه فلم تجد له أثرًا، وقفت وحدها في الرواق تدور بعينيها عنه ولأنها عاجزة عن النطق بكت، تبكي بخوفٍ من كل شيءٍ حولها، دارت الخيالات بها فهرولت باكيةً من الرواق ليعلو دبيب خطواتها وينتبه هو من الشُرفة فهرول خلفها، وجدها تتكيء عند نهاية جدارٍ وتضم أذنيها باكيةً..

هرول وجلس أمامها يهز جسدها ويدعمها بقوله:

_مالك يا حبيبتي، مالك في إيه خوفك؟ حصل حاجة؟.

حركت رأسها نفيًا ببكاءٍ حتى أحس هو بالعجز معها، كل يومٍ تُزيد همه وتثبت له أنه أخطأ في حقها كثيرًا، وأصابها بكارثةٍ حلت فوق رأسها، كان يراكم وجعه فتحدث بصوتٍ أقرب للبكاءِ والعجز وقهر الرجال:

_انطقي وقوليلي مالك، ماتخلينيش أحس كل يوم إني عاجز ومقهور وأني سبب عجزك، أعمل إيه تاني طيب؟ مكانش في أيدي حاجة أعملها علشانك غير إني أحافظ عليكِ منهم، مكانش بأيدي والله وخوفت أسيبك ليهم تكرهيني، أنتِ مابتكرهينيش صح؟ أنتِ لسه بتحبيني؟…

سألها بنبرةٍ متوسلة باكيةً لأول مرة منذ ثلاث أعوامٍ، رأته يبكي فارتمت عليه تعانقه لأنها تعرف قسوة ما يُعانيه وما يشعر به، أكدت له أنها تحبه حين ضمته ونزلت عبراتها فوق كتفه فضمها هو وتشبث بها وترك لنفسه فرصة البكاء والصراخ لأنه حقًا فقد قدرته على التعبير..
____________________________________

      <"يحلو مُر العيش حين نكون رفقة من نُحب">

لولا الأمان الذي نشعر به في أي مكانٍ لم نكن لنُكمِل..
نحن فقط عبارة عن كتلة من المشاعر المنكوبة يُنهيها فقط الأمان حين يحل محله الصحيح، بلا خوف، بلا فقد، بلا قلق، بلا اضطراب، فقط نعيش ونحيا بالأمانِ..

عادا سويًا بعد منتصف الليل، عادا والضحكة رفيقة ليلهما، لم تنس يومها هذا كأنها عاشت لأول مرةٍ في حياتها، لم تنس كل صورةٍ وكل ذكرىٰ جمعتها به، سيظل اليوم حيًا في ذاكرتها بكل أحداثه ولحظاته، كانت "عُـلا" تبتسم لأول مرةٍ وتضحك بهذا الشكلِ معه حتى في السيارة تهورت ومدت كفها تقبض فوق كفه من فرط حماسها عند رؤيتها للصور التي التقطها لها..

بداخل الغرفة تركها على راحتها تبدل ثيابها بعدما تحممت وارتدت ملابس نومها وقامت بفرد خصلاتها كي تتحرر، تحركت تطمئن على الهرة الصغيرة وضمتها في عناقها ثم تركتها في موضعها وجلست على طرف الفراش، بدأت تشعر بمشاعرها الحقيقية وهي تهرب منها إليه، شعرت بقلبها ينبض لأجله كأنه يُجرب ارتباك الحُب الأول في صغر العمرِ..

ولج الغرفة بعدما بدل ثيابه هو الآخر واقترب من الأريكة مبتسمًا، نظر لها قبل النوم وحين رفع الغطاء وجدها تسأله بلهفةٍ:

_أنتَ هتنام خلاص؟.

حرك رأسه موافقًا والتفت يقول ببسمةٍ مغلوبة على أمرها:

_يادوب خلاص، الساعة داخلة على تلاتة أهو.

أومأت له بشرودٍ ونظرت جهته تتبعه ثم همست باسمه، انتبه ونظر جهتها فوجدها تنطق بارتباكٍ وخجلٍ:

_ممكن تيجي تنام على السرير على فكرة.

رمت جملتها كأنها فكرة تُزاحم رأسها وألقتها خارج العقل، انتبه لها مُضيقًا جفونه وسألها بترقبٍ لجوابها:

_وأنتِ هتنامي فين؟.

تورد وجهها وبانت إمارات الخجل وهي تحرك كتفيها بمعنى أنها ستبقى مكانها، ترك موضعه بهدوءٍ واقترب منها يجلس مواجهًا لها وسألها ببسمةٍ حنونة:

_متأكدة عادي؟ ولا لسه بتفكري؟.

لمعت عيناها كما نجمٍ شاردٍ بالسماء يجذب نظر التائه بالملكوت فيرشده للدرب والعقل من بعد الضياع وهمست بنعومةٍ:

_لأ متأكدة، أنا بحس معاك إني متطمنة ومش قلقانة ومش حاسة إني خايفة معاك، وعاوزة أثبتلك إني والله مش زي ما أنتَ فاكر إني كارهاك أو بعيدة عنك، أنا شوفتك بتحاول علشاني النهاردة، يبقى واجب عليا أحاول أنا كمان…علشانك.

الكلمة الأخيرة نطقتها بارتباكٍ جعله يبتسم ثم اقترب ومال يُلثم المكان الذي يعرفه جيدًا، يطبع لثمة رقيقة فوق وجنتها ثم كررها على الجهة الأخرى وتسطح الفراش، نام واقتربت هي تنام على الطرف وهي تنكمش بجسدها، راقبها وهي ترتجف من الخوف والترقب والقلق، فمد كفه وقربها منه حتى عانقها وهمس بهدوءٍ:

_كدا أحسن علشان تبقي في أمان في حضني.

كتمت بسمتها واستسلمت بغير مقاومةٍ حتى، سلمت بالأمرِ ونامت وهو يضمها بذراعه حتى التفتت له وأصبح وجهها عند تجويف عنقه فتنهدت وغاصت في سُباتٍ عميقٍ سببه لها أمانه الذي حاوطها كأنه يراضي الطفلة التي تأذت بداخل روحها، بينما هو فابتسم بأملٍ لأنها تحاول وتُكافح لأجلهِ ثم نام وهو يضمها بقوةٍ.

بعد مرور ساعتين وأكثر..
صدح صوت هاتفه ففتح عينيه على مضضٍ وسحبه يجاوب بغيب كلام، فقط همهم ليجد أخيه يقول مستنجدًا بلهفةٍ:

_أخويا حبيبي اللي ماليش غيره، أنزلي أفتحلي البوابة نسيت المفاتيح بتاعة البيت والبوابة مش عاوزة تفتح من غير الشفرة، كان لازم تسمع كلامي لما أقولك نغير النظام؟ أديني متسوح أهو.

تثاءب "أدهـم" ونظر للأسفل فوجدها تتشبث به وتتمسك بكتفهِ، ابتسم لأنه لا بريد أن تفقد هي أمانها هكذا، ثم قال بصوتٍ ناعس:

_مش هينفع أنزل دلوقتي وأطلع تاني، أنا تعبان ومش فايقلك، بعدين مش تفتح يا حمار؟ خليك بقى في العربية لحد الصبح.

انفعل "آدم" وهدر فيه بغضبٍ مفتعلٍ:

_نفسي أعرف أبوك كان بيفكر في إيه وهو بيخلف جاموسة زيك.

ابتسم "أدهـم" وأثار استفزازه بقوله:

_نفس اللي فكر فيه هو بيخلف بغل زيك.

_تصدق أنتَ صح، ولا الحَوجة ليك ولأشكالك، أنا هكلم أختي تنزل تفتحلي، نام يا تور.

أغلق الهاتف في وجهه ثم طلب رقمها هي، التقط "أدهـم" الهاتف الخاص بها ورد عليه ببرودٍ جعل الآخر يشتمه ثم نطق بطاقةٍ نافذة:

_يابني ارحمني، هي فين عُـلا؟ وتليفونها معاك ليه؟.

_عُـلا معايا أهيه ونايمة في حضني، خير؟.

ضحك الآخر مرغمًا وقال بسخريةٍ:

_قول كدا بقى، يا راجل أنزل افتحلي الباب واختشي وخلي عند أهلك دم شوية، ما تنزل يا راجل أنتَ، إيه الهم دا.

أغلق في وجهه ثم ترك الهاتف وأبعد كفها عنه وهو يبتسم، راقبها وهي تنام وتفرد خصلاتها حول وجهها فأدرك أنها حقًا تُثير فيه مشاعر كثيرة لم يكن يعرف طريقًا لها من قبل، لثم وجنتها بشقاوةٍ وضحكةٍ مرحة وتحرك من الغرفة نحو الأسفل، خرج من مجمع البنايات نحو البوابة الكبيرة وبمجرد أن لمحه أخوه ابتسم ساخرًا وتشدق:

_إن حضرت الست يغور الراجل؟ اخس على شكلك.

نظر في وجهه بامتعاضٍ ثم قال بسخريةٍ يستفزه:

_ماهو مش منطقي أسيب وش القمر اللي كان معايا وأنزل أبص في وش أخويا، دا عدل بالله عليك؟.

هرول خلفه "آدم" بغيظٍ وقد ركض "أدهـم" ضاحكًا للبناية حتى قفز الصغير فوق ظهره وقام بخنقهِ بذراعهِ فعلت ضحكاتهما معًا حتى وصل كلًا منهما لوجهته، عاد لها "أدهـم" وولج بجوارها ثم قربها لعناقهِ وظل يمسد فوق خصلاتها وهو يفكر متى وكيف استطالت هكذا وهي حين رحلت كانت تصل لمقدمة كتفيها فقط؟ هل اعتنت هي بخصلاتها كما اعتنى هو هنا بألعابها المفضلة؟.

*****

بعد مرور عدة ساعات طلعت فيها الشمس وأضيء العالم بنور رب العالمين، كانت هي تشعر بالألم يسري في بطنها وجسدها، منذ أن عرفت باقتراب موعد سفر زوجها وهي تعاني من اضطرابات في منطقة البطنِ، تأوهت "ورد" بصوتٍ مكتومٍ وانتبه لها "منتصر" فاعتدل وواجهها بسؤاله الخائف:

_مالك يا ورد؟ في إيه أنتِ كويسة؟.

حركت رأسها نفيًا وهي تئنِ بألمٍ ثم ضربت السرير براحة كفها وقالت بصوتٍ مكتومٍ نازعت كي يخرج مفهومًا:

_بطني وجعاني أوي، حاسة إنها بتتقطع..
فيه حقنة الدكتورة كاتباها قالت لو حصل نوع مغص دا آخدها، بطني بتوجعني مش قادرة.

اضطرب لأجلها فتحرك لأنه كان معها وقت موعد الكشف وقد أخبرتها الطبيبة أن الحمل قد يكون شاقًا عليها بسبب ضعف جسدها ولأنها تحتاج لرعاية فائقة، وأن تقضي الأشهر الأولىٰ براحةٍ تامة، أسندها وألبسها الاسدال الخاص بها ونزل من البيت وهي معه تسير بتعبٍ، ولج بها الصيدلية التي كان بها الطبيب ومعه "مروة" التي بمجرد أن رآتهما توسعت عيناها..

اقترب الطبيب يسألهما بقلقٍ من ملامح الباهتة:

_مالها يا أستاذ منتصر خير؟.

_هي حامل والدكتورة قالت إن هي محتاجة راحة في الأول، وكتبت حقنة تاخدها لو حصل مغص أو وجع في البطن بالطريقة دي، معلش يا مروة استأذنك ممكن تديهالها؟.

حركت رأسها توميء له ثم سحبت الروشتة الطبية وتحركت للداخلِ تبحث عن الحُقنة الطبية، وجدتها والتقطتها وقبل أن تعود خطرت ببالها فكرة أخرىٰ، وقفت تبتسم وهي تجد خيالاتها تُبنى داخل مدينة عقلها الفارغة، تحركت تضع الحُقنة وبدلتها بأخرىٰ وحركت كتفيها ببساطةٍ، أن الأمر لم يكن بيدها، سوف تبدل الحقنة المرغوبة بأخرى مكروهة ولا ضرر ولا ضِرار..


                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.

_متنسوش الدعاء لطلاب الثانوية العامة والأزهرية وكل الطلاب في كل المراحل التعليمية، فاللهم أكتب لهم التوفيق يا كريم.

_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..


            الفصل الخامس والثلاثون من هنا 


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة