رواية جمعية حب الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم شمس محمد بكري


|| الخروج من هُنا يلزم معجزة ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

أعديني لنفسي فقد اكتفيت عنيّ اغترابًا..
أعديني لمكاني في عينيكِ حيثُ أنا الذي أعرفني ومن دونك لم أجد لي في الجُملِ إعرابًا..
أعديني للدُنيا الحنونة عندكِ فأنا فقدتني وكأني أمسيت تُرابًا..
دعيني أعود لدربكِ الذي لا أعرف سواه، فأنا لم أعرف عني إلا بعض الصور اقترابًا..
اليوم أمدُ يدي لكِ من وسط الطريق وأعلم أنني ضائعٌ
فرُبما تُهت قاصدًا ورُبما أمسوا العالم عني غُرابًا..
دعيني اقترب منكِ وأجدُ نفسي، فأنا لم أجدني بكل الدُنيا ومكاني عندكِ أنتِ، فمالي من دونك أكون غريبًا بلا خير ولا ثوابًا..

 <"الورد المقطوف من الحقلِ لا يحيا وإن أسقيته غيثًا">

كم عُمر الوردة التي تُقطف من حقلها كي تبقى زاهيةً؟..
لا عُمر يقاس بغير حياةٍ، والحياة هذه تُسمى حياة حين يحياها المرء، حين يمر اليوم وهو على الأقل يختبر مشاعر مُحددة بعيدة عن التيه والقلق والاضطراب والخوف..
عُمر الوردة يُقاس بدوام رحيقها بعيدًا عن الذبولِ..

قام "مُنتصر" بإسنادها وألبسها الاسدال الخاص بها ونزل من البيت وهي معه تسير بتعبٍ، ولج بها الصيدلية التي كان بها الطبيب ومعه "مروة" التي بمجرد أن رآتهما توسعت عيناها..

اقترب الطبيب يسألهما بقلقٍ من ملامحها الباهتة:

_مالها يا أستاذ منتصر خير؟.

_هي حامل والدكتورة قالت إن هي محتاجة راحة في الأول، وكتبت حقنة تاخدها لو حصل مغص أو وجع في البطن بالطريقة دي، معلش يا مروة استأذنك ممكن تديهالها؟.

حركت رأسها توميء له ثم سحبت الروشتة الطبية وتحركت للداخلِ تبحث عن الحُقنة الطبية، وجدتها والتقطتها وقبل أن تعود خطرت ببالها فكرة أخرىٰ، وقفت تبتسم وهي تجد خيالاتها تُبنى داخل مدينة عقلها الفارغة، تحركت تضع الحُقنة وبدلتها بأخرىٰ وحركت كتفيها ببساطةٍ، أن الأمر لم يكن بيدها، سوف تبدل الحقنة المرغوبة بأخرى مكروهة ولا ضرر ولا ضِرار..

خرجت بالحُقنة التي بدلتها وأشارت لها أن تقترب وقد ولج بها "منتصر" مرورًا من الباب الصغير لكن الطبيب أوقفهم حين قال بهدوءٍ:

_استني يا مروة معلش تعالوا.

التفُّوا له جمعًا فقال الطبيب موجهًا كلماته بهدوءٍ لـ "ورد":

_معلش يا مدام ورد لازم نعمل اختبار حساسية الأول قبل الحُقنة علشان لو فيه لا قدر الله حساسية نلحق نشوف حل.

عقدت حاجبيها وقد هدأ الوجع نسبيًا وهمست بصوتٍ منخفض بعض الشيء:

_بس أنا ماعنديش حساسية من حاجة.

ابتسم لها بودٍ وتحدث بصوتٍ أكثر بساطةً:

_كلنا والله فاكرين كدا، بس معظم الناس عندهم حساسية من مواد مُعينة في الأدوية والعقار الطبي، ناس عندها من المسكنات، وناس من مواد المورفين عمومًا، إلا بقى لو مصممة دي هتكون على مسؤوليتك أنتِ أي ضرر يحصل.

نظرت لزوجها تسأله بعينيها فربت فوق كفها وقال:

_لأ معلش اعمل يا دكتور اختبار الحساسية أفضل، على الأقل لو فيه حاجة نبقى لحقنا نفسنا، مفيش يبقى مش هنخسر حاجة.

وافقه الطبيب والتفت يوجه كلماته لـ "مروة" بنبرةٍ عملية:

_معلش يا مروة هاتي الإبرة نعمل اختبار حساسية وناوليني الحقنة اللي معاكِ.

توسعت عيناها لأنه بالطبع سوف يعلم الحقيقة إذا رأى الحُقنة الطبية، دارت الخيالات في رأسها بأشياءٍ تكرهها وتخشاها، فإما تكون أمامه جهلة لا تُدرك شيئًا، وإما تكون قاتلة وأشبه بساحرة شريرة، التزمت الصمت وهي تتحرك نحو الدرج ثم سحبت الإبرة الصغيرة الخاصة بالاختبار، وفجأة قالت بلهفةٍ:

_معلش يا دكتور هجيب حقنة تانية من جوة علشان تبقى جاهزة برة التلاجة وتهدا لحد ما نشوف الاختبار.

قبل أن يرد عليها ولجت بهرولةٍ ثم وقفت تلتقط أنفاسها، حاولت تنظيم ضرباتها وهي تُدلك موضع نبضها وقد شعرت بحرارة جسدها ترتفع، مدت أناملها الرجوفة ومسحت جبينها ثم رمت رأسها تستند على رفِ المخزن بعدما شعرت بالأرض تُميد من تحتها..

ما لبثت ثوانٍ في كهفها ثم خرجت لهم تبتسم بتوترٍ ومدت يدها بالإبرة المطلوبة طبيًا، التقطها الطبيب منها ثم تفحصها وبدأ بعمل الاختبار الطبي وما إن قام به واطمئن بعد مرور دقائق كثيرة تأكد من عدم وجود أية أثار جانبية أو أضرارٍ يتحسس بها جسدها أخبر "مروة" بلباقةٍ:

_أديها الحقنة بس مش كلها على مرة واحدة، هتاخدها على مرتين، مرة دلوقتي ومرة تانية بليل قبل النوم، أهم حاجة بس تخلي بالك يا ورد بلاش مسكنات ولا أي علاج من غير روشتة، وفيه أكل ومشروبات وحاجات هكتبها لأستاذ منتصر يخلي باله منها الفترة دي علشان تعوض الفيتامينات والمعادن اللي جسمك محتاجها.

ابتسمت تشكر الطبيب ثم ولجت مع "مروة" التي كانت ولازالت ترجف بسبب خوفها من كشف أمرها، لذا عرضت عن الفكرةِ وتخلت عنها وتركتها تنسَّل من بين شقوق عقلها كي لا تُنفذها صدقًا، حقنتها بالإبرة الطبية ثم أخرجتها لزوجها الذي أمسك كفها وسار بها نحو البيتِ..

قابلتهما أمه على الدرج وسألته بلهفةٍ قلقة:

_كنتوا فين على الصبح كدا، مالك يا ورد؟.

تولى ابنها الجواب ينوب عن زوجته بقوله الهاديء:

_تعبت شوية الصبح ونزلت خدت الحُقنة هخليها تطلع ترتاح شوية وتفطر عن إذنك يا ماما علشان بس ترتاح شوية.

_يوه ودي تيجي؟ تعالوا أحضرلكم الفطار هنا وتاكلوا معانا علشان ورد ترتاح شوية، تعالوا يلا أدخلوا.

عجبًا لأمر المرء حين يأتيه مُراده، يتبدل كُليًا حين يكون الشيء الذي يرغبه آتيًا له في طريقهِ، وكأن الكون كله حُيِّز له، ولجت مع زوجها تجلس فوق الأريكة ثم استندت إلى الخلف ليقترب منها "مُرسي" بمقعده ثم ربت فوق كفها بحنوٍ وقال:

_معلش هو علشان أول حمل ليكِ بس، إن شاء الله لما تمشي على العلاج وتسمعي كلام الدكتورة وتخلي بالك من الغذا والأكل دا هيكون أفضل بكتير، ومش عشان اللي في بطنك بس، دا علشانك أنتِ يا ورد.

ابتسمت له بحنوٍ وحركت رأسها توميء له بحركةٍ طفيفة ثم مدت كفها وقالت بصوتٍ دافيء يشبه الدفء الآتي من قلبها:

_ربنا يبارك في عمرك يا بابا ويخليك لينا، وتفرح بيه وتشيله على إيدك ويكبر في حضنك وحنيتك عليه، دا من حظه إنه هييجي يلاقي جد جميل زيك.

اقترب يُلثم جبينها ثم ابتسم لها وحمد ربه على نعمة تواجدها، لقد أتت وحولت بيتهم الرث الخرب إلى حقلٍ مُزهر بالوردِ والرحيق الدائم، هذه التي لأجلها تُهد الدنيا وتُبنى فقط لأجل أن تكون دائمًا بخير، يتمنى لها الرجل أن يُصرف عنها كل شر ويُبدله الخالق لها بالخيرِ لأنها لا تستحق إلا كل خيرٍ..

بينما "منتصر" فعاون أمه في إعداد الفطور، كان يعاونها بحبٍ وشغفٍ لأنها أمست أهدأ بكثير عن السابق، أصبحت تهتم بزوجته وترعاها، توصيه عليها لأنها تحمل جنينًا في بطنها وأول حفيدٍ للعائلةِ، قد يبدو للجميع هذا الحُب مشروطًا لكنه على كلٍ أفضل من كرهٍ غير مُبرر.
____________________________________

<"تلك الحصون التي هدمتها لأجلك، بنيتها أنتَ مُجددًا بنفسك">

يقولون أن كسر القواعد لأجل من نستثنيهم تكسر فينا شيئًا لا يُصلَّح..
وهدم القلاع والحصون لأجلهم؛ يهدم فينا روح الشُجعان والمُثابرة، ودخول المنافسة بغير شرفٍ يُجردنا من كل مبدأٍ وآدمية، واستغلال الظروف لدىٰ الضعفاء يثبت الوحشة بداخلنا.

منذ الأمس وهو يتجاهلها ويتجاهل نظراتها وفضولها الذي يأكلها، هي تحاول معرفة السبب وراء ظهور "رحمة" في حياتهم وهو يتلاشى فضولها الذي لم يجد له تبريرًا حتى الآن، خرج من مرحاض غرفته بسروالٍ قصيرٍ استعدادًا لارتداء الثياب لكنه لمحها في الغُرفةِ فنظر لها بجمودٍ وسألها وهو يلتفت لإحضار ثيابه:

_خير محتاجة حاجة؟.

سألها فاندفعت تقترب منه وهي تقول بجمودٍ وصلدةٍ:

_محتاجة نتكلم ونشوف حل للوضع دا يا سليمان، مش هفضل كدا كتير حاططني كمالة عدد وخلاص؟ وبعدين إمبارح كنت بتعاملني كأني مش موجودة حتى قدام اللي اسمها رحمة دي خليتها ترد عليا واستنيت منك رد ماحصلش.

انفرجت ملامحه وابتسم ساخرًا وقد التفت لها ينطق مستطردًا الحديث بقوله:

_كنتِ عاوزاني أرد كمان؟ يعني أنتِ اللي بدأتي الأول واتعمدتِ قدام الكل تعرفيهم موضوع القضية وأحرجتيها وهي ردت عليكِ بالحق، ماتبليتش عليكِ يعني، مش برضه روحتي ترفعي قضية ضدي؟ رغم إني عمري ما كنت هاكل عليكِ حقك، أنا مش فاهم جايبة الاستحقاقية دي كلها منين؟.

توسعت عيناها وهي تُرشقه بنظراتٍ حادة ثم تحركت نحوه تمسك ذراعه وهي تسأله بنبرةٍ عالية شبه غاضبة:

_المفروض إنك تقف في صفي، لو زي ما بتقول كدا ندي بعض فرصة يبقى لازم أنتَ كمان تبطل طريقتك دي وتقدرني، وشوف وضعنا إيه، فيه راجل في الدنيا دي مراته بتتحايل عليه علشان يقرب منها؟ أنتَ حتى مش طايق كلمة مني، كل دا ليه يعني؟.

هي حقًا تتساءل؟ هل تجهل ما فعلت وكيف أثرت عليه بأفعالها، لذا انفجر هو هادرًا بصوتٍ عالٍ دون أن يُحجم غضبه منها:

_عاوزة تعرفي كل دا ليه؟ علشان كل ما أحاول أصفالك أرجع تاني وأفتكر عمايلك، افتكر إني أمنتلك على مالي ومديتي إيدك وسرقتيني، أفتكر إني وقعت واحتاجت حد يمسك أيدي وأنتِ اتخليتي عني، أفتكر إني طلبت منك تراعي عيال صغيرة وساعتها عايرتيني إنهم قرف، أفتكر إني لما كنت بتمنى بس أقرب منك وأخدك في حضني كنتِ بترفضي وتسيبيني لوحدي، جاية دلوقتي عاوزة كل حاجة ترجع زي الأول؟ هو زرار هدوس عليه ينسيني !! دي مشاعر مش بالسهل تتنسي.

نطق مستنكرًا استحقاقيتها وتمسكها بحقٍ لم يكن لها، نظراته أوضحت غضبه وضيقه منها وقد نطقت هي بصوتٍ عالٍ تخبره مُتحفزةً باستياءٍ:

_ولما أنا وحشة أوي كدا وزبالة قِبلت ليه؟ ما كنت طردتني وخلاص وخلصنا كلنا، كنت قولت لبابا إنك مش طايق تبص حتى في وش بنته.

ابتسم بتهكمٍ وترك ثيابه وهو يرد عليها بيقينٍ وبالضرس القاطع:

_شكلك نسيتي أنتِ وأبوكِ يومها عملتوا إيه، هو رمالي الكلمتين وأنتِ قفشتي في المكان وفضلتي، وقدام ربنا لسه ليكِ عدة عندي ولسه أيامها ماخلصتش، وأنا مش هغضب ربنا علشانك ومش هكسر بنفس راجل وثق فيا وقالي إنه زي ابنه، مهما كان هو برضه ليه احترامه عندي، ولا أنتِ فاكراها سهلة عليا إني أطرده بيكِ؟ مع إن أي واحد تاني كان عمل كدا عادي، بس اللي أتربى زيي على الأصول مش هيقدر.

ابتسمت ساخرةً ثم اقتربت منه تنطق بتجبرٍ وقوةٍ كأنها لم تتأثر بما ينطق ويقول هو:

_خليك فاكر بس يا سليمان إنك أنتَ اللي كنت بتجري ورايا وحاولت كتير توصلي وساعتها قولتلك أنا فيه حاجات في حياتي مباتنزلش عنها وأنتَ قبلت ووافقت، جاي دلوقتي تشتكي وتقول يا حرام إني ظلمتك؟ طلعنا كلنا وحشين أوي كدا؟.

انفلجت شفتاه ببسمةٍ ساخرة والتفت يرتدي ثيابه وهو يتجاهلها ثم تشدق بقوله ساخرًا:

_معلش عندي أنا دي، ماكنتش أعرف إن كان قصدك وقتها على الأصول والأصل الكويس، كنت فاكرها شوية مصاريف ودلع وقولت الدنيا كلها تيجي لحد عندك، لكن طالما مفيش أصل يبقى بلاها بقى، وعلى العموم علشان ماظلمكيش قدام ربنا وقدام نفسي، أنا لسه عند كلمتي، معاكِ لحد آخر العِدة، تصلحي اللي فات معايا ومع أهلي ووقتها هرجع أثق فيكِ تاني.

تركته يتحدث ثم فتحت الباب وخرجت من الغرفة بعدما صفكت الباب خلفها بعنفٍ، بينما هو ثبت عينيه على موضع خروجها ثم زفر بقوةٍ وهو يحاول تمالك أعصابه تجاهها، حيث تعتريه رغبة وحشية مُلحة بقتلها، وكأن أصبحت القلاع ضدها بداخله مُحصنة بشكلٍ لا يمكن تصديه بأية مشاعر أخرىٰ..

تلك التي لأجلها هدم كل الحصونِ وتنازل عن الكثير والكثيرِ..
اليوم يشعر بقلبه كأنه مدينة كانت خاوية والآن أصبحت متكاملة ومُحصنة ضدها هي، لم يكن الأمر بسهولةٍ عليه كي يُعيدها حيثُ كانت من قبل، حربه تلك المرة ضدها هي وضد آليات دفاعها المتينة، اليوم الحرب التي بداخلهِ شُنت ضدها هي بعدما كان في يومٍ ما مستعدًا كي يُحارب العالم بأسرهِ لأجلها هي..

في بيت عائلته حيث مسكن شقيقه..
كانت "ثُريا" أمهما تشعر بالسُخطِ بسبب تواجد "مها" في حياتهم من جديد وخاصة حين فُتِح أمامها موضوع القضية التي حاولت أن ترفعها ضد ابنها، كانت تشعر بالغبطةِ وترغب في الثأر لابنيها، تتمنى لو استطاعت أن تثأر لكليهما لكنها التزمت الصمت لحين يحين الوقت المناسب..

ولجت غرفة "سالم" تحمل الفطور له وبعدما طرقت الباب اشرأبت برأسها تبحث عنها فوجدته يُصلي صلاة الضُحى وهو يجلس بموضع القِبلة فوق مقعده، رق قلبها لأجله وطرق الدمع أبواب جفونها ففُتِحَت على مصراعيها له لتنزل عبراتها حزنًا وكمدًا وتأثرًا بحالتهِ، أمومتها هاجت وماجت حين تذكرت أن العجز الذي أصابه كان بسبب المرأة التي ضحىٰ لأجلها بكل شيءٍ..

ولجت بهدوء وانتظرته حتى انتهى من الركعتين ثم التفت لها مبتسمًا حين شعر بها وقد اقتربت منه ووضعت الطعام على مقعدٍ قريب منهما وهي تقول بصوتٍ مكتومٍ بسبب أثر البكاء:

_صباح الخير يا حبيب ماما، عامل إيه النهاردة؟.

ابتسم هو لها بحنوٍ ثم حرك رأسه موافقًا بعدها أطلق العنان لتنهيدة قوية خرجت منه وتبعها بقوله الذي خرج مُتعبًا ومنهكًا كطيرٍ فقد مرفأه ولم يعد له أي موطنٍ ينتمي إليه:

_بحاول أكون كويس علشانك وعلشان سليم وسدره، عارف إنكم في غيابي اتبهدلتوا وعارف إن سليمان تعب أوي واتبهدل علشان كدا بحاول أكون كويس علشان أقف جنبه زي ما هو عمل معايا وعلشان اتعود إني ضهره، مش عاوزه يحس ضهره محني وعاجز كدا، ادعيلي يا أم سالم.

مازحها بجملته الأخيرة بعدما صبغها بالمرحِ حتى ابتسمت من بين زقاق عبراتها المُنسابة وضمت وجهه بين كفيها ولثمت جبينه، ثم ثبتت عينيها على خضراوتيهِ وهي تقول بأملٍ في رحمة الخالق:

_ربك كبير يا حبيبي ورحمته وسعت كل شيء، احمد ربنا وخليك واثق في رحمته بيك وبعيالك وبينا، الحمدلله إنك بخير وكويس قدامنا ورجعت تاني البيت يتملي أمان بحسك، وبكرة تقف من تاني على رجلك وترجع شغلك والسوق من تاني، ربنا ينصرك يابني ويقربلك البعيد ويردلك حقك منها.

أومأ لها وهو يبتسم وقد ولجا الصغيران لهما فضمهما حين فرق ذراعيه فارتميا عليه منعميْن بأمانه وحنانه، مسح فوق خصلاتهما فيما نطقت ابنته تسأل جدتها بعجبٍ تدلي استغرابها:

_تيتة هي فين سُعاد؟ مش موجودة هنا من الصبح.

انتبه هو لاسمها ونظر لأمه التي تنهدت وقالت بقلة حيلة:

_راحت السفارة تخلص ورق هناك علشان ورقها فيه مشكلة، وأبوها باعت إنه عاوزها تروحله تاني، هتشوف بقى هترجع إمتى وتحل الحوار معاه، مع إني ما صدقت ترجع هنا تاني مش عاوزاها تغيب عننا، مهما كان برضه هي لوحدها هناك ومش هتاخد راحتها مع عيلة أبوها.

تنهد "سالم" والتزم صمتًا ثقيلًا فوق روحه، تمامًا كما يجثُم جبلًا فوق صدره يمنع عنه النفس والتنفس، فكَّر فيها هي وابتسم بزاوية فمهِ لأنه ها هو يُحرم منها من جديد، بعدما استأنس بها واستأنست وحشته ببسمتها، لكنه لم يكن أنانيًا لهذا الحدِ كي يتمنى قربها بعدما نال نصيبه من الدُنيا، لطالما كان يُحبها ويُحب الخير لها، سوف يتمنى لها أن تكون بخيرٍ ولو بدونه حتىٰ..

-ياليت الدُنيا تسع لأحلام الفتىٰ
وياليت أحلامه حقيقةً بدونِ تمني،
فما كان للقلب أن يحيا 
إلا وبسيرة الأمل والحُلم يُغني..
____________________________________

 <"مالي بين الناس أكون مفقودًا وبعينيكِ فقط آلف تواجدي">

 إن الابتلاء الذي قد لا يستطع المرء تحملهُ هو فقد الأنسِ..
أن يبقى الإنسان مستوحشًا وغريبًا وسط العالم بأسرهِ
أن يكون هكذا عابر سبيل لا يألف العالم ولا العالم يألفه
لا ينتمي لنقطة أصلٍ واحدة، 
بل هو يعيش على الهوامش والحواف
وكأن الكون بوسعهِ لا يسع تحمله..

منذ الأمسِ وهي سعيدة، آمنة، مُستأنسة، رحلت عنها وحشتها..
فماذا تحتاج فتاة مثلها بعدما وجدت معه؟ لقد آمنت حتى وهي بعقر كهفها المُظلم، لقد كان كما الدواء لروحٍ عَّطِبة موجوعة، دواها هو ومسح بلطفٍ على جراحٍ تظنها لم تبرأ قط..

تذكرت كيف عانقها أمسًا وكيف تمسك بها حتى نامت دون خوفٍ أو قلقٍ أو اضطرابٍ، نامت كأنها لم تنم من قبلٍ، حتى حين قلقت في باكورة الصباح وومضت بعينيها وجدته يتمسك بها كأنه يخشى أن تتركه وتفل، ابتسمت حينها ثم عادت ووضعت رأسها فوق موضع نبضه ثم نامت كأنها طفلة صغيرة تختبر مشاعر عودة رفيقها المُفضل من سفرته الطويلة..

-نسم علينا الهوى من مفراه الوادي
يا هوا دخل الهوىٰ خدني على بلادي..

صدح صوت الدندنة منها تزامنًا مع صوت "فيروز" في صباحٍ شتوي تُغازله آشعة الشمس الدافئة، كانت تتحرك بحماسٍ تقوم بعمل طقوسها اليومية حيثُ ترتيب البيت، تنظيف الأرضية، فتح النوافذ ونثر المُعطر، صناعة الفطور، حياة آمنة تهرب إليها من أي خوفٍ، وقد ولجت المطبخ تقوم بتحضير الفطور باندماجٍ لأجله فقط، تبتسم وهي ترى نفسها تعود لذاتها وروحها الشغوفة ترجع لها تدريجيًا..

زاد الاندماج منها وامتزجت بالأجواء حولها مع صوت "فيروز" وقد استيقظ هو وتحرك يبحث عنها حتى لمحها في المطبخ ثم استند على الباب بكتفهِ يراقبها مبتسمًا بعينيه حتى افتر ثغرهُ ببسمةٍ عذبة وهو يُتابعها ويتابع حركتها الرشيقة بعدما راح عنها خمول روحها، ولأنه رأى نفسه صاحب الحق فيها اقترب منها بخفةٍ ثم مال يسند ذقنه فوق كتفها وهو يسألها بصوتٍ رخيمٍ بث الدفء لروحها:

_صباح الخير، شكلك رايقة النهاردة؟.

خجلت من قربهِ بهذه الطريقة ومن الأريحية التي يتعامل بها وهو يسند كفيه فوق خصرها وخاصة حين احتكت لحيته ببشرتها فأحست بفجوةٍ تتسع بداخل معدتها والفراشات تطوف في حقل ربيعها، لم تستطع أن تجاوبه وفقط اكتفت ببسمةٍ هادئة وهي توميء له، ابتسم هو بالتبعيةِ ثم لثم وجنتها وابتعد يقول بصوتٍ ظهر فيه أثر اعتدال مزاجه:

_هاروح أفوق نفسي وأصلي قبل الضهر ما يأذن.

تحرك وتركها وحدها تحاول الوقوف على قدميها بعدما بعثر خلجاتها وزلزل كيانها بحضوره، لو ظل معها بهذه الطريقة سوف تصل للخللِ الأكيد، سارت القشعريرة في جسدها ولازال جسدها بأكمله تحت تأثير لمساته وعطره الذي اقتحم حواسها وغمرها بالدفءِ..

بعد مرور دقائق كثيرة وضعت الفطور فوق الطاولة بالمطبخ وجلست في انتظاره ثم أمسكت هاتفها الذي أغلقته منذ الأمس فوجدت رسالة من صديقتها "رحمة" التي ردت على صورها التي التقطتها بالأمس برسالةٍ صوتية:

_يا ولا يا ولا على القمر والصور الكريتيف دي؟ كنتِ مخبية الجمال دا كله فين يا بت أنتِ؟ منهم لله كانوا طافيينك وسطهم، ربنا يسعد قلبك يا عُـلا ويفرحك، بس قوليلي مين اللي مصورك الصور الحلوة دي؟ دا شكله بيدوب فيكِ.

ابتسمت هي وضحكت أيضًا ثم كتبت لها بلهفةٍ بخصوص الجزء الأخير:

_تفتكري؟.

كانت تسألها بأملٍ لأنها تخشى أن يكون مشفقًا عليها وليس إلا، أن يكون يعاملها بالإحسان لمجرد أنها متواجدة معه وعلى اسمه، تتمنى أن تكون هي الحبيبة الأولى له فلا تسبقها واحدة وأن تكون الأخيرة فلا تحتل غيرها محلها من بعدها..

جاء الرد لها بعد دقيقتين بالتقريب زمنيًا وهي تقول بيقينٍ:

_أفتكر إيه؟ أنا متأكدة إن فيه مشاعره عنده ناحيتك، اسمعي مني يا عُـلا بس بجد باين من بدري إنه فيه حاجة ناحيتك، نظرته ليكِ، طريقته معاكِ، حتى الصور اللي أنتِ باعتها مبينة ليا إن دا واحد فعلًا فرحان بيكِ وبوجودك معاه، يا ستي سلمي نفسك للموج وعيشي معاه من غير حسابات، أقفلي عقلك خالص وسلمي قلبك، بصراحة أنا حاسة للأسف إنه غلبان ومش قادرة آخد موقف ضده، شكله هيغير تفكيري في الرجالة.

ابتسمت "رحمة" حين أدركت المزاح الأخير ثم استفزتها كتابةً برسالتها:

_طب ما يلا تعالي نشوفلك "آدم" أخويا، هتلاقي أجمل من كدا فين؟ وسامة وشياكة ولباقة وطعامة وشيف شاطر، يعني مستحيل يجرح مشاعر الأنثى فيكِ.

ضحكت "رحمة" التي كانت تقف في رواق المحكمة تأخذ استراحة قصيرة ثم كتبت بسخريةٍ منها ومن أخيها:

_"أخوكِ الأصغر مني؟ ودا هاخده أعمل بيه إيه بالله عليكِ؟ بعدين حرام عليكِ تلبسيه اللبسة دي، دا لو زعلني ديته عندي قضية تشحته، حرام يا ستي، بعدين أنا ماقولتش هتجوز، بقول هيغير تفكيري، بس مش لدرجة أخوه يعني."

_"خلاص هشوفلك صاحبه، كان اسمه إيه فكريني كدا".

_اسمه إنك بقيتي سفلة وعاوزة تتربي يا قلبي".

هكذا دارت المحادثة بينهما حتى ارتسمت البسمة على وجهيهما ثم ذهبت كلًا منهما لواديها الخاص، تفحصت "عُـلا" هاتفها وراسلت أخيها الذي كان مستيقظًا واطمئن عليها وظل يتحدث معها وهي أيضًا، وقد لاحظت رقمًا مجهولًا أرسل لها مقطعًا تصويريًا، فتحت المقطع لتجد جدتها به تُناديها وتتوسلها بالعودةِ !!.

ارتجف جسدها واهتز قلبها كأن الكهرباء قد مسته، ترقرق الدمعُ بعينيها وتبينت ملامح جدتها فانهارت باكيةً وهي تراها مُهملة بينهم لهذا الحد الذي بلغ أشده وظهر عليها بوضوحٍ، قرأت الرسالة المُرفقة مع المقطع حيث كتب لها "مأمون":

_مش مبطلة سؤال عنك ولا عارفة غير اسمك بس، ارجعيلها يا عُـلا وطمنيها، هي تستاهل إنك تحاولي علشانها، وأنا أوعدك كل يوم هطمنك عليها لحد ما ترجعي ليها، بس ياريت يا عُـلا محدش يعرف خالص، خليه بينا الموضوع دا، على الأقل بصفتي ابن عمك وواقف في صفك.

التزمت الصمت ومسحت عبراتها وتركت الهاتف حين وصلها دبيب خطوات "أدهـم" وهو يتقرب منها، مسحت وجهها وكفت الهاتف فوق وجهه بينما هو عاد مبتسمًا وقال بهدوءٍ:

_معلش اتأخرت على ما خدت دُش يفوقني وصليت وحطيت الأكل للغابة اللي جوة دي، أنتِ كويسة؟ مالك وشك قلب كدا ليه؟.

حاولت اختلاق عُذرًا لكنها لم تجد سوىٰ قولها الذي خرج منها مبحوحًا بصدقٍ كَمُنَّ بمشاعرها وانفجر مع عودة السيرة للمُحيط:

_مفيش، بس أنا، سرحت شوية وافتكرت ياقوت ووحشتني أوي، كنت بصحى أعملها الفطار وهي كانت ناسية كل حاجة إلا الصلاة واسمي وأنا، وحشتني أوي ونفسي أشوفها وأتطمن عليها.

أشفق عليها وتبدلت ملامحه واستغفر ربه ثم تحرك وجلس بجوارها ومد يده يمسح وجهها ثم نطق بنبرةٍ حنونة هادئة:

_ماتشيليش هم، بإذن الله هتشوفيها قريب، ماتعرفيش بس عنوان ليهم أو مكان يكون قريب تتوقعيه؟.

حركت رأسها نفيًا ولازالت العبرات تنزف من عينيها فابتسم هو وأكمل الحديث بقولهِ:

_ماتشيليش هم، أنا هحاول أعرف لهم طريق وأخليكِ تشوفيها، يلا كُلي الأول بس وافطري، يلا بسم الله.

التقط لُقيمة صغيرة وأطعمها مبتسمًا المُحيا حتى ابتسمت عيناها له، حنوه عليها غريبٌ كونه لم يُحجم مشاعره ويتركها على سجيتها، أشار لها فبدأت تتناول طعامها لكن صوتٌ ما في داخلها انشقع كما نور الفجرِ يُخبرها أنها أخطأت حين أخفت عليه ما حدث، وصوتٌ يعارضه أنها تخشى رد فعله وتخشى أن تفقد أمانه هذا الذي يحاوطها به..

تضاربت الأصوات والمشاعر حتى يأست هي للوصولِ إلى حلٍ وسط يُرضي كل الأطراف وفي النهاية رضخت بالصمتِ وهي تتابعه يتناول فطوره بهدوء وملامحه هادئة ومنبسطة، فخافت أن تفسد عليه صباحه أو حتى يتبدل حاله هذا..

-يخشى المرء كل الابتلاءات إلا ابتلاء الفقد..
لأنه لم يُخيل له ولو لمرةٍ أن موعد الفراق بات قريبًا
حتى تلك الأحلام التي يبنيها ويعيش على ضفاف تحقيقها 
تفارقه بومضة عينٍ، فيكون الابتلاء في مُعايشة الفقدِ
والاعتياد عليهِ..
____________________________________

    <"وإن اطفئوا النور فيك، احرق لهم المدينة بأكملها">

بكم يُقاس عمر الإنسان؟.
يُقاس بنضجهِ من السنين، وبتحمله للخيبات، ومصادقته للأزمات، وبرجاحة عقله وقت الخلافات، لم يكن العمر هو الاعتماد الكُلي على القياس، بل العُمر فعليًا بكم قاوم المرء رغبة الانهيار وكم عاد لرشدهِ بعد الانتحارِ..

منذ الفجر والنوم يهجرها ويُجافيها، استيقظت بخوفٍ وكأنها بداخل متاهة كل المسارات فيها تؤدي لأبوابٍ مغلقة، كانت تلهث بعنفٍ كأنها بداخل كابوسٍ تغرق فيه وكُلما حاولت أن تصرخ بُحَّ صوتها وتاهت من جديد بين طيات الموجِ، أو رُبما هي تشبه الخائفة حين يركض خلفها كلبٌ ينبح ثم يهجم عليها وهي خرساء تفشل في النجاةِ حتى لو بالصراخِ..

تحممت وأزالت عن جسدها عفن ليلة أمسٍ وتلك الروائح العفنة الكريهة التي اشتمتها وعَلُقت بها، ثم ولجت غرفتها وارتمت فيها وهي تقاوم كي لا تسحبها الدوامة الساحقة التي تدهس روحها، قاومت وقاومت حتى خارت قواها وانهارت باكيةً..

تبكي نفسها وتبكي حالها وتبكي فقدان والدها العزيز، تبكي لأنها لم تعِش في ظل هذه الأزمات إلا حين رحل هو عن دربها، لقد عاشت في خيره عزيزة ومُدللة ولم تُذَّل أو تهان بمثقال ذرةٍ مما عايشت وهو ميتٌ، بكت وتمنت لو كان البكاء سبيلًا في الخلاص من ثقل روحها وإنطفاء وهجها..

أمسكت الهاتف تتفحصه فوجدت عشرات الرسائل من "غسـان" منذ الأمس يحاول الوصول لها، ومكالمات عديدة منه، كلمات دعم وتشجيع وكلمات مواساة وتحميسٍ، تشوشت الرؤية في عينيها، تركت الهاتف ومسحت عينيها لأن التجربة التي عاشتها أمسًا من أبشع التجارب التي قد تمر بها فتاة بمثل عمرها..

-آهٍ لو كانت الدنيا أخف..

كانت تتذكر هذه الجملة منذ الأمس وهي تفكر لمَّ لمْ تكن دُنياها أخف من هذا الثقلِ؟ لمَّ الطريق الذي تمشيه أمسى صعبًا لهذه الدرجة؟ حتى الحبيب الذي أتاها يشابه أحلامها وأمانيها شارفت على فقدهِ لأنها حتمًا سوف تفقد نفسها، وإذا فقدت نفسها فها هي تفقد كل شيءٍ يخصُها..

في بيت أبيه كان ينتظر ردًا منها، يتمنى لو فقط جاوبت على رسالة واحدة فقط وتختفي بعدها، منذ الأمسِ وهو يشعر بالسعير في قلبهِ.
مسكين الفتىٰ النيران تحاوطه من كل اتجاهٍ وهو يحلُم بالنجاةِ سالمًا..

طُرقَ باب غرفته فتحرك يفتحه ليجد في وجهه "رئيفة" وهي تقول بجمودٍ قصدته معه حتى يتيقين من غضبها:

_سيادتك صاحي؟ عاوزة أتكلم معاك.

أشار لها بصمتٍ فولجت الغرفة وجلست على طرف الفراش بتحفزٍ وهي تمسح بكفيها فوق ساقيها وقالت بهدوءٍ حاولت اقتباسه من المكان حولها:

_أنا سكتت وقدرت حالتك إمبارح ووضعك، بس تقدر تقولي إيه اللي سيادتك عملته دا؟ رايح تحط إيدك في أيده بأنهي وجه حق يا غسان؟ تفتكر هو ممكن يرحمك؟.

وبنفاذ صبرٍ جاوب لأنه كما العليل وعلته في قلبه:

_يا ستي مايرحمنيش أنا، بس على الأقل يرحمها هي طالما في أيده يعمل كدا، أنا ماكنتش هقدر استنى ساعة كمان في الوضع اللي هي فيه دا، كنت عاوزها تخرج سليمة من جوة بأي طريقة، الكلام سهل على اللي مجربش يكون مكان غيره يا ماما.

ابتسمت هي بتهكمٍ ونطقت تسخر من استهانته بقدر جده:

_وتبقى عبيط لو فاكر إن هو هيقبل منك بأي مقابل وخلاص، جدك طول عمره أناني ويحب ياخد أكتر ما يدي، مش بعيد يستعبدك عنده ويخليك زي الخاتم في صباعه، اسألني أنا عيشت معاه أصعب سنين عمري، ولسه لحد دلوقتي بدعي ربنا مايحوجنيش لا أنا ولا طاهر لِيه، يروح ابني يتحوجله ويعمل اللي عيشت عمري كله بخاف أعمله.

تجاهل الرد عليها والتفت يُطبق جفونه فوق بعضها في محاولة كاذبة لتهدئة النفس، تذكر العرض الذي عرضه عليه جده وتذكر كيف وافق بعدما وضع شروطه وصنع صفقة كريهة على قلبه فقط لأجلها هي، قاوم كل شيءٍ وتحمل ما يكره وباع الكل وخاطرهم ولم يشرِ غيرها، وكأنه فقد الانتماء لهذا العالم إلا هي..

-لا يُمكن للمرء أن يقول أنه يُحب هكذا..
بغير استعدادٍ للتضحيةِ
ولا حتى بغير تحمل ما يكره لأجل من يُحب 
لا يمكن للمرء أن يصف نفسه مُحبًا
 إن لم يرمِ نفسه في النيران؛ فتحاوطه فيكون كل همه أن ينجُ لأجل سلامة من يُحب
الحُب يحتاج للشجاعة، والشجاعة لا تعني زوال الخوف..
بل هي تعني السير في الدرب المكروه رغم حتمية وجود الخوف.
____________________________________

    <"قد يضيع الماضي منَّا، لكن حاضرنا هو فرصتنا">

الأيام التي تمضي لا تعود
واللحظات التي يعيشها الإنسانُ بمشاعرها لا تتكرر
فإن لم يصنع المرءُ الذكرىٰ في حاضرهِ
ستبقىٰ الذكريات بذاتها هي الأحلام في ماضيه..

هو الوحيد الذي انتصر على نفسه وماضيه في هذا البيتِ، استقر في البيت مع زوجته، استقر في العمل وأصبح أكثر شغفًا وحماسًا بشهادة الجميع في المكان، عَوض ابنه عن فترة غيابه فأصبح يرافقه ويطمئن عليه ويسهر معه حتى يتركه في فراشهِ ليلًا، أوقف والده عند حدوده فلم يعترض طريقه أو طريق زوجته..

أنهى "يُسري" الإشراف على العُمال في المكان الذي جدده هو ليُعيد له رونقه وسحره بداخل القرية، حيث الشلالات المُضاءة ليلًا وصوت خرير المياه عاد ليخبره أن المياه مهما تقطعت بها الأسباب؛ سوف تعود لمجراها من جديد..

ركب سيارته في طريقه للعودة إلى بيتهم القريب، كان أكثر هدوءًا واتزانًا ولم يُعكر صفوه إلا أخبار حالة "يحيى" وابنته، كان يفكر في آلاف الحلول لأجله ولأجل ابنة شقيقته وقرر أنه سوف يأخذ الخطوة لأجل إصلاح حياته هو الآخر، كما نجا هو من الطوفان سينجُ رفيقه أيضًا، غاص في أفكاره حتى وصل للبيتِ وولجه بهدوءٍ ليجد زوجته تركض خلف ابنها الضحوك وهي تمسك الصحن في يدها..

_طب مفيش خروج من البيت من غير أكل يا صُهيب.

علا صوت ضحكات الصغير وهو يقفز فوق الأريكة وفجأة التقطته يد "مُـراد" الذي كتفه في عناقه ثم أشار لزوجة أخيه ضاحكًا بتشفٍ وانتصارٍ ورفع صوته بقوله:

_أكليه بسرعة يا ولاء يلَّا.

دسَّ الملعقة في فمه فضغط عمه فوق فمه وحذره بقولهِ:

_لو طلعت الأكل من بوقك هسيبك هنا وأخرج، أبلع.

بلع الصغير طعامه بضجرٍ وهو يشعر أنه طيرٌ محكومٌ بداخل قفصه وقد اقترب منه "يُسري" ضاحكًا ومُتشفيًا به فارتمى عليه ابنه وهو يشكو له أفعالهما في حقه:

_شوفت عملوا فيا إيه؟ اتكاتروا عليا.

ضمه والده لعناقه يمسح فوق خصلاته الشقراء فتدخل "مُـراد" يقول بنبرةٍ جامدة لابن شقيقه:

_مش قولتلي هتاكل وتبقى قوي؟ بترجع في كلامك ليه؟ كمل طبقك يلا علشان نخرج مع بعض، يلا أنا مستنيك برة في العربية.

مد الصغير جسده لأمه فأطعمته هي بحنوٍ وببسمةٍ بشوشة زينت مُحياها لتجده أنهى طعامه مُسرعًا ثم قفز خلف عمه للخارج عند مرآب السيارات، راقبه والده بعينين حنونتين لم تزل عنهما الابتسامة وقد لمحته زوجته فتفوهت بمحبةٍ خالصة:

_فرحانة إن مُراد أخيرًا بدأ ينشغل بحاجة تانية غير الشُرب والسهر، ماكنتش أعرف إن أثر صُهيب هيكون شديد أوي كدا عليه، أنا فرحانة إنك خدت بالك من حاجة زي كدا وخليتهم يقربوا من بعض تاني، ربنا يباركلنا فيك.

حرك عينيه نحو موضع وقوفها فابتسم مُرغمًا حين تذكر كيف تشبثت به أمسًا وهي تخبره عن شوقها له وأن مشاعرها له ازدادت، وبالطبع لأجل هرمونات الحمل المضطربة هو راعى تلك النقطة وراعى حالتها، لذا ضمها لعناقه يأويها حتى استيقظت في الصباح الباكر تتقيأ وتصرخ من التعبِ..

وصلت عند الدرج فتحرك خلفها وقبل أن تلتفت تناظره كان تلقفها هو مثلما خطط ودبَّر لتسقط بقرب عناقه، ارتبكت هي على الفورِ وزاغ بصرها بعيدًا عن مرمى عينيه المُشاكستين بتوترٍ حتى همس هو لها بشقاوةٍ:

_ماوحشتكيش؟ مش فاكرة السلم دا خالص؟.

خجلت هي من همسهِ وتلميحهِ وحركت رأسها نفيًا بخجلٍ فاقترب يميل عليها ثم اختلس قبلة من وجنتها الناعمة حتى أجفل جسدها وفي هذه اللحظة صدح صوت عمه "حُسني" من أعلى الدرجِ بضحكةٍ واسعة:

_ما تتلم يا حيوان أنتَ، عيب على طولك.

توسعت عيناها هي بهلعٍ فيما اشرأب هو برأسه ناحية وقوف عمه ونطق بسخريةٍ يمازحه:

_عندي أنا دي يا عمي، معلش افتكرت نايم.

_لا صاحي، صاحي يا يُسري يا كبير يا عاقل.

عاود "يُسري" النظر في وجهها وهو شبه قابعة في أحضانه وفي هذه اللحظة خرجت أمه بصحبة أبيه من غرفتهما وحينها التقتطهم كل الأعين فابتسم ساخرًا وتشدق بنزقٍ لها:

_سمعتي عن المفضوح فضيحة بجلاجل؟.

حركت رأسها توميء له بانشداهٍ وغير استيعابٍ ليضيف هو ساخرًا:

_هوريهولك حالًا.

أنهى جملته ثم حملها فجأةً فوق ذراعيهِ بعدما انفلتت منها شهقة عالية، وقد ضحكت أمه وعمه وابتسم أبوه على أفعاله حتى اختفى بها من أمامهم جميعًا وولج غرفته ولم يكترث بهم وبما قد يظنوه بشأنه، هو الآن في مرحلة التمرد على السُلطات وعصيان أوامر الطُغاة، هو يقتنص حقه من الحياة كي يحيا ويعيش ما فاته حتى وإن كان هذا الحق قيد التنفيذ ويقبع فوق طاولة التحقيق..
____________________________________

<"لم أعرف يومًا طريقًا للنجاةِ، فأنا دائمُ التوهان في دروبها">

أكتوبر 1998

تلك البوصلة التي وُجِدت قد ترشد كل التائهين كانت هي السبب في فقداني أنا لرُشدي ووعيي، 
لم يكن الحُب يومًا بوصلةً لي، بل كان سببًا كي أفقدني في كل مسارٍ مشيته له، فعساه يُنجدني الحُب من فقداني لنفسي..

مر شهرٌ على زواجهما واجتماعهما في بيتٍ واحدٍ، منذ شهر وهي تسكن معه في هذا البيتِ وقد اعتادت تلك الحياة المُسالمة، وحتى الآن لم يُفضيا لبعضهما كزوجٍ وزوجة، لكنهما كانا كما الشريكين في بيتٍ مأجورٍ، يعود "طاهر" كل يومٍ بعد عمله فيجد الطعام جاهزًا، رائحة عطرها تفوح في الشقة المتواضعة، البيت مُرتب وجاهز وكل شيءٍ به منظم ونظيف، وهي هادئة تشبه نسمات الصيف..

ولج كعادته فوجدها تضع الطعام له ثم تركت كوب العصير وحولت قناة التلفاز على نشرة أخبار التاسعة مساءً وهمست له بخفوتٍ:

_محتاج حاجة؟ يادوب هطلع أنام.

انتبه لصوتها المرتبك بعض الشيء ولاحظ أنها تستعد للذهاب من أمامه فنطق بهدوءٍ يدعوها كي تشاركه الجلوس ناطقًا بأدبٍ ورزانةٍ:

_ممكن تقعدي؟ محتاج أتكلم معاكِ في حاجة مهمة.

حركت رأسها توميء له وجلست بقربه على مقعدٍ يجاوره فتنهد هو ورتب أنفاسه ثم باشرها في الحديث بقوله:

_أنتِ عارفة طبعًا وضع شغلي وإني كل فترة بروح مأموريات وبيكون عندي تدريبات أو بدي تدريبات للطلاب، بس المرة دي أنا عندي تدريب تبع وحدة التجهيز والتدريب للقوات الجوية، ودي للأسف أكاديمية داخلية هقعد فيها فترة على بعضها، أنا عارف إن أنتِ لسه بتتوعدي على وجودي ويمكن اللي مخليكِ لسه هنا هو وعدي ليكِ إني أسفرك، وأنا عند وعدي يا "رئيفة" هتسافري وتكملي تعليمك، بس لما أرجع من التدريب دا.

تبدلت ملامحها واُسطتير وجهها حيث بُهِت لونه لأنها سوف تفقد هذا الدفء والسلام الذي يغدق روحها معه هُنا، ثبتت عينيها على ملامحه وجاهدت لتنطق مستفسرةً بخفوتٍ:

_طب والتدريب دا تقريبًا قد إيه؟.

لاحظ هو حالتها وقلقها فجاوب بأسفٍ:

_تقريبًا شهر وأسبوع.

وقتها حقًا شعرت بالخوف، كيف ستعيش وأين ستعيش بدونه طوال هذه المُدة وهي تتشبث بالأمان الذي وجدته معه في بيتهِ؟ لاحظ هو اضطراب أنفاسها واختلال نظراتها فنطق مُسرعًا:

_متخافيش مش هخليكِ لوحدك الفترة دي أكيد، هسيبك تختاري المكان اللي تقعدي فيه واللي تحسي إنه أريح ليكِ، سواء في بيتك عند والدك لو تحبي، أو في بيت أهلي مع أمي، وعلى فكرة أبويا هيكون معايا لأنه مسؤول عن تدريب الدفعات الجديدة، أنا هسيبلك الاختيار واللي ترتاحي ليه أعمليه..

أنهى الحديث وتركها تُفكر حتى اختارت أهون الشريْن عليها، اختارت البقاء صحبة أمه كي ترعاها وتكون معها في فترة غيابهما ولأنها تخشى التواجد مع أبيها في بيتهِ، ذهب بها لهُناك وجلست مع أمهِ طوال هذه الفترة بدونه، اكتشفت أنها تشتاق له، تشتاق لهدوء طباعه، لرزانة أفعاله، واكتشفت أنها طوال الشهر الذي قضته معه لم تفعل شيئًا غير أنها فقط تراقبه وتتأمله..

حفظت كل طباعهِ عن ظهر قلب، هو عاشق لكتب التراث التاريخي ومُحب لأساطير اليونان، شغوفٌ بقراءة الإلياذة والأوديسة، مولعٌ بقراءة كتب التفكير السياسي والحربي، مهووسٌ بحب القراءة في أنماط العقل والقيادات الرئيسية بمختلف الدول والشعوب، عاشق لمجال العلوم الحية وعلوم الفضاء، برنامجه المفضل نشرة أخبار التاسعة مساءً، واكتشفت وجبته المفضلة حين صنعتها له فأنهى صحنه وطلب منها المزيد ووقتها اكتشفت أنه يعشق "البامية بقطع اللحم"..

انقضت فترة التدريب أخيرًا وهي تشتاق له كل يومٍ أكثر، تتمنى مجيئه وظهوره من جديد أمامها ويُطمئنها خاصةً بعد انقطاع التواصل بينهما، وقد عاد والده صُبح اليوم المحدد ولم يعد هو، انتظرته حتى المساء وجلست في حديقة البيت وقد هاجرها النوم، تسأل عنه بين الحين والآخر والجواب هو نفسه، قارب موعد وصوله..

وقفت في الحديقة تمشي بها بخطواتٍ هادئة ووقفت بجوار شجرة متوسطة الطول، مدت يدها تتفحص وريقاتها فداهمها نداءٌ ملهوفٌ:

_رئيفة !!.

التفتت له بصدمةٍ احتلتها وناظرت موضع وقوفه حتى ترك هو الحقيبة وركض لها، اقترب يتخطى الحدود التي تفصل بينهما ثم خطفها في عناقهِ فجأةً بغير حديثٍ أو كلامٍ حتى ضمته هي الأخرى وتعلقت بعنقهِ فهمس لها بصدقٍ نبع من قلبه:

_وحشتيني، وحشتيني أوي يا رئيفة.

كان الإعلان الأول منه لها، الكلمة الأولى التي أتت محملة بصدق المشاعر وحقيقتها، الكلمة التي جعلتها تشعر بالحياة في قلبها بعدما ظنته ميتًا وفارق الحياة…
تلك الكلمة التي أصبحت على قلبها أحب مما يُخيل لها على مر العصور والأزمنةِ، حيث كلمة البداية والإشارة نحو الطريق الصحيح.
____________________________________

<"لم يكن حُلمي في حياة مثالية، كان حُلمي في حياة أحياها">

الاعتدال مطلوبٌ في كل شيءٍ..
إلا أحلام المرء هي التي تستحق المبالغة 
تستحق أن يسعى المرءُ لها ليصل بها عنان السماءِ
فيكون طيرًا نال حُريته وحقق من النصيب حُلمه..

بعد مرور يومين..

بدأ الليل يغزو يومهم، يجيء ويفترش لتصبح السماء كحيلة، وقد عاد "حلمي" لشقته ليجد زوجته تتحدث في الهاتف، وقد كان هو في حالة سكونٍ وهدوءٍ منذ أن أخبر رفيقه بالحقيقة، منذ أن كشف له عُري روحه وسترِها وهو يشعر بالضياعِ، ضائعٌ لأنه يشعر بالخللِ في كل حسابات شخصه ووصفه، كان أنانيًا ولازال في اختياره..

كانت هي تتحدث مع أبيها في الهاتف بملامح مُبهمة غير مفسرة، جلس بقربها حتى أنهت المخابرة الهاتفية وزفرت بقوةٍ، وحين سألها بعينيه عن سبب تحولها هكذا جاوبته بحنقٍ:

_بابا جاي بعد أسبوعين من السفر، بيقولي إنه وحشته وهييجي يقعد معانا كام يوم، قولتله ييجي ينور كدا كدا مش فارقة.

لاحظ هو استياء ملامحها فسألها بنبرةٍ مُنهكة:

_طب ما دا كويس خليه ييجي.

_مش بالساهل ييجي وأكون معاه عادي، أنا بحس إني بعمل مجهود لمجرد إني أتعامل معاه، بحس إني واحدة غريبة قصاد واحد غريب عنها، أنا مش متعودة عليه لسه، بحسه غريب عني ومضطرة أجامله، دا اختار كل حاجة وماختارنيش أنا ولا مرة، حب كل حاجة في الدنيا بس ماحبينيش أنا، غصب عني يا حلمي.

كادت أن تبكي فضمها تستند برأسها على كتفه، احتواها كما يفعل كل مرةٍ، ضمها له وتركها تلتحد فيه هو لعلها تستقر من شتات روحها هذا، وقد التجأت هي لمأمنه لأنها تعلم أنه الوحيد الذي يعطيها ما لم يستطع أحد أن يعطيها إياه، يأويها ويستعد لأجلها للنزالِ، يلبس الوجه الأكثر كُرهًا من العالم فقط كي لا يمسها الضُر وتبقى آمنةً معه..

*****

في معرض سيارات "سُليمان الإدريسي"..

طال العمل وزاد وهو يستقبل سيارات جديدة تابعة لأحدث وأجدد توكيلات السيارات، كان ينتظر في العمل وقد ترك الهدنة تعقد الأيام بينه هو وطليقته، لاحظ أنها خضعت أخيرًا وأصبحت أكثر هدوءًا واتزانًا له لعلها بذلك تربح رهانه الذي وضعه هو…

أخرج هاتفه وطلب رقمها ليأتيه الرد منها بعد المكالمة الثانية وحين ردت نطق هو بنبرةٍ تعوبة مُنهكة:

_أنا هتأخر شوية واحتمال آجي آخر السهرة بليل، لو مش هتعرفي تقعدي لوحدك بليل كدا ممكن تروحي بيت والدك أو بيت أختك، عندي كام حاجة مهمة في المعرض وجاي.

_تمام، هفضل هنا مستنياك.

ردت عليه بهذا الهدوء فأغلق الهاتف وعاد للعمل يتابع ترتيب السيارات بداخل معرضه، يعيد التنظيم بواسطة العاملين لأنه صاحب رؤية خاصة في هذا المجال، ومن وسط المئات ترك بصمته كي يُعرف من بين الجميع، اندمج في العمل قرابة الأربع ساعات حتى شارف الوقت على الحادية عشر مساءً..

أنهى العمل وأخبر العاملين بالرحيل ورحل هو الآخر، ولج بيته بهدوءٍ وإنهاكٍ وبحث عن "مها" لكنه لم يجدها، ظل يُناديها لكنه فشل في العثور عليها، جلس من جديد فوق الأريكة وطلب رقمها فوجد الهاتف مُغلقًا، عقد حاجبيه ثم طلب رقم والدها، وحين جاوبه اعتذر منه بلباقةٍ:

_معلش يا عمي حقك عليا، بس أنا جيت مالقيتش "مها" هنا قولت يمكن جت عندكم، لو موجودة معلش عرفني.

رد والدها بجهلٍ في الأمر:

_بس هي مش هنا يابني والله، متأكد إنها مش عندك؟.

تأهبت حواس "سُليمان" واعتدل في جلسته متأهبًا، ثم سأله مستنكرًا:

_مش عندك؟ طب ممكن تكون راحت لأختها؟.

وبارتباكٍ ازداد عن السابق أتاه الرد من أبيها:

_والله يابني مش عارف أقولك إيه بس أختها هنا عندنا هي وولادها.

توسعت عينا "سُليمان" وفرغ فاهه ومن شدة غضبه أغلق الهاتف ودفعه بعنفٍ ثم ترك موضعه وخرج يقف في حديقة البيت ويُعيد البحث عنها، وقف والسعير يزداد في قلبه والنيران الموصدة تصل لرأسه وقلبه من شدة غضبهِ، كاد أن يتحرك لكنه لمح سيارة إحدى صديقاتها القُدامى تصف بجوار البيت وتنزل منها هي والساعة قد شارفت على الواحدة صباحًا..

ترجلت من السيارة تسير على رؤوس أصابعها لكنها اصطدمت به وشهقت بخوفٍ ولأول مرةٍ ترى النيران المُشتعلة في غابات عينيه، تيقنت أن تلك المرة هي نهايتها الحتمية والخروج من نيرانه يلزم معجزة بلا شكٍ.


                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.


_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة