
1- قربان..
وقفت العربة، رباعية الدفع السوداء أمام البناية المقصودة، ليطل هو من نافذة السيارة المشرعة قليلا، ناظرا لبرهة صوب طابق بعينه، وأخيرا تنهد مسندا جبينه على عصاه في قلة حيلة، يتساءل في نفسه، هل ما سيقدم عليه الآن، يعد بعين المنطق والعرف، مقبولا! سؤال ظل معلقا بلا إجابة شافية، فهو لا يجد تبريرا لفعلته التي يهم بها، والمضطر إليها اللحظة، في أيهما.
همس خفيره بنبرة هادئة، مدركا تماما للعاصفة العاتية التي تجتاح نفس سيده: مش هنزلوا ولا إيه يا عفيف بيه! العمارة بتاعت الباشمهندس أهي.
رفع عفيف جبينه, من فوق كفيه المتشابكتين فوق الرأس المعقوف لعصاه, هامساً بما يضطرب بصدره لمناع: و الله ما أني عارف يا مناع، اللى هنعِمله دِه صح، ولا عملة شينة هنتعيروا عليها العمر كله!
همس مناع: يا عفيف بيه، اللي حُصل برضك مش هين، وأنت باللي هتعمله، بتلحج المصيبة الكَبيرة جبل ما تچرى، وأهي دي بچد، اللي هنتعيروا بسببها العمر كله، وهتطول عيال عيالنا كمان يا بيه.
هز عفيف رأسه متفهماً ومدركاً لصدق حديث مناع، وحقيقة ما أفضى به، فتنهد من جديد، دافعا التردد جانباًا، مترجلا من السيارة، صوب مدخل البناية، يتبعه مناع، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
★★★★
وقفت في حيرة أمام خزانة ملابسها، لا تعرف ما عليها انتقائه لتضعه في الحقيبة المشرعة أمامها بعرض الفراش، فكل ما كان يشغل بالها، هو أنها لن تستطيع وداع أخيها الوحيد، قبل سفرها المحدد له بعد الغد صباحا، فقد أنهى إجازته منذ أيام قليلة، وعاد حيث مقر عمله، كمهندس للري، في إحدي قرى الصعيد.
عادت بانتباهها لرحلة العمل تلك، فما كان فالحسبان السفر بديلة عن إحدى زميلاتها الطبيبات، التي اعتذرت عن حضور ذاك المؤتمر بالخارج.
شعرت بالتوتر، عليها الانتهاء من حزم حقيبتها سريعا، حتى يتنسنى لها الاهتمام ببعض الأمور الأخرى، وتأمين شقتها، ميراثها الوحيد، وأخيها، من والديهما الراحلين.
اندفعت لخارج الغرفة باتجاه المطبخ، لتصنع لنفسها كوبا من الشاي الساخن، لعله يمنحها بعض الدفء، وتساءلت بتعجب، ماذا ستفعل في تلك البلاد الأوروبية الباردة، وهي لا تحتمل البرد بهذا الشكل!
جلست تضع شال أمها الصوفي حول كتفيها، تتابع التلفاز لعلها تأنس بما يصرف عنها ذاك الشعور القاتل بالوحدة، ولكن لم يفلح أي من تلك المشاهد المعروضة على الشاشة في جذب انتباهها، لتسرح كعادتها في ذكريات الماضى، الذى تزخر به أركان تلك الشقة العتيقة.
رحل والداها تباعا، لتصبح هي المسؤولة عن أخيها، الذى لا تكبره إلا ببضع سنوات، أصبحت الأم و الأب، في مرحلة خطيرة من حياته، لكنه لم يخيب ظنها وكان دوما نعم الأخ العاقل المستقيم أخلاقيا و دينيا والذي كانت تفخر به دوما في كل محفل، لكم تفتقد مجلسه، الزاخر بالكثير من المزاح والمحبة!
تنهدت وهي تتذكر عتاب إحدى صديقاتها، لرفضها فكرة الزواج، هي لم تعدم وجود الرجال بحياتها، لكن هى من كانت ترفضهم بحجج مختلفة، كان أولها أخيها ودراسته، وأنها كرست حياتها لخدمته، حتى يشق طريق مستقبله.
الآن هي على مشارف الثلاثين، وعلى وشك الحصول على لقب عانس، والدخول إلى نادى العنوسة المجتمعي بجدارة، فلا أمل قريب في الاقتران، بمن تجده مناسبا، قبل بلوغ هذه السن المخيفة.
ابتسمت في حسرة، فما من أحد يدرك السبب الحقيقى في عزوفها عن الزواج، وتلك الأمنية الدفينة، التي تحتفظ بها سرا بأعماق قلبها، وهي رغبتها في الزواج عن قصة حب عميقة ورائعة، كتلك التي عاشها أبواها، تلك الأمنية، التي لم تطلع عليها زينب، أقرب صديقاتها، مخافة اتهامها بعدم النضج، وأن ذاك تفكير مراهقة، لا طبيبة تعيش فى مطلع التسعينيات من القرن العشرين.
برد كوب الشاي بين كفيها، فنهضت متوجهة نحو غرفتها، لاستكمال ما بدأته، إلا أن جرس الباب الذي أرتفع رنينه، استوقفها لتستدير عائدة لتفتحه، وهي تلتقط حجابها، مادة قامَتَها القصيرة نسبيا لتنظر عبر العين السحرية، لكنها لم تستوضح الصورة، فهتفت بخوف من خلف الباب: مين!
تكلم عفيف بلهجة هادئة، لا تعكس مطلقا خبايا نفسه: سلام عليكم، أفتحي يا داكتورة عايزينك فكلمتين.
هتفت بنبرة ترتعش خوفا: إنتوا مين! و كلمتين إيه اللى إنتوا عايزيني فيهم!
هتف عفيف من جديد:عايزينك بخصوص الباشمهندس نديم، و...
كان ذكر اسم أخيها، هو كلمة السر، التي جعلتها تنتفض في ذعر لتفتح الباب بلا وعي، و خاصة عندما أدركت أن المتحدث من الصعيد، حيث يعمل أخوها، وهتفت في قلق بالغ، وهي تشرع الباب: ماله نديم! هو ببخير! أوعى يكون حصله حاجة!
تطلع إليها عفيف للحظة، قبل أن يغض الطرف عنها تأدبا، وهو يهتف مطمئنا: متجلجيش يا داكتورة، هاتعرفى كل حاچة، بس مينفعش ع الباب كِده.
ترددت هل تسمح لهما بالدخول أم لا! وخاصة أنها بمفردها بالشقة، و حتى المرأة التى تعينها بأعمال المنزل من وقت لأخر ليست هنا.
أدرك هو ما يعتمل بنفسها من صراع، فهتف مؤكدا: أنا مش هاخد من وجتك كَتير يا داكتورة، ومناع.. وأشار لمرافقه الذي كان يقف خلفه كظله، مستطردا:هيدخل معاي، وهجولك ع المفيد، ونتوكلوا على الله.
فاق قلقها على حال أخيها، أي صوت للعقل، فتنحت جانبا، مفسحة لهما الطريق، في محاولة لوأد التحذيرات التي تعربد صارخة بجنبات صدرها، تركت الباب مفتوح، والذى وقف مناع على عتباته بلا حراك، عادت أدراجها للداخل حيث وجدت عفيف يقف متصلبا في منتصف الردهة.
همست في محاولة منها لتلطيف الأجواء، رغم قلقها الذي علت وتيرته:اتفضل، تحبوا تشربوا إيه!
هتف عفيف بلهجة محايدة:إحنا مش چايين نضايفوا يا داكتورة، هو سؤال، تچاوبيه ونخلص، فين أخوكِ الباشمهندس نديم؟
هتفت بذعر:فين إزاي! مش إنتوا برضو من البلد اللي متعين فيها بقاله كام شهر، يبقى حضرتك اللي تقولي أخويا فين! ده لسه مخلص اجازته هنا، ورجع لكم من كام يوم!
أومأ عفيف برأسه مجيبا: إيوه، هو كان متعين في بلدنا مهندس ري لحد إمبارح.
هتفت في ذعر: يعنى إيه لحد إمبارح! راح فين!
هتف عفيف بلهجة باردة : ما أنتِ اللى هتجوليلنا راح فين يا داكتورة دلال، مش دلال برضك!
اومأت برأسها إيجابا في تيه، وهتفت في تعجب: أدلك إزاي على مكانه وأنا معرفش هو فين! وبعدين أخويا عمل إيه عشان تيجى تدور عليه بالشكل ده! وأنت مين م الأساس!
هتف عفيف في نزق: أنا عفيف النعماني، كبير نچع النعمانية اللي أخوكِ شغال فيه، وليه بدور عليه! عشان المصيبة الكَبيرة اللى عملها، واللي لو ملحجنهاش، هتضيع فيها رجاب، وأولهم رجبة المحروس أخوكِ.
شهقت دلال في رعب ولم تعلق للحظات، محاولة استيعاب الأمر برمته، إلا أن عفيف لم يمهلها، بل اندفع باتجاه الردهة الداخلية، التى تشمل غرف المنزل.
هتفت دلال في دهشة: أنت رايح فين! هي وكالة من غير بواب!
لم يستمع لاعتراضها، بل اندفع يفتش جميع الغرف في ثورة، حتى وصل أخيرا لغرفتها، تنبه للحقيبة المفتوحة على الفراش، فجز على أسنانه في غيظ، واستدار هاتفا بنبرة حانقة، مواجها دلال التى كانت في أعقابه، تحاول منعه من اقتحام حرمة منزلها بهذا الشكل السافر: جاللك أُهربى جبل ما نوصلوا، مش كِده!
تراجعت خطوة للخلف في هلع من مرأى الغضب الكامن في حدقتيه الفحميتين، وردت في حروف متقطعة: أهرب! وأهرب ليه من أساسه!
هتف عفيف بصوت كالرعد: تهربي عشان تداري ع المصيبة اللى أخوكِ وجع فيها حاله، وهيوجعنا كلنا وياه، هو ميعرفش هيچر علينا إيه باللى عِمله دِه!
تجرأت و سألت في اضطراب: معلش بس هو أخويا عمل ايه لكل ده! أعرف بس.
همس بنبرة مشتعلة بالقهر: أخوكِ يا داكتورة، هرب وَيَا أختي الصغيرة، و ربك وحده العالم، إيه اللى حصل دلوجت.
شهقت دلال صارخة: نديم مش ممكن يعمل كده.
هتف عفيف في غضب هادر:لاه عِمل، وهي اللى چالت الكلام دِه بنفسها.
وأخرج من جيب جلبابه ورقة مطوية، مد بها كفه لدلال، التى انتزعتها وفضتها في عجالة، لتقرأ اعتراف أخته، مؤكدة أنها تحب نديم، وقررت الهرب معه بعيدا، رغبة في الحفاظ على ما بقي من حقها في اختيار شريك حياتها، وحتى لا تُغصب على الزواج من أحد أبناء عمومتها، الذي تراه غير مناسبا لها.
أغلقت دلال الخطاب، ونظرت إلى ذاك الواقف كالطود بحجرتها، لتشعر فجأة ان أبعاد الغرفة قد تغيرت، وتبدلت بشكل عجيب.
هتف ساخرا:هااا، صدجتى يا داكتورة!
هتفت مدافعة: أخويا متربي ومش ممكن يعمل كده.
انفجر عفيف ضاحكا بسخرية: لو تربيتك! يبجى تربية زينة يا داكتورة، عرفتى تربي صحيح.
هتفت دلال بغضب، يظهر جليا بصوتها، للمرة الأولى منذ قدومه:أعتقد تربيتى لأخويا اللي مش عجباك، متفرقش كتير عن تربية أختك اللى هربت معاه!
ساد الصمت للحظات، كانت نظرات كل منهما للآخر، كفيلة بقتله حيّا، وأخيرا قطع عفيف ذاك الصمت الصاخب، مندفعا باتجاه الحقيبة، التى كانت ممتلئة لمنتصفها تقريبا بالملابس، من كافة الأنواع والأشكال، ليغلقها بعنف هاتفا:هما دجيجتين، تچهزي فيهم حالك و تلبسي، وأهي شنطنتك چاهزة.
اندفعت هاتفة بحنق: أروح فين! وأجهز إيه! أنت أكيد جاي تهزر! أنا مسافرة مؤتمر طبى مهم جدا بعد بكرة.
هتف بلهجة تحذيرية: مؤتمر مهم! أكيد مش أهم من حياة أخوكِ، واللي ممكن يحصل له، بعد العملة السودة اللى عِملها، ولا إيه!
تنهدت وقد أدركت أنه يعلم تماما نقطة ضعفها، فهمست بقلة حيلة: يعنى أنت عايز إيه دلوقت! أخويا و أنا معرفش مكانه، و معتقدش إنه عمل اللى أنت وأختك بتقولوه ده، مش يمكن بترمي بلاها عليه!
همس في ثورة مكتومة، والشرر يتطاير من حدقتيه: والله لو راچل اللى جال الكلمتين دول، لكان زمانه مدفون بمُطرحه، أما مكان أخوكِ، سواء عرفاه ولا لاه، لما يعرف إنك عندينا، هايچي زاحف، وساعتها هعرف مكان أختي، والحساب يچمع.
قال كلمته الأخيرة في نبرة، جعلت البرودة تسري بأوصالها، وارتجف بدنها في ذعر.
اندفع عفيف خارج الغرفة، هاتفا في لهجة أمرة:هستناكِ بره يا داكتورة، شهلى لسه الطريج طويل، ومجدمناش النهار بطوله.
عاد لموضعه الأول مع مرافقه، الذي لم يبرح مكانه في الردهة الخارجية، بينما أغلقت هي باب حجرتها، لا تعرف ما عليها فعله، ولا كيفية التصرف.
نظرت للحقيبة المغلقة أمامها على الفراش، وهي تشعر أنها كالدنيا، التي غلقت أمامها أبواب الخلاص، فهل هناك من منجى!
★★★★
تسللت بخفة من حجرتها حتى المطبخ، وفي حذر، فتتحت بابه الذي يطل على سلم الحريق، الموجود بمعظم البنايات القديمة، هبطته مندفعة للطريق، مشيرة لإحدى سيارات الأجرة، والتي دفعت نفسها داخلها في عجالة، أمرة السائق بالاندفاع مبتعدا بأقصى سرعة.
طال انتظار عفيف لها، وشعر بالرببة، فتوقف على أعتاب الردهة الداخلية، مناديا في ضيق: متهيء لي طولتى جوي كِده.
لم يصله ردا، فاقترب من باب الغرفة، فإذا به مشرعا، وهي ليست بالداخل، اندفع حانقا باتجاه المطبخ، وصدق حدسه، عندما رأى أن هناك باب آخر للخروج غير باب الشقة الأصلي وأنها بالفعل قد هربت.
صرخ لاعنا، ما استرعي انتباه مناع خفيره، ليلحق به للداخل هاتفا فى اضطراب:إيه في يا ببه!
هتف عفيف بغيظ: هَربت، هنعملوا إيه دلوجت! جلت هتاچي معانا، فأخوها يظهر ونلموا الموضوع، بدل الفضيحة ما تفوح ريحتها، والله ساعتها ما هيكفيني إلا إني أشرب من دمهم الچوز.
هتف مناع، محاولا امتصاص غضب سيده: هتداوى يا عفيف بيه، ربك هيدبرها.
اندفع عفيف لخارج الشقة، وتبعه مناع بدوره في اتجاه السيارة، مشفقا فى قرارة نفسه على سيده، الذى وضعته أخته الوحيدة، ومدللته، في مأذق كهذا، متسائلا في هدوء حذر:هنطلعوا على فين دلوجت يا عفيف بيه!ع النچع!
نفى عفيف فى اصرار:لاه، مش راچع إلا ومعايا حد فيهم، يا الباشمهندس وأختي، يا أخته الداكتورة، عشان تبجى الطعم اللي يچيبه، أنا راچع ع الشجة اللي بيتنا فيها عشية، وأنت أجعد جدام العمارة، ولو لمحت الداكتورة رچعت، أو أخوها ظهر، كلمني فساعتها ع النمرة دي.
هتف مناع مؤكدا، وهو يتناول منه الورقة المطوية: حاضر يا عفيف بيه، مش هايغمض لى چفن لحد ما ربنا يسهلها وترچع.
هتف عفيف وهو يدير السيارة مبتعدا: هترچع، يعنى هتروح فين! هي جالت إنها مسافرة، يعنى غصبا عنها هترچع، إن مكنش عشان السفر، معلوم هترچع عشان أخوها.
هز مناع رأسه مؤيدا، وعيناه مسلطة على مدخل البناية في ترقب.
★★★★
هتفت دلال من بين دموعها: قوليلى يا زينب أعمل إيه ! بقى تصدقي إن نديم ممكن يعمل اللى بيقول عليه الراجل العجيب ده!
هزت زينب رأسها نفيا، مؤكدة بثقة: طبعا مش ممكن، نديم لا تربيته، ولا أخلاقه، تسمح له بانه يعمل كده، إهدي بس يا دلال، و أكيد نديم هيظهر ما بين لحظة والتانية ونفهم منه إيه الحكاية.
انتفضت دلال مذعورة: نفهم إيه يا زينب! هو الراجل ده هيسيبه لو ظهر! دول شكلهم ناس مش بيتفاهموا إلا بالسلاح، والدم أرخص حاجة عندهم، يا حبيبى يا نديم، أنا إيه اللى خلاني سبيتك تبعد عني! أعمل إيه يا رب!
لم تنطق زينب بحرف، فصديقتها على حق، وما من حل لديها لتلك المعضلة.
مرت لحظات من الصمت، لم يقطعها إلا شهقات متقطعة صادرة من دلال، والتي هتفت أخيرا فى حزم: أنا هروح مع الراجل ده، و اللى يحصل يحصل.
انتفضت زينب مذعورة: أنتِ بتقولي إيه يا دلال! تروحى فين! تروحى بلاد بعيدة مع حد ما نعرف إن كان صالح ولا طالح! ده جنان رسمي.
هتفت دلال بقلة حيلة: اُمال أعمل إيه! اسيبه لحد ما يوصل لنديم و يعمل فيه حاجة ! أهو أي تصرف يا زينب، يخليني قريبة وشايفة اللي بيحصل، بدل ما أقعد كده حاطة أيدي على خدي، مستنية خبر أخويا يجيلي.
ربتت زينب على كتفها متعاطفة، و هتفت فى إشفاق: والله ما عارفة أقولك إيه! ربنا معاكِ، وينتهي الموضوع ده على خير.
انتفضت دلال فى اتجاه باب الشقة مغادرة: لازم أرجع حالا، أنا متأكدة إن اللى اسمه عفيف ده مستنيني، لازم أخليه يرتاح إنى معاه، قبل ما نديم هو اللى يقع فإيده، و ساعتها معرفش إيه اللى ممكن يحصل، دعواتك.
هتفت زينب خلفها: ربنا معاكِ، و متقلقيش، هبلغ اعتذارك حالا عن السفرية، ربنا يسهل لك الحال.
هتفت دلال مؤمنة: يا رب.
رحلت عائدة، إلى حيث ذاك الذى تعلم تمام العلم، أنه بانتظار ظهورها، وها هى قادمة، لتقدم له نفسها، قربانا على طبق من فضة فداء لأخيها، وليكن ما يكون.
★★★★
كان القطار يتهادى مبتعدا منذ ساعات، وأمامه بضع ساعات أخرى، سيقضيها يمخر عباب الطريق من قلب الصعيد حتى الأسكندرية، أغمض عينيه، مستسلما للنعاس الذى جافاه بعد كل ما حدث، لكنه انتفض بكامل وعيه، لصوت رئيس القطار مناديا، رغبة فى الاطلاع على التذاكر.
مد كفه بداخل سترته الثقيلة و أخرجهما، ليهز رئيس القطار رأسه في رضا، وهو يضع علامة مميزة على التذاكر، متجها للمقاعد الأخرى، لاحت منه نظرة جانبية على محياها، كانت قد جذبها النعاس بدورها، اشفق على حالها، وهو يراها تضم ذراعيها حول جسدها رغبة فى بعض الدفء.
نهض وخلع عنه سترته، واضعا إياها برفق عليها، و على الرغم من أنه حاول ألا يوقظها بفعلته، إلا أنها انتفضت فى ذعر، متطلعة إليه فى شرود لبرهة، قبل أن تدفع له سترته في رفق، والدموع تترقرق بمآقيها، مولية وجهها لنافذة القطار، تنهد فى قلة حيلة وأدار ظهره لها بدوره وهو يتساءل فى اضطراب وتيه، هل ما فعله كان صحيحا! وهل كان عليه الهرب ببرفقتها! لم يجد نديم ما يجيب به على تساؤلاته المتأخرة بعض الشيء، غير زفرة قوية خرجت لا إراديا من أعماق صدره، مؤكدة على كم المعاناة التى تغوص فيها روحه.
★ ★ ★ ★
جاءه صوت مناع على الهاتف، مؤكدا فى لهفة: رچعت يا عفيف بيه، الداكتورة أخت الباشمهندس توك راچعة.
هتف عفيف فى عجالة: طب خليك مُطرحك، وراجب مدخل العمارة، وخلى عينك على السلم الورانى اللى هربت منِه، وأنا چاى مسافة السكة، سلام.
ما أن وصل عفيف للبناية، حتى اندفع بداخلها ومناع في عقبه كظله، هم بطرق باب شقتها، إلا أن الباب انفرج عنها، وهي تقف وبجوارها حقيبة ملابسها، هاتفة بنبرة حازمة: أنا جاهزة يا عفيف بيه.
هتف وعلى ملامحه تعبيرات لم تستطع تفسيرها: اتفضلى يا داكتورة.
وصلوا حتى العربة، توقفت للحظة وعفيف يفتح الباب الخلفي، أمرا في لطف: اتفضلي.
وقفت مترددة لبرهة، لا تدرك هل ما تفعل فى صالح نديم! وهل سيكون ذهابها، هو رمانة الميزان، التي ستحفظ التوازن، عندما تحل الكارثة، ويجد ذاك الرجل أخاها! أم أنها تقدم نفسها كالبلهاء، كطعم على طبق من فضة، لاصطياد أخيها ليقع بين براثن ذاك العفيف!؟..
تاهت بين نزاعات نفسها، ولم تستفق إلا على صوت عفيف متسائلا: غيرتي رأيك ولا إيه!
كان الرد، اندفاعها لداخل السيارة، وقد سلمت أمرها لله، لكن قلبها انتفض بين ضلوعها، وأزداد وجيبه، عندما بدأت السيارة فى المسير، لتبدأ رحلتها إلى أرض لم تطأها قدماها من قبل، رحلة لا تعلم ما يخبئه لها القدر خلالها.
زفرت بقوة في قلة حيلة، وتطلعت من النافذة فى اتجاه المجهول.