رواية جلاب الهوى الفصل الثانى 2 بقلم رضوى جاويش


رواية جلاب الهوى الفصل الثانى 2 بقلم رضوى جاويش


٢- الكابوس.. 
جلست باعتدال في المقعد الخلفي، واختارت  الجلوس خلف مناع، اعتقادا منها أنها ستكون أبعد عنه من كونها تجلس خلفه مباشرة، لكنها أدركت أنها أصبحت الأقرب إليه فى تلك اللحظة. 
هتف بهدوء، بنبرة واثقة من مقعده، متحاشيا النظر إليها: يا داكتورة، دلوجت محدش يعرف أى حاچة عن موضوعنا غير اتنين، مناع والحاچة وسيلة، ودى هتجبليها لما نوصلوا بالسلامة، و..
هتفت بتعجل: يا عفيف بيه،  مفكرتش أنا هيبقى صفتى ايه قدام الناس، وموجودة على أي أساس!
ظل عفيف محتفظا بهدوئه: لو صبر الجاتل ع المجتول يا داكتورة.
هتفت بضيق: قصدك إيه!
ابتسم مستطردا: أني كنت لسه هسألك، تخصص حضرتك إيه!
أكدت: أمراض نسا وتوليد.
هتف في ثقة، محدثا زجاج السيارة الأمامي المقابل له، دون الالتفات لها: عز الطلب، النچع محتاچ داكتورة للحريم، وأنتِ چتيهم نچدة من السما.
هتف مناع مؤكدا وهو ينظر لعفيف نظرة ذات مغزى: كنها چت بوجتها صح يا بيه.
ألقت دلال نظرة راحة على حقيبتها الطبية، التي تشاطرها المقعد الخلفي من السيارة، وتنهدت براحة أنها استمعت لندائها الداخلي، وحملتها معها باللحظة الأخيرة، وهي تهم بمغادرة الشقة.
هتف مناع مستطردا، موجها حديثه لها من خلال مرآة السيارة: أني مرتي حبلى، والبركة فيكِ بجى يا داكتورة، دى هاتبجى أول اللي هياچوكي.
وتنهد مستكملا في راحة، عندما لم يعقب عفيف بأى تعليق، بل إلتزم الصمت المريب الذى يجيده: دي كانت هتموت النوبة اللي فاتت، لولا ربنا عالم بالحال ونچاها، و يمكن ربنا يكتب على يدك مچية الواد.
هتفت مستفسرة بتعجب: واد!
فسر مناع: معلوم، نفسى ربنا يرزجني بواد، أصلك أني عِندي بتين.
صمتت ولم تعقب، وتعجبت أن ذاك الفكر المختل، ما زال يسيطر على الرؤوس هناك، في تلك البلاد البعيدة، التي حكى لها أخوها بعض من عاداتهم وتقاليدهم، وتعجبت أكثر أن نديم لم يذكر ولو لمرة واحدة اسم عفيف أو أخته، هى على يقين أنه لم يفعل، كيف تورط مع هؤلاء بهذا الشكل! هي على يقين أنه بريء من تلك الفعلة الخرقاء، لكن هاتفا داخلها يخبرها، أن ما قرأته بخطاب  ناهد أخت عفيف، حقيقى ولا يمت للعبث بصلة، وأن أخاها متورط بشكل أو بأخر، ما دفعها للانصياع لمطالب عفيف  بلا قيد أو شرط، تاركة حياتها خلف ظهرها، مخافة ظهور أخوها في أي لحظة، وحدوث ما لا يحمد عقباه، عادت بنظرها لعفيف، ملقية عليه نظرة خاطفة، حادت عنها سريعا صوب النافذة، مدركة تماما، أي كارثة حلت بنديم، فهؤلاء، لا يمكن العبث معهم فيما يخص الكرامة والشرف، ازدردت ريقها في صعوبة، وسرحت بناظريها بعيدا، نحو ذاك الجبل الغربي، الذي كان يقترب تارة و يبتعد أخرى، وللمرة الأولى تعترف لنفسها بالخوف، الذي بدأ يتسرب لدواخلها، وقد بدأت الحكاية تتخذ شكلا جديا، ما كان بالحسبان.
                  ★★★★
توقفت العربة بعد عدة ساعات أمام إحدى الاستراحات المنتشرة على الطريق، هتف عفيف وهو يغض الطرف عنها، متنحنحا فى أدب: انزلي با داكتورة حركي رچلك شوية، لساتها السكة طويلة، و تعالي نشربوا حاچة. 
أكدت في هدوء: لو وقفت عشان خاطري، أنا كويسة، خلينا نمشي عشان حضرتك قلت السكة لسه طويلة، وده معناه إن الليل هيدخل علينا وإحنا لسه ع الطريق. 
تنهد عفيف هاتفا، وهو يترجل من السيارة: براحتك يا داكتورة، أني عن نفسي نازل.
جلس على إحدى الموائد الخشبية، تحت مظلة ما عاد فى حاجة إليهإ، والوقت قد قارب على الغروب. 
شعرت بتيبس أقدامها، فأدركت أنه كان على حق، مرت دقائق أخذت تنازع فيها تلك الرغبة، لكنها أخيرا دفعت باب السيارة، وسارت في اتجاه طاولته، ابتسم عفيف فى هدوء عندما رأها قادمة نحوه، وتعمد أن لا يشعرها بالحرج، جلست فى هدوء على مائدته، ولم يعقب هو بحرف، لحظات وجاءه النادل بكوب من الشاي، ليهمس عفيف مخاطبا إياها: تطلبى إيه يا داكتورة! 
تجاهلته متطلعة للنادل، أمرة: قهوة مظبوط لو سمحت. 
زفر عفيف فى ضيق، متطلعا للاتجاه المعاكس، وما أن ابتعد النادل، حتى هتف معاتبا: يا داكتورة، لما يبجى معاكِ راچل جاعد، جوليله اللي أنتِ عوزاه وهو يطلبهولك.
هتفت بحنق: يا عفيف بيه الكلام ده تقوله لواحدة تخصك، لكن أنا واحدة غريبة عنك، لا أعرف عاداتكم ولا تقاليدكم، ولا عايزة أعرفها بالمناسبة، أنا هنا في مهمة محددة، مش عشان تعلمني إيه اللى يصح أو ميصحش من وجهة نظر سيادتك، عن إذنك. 
اندفعت تستقل السيارة من جديد، مغلقة بابها خلفها فى عنف، تبعها عفيف ومناع، لتخرج السيارة  للطريق، معاودة خط سيرها، تنحنح عفيف، ومد كفه ببعض الأكياس وكوبا كرتونيا من الشاي، هاتفا فى هدوء: جهوتك اللى طلبتيها يا داكتورة، ومعاها شوية سندوتشات، إحنا مكلناش لجمة م الصبح، اتفضلي. 
مدت كفها تتناول كوب القهوة والأكياس، ممسكة لسانها حتى لا يسبق عقلها كعادته، لأنها بالفعل تتضور جوعا، وكوب القهوة ذاك، هو الأثمن في تلك اللحظة، لمجابهة آلام الصداع الذى اكتنف رأسها.
تنبهت أنه وسائقه، يتناولا طعامهما بالمثل، من الجيد أنه لم ينس إطعام سائقه، هناك بعض من رحمة في قلب ذاك الرجل. 
مر بعض الوقت، والصمت هو اللغة السائدة داخل السيارة، شعرت بالضجر يكاد يقتلها، والطريق حولها قد تحول للون قاتم، جراء زحف العتمة، لتصبح العربة وكأنها تسير فى طريق لا نهاية له.
تنبهت أن عفيف كان يسند رأسه للخلف على ظهر مقعده، يبدو أن رأسه يمور بالأفكار كرأسها، وذاك الصمت يعد تربة خصبة للكثير من الخواطر والشجون، لكنها اكتشفت خطأ اعتقادها عندما ترجرجت السيارة بفعل أحد مطبات الطريق فانحرف وجهه باتجاهها، لتدرك أنه يغط فى نوم عميق.
على ضوء السيارة الداخلي، الذي طلبت من مناع فتحه لبرهة، كانت تبحث فيها عن شيء ما داخل حقيبتها، ولم يغلقه بعدها، ظلت تتفرس في هذه القسمات التي تطالعها اللحظة، وتساءلت، يا ترى، أي طباع يمكن أن يحمل صاحبها! العمامة البيضاء، تغطي معظم الجبهة الشامخة، والتي يرتسم بقاعدتها، حاجبين كقوسين فحميين، يظللان عينين صارمتا النظرة، أمرة لا تقبل إلا الطاعة، خبرتهما اليوم عدة مرات، أنف شامخ، ينحدر قليلا عند أرنبته، ليظهر منخارين متوسطى الاتساع، يظهر أسفل منهما، شارب كث متناسق ومهذب، يحتل منطقة ما فوق الشفاه العليا، ويغطيها تماما، وأخيرا فم واسع بعض الشيء، و شفاه مكتنزة، بنظرة مجملة، كان باختصار، مثال حي لرجولة خشنة، وملامح لا تعرف اللين.
انتفضت متنبهة، عندما فتح عينيه بغتة، متطلعا حوله لبرهة فى تيه، ثم سأل مناع بصوت متحشرج يغلب عليه النعاس: لسه كَتير يا مناع!
أكد مناع:لاه, خلاص يا عفيف بيه، جربنا. 
أدار وجهه صوبها، موجها حديثه بنفس النبرة الناعسة التي وترتها دون سبب واضح: تلاجيكِ تعبتى يا داكتورة! معلش، بلادنا بَعيدة. 
همست وهى تحاول أن تجمع شتات نفسها، من اضطراب لا إرادي اعتراها: لا أبدا، أنا كويسة الحمد لله، وبعدين دلوقت نوصل ونستريح. 
قالت كلماتها الأخيرة، وهى لا تعي حقا، هل ستستريح ما أن تطأ أقدامها تلك الأرض، أم أن وصولها سيكون بداية المعاناة الحقيقة! ظل السؤال حائرا بلا إجابة، ومناع يؤكد وصولهم لحدود نجع النعمانية، ليبدأ قلبها فى الوجيب توترا وقلقا.
           ★ ★ ★ ★
 أطلق مناع نفير السيارة عدة مرات وهو يمر من خلال بوابة حديدية قصيرة نسبيا كانت مفتوحة على مصراعيها، صاعدا منحدر طويل، وتوقف أمام باب خشبى ضخم، أشبه بأبواب القلاع القديمة.
راحت دلال تتطلع حولها فى تيه، غير قادرة على تبين ملامح المكان، في ذاك الظلام المنتشر، وتنبهت من شرودها، على صوت عفيف،  وهو يفتح لها باب السيارة، أمرا في لطف: اتفضلي يا داكتورة.
خطت خارج العربة في وجل، فها هي ما بين طرفة عين وانتباهتها، تجد نفسها في بلاد غريبة، مع شخصيات أغرب، لهم عادات وتقاليد لا تستوعبها، وحياة أخيها الوحيد في خطر من جراء معاداتهم.
وقعت عيناها على ذاك البيت الذي يقف شامخا قبالتها، بيت من البيوت القديمة يعلو لثلاثة طوابق، وبعض الأيقونات و النقوش على بعض أفاريز النوافذ والشرفات، جعله أشبه بقلعة قديمة من قلاع القرون الوسطى، أين هي! تسألت في دهشة، وهي تجول بناظريها فيما حولها من جديد.
تمهلها عفيف، مدركا تماما لحيرتها وتوجسها، حتى وجهت ناظريها إليه، ليهتف في هدوء مريب: مرحب بيكِ يا داكتورة ف النعمانية، اتفضلي.
تقدمها خطوات لتتبعه ويتبعهما مناع حاملا حقيبتها الوحيدة التي استطاعت المجئ بها.
دخلت خلفه لبهو الدار، لتجده واسع رحب يحمل الكثير من المقاعد والأرائك المريحة، موزعة بشكل منسق على جميع الجوانب، وفي أحد الجوانب يطل درج لابد وأنه يقود للطابق الثاني.
هل يعتقد أنها ستبقى معه بنفس المنزل! إنها لن تسمح بذلك، وليكن ما يكون.
قطع استرسال أفكارها دخول إحدى النساء، التي كانت تتلفح بالسواد، من أحد الأبواب الجانبية، هاتفة في سعادة: حمدالله بالسلامة يا ولدي.
اتجه إليها عفيف في تقدير، يقبل هامتها القصيرة مقارنة ببنيته السامقة، هاتفا في مودة: كيفك يا خالة وسيلة!
تسألت في نفسها: خالة! كانت تعتقدها أمه، من حفاوة الترحيب، وللمرة الأولى ترى ذاك النزق ينحني لأى من كان، وهو يقبل رأس تلك العجوز في محبة وتقدير زاد من تعجبها.
هتف بها عفيف بصوته الأجش، الذى يثير كوامن تحفظها، وخاصة وهي تحاول إبعاد ناظريها عن تفاحة أدم، التي تعلو وتهبط عند تحدثه، مربكة إياها: دي بجى يا داكتورة دلال الخالة وسيلة، دي في مجام أمي الله يرحمها، هي اللي ربتني أنا وناهد، وغلاوتها من غلاوة المرحومة بالمظبوط.
ربتت الخالة وسيلة على كتف عفيف، بكفها المتغضن، هاتفة في فخر: إن شاء الله تعيش وتسلم يا ولدي، زينة الشباب ونوارتهم، و حمدا لله بسلامتك يا داكتورة، نورتينا.
هتفت دلال بعفوية للمرأة العجوز الطيبة: ده نورك يا خالة وسيلة.
هتف عفيف من جديد، والعجيب إنه ابتسم هذه المرة، وهو يسأل الخالة وسيلة: ها محضرالنا إيه ع العشا يا خالة! مش عايزين الداكتورة تجول علينا بُخلة.
شهقت المرأة العجوز هاتفة: بيت الحچ النعمانى بُخلة! دِه بيت الكرم والچود كله، هي ترتاح بس وهتشوف أحلى أكل داجته ف حياتها من يدي.
ابتسمت دلال في سعادة، وقد ارتاحت لإستقبال المرأة العجوز و كرمها: تسلمي و تعيشي يا خالة، هنتعبك.
هتفت الحاجة وسيلة، وهي تستدير عائدة من نفس الباب الجانبى: تعبك راحة يا بتي، أروح اشوف اللي ع النار.
عادت دلال لنفس الأفكار عن محل إقامتها، وما أن همت بالتحدث، إلا ورأته يعود أدراجه للخارج، مشيرا لها لتتبعه، سارا بضع خطوات، ثم استدارا ليتوقفا فجأة أمام باب أصغر حجما من باب الدار الرئيسية، فتح الباب بمفتاح أخرجه من جيب جلبابه، وتنحى جانبا ما أن مر للداخل، وضغط  زر الإنارة، ليدعوها للدخول في تأدب.
ترددت قليلا، لكنها تبعته، لتدرك أن حقيبتها موضوعة بأحد الأركان، لابد أن مناع كان يعرف أين سيكون موضعها بالضبط، ليضع حقيبتها هنا، دون أن يدله أحد. 
اندفع يضيء كل أنوار الردهة في سرعة، بيد تحفظ أماكن مكابس الإضاءة، لتتحول القاعة الداخلية التي تراها الآن بعين خيالها، قاعة بهو معد لحفل راقص من شدة الإضاءة، ما دفعها لتجول بناظريها في أرجاء المكان بعين حالمة تشع رقة.
هم بالحديث إليها، لكنه تنبه لشرودها، ولتلك النظرة التي كللت عينيها، التقط أنفاسه في عمق، متعجبا من تبدل نظراتها للنقيض بهذا الشكل، منذ لحظات كانت نظرات تحفز وصلابة، والآن نظرات حالمة تفيض عذوبة، لمجرد رؤيتها لبهو ساطع بالأنوار!  
نفض تلك الأفكار المتمركزة حولها، هاتفا وهو يشير لبعض الأبواب المغلقة، والرواق الجانبى الطويل:هتلاجي هنا المطبخ، وده مشترك بين البيت الكبير والمندرة دي، ودِه الحمام بتاع الضيوف، أصلك دى استراحة الضيوف اللي عملها الحاچ النعمانى الكبير عشان يبجوا براحتهم بعيد عن الدار و اللى فيه، أنتِ يمكن متعرفيش لسه عوايدنا، على كد ما بنكرموا الضيف، على كد ما الضيف له مكانه البعيد عن الدار وحريمه، اللي مبينكشفوش على غريب.
وتنحنح وهي توميء برأسها متفهمة، مشيرا لباب أخر هاتفا: دِه باب المجعد، أوضة كبيرة فيها كراسى ممكن نفضوها ونعملوها أوضة للكشف، وخصوصي إن ليها باب بينفتح من بره، ودِه هيسهل إنها تبجى لحالها، بعيد عن المضيفة، عشان محدش يحط رچل، طول ما أنتِ فيها.
تنبهت لمحافظته على خصوصيتها، وساد الصمت لبرهة، قبل أن يهتف في تردد: أني واعي يا داكتورة إن اللي بيحصل دِه مش على هواكِ، وصدجينى مهواش على هوايا، لكن ما باليد حيلة.
غيرالموضوع فجأة مؤكدا: أي حاچة أنتِ محتچاها عشان الكشوفات جولى عليها وأنا أچيبهالك.
كان يقف اللحظة على عتبة الباب مستعدا للرحيل، مادا كفه بمفتاح المضيفة قائلا: اتفضلي يا داكتورة.
نظرت إلى كفه الممدودة لها بالمفتاح هاتفة بسخرية: مش خايف أهرب!
نظر لها بثقة أغاظتها: ليه! هو إحنا خاطفينك يا داكتورة عشان نخاف تهربي! أنتِ چيتى معانا بخطرك، ولأنكِ هنا فالأساس عشان خايفة على أخوكِ، يعنى أنا لو جلت لك دلوجت أمشي، أنتِ اللي هتجولي لاه.
لم تعلق بحرف، وقد أصاب كبد الحقيقة بمجمل كلماته، ذاك هو حالها فعلا، غير راغبة في البقاء، ولا قدرة لديها على الرحيل.
مدت يدها، وأخذت المفتاح من كفه الممدودة وتلك النظرة الواثقة مازالت تكلل عينيه، مثيرة المزيد من ضيقها، ما دفعها لتغلق الباب بالمفتاح عدة مرات خلفه، سمعها وهو يغادر، فابتسم ملقيا نظرة أخيرة على باب المضيفة، قبل أن يولي راحلا.
أسندت ظهرها على الباب الذى أغلقته للتو، وتطلعت حولها من جديد، لذاك البهو الواسع الأنيق، رغم قدم الأثاث المستخدم، إلا أنه لا يخلو من ذوق وفخامة، طالعها ذاك الدرج في أخر البهو، لتدرك أن غرف النوم بالأعلى، يبدو أن تلك المضيفة مقامة على نفس طراز الدار الأساسية الملحقة به.
حملت حقيبتها وصعدت الدرج في تمهل، حتى وصلت لرواق طويل يحوي عدة غرف لم تتبين في الظلام عددها، وصل بها الإنهاك والتعب لمبلغ شَديد، لذا فتحت أول الأبواب التي طالعتها، تحسست الجدار حتى وجدت زر الإضاءة، لتسطع الغرفة معلنة عن محتوياتها، تركت حقيبتها جانبا، وتوجهت نحو الشرفة لفتحها، طالعها منظرا جانبيا للحديقة الخلفية المحيطة بالدار، وعلى مدد البصر، لم تتبين إلا بعض أعمدة الإنارة المتفرقة هنا و هناك، لا تعرف كم ظلت موضعها تتطلع إلى الظلام، وتخيلت أن مصابيح الإنارة البعيدة ترقص، جعلها ذاك الخاطر ترتجف، وهي تتخيلها كرؤوس أشباح، تطل على القرية الناعسة، التي تعمها العتمة في تلك اللحظة، ما جعلها تنتفض وتدخل إلي الغرفة، مغلقة الشرفة بإحكام.
أدركت أن لياليها في تلك المضيفة لن تمر بسلام، وأنها ستكون أطول مما تتخيل، فلقد كانت تموت رعبا وهي وحيدة في شقتها في الأيام الأولى، لمغادرة أخوها لعمله هنا، حتى اعتادت وحدتها، الآن، كيف ستتكيف على العيش والمبيت في هذه المضيفة الواسعة وحيدة!
همست وهي تحتضن جسدها بذراعيها، في محاولة لبث الطمأنينة داخلها: يا ترى أنت فين يا نديم! 
سؤال ما كان له إجابة، تخفف من قلق روحها.
             ★ ★ ★ ★
 دس سمير مفتاح شقته بكف نديم، متطلعا نحو ناهد التي تقف بالقرب، ببعض النظرات المتفحصة، التي دفعت نديم ليهتف بحزم: سمير، ركز معايا هنا. 
هتف سمير باستحسان: مكنتش أعرف إن ذوقك عالي كده! طلعت...
هتف نديم، مقاطعا بغضب مكتوم، و هو يدفع بسمير، بعيدا عن موضع ناهد، حتى لا يصلها صوتهما، مؤكدا: دي مراتي يا بني آدم. 
هتف سمير مندهشا: مراتك! أنا أسف يا نديم، مقلتش كده ليه من الأول!
ثم استطرد في ضيق: وبعدين اتجوزت أمتى وأنا معرفش! ولا حتى تعزمني ع الفرح كأني مش صاحبك!
تنهد نديم في ضيق مماثل: معلش والله يا سمير، الموضوع جه بسرعة، المهم أنت هتحتاج الشقة أمتى؟
صمت سمير للحظة مفكرا، ثم هتف مؤكدا: خد راحتك، محدش هيفكر ينزل اسكندرية دلوقت، إلا لو أبويا طقت فدماغه ينزل اسكندرية قريب، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليه، لأنه من عشاق إسكندرية فالشتا. 
ربت نديم على كتف سمير شاكرا، بعد أن دس المفتاح بجيبه: متشكر يا سمير، ربنا يقدرنى على رد جمايلك. 
هتف سمير موبخا: جمايل إيه يا راجل، هو في بين الأخوات جمايل! ياللاه روح لعروستك، شكلها زهقت من الوقفة، والدنيا برد الصراحة. 
ألقى نديم نظرة عابرة على ناهد، فتيقن من صدق سمير، ليودعه متوجها إليها، حاملا حقيبتها الوحيدة، هامسا بصوت رتيب: أسف اتأخرت عليكِ، الشقة مفتاحها معايا، ياللاه بينا.
اومأت ناهد برأسها إيجابا، وسارت خلفه دون أن تعقب بكلمة، وكل ما يدور برأسها، هو أخوها عفيف، أغمضت عينيها رعبا وهي تتخيل مجرد تخيل، ما سيكون عليه حالها ما أن يجدهما، استفاقت على صوت نديم هاتفا: وصلنا. 
خطت أعتاب البناية الشاهقة المقابلة للبحر، والهادئة في تلك الفترة من العام، وارتعشت عندما أدار نديم المفتاح في موضعه، هامسا لها مشيرا لداخل شقة سمير: اتفضلي.
دخلت بأرجل مرتجفة، وهي لا تعلم إلى أي شاطيء مجهول، سيرسو بها قارب أيامها.
             ★ ★ ★ ★
انتفضت مستفيقة من هزيانها، تتلفت حولها في تيه، لتتأكد ان ما رأته ما هو إلا كابوس وانتهى، لكن ها هي تنتفض من جديد، عندما طالعها ذاك الشبح المسربل بالأسود قادما إليها من الباب المنفرج، والذى تبينت ملامحه أخيرا، فسكنت روحها، عندما اكتشفت أنها الخالة وسيلة، قد جاءت لتتفقدها، والتي هتفت في اضطراب واضح: إيه اللي دخلك الأوضة دي! ما الأوض عِندك كَتير يا بتي!
تطلعت إليها دلال في تعجب متسائلة: ليه يا خالة! هي الأوضة دي فيها إيه!
تنبهت الخالة وسيلة أنها افضت بأزيد مما هو مفترض، فهتفت متعجلة: مفيهاش يا بتي، هيكون فيها ايه يعني! هي بس ريحها تجيل، ومش هاترتاحي فيها. 
وهتفت بدلال أمرة: جومي يا داكتورة تعالي معاي. 
نهضت دلال تسير لخارج الغرفة طائعة، تحمل حقيبتها، في انتظار خروج المرأة العجوز مغلقة الباب خلفها، وهي تتمتم ببعض الكلمات، التي لم تستوضح دلال حروفها. 
توقفت المرأة العجوز عند أخر حجرة في الرواق، لتفتحها متنهدة، هاتفة في راحة: الأوضة دى هتعچبك، طالة على الدار كله،  والباب اللي چارها دِه، باب مكتب عفيف بيه. 
هتفت دلال بتعجب: مكتب! 
أكدت الخالة وسيلة في حماس: معلوم مكتب، هو البيه عمره مدخل حد غريب البيت الكَبير، الأغراب دايما بيجبهم على هنا طوالى و أكلهم ونومتهم هنا، ولما يحب يجابلهم ويتحدتوا ف اشغالهم بيجوه ع المكتب من الباب دِه. 
واستطردت في مودة: أصلك النعمانى الكبير كان عايش ف المندرة دي جبل ما يبني البيت الكَبير، ولما بناه عِمل بابين مفتوحين على المُندرة، باب المكتب والباب التانى باب المطبخ تحت .. يعنى ف أي وجت عايزة تاچينى سهلة أهي.
ابتسمت دلال للمرأة الطيبة، التي استشعرت معها حنان أمومي افتقدته منذ رحلت أمها عند دنيانا.
تنبهت دلال، عندما هتفت وسيلة في اضطراب، وهي تضرب كفا بكف: واااه يا وسيلة كنك كبرتي وخترفتي يا حزينة، متأخذنيش يا بتي، أني كنت چاية أجولك عفيف بيه مستنيكِ ع العشا، وأني اتلهيت. 
همست دلال، وهي تتثاءب في كسل وإرهاق واضح: اشكريه يا خالة،  أنا مش قادرة، عايزة أنام ومليش نفس أكل.
هتفت وسيلة في تعجب: كيف دِه! تنامي كيف من غير عشا! الچوع يجرصك ف الليل ماتعرفيش تنامى ولا تدفي وإحنا البرد عندينا واعر، جومى يا بتى ياللاه، هِمي. 
تنهدت دلال في قلة حيلة، مغادرة الغرفة خلف العجوز، وهي على يقين أنها لن تستطع أن تثنيها عن تنفيذ أوامر عفيف بيه، والإتيان بها ولو محمولة على الأعناق، من أجل العشاء المقدس في حضرته.
            

                   الفصل الثالث من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة