
٣-الشبح الأسود
ألقت دلال التحية في شرود، وجلست على طاولة الطعام الضخمة، والتي وجدت عليها ما لذ وطاب من أصناف الطعام، لكن هي ما كانت تطمح إلا في دفء الفراش ودثاره.
كما أن طعام كهذا، كفيل بإصابتها بالعديد من الكوابيس، وهي اكتفت الليلة منها، بعد ذاك الذى رأته في أول تلك الليلة الميمونة، تطلع إليها عفيف هاتفا بتعجب: إيه يا داكتورة! أكلنا مش عاچبك ولا إيه! نچيبوا لك غيره!
هتفت هي في احراج: لا غيره إيه! ده جميل جدا، تسلم أيد الخالة وسيلة، بس أنا مش متعودة ع الأكل ده بالليل، فمعلش أعفيني، واستأذنك أرجع المندرة.
نفض يده من طعامه، الذى كان يلتهمه بشهية كبيرة، ونهض على عجل هاتفا: اتفضلى يا داكتورة، أوصلك.
هتفت دلال مؤكدة:لا خلي حضرتك مرتاح، أنا حفظت طريقي، متقلقش.
هتف بأريحية: على راحتكِ يا داكتورة، دِه بيتك.
ثم نادى بصوت جهوري، جعل دلال تنتفض، لتظهر الخالة بسرعة كعادتها، ليؤكد عليها هاتفا: من دلوجت وطالع هتبيتي مع الداكتورة ف المُندرة، عشان متبيتش لحالها، ولو احتاچت أي حاچة تاجي جوام، وإن كان على كمال لما يرچع من مدرسته، هنصرفوها متجلجيش.
سألت دلال بتهور دون تفكير، أوعزته لتشوشها، نتيجة رغبتها الملحة في النوم والراحة: مين كمال!
لم يجبها أحدهما للوهلة الأولى، لكن الخالة وسيلة أجابتها: دِه واد ولدي يا بتي، هو اللي بجيلي من ريحته الله يرحمه.
صمت عم المكان، قبل أن تستأذن دلال، وبداخلها شكرت عفيف ممتنة، بعد أن أمر الخالة وسيلة بمصاحبتها في المبيت، الآن فقط ستنام ملء جفونها، نوم هانيء، بعد ما حدث معها أول الليل في تلك الغرفة العجيبة، التي دخلتها صدفة، ولا تعرف حتى هذه اللحظة، هل كان دخولها إليها، صدفة فعلا!
★ ★ ★ ★
استيقظت من نومها على صوت طرقات وضوضاء تأتى من أسفل حجرتها مباشرة، تنبهت أنها نامت لفترة أطول من المعتاد، أطلت برأسها من شرفة غرفتها، فوجدت بعض من الرجال يحملون تلك المقاعد التي كانت موجودة في غرفة الجلوس، أو المقعد، كما وصفه عفيف بالأمس، يبدو أنه بدأ يعمل على ترتيب تلك الغرفة، لتليق بغرفة للكشف كما أخبرها البارحة، ارتدت ملابسها على عجل وتوجهت للأسفل، تطلع لحظات لمحياها، وهي تهبط الدرج في هوادة، كأميرة متوجة، و لكنه تنبه لفعلته، فعاد يغض الطرف عنها، حتى وصلت ملقية التحية، هاتفة في ثبات: شايفة إن حضرتك بدأت بدري في تجهيز الأوضة للكشف!
هتف عفيف مؤكدا، وهو يتجاهل النظر إليها، معطيا جل اهتمامه للعمال: خير البر عاچله، وأهو تشوفي ناجصك إيه يا داكتورة عشان نلحجوا نچيبوه.
ابتسمت في هدوء: تمام، أنا هكتب لحضرتك أسماء الأجهزة والمعدات الطبية المطلوبة، وبإذن الله أفيد البلد الفترة اللى قعداها معاكم.
وصمتت فجأة لتهتف في وجل: مفيش أخبار عن نديم!
تنهد في ضيق هامسا: لو فيه أخبار هتعرفيها، بس مفيش، دول حتى مهوبشوش ناحية شجتكم اللي ف مصر.
تنبهت لتسأل متعجبة: وعرفت إزاي!
استدار لمواجهتها، مؤكدا في ثقة: أني سايب اللى يتابع شجتكم هناك، لأنه أكيد هيلف ويرچع لها مهما بعد، هو هيلاجي مين يوجف چنبه إلا أخته، ولما يعرف إنك هنا، هاياچى چرى على ملا وشه، معلوم، مش معجول هيسيب أخته تدفع تمن غلطته السودا لحالها!
هتفت دلال ساخرة: وأفرض عرف ومجاش، هتعمل إيه ساعتها!
ظهرت ابتسامة ساخرة على جانب فمه، أثارت حنقها، وهتف واثقا: مياچيش كيف يا دداكتورة! لو بيعزك وبيخاف عليكِ كد ما بتعزيه وخايفة عليه، يبجى هاياچي وهو بيرمح كمان.
تنهدت في ضيق، وهي متأكدة أن كل كلمة نطق بها عفيف، هي صحيحة تماما، و أن أخيها لن يتورع عن المجئ إلى عرين الأسد بقدميه، متى ما علم بوجودها هنا، نظرت إليه بغيظ وهي تكاد تنفجر قهرا، لكنها لم تنبس بحرف، هامسة برجاء داخلي متضرعة: يا رب ما تقرب من الشقة يا نديم، أنا ممكن احتمل أعيش هنا ميت سنة، ولا يحصل لك حاجة أبدا.
تنبهت من خواطرها على نداء عفيف هاتفا: الأوضة چهزت يا داكتورة، أدخلي شوفيها لو ناجصها حاچة.
اومأت برأسها، وعلى شفتيها ابتسامة باهتة، غابت بالغرفة قليلا، ثم ردت بكلمات مقتضبة، مؤكدة على بعض الأمور، التي سارع في تنفيذها، بينما توجهت هي، حيث تركت حقيبتها الطبية على إحدى المناضد، تحاول فتحها، لإخراج بعض الأجهزة الأولية، لكن الحقيبة أبت أن تُفتح.
أدرك عفيف حيرتها، فهتف في تساؤل: خير يا داكتورة، الشنطة مالها!
حاول فتحها بدوره، لكنه فشل، ما دفعه ليأمر أحد رجاله: روح چيب الواد خرابة طوالي على هنا.
هتفت دلال في شك: هو خرابة ده، اللي المفروض إنه يصلح الشنطة حضرتك!
قفزت ابتسامة على شفتي عفيف، لتعليقها المليء بالسخرية، تلك الابتسامة المتوارية، قد غيرت ملامحه كثيرا وهو يؤكد: متخافيش يا داكتورة، دِه واد چن، هيفتح الشنطة ف دجيجة، متجلجيش.
ابتسمت ساخرة: أخاف إزاي! ده خرابة بذات نفسه، اللي هيفتح لى الشنطة! ده أنا طايرة من الفرحة.
استدار مبتعدا تكلل شفتيه الابتسامة، حتى ظهر خرابة على باب المندرة، مندفعا في اتجاه عفيف، يهم بتقبيل كفه، ليجذبها عفيف في سرعة معاتبا، أثار ما حدث حفيظتها، هل كان ذاك الشاب صغير السن، ينحني أمام عفيف ليقدم فروض الولاء و الطاعة، كطقس من طقوسهم التي تجهلها! أم إنه خوف و رغبة في مداهنة الأقوى، حتى يستطيع أن يعيش بسلام!
تنبهت لصوت عفيف الآمر: أديله الشنطة يا داكتورة، متخافيش.
تعلقت قليلا بحقيبتها، التي كانت ذكرى عزيزة من والدها، لكنها مررتها لخرابة، الذي تناول الحقيبة، كقنبلة على وشك الانفجار، عاملها بإجلال واضح، وهو يضعها على فخذيه عابثا بأقفالها، ليهتف عفيف مازحا: ها يا خرابة، هتعرف تفتحها، ولا هتخربها، وتكسفنا جدام االداكتورة!
ما أن أنهى عفيف كلمته، حتى أطلقت الحقيبة صوت مميز لتكات متتابعة، دلالة على انصياعها، مستسلمة لخرابة، الذي ربت عفيف على كتفه في استحسان منتشيا، وهو يسلم الحقيبة لدلال، لتلتهي في محتوياتها، وخرابة يرحل في هدوء.
هتفت دلال لعفيف أخيرا: خسارة الولد ده، لو كان أتعلَّم، كانت هتفرق معاه كتير.
همهم عفيف هامسا: كل واحد بياخد نصيبه، والحمد لله إن نصيبه چه على كد كِده.
لم ترد بحرف على كلمته المبهمة، مدركة تماما، أن قسمة الله، هي الغالبة دوما.
★ ★ ★ ★
صرخة دوت في جوف الليل، كانت كافية لانتزاع نديم من قلب فراشه، مندفعاً صوب حجرة ناهد، التي اقتحمها دون أن يطرق بابها، كانت تصرخ مشوشة الفكر: لاه يا عفيف، أنا أختك.
نظراتها ملتاعة وكأنها ترى أخاها أمامها يتوعدها، ما حثه على الاقتراب، جالسا على طرف الفراش، يهز كتفها لعلها تصحو من أثر ذاك الكابوس المتكرر منذ أيّام.
هتف فيها من جديد: إهدي يا ناهد، إهدي، ده مجرد كابوس.
لحظات من الشرود والتيه مرت، وأخيرا انفجرت في بكاء حاد، عندما تيقنت أن ما رأته لتوها، لم يكن إلا كابوسها الملازم لها منذ غادرت النجع.
أشفق نديم عليها، فما مر بها الأيام الماضية، لم يكن بالشيء الهين على الإطلاق، مد كفه ليناولها كوب الماء من الطاولة القريبة، هامسا في لين: خدى اشربي، وهاتبقى أحسن.
دفعت الكوب بعيدا في غضب ناري، ليسقط مهشما بدوي صاخب، ملازما لهتافها المقهور، وهي تنهض مندفعة من فراشها، تقف أمامه بلا وعي، أنها بلا أي غطاء لشعرها، الذى كان يسافر على كتفيها في غضب شبيه بغضب صاحبته: أنا مش عايزة أشرب، أنا مش عايزة حاچة، أنا عايزة أخويا، عايزة عفيف.
ارتفع نحيبها يدمي القلب، ولَم يكن بوسعه إلا النهوض في هدوء لخارج الغرفة، تاركاً إياها لعلها تهدأ، وتدرك إنه لا يقل عنها قلقا، وإنه شريكها في نفس المركب، التي كتب القدر عليهما الصعود على متنها سويا.
★ ★ ★ ★
ما أن استعدت دلال للنوم، حتى سمعت طرقات خافتة على باب حجرتها، عرفت أنها للخالة وسيلة، فسمحت لها بالدخول.
طلت وسيلة مرحبة، وعلى وجهها تلك الابتسامة الوديعة المحببة، وما أن همت بالتوجه لفراشها، حتى ابتدرتها دلال هاتفة: تعالي جنبي يا خالة، احكي معايا شوية لحد ما أروح فالنوم.
اطاعت وسيلة، متمددة حيث اشارت دلال، متدثرة بالغطاء اتقاءٔ للبرد القارص، هامسة وهي تربت على جبين دلال بحنان دافق، استلذته الأخيرة متذكرة حنان أمها، متجسدا في تلك المرأة، التي انفرجت لها أبواب قلبها على مصرعيها، منذ اللحظة الأولى التي وطأت قدماها أرض النعمانية، كانت تعتقد أنها ستعاملها بجفاء وقلة اهتمام نظرا لمعرفتها بما تعتقد أنه حدث من أخيها، ما دفع دلال لتسأل مستفسرة: مقلتليش يا خالة!
تنبهت وسيلة، لتستطرد دلال: أنتِ إزاي بتعامليني كويس كده، على الرغم من إنك عارفة حكاية أخويا مع ناهد أخت عفيف بيه!
تنهدت الخالة وسيلة، وهي تملس على شعر دلال بحنو هامسة: أجولك الحج يا بتي، أني مكنتش هديكى وش، ولا كنت عايزة أعرفك م الأساس، لكن عفيف بيه كان محرچ عليّ إني أعاملك زين، ولا أفتح معاكِ سيرة الموضوع دِه من أصله، لكن للحج أني كمان أول ما وعيت لكِ، جلبي انفتح لك، وجلت ذنبها إيه في اللي حصل من أخوها وناهد!
همست دلال بشجن: بس نديم أخويا مش ممكن يعمل كده يا خالة.
همست الخالة وسيلة متنهدة من جديد: ومين يجول إن ناهد أخت عفيف بيه النعماني تِعمل كِده برضك!
تنهدت دلال بدورها وهمست بفضول: بس إنتوا ليه بتسمعوا كده لكلام عفيف بيه، ومحدش يقدر يكسر له كلمة! ده إنتوا شوية وهتتنفسوا بإذنه.
هتفت وسيلة متعجبة: معلوم يا بتي، مش كَبيرنا وأمره وطاعته واچبة!
هتفت دلال ساخرة: بس عفيف بيه مش كبير فالسن كده، عشان يبقى كبير النعمانية، ده سنه يعني ميتعداش ال ٣٣ سنة.
هتفت وسيلة: ومن ميتا هي بالسن يا بتي! كفاية جوي إن النعماني الكَبير چده، عشان يبجى ليه الأمر والطاعة.
تعجبت دلال: يا سلام! للدرجة دي!
هتفت وسيلة مؤكدة: معلوم، أصلك انتِ متعرفيش يعنى إيه النعماني الكَبير! النعماني چد عفيف بيه دِه، هو اللي بنى النعمانية دي بيده، يوم ما نزل أرضها، وهي كيف ما أنتِ واعية فحضن الچبل، الناس جالوا عليه مچنون، رايح فحضن الچبل يزرع ويجلع، والأرض عنديه براح، لكن هو مهموش وعِمل اللى براسه، وأول ما بنى، بنى المُندرة دي، كان عايش فيها جبل البيت الكَبير، واتچوز هنا، وبعدها بنى البيت، وخلف ولاده كلهم، لحد ما راحت مرته الست الكبيرة، وهي بتولد واحد من عياله، عاش بعدها كيف الرهبان، مجربش على صنف الحريم من يوم ما غابت.
تنهدت دلال في تأثر:ياه، واضح إنه كان بيحبها أوي.
ابتسمت الخالة وسيلة في شجن: كان بيحبها بس، جولى بيعشجها عشج، كيف الحكاوي اللي بنسمع عنِها ف السيما، عاش يتمنى يسمع منِها كلمة واحدة تريح جلبه، لكن راحت جبل ما تجولها، وهو عاش بحسرتها العمر كله لحد ما مات، مجدرتش تنساله اللي عِمله فيها.
فغرت دلال فاها، وقد وصلت القصة لمنحى خطر، متسائلة: عمله فيها!؟ عمل إيه عشان متسامحهوش العمر ده كله، وهو بيحبها بالشكل ده!
تنهدت وسيلة، وقد أدركت أنها كعادتها أفضت بما لا يجب البوح به، فهمست وهى تنفض الغطاء عن جسدها، متوجهة لفراشها: سهرنا كَتير النهاردة، ومن صباحية ربك، هتلاجى الحريم ع الباب، بعد ما دريوا بمچيتك، تتمسي بالخير.
دست الخالة وسيلة نفسها بفراشها، تاركة دلال ممددة على ظهرها وهي تحملق بسقف الغرفة العالي، تفكر في كل الأحداث التي سردتها عليها الخالة وسيلة، حتى جذبها النوم إلى أعتابه.
★ ★ ★ ★
سمعت من يناديها، فتوجهت بكليتها باتجاه الصوت الضعيف، الذي ظل يستدعيها بإستماتة، تحركت في توجس صوب أحد الأبواب، والذي لم يكن إلا باب تلك الغرفة، التي نامت فيها بضع ساعات من ليلتها الأولى هنا بالنعمانية.
لا تعرف كيف واتتها الجرأة لتدخل الغرفة، متوجهة نحو ذاك الضوء الساطع، الذي ظهر على الفراش، متزامنا مع الصوت الهامس المنادي باسمها، حتى تبينت إنها امرأة حبلى، تمد لها يدها، هامسة في رجاء: خديني من هنا.
اومأت دلال برأسها موافقة، وأسندت المرأة، لكن ما أن سارا خطوات بسيطة، حتى ظهر ظل لشبح أسود، يقف على عتبة الباب، لم تتبين دلال ملامحه، لأن الضوء كان يأتيه من خلفه، لكنه يبدو كظلا لعفيف.
تمسكت بها المرأة المجهولة في وهن، وهى تضع كفها الطليقة على بطنها المتكورة، هامسة بشئ لم تستوضحه دلال، والتي حاولت تخطيه للخروج من الغرفة، لكن الشبح الأسود جذب باب الغرفة مغلقاً إياها، وأطلق ضحكات متتالية مخيفة، هزت أركان المندرة، حينها بدأ نور المرأة في الخفوت، ليسود الظلام الدامس من حول دلال، ما دفعها لتصرخ في فزع.
تطلعت دلال حولها في ذهول، لتدرك أنه كابوس آخر، ابتدرتها الخالة وسيلة، مندفعة إليها بكوب ماء، هامسة في قلق: أعوذ بالله من الشيطان الرچيم، خدي اشربي يا بتي.
ارتشفت القلبل، ثم اعادت الكوب لكف الخالة وسيلة، التي ربتت على كتفها في حنان هامسة: وحدي الله، وكله هيبجى تمام، وجومي ياللاه صلي، وأني هنزل أحضر لك الفَطور التمام.
ما أن همت الخالة وسيلة بالتحرك، حتى أمسكت دلال بكفها متوسلة: لا، خليكِ معايا يا خالة، لحد ما ألبس وننزل نحضر الفطار سوا.
ابتسمت الخالة وسيلة، رابتة على كفها المتشبثة، هاتفة في مودة: وماله، بس شهلى عشان عفيف بيه مبيحبش أتأخر عن فَطوره.
تساءلت دلال باضطراب: هو هيفطر معانا!
أكدت الخالة :- معلوم، همي أنتِ بس، وأنا مستنياكِ أها.
مرت بجوار الغرفة العجيبة، وهى في سبيلها لنزول الدرج، بصحبة الخالة وسيلة لترتعش لا إراديا.
تنبهت وسيلة لارتجافتها، فسألت في اهتمام: أنتِ زينة يا داكتورة! فيكِ حاچة من ساعة ما صحيت على صرختك، وأني واعية لها.
تنهدت دلال، مفضية للخالة وسيلة بكابوسها العجيب، والذي لا تعرف له تفسيرا.
امتقع وجه وسيلة، وهمست بصوت تحمل نبراته قلق مبهم: خير يا بتي، خير.
وضعوا الأطباق على طاولة البهو الواسع، داخل البيت الكبير، وما أن انتهت كلتاهما من وضع آخر طبق، حتى ظهر عفيف، هابطا درجات الدرج في تؤدة مثيرة للأعصاب، وما أن أصبح قبالتها حتى هتف بصوته الاجش، الذى يعبق الجو حولها بسيطرة عجيبة، تجبرها على الانصات: صباح الخير يا داكتورة.
اومأت هامسة، بحشرجة عجيبة على صوتها : صباح الخير.
تصدّر هو بطبيعة الحال، رأس المائدة، وبدأ في تناول الطعام بشهية معتادة.
تنبه بعد لحظات، أنها لم تمد كفها للطعام، فهتف متعجبا: خبر إيه يا داكتورة! البيت بيتك منتيش محتاچة عزومة، يعني جلنا العشا ماشي بتحب تنام خفيف، طب والفَطور كمان! ولا أنتِ حالفة ما تدوجي أكلنا!
هزت رأسها نافية: لا إزاي يا عفيف بيه، مفيش الكلام ده، بس أنا مش متعودة أفطر بدري كده.. دي كل الحكاية.
أشار للطعام مشجعا: مدي يدك بس كُليلك لجمتين، هتلاجي نفسك انفتحت.
نفذت بآلية، وهي تضع الطعام بفمها، مختلسة النظرات إليه، في غفلة منه، تتذكر حلمها الليلة الماضية، وشبحه الأسود لا يفارق مخيلتها، لكنه تنبه فجأة لنظراتها، فهتف متعجبا: خير يا داكتورة، بتطلعيلي كنك بتشوفيني لأول مرة!
تدرج الأحمر ليكسو خديها بإحراج واضح، وما كان لديها المبرر الكافي لتنقذ نفسها من سيل نظراته المتعجبة، لكن الخالة وسيلة تدخلت، وهي تضع أكواب الشاي على الطاولة، مفسرة: أصلها حلمت بيك الليلة اللي فاتت.
ليتها ما تدخلت، هكذا هتفت دلال في سرها، لاعنة نفسها ألف مرة أنها حكت للخالة وسيلة حلمها الغريب ذاك، رغبة في أن تجد تفسيرا لديها، لا لتضعها الآن أمام المزيد من سيل نظرات ذاك المسيطر والذي ضاقت عيناه، ساخرا: حلمتي بيا! حاچة چميلة والله إن حد يحلم بيك.
هتفت في غيظ، بغية رد اعتبارها: مكنش حلم حضرتك، كان كابوس.
انفجر ضاحكا على غير عادته، حتى كاد أن يغص بإحدى اللقيمات، وأخيرا هتف وهو يتناول كوب الشاي، يرتشف منه رشفة سريعة، قبل أن يهتف مؤكدا: كِده ظبطت يا داكتورة, أصلك حلم دي غريبة حبتين.
ظنت أنها ستقتص منه جراء إحراجها، إلا إنه على العكس، أصبحت وسيلة لتسلية صباحية، غيرت مزاجه للأفضل، حتى أنه نهض جاذبا عباءته من على ظهر مقعده، الذى كان يتسيده منذ لحظات، مندفعا للخارج وقد طال مسامعها، همسه منتشيا، يترنم على غير عادته المتجهمة، بكلمات أغنية شهيرة: بحلم بيك، أنا بحلم بيك.
ظلت تتطلع إلى مكانه حيث غاب في دهشة، ليعاجلها مناع مخرجا إياها من شرودها مؤكدا: الحريم بره ع البوابة يا داكتورة، ادخلهم، ولا لساتك بتفطري!
هتفت أمرةأ: دخلهم يا مناع، أنا خلصت فطار.
توجهت للمندرة، لعلها تجد ما يلهيها عن تذكر ذاك الكابوس، ورد فعل صاحبه، الأعجب على الإطلاق.