رواية جلاب الهوى الفصل الرابع 4 بقلم رضوى جاويش


رواية جلاب الهوى الفصل الرابع 4 بقلم رضوى جاويش


٤-غجري   
همت بإغلاق باب حجرة الكشف الخارجية، بعد انتهاء عملها، حين طالعها مناع على عتبتها، متسائلا في تردد، عن حال زوجته:  معلش يا داكتورة، بس سؤال كِده، إيه أخبار سعدية مرتي، تمام! 
ابتسمت دلال هاتفة: آه يا مناع زي الفل، كلها حاجة بسيطة وتدخل الشهرالتاسع. 
هتف مستفسرًا من جديد: يعنى كل حاچة تمام، أصلك كانت هتروح فيها النوبة اللي فاتت. 
اتسعت ابتسامة دلال مؤكدة: متقلقيش، كل حاجة تمام، الظاهر إن سعدية حظها حلو، اتجوزت راجل بيعزها و خايف عليها. 
للمرة الأولى ترى مناع، الذى يشبه الأسد الجسور، ببنيته الضخمة، وشاربه المفتول، أشبه بقط أليف، مع تلك الابتسامة الخجلى، التي ارتسمت على شفتيه، وهو يجيبها: معلوم يا داكتورة، لو مكنتش اتچوزت سعدية، مكنتش هتچوز غيرها. 
ردت دلال، في سعادة ضاحكة: هنيالك يا سعدية.
أكد مناع: والله يا داكتورة أني ما كنت عايز عيال تاني، الحمد لله على اللى چابه ربنا، بس هي، أعمل إيه فدماغها، عايزة تفرحني وتچيبلي الواد. 
هتفت دلال: ربنا يرزقكم باللي بتتمنوه. 
رفع مناع يديه وناظريه للسماء متضرعا: يا رب. 
انتفض مناع بموضعه، ما أن تهادى لمسامعه نداء عفيف باسمه، ليلبي مسرعا.
غرقت في أفكارها حول حديث مناع، وما عليها فعله، لتبدأ النساء هنا في إدراك بعض الحقائق العلمية، الغائبة عن عقولهن.
            ★ ★ ★ ★ 
حاولت النوم قليلا، لكنها لم تستطع، تشعر بالملل الشديد، بعد انقضاء فترة الكشوفات الصباحية. 
تنهدت في ضيق، وهي ترتدي ملابسها، واضعة غطاء رأسها بإهمال، فهى لن تخطو خارج حدود المندرة، فقط ستجلس بالأسفل قليلا. 
دارت حول البهو الواسع، تتطلع إلى أثاثه القديم القيم، عابثة بالأدراج، لعلها تجد جريدة أو مجلة ما لتطالعها، وخاصة أن التلفاز معطل، لكنها ولحظها الحسن، وجدت مذياع كبير الحجم، حملته في سعادة، داعية الله أن يكون غير معطل هو الآخر. 
صدح المذياع بالأنغام، فصفقت جزلا، وبدأت تتمايل فرحا، مع الأنغام الرقيقة المنبعثة من الجهاز، أخذت تدور في البهو الواسع، تضيء أنواره واحدا تلو الآخر، لتسطع القاعة بنور مبهر، جعلها أشبه بقاعات الحفلات الكبرى، جذبت إحدى الوسائد، مغمضة عينيها، متخيلة أنها تراقص ذاك الفارس، الذى حلمت به دوما، استدارة فأخرى، بتنورتها الواسعة، وكذا حماسها للموسيقى، جعل حجابها الواهن الاستقرارعلى رأسها يسقط دون أن تنتبه، وهى التي تركت شعرها الغجري منسدلا تحته بعد أن مشطته لها الخالة وسيلة ككل ليلة، شعرها الذي كلما همت بقصه، تتراجع متذكرة أباها، الذي كان يفضله طويلا وغجريا هكذا، لم تحظ بشعر ناعم مسترسل كأمها، و كان هذا الامر يثير ضيقها، فكانت تكره ذاك الشعر، الذى يشبه أمواج البحر، في ليلة ظلماء بلا قمر. 
أخذت تدور وتدور، وكأنها تفرغ شحنات القلق، وضغط الأرق الذى يعتريها، لعلها تهدأ بعدها وتنام، وصورة أخيها لا تفارقها. 
متعجبة أنها بدأت تلتمس بعض العذر لرد فعل ذاك المسيطر تجاه فعلة أخته، متسائلة عن رد فعل نديم، إن قامت هي، بذاك الفعل المشين!
عند هذا الخاطر استفاقت متأوهة، فلابد أن أفكارها جذبتها، وأصطدمت بباب المندرة الرئيسي، لكن الباب ليس من هذا الإتجاه، والباب .. حسنا .. لا يملك أنفاسا! فتحت عينيها في بطء و خواطرها تتزاحم في اضطراب، تسمرت نظراتها على تفاحة آدم، التي كانت تهتز في اضطراب صعودا و هبوطا، مؤكدة أن صاحبها، يزدرد ريقه في تكرار متتابع. نظرات فحمية كانت تموج بمشاعر وانفعالات لم تستطع ان تفسرها، اصطدمت بنظراتها، لتعيش حالة صخب وفوضى مشاعر، هي الأعجب على الإطلاق، وهي  بأحضانه، أقرب لدقات قلبه من نفسه، أرواحهما هائمة في براح طاهر، مبعثرة النشوة البكر، نظراتهما معلقة بلا إرادة، وكأنها مشنوقة إلى لوح القدر، لا تستطيع أن تنتزع نفسها، من شراك مصير محتوم، منذ خلق الله الأرض ومن عليها.
لا تعرف، وهي على يقين، أنه نفسه لا يعرف، كم ظلا على حالهما، ربما ثوانِ، ربما دقائق، لكنها كانت في مقياسهما، أشبه بدهر كامل من الحلم.
تنحنح هو، وانتفضت هي مبتعدة، لكن السحر العالق بينهما، ظل مهيب الحضور.
همس عفيف بصوت متحشرج لم يكن له، وقد اختفت نبرته المسيطرة فجأة، وهو يشير لباب المقعد، الذي اتخذته هي غرفة للكشف، معللا دخوله المندرة: أني نادمت عليكِ كذا مرة مردتيش، جلجت وأنتِ سايبة باب الأوضة البراني مفتوح، ودِه اللي دخلني ع...
كانت ما تزل ترفل في ضياع حلو، من بقايا تلك اللحظات المحملة بعبير الدهشة الصافي، لذا ما انتظرت لتسمع مبرراته، بل اندفعت تصعد الدرج في هرولة مبتعدة عن محياه، قاطعة ذاك الخيط الرفيع من الروعة، التي كانت تسربلهما. 
            ★ ★ ★ ★      
دخل غرفته، مغلقا بابها في ضيق، دافعا بعباءته بعيدا، و من بعدها عمامته، التي ألقى بها على المقعد المجاور باهمال، ملقيا بجسده على المقعد الآخر في انهيار، متكئا برأسه المنهك على ظهر المقعد، مادا قدميه الطويلتين أمامه بعشوائية، مغمضا عينيه للحظات، أملا في الراحة، لكن خواطره أبت، وقد  انتفض متطلعا قبالته في ضيق، حين تجسدت  أمام ناظري مخيلته، صورتها الراقصة، التي طالعها منذ قليل، فهتف موبخاً نفسه: وااه يا عفيف، خبر إيه! من ميتا بتشجلب حالك الحريم، نسيت وعدك، ولا إيه! 
لتعود نفسه للرد هاتفة: و يعني اللي چيت على نفسك لچل عيونها، كانت تستاهل م الأساس! 
واستطرد معاتبا: وااه يا ناهد! ليه كِده يا بت أبوي! ده أني حرمت الحريم على حالي، و حلفت ما تدخل واحدة البيت الكبير، جبل ما أنتِ تروحي لبيت چوزك، يبجى ده چزاتي، .ليه يا ناهد! ليه!
لم يلق جوابا لسؤاله الحائر، سوى الصمت المطبق، فتنهد في ضيق، وهو يخلع عنه جلبابه، مستبدلا إياه بآخر أكثر راحة استعداد للنوم. 
تقلب على فراش من جمر، وصورة دلال لا تفارقه، كأنما وشمت على مقلتيه، فلا يبصر بعين خياله، سوى تمايلها كنخلة عفية، ثابتة الجذور، سامقة العروش، يتراقص سعفها في مهب ريح العشق، في ليلة مقمرة.
أما شعرها الغجري، فذاك قصة آخرى، ايقظ بداخله أحاسيس ما كان يدرك أنه يملكها من الأساس، كأنه برق، يضرب بعنف وجه لياليه المعتمة، لتنير جدائله، ظلمة أيامه. 
عيناها، إعصار من مشاعر مربكة، سمراء شهية، تحمل الكثير من الأسرار، ود لو باحت بهم، له وحده. 
وجهها، صفحة نقية خمرية، عسل مصفى، فيه شفاء لروحه العليلة منذ دهور. 
استفاق من هزيانه، ورأسه يمور كالمرجل على وسادته، وأنفاسه تلتقط عطرا خطرا، عطرها، ما دفعه ليرفع كفه  واضعا إياه لا إراديا على صدره، واثقا أن  ذاك العطر المتسلل خفية إلى نفسه، قد صار الآن جزءا من روحه. 
             ★ ★ ★ ★
ظهرت أخيرا، لتجلس على إحدى الوسائد الموضوعة على درجة من درجات السلم، الذي يفضي إلى غرفة الكشف، لتكون أقرب ما يكون لتجمع النسوة اللاتي تطلعن إليها في فضول و ترقب، لتهتف دلال قائلة: بصوا يا ستات، إحنا لازم نتفق على حاجة من هنا ورايح، اللى هى إيه!
تساءلت إحداهن: إيه يا داكتورة!
ردت دلال بثقة: أنتِ قيمتك في نفسك، في حياتك واللى بتعمليه فيها، في تربيتك لأولادك، مش قيمتك أبدا، في خلفتك للولد أو البنت. 
ردت سعدية زوج مناع: كيف يعني! الواحدة منينا لما تخلف الواد، بتسعد چوزها وتخليه رافع راسه وسط الخلج يا داكتورة. 
ابتسمت دلال هاتفة: وعلى كده بقى، اللى مخلفش صبيان، هيفضل مطاطي راسه العمر كله! إيه، معترض على عطية ربنا و رزقه! 
لم ترد إحداهن، لتستطرد دلال بحماسة: ايوه، اعتراضنا على هبة ربنا مينفعش، ومحاولة تغيير ده بمحاولات خلفة كتير عشان يجي الواد، ده نوع من الاعتراض، وخصوصا لما تعرفى إن أنتِ كست، ملكيش يد فيه، لأن الراجل هو اللي مسؤل عن تحديد نوع المولود، بعد إرادة ربنا طبعا. 
هتفت إحدى النساء من الخلف ساخرة: كيف يعنى مسئول! وهو الراچل اللي بيحبل و يولد!
انفجرت النسوة ضاحكات، و شاركتهن دلال مزاحهن، هاتفة: لا طبعا مش قصدي، القصد إن الراجل ف جسمه نوع من ال... 
و تحيرت كيف يمكنها توصيل فكرة الكرومسومات الذكورية والأنثوية، لنسوة غير متعلمات، ولم يحصلن على القدر الكافى من المعرفة، ليستوعبن تلك الحقيقة العلمية الشائكة، وقعت أنظارها على أحد الأطفال، وفي حجره بعض الخضروات من طماطم و خيار، يتسلى بقضمها حتى يلتهي عن ازعاج أمه، فنهضت تداعب الطفل، حتى استطاعت استخلاصها من بين كفيه. 
وعادت أدراجها لمكانها على الدرج هاتفة: بصوا، إحنا هنعتبر إننا كستات الطماطم، والرجالة هم الخيار. 
انفجرت النسوة ضاحكات لتشبيهاتها، ولكنها لم تعبأ، بل قابلت ذلك بابتسامة مستطردة: كل راجل بيبقى ف جسمه خيار وطماطم، لكن الست معندهاش فجسمها غير الطماطم بس. 
ردت سعدية مازحة: طبعا اومال إيه، الستات حٓمار و حلاوة.
لتنفجر النسوة في الضحك من جديد، وشاركهن دلال مقهقهة: تمام، يبقى كده اتفقنا، الرجالة عندها خيار وطماطم، والستات عندها طماطم بس، لو ربنا أراد المولود ولد، هتيجى خيارة من عند الراجل، و تركب مع طماطماية من مراته، ولو ربنا أراد المولد بنت، هاتيجي طماطماية من عند الراجل، و هتركب مع طماطماية من عند مراته، يبقى مين المتحكم دلوقت فجنس المولود، اللي عنده الخيار والطماطم سوا، ولا اللي عنده نوع واحد مبيتغيرش! 
تطلع النسوة لبعضهن في تعجب، لتستطرد دلال: فهمتوا بقى، إن الرجالة هي المسؤولة عن إن اللي يجي ولد أو بنت، وإن الست ملهاش دعوة، إحنا كستات زينا زي الأرض، بنطرح اللى اتبدر فينا، عمركم شفتوا أرض اتبدر فيها حب خيار طرحت طماطم، ولا حصل العكس!
هزت النسوة رؤوسهن، وهُن بعد غير قادرات على تصديق ذاك الكشف الثمين، الذى قلب موازين ثوابتهن الموروثة رأسا على عقب، جاعلا بعضهن يتنفسن الصعداء أخيرا، بعدما كن يشعرن، إنه حُكم عليهن بالموت البطئ كمدا، لأنهن أرضا لا تطرح إلا البنات.
            ★ ★ ★ ★
لم تكن تخرج من غرفتها إلا استعدادا للصلاة، حتى الطعام عافته، وما عادت تشتهيه.
جهز نديم الغذاء على قدر ما سمحت له معرفته المتواضعة، وعلى قدر ما يملك من نقود، التي هى بالفعل على وشك النفاد. 
توجه لباب غرفتها يطرقه في صبر، لعلها تخرج من عزلتها، ساد الصمت، قبل أن تفتح الباب ووجهها يحمل  ملامح الوهن.
هتف بنبرة مشفقة: الغدا جاهز.
وأشار حيث وضع أطباق الطعام، همست بصوت متعب: أنا مش چعانة، شكرًا.
اعترض في لطف: يعنى إيه مش جعانة! مينفعش الكلام ده! أنتِ بقالك يومين مكلتيش. 
ثم استطرد مازحا: قدرك بقى تدوقي أكلي، ربنا يسترها علينا. 
ابتسمت بموافقة ضمنية، ليفسح لها الطريق، لتشاركه الطعام، كانت اللقمة الأولى كافية للتأكيد على مدى سوء الطعام، ابتسم هو في احراج، بينما نهضت ناهد مغادرة صوب غرفتها. 
اعتترض هاتفا: على فين! 
هتفت به في نفاد صبر: أنا قلت مش عايزة أكل، رايحة أنام. 
ما أن همت بالدخول لغرفتها، حتى كان قد وصل لموضعها، جاذبا إحدى ذراعيها، لتستدير إليه في قوة، صارخا بوجهها في غضب، تحاشى ظهوره كثيرا، منذ أن غادرا النجع حتى اللحظة: في إيه! أنتِ فاكرة نفسك فالمصيبة دي لوحدك! ليه مش حاسة بالبنى آدم اللي معاكِ فالكارثة دي، و اللي من أول ما حصل اللى حصل، وهو مفتحتش بقه بكلمة تأذيكِ أو تجرح مشاعرك، أنا معاكِ في اللي بيحصل ده، وتعبان زيك برضو، ومستحمل عشان خاطرك، يبقى جزاءي التعامل ده منك!
تنهد في ضيق، وبدأت تخف حدة نبرته، عندما رأى ملامح الرعب متجسدة بصدق على محياها، والدموع قد تجمعت في مآقيها، فابتعد قليلا ليهمس: أنا عارف إن اللى حصل مش سهل عليكِ، ولا عليا، وده اللي مخليني مستحمل ردات فعلك، اللي ضاغطة على أعصابي أكتر ما هي مضغوطة، لو سمحتي، نستحمل بعض لأننا فمركب واحدة، يا تغرق و نغرق معاها، يا نقدر نلحقها سوا، عن إذنك. 
أنهى كلماته، واندفع لداخل حجرته، صافقا الباب خلفه بقوة، أودعها كل ما يعتمل بداخله من غضب، جعلها تنتفض موضعها، همت بإغلاق باب حجرتها، لكن ران منها نظرة صوب باب غرفته، التي غاب فيها مغاضبا.
             ★ ★ ★ ★
عيونها شاخصة معلقة بسقف الغرفة البعيد، تصلها أنفاس الخالة وسيلة المنتظمة، مؤكدة على عمق سباتها، تنهدت دلال في سأم، وهي تتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وما عاد يبرح مخيلتها، ما حدث منذ عدة ليال بينها و بين عفيف في الردهة السفلية، منذ تلك الليلة وهي تتحاشاه، ويبدو أنه يتحاشاها بالمثل، فهى لم تقابله من حينها، و تجنبت قدر استطاعتها، التواجد معه، حتى كشوفاتها الصباحية كانت تنهيها سريعا، عائدة لتغلق باب غرفة الكشف بإحكام، ذاك الباب الذى دخل منه ليلتها، فكان كالريح العاصف لثباتها وتعقلها الفطري.
تنهدت من جديد، ستجن حتما إن لم تجد ما يشغل وقتها في ذاك البيت، تذكرت عندما سمعت صوت موسيقى هامس يتناهى لمسامعها منذ بضعة ايّام، فسألت الخالة وسيلة عن  مصدرها، لتخبرها أن عفيف يجلس في مكتبه، في بعض الأحيان ليقرأ.
لم تفكر للحظة، و خاصة أن لا صوت لموسيقى، يتناهى لسماعها اللحظة، ذاك يعنى شيء واحد فقط، أنه ليس  بالداخل بكل تأكيد، مدت كفها لمقبض الباب وضربات قلبها كالمطارق، وقد تأكدت أن مئزرها يحيط بقدها في إحكام، وكذا غطاء رأسها.
فتحت الباب، متطلعة للداخل، لتقف مبهورة وقد فغرت فاها شاهقة في دهشة، جعلتها تنسى حذرها، وقد أصبحت في منتصف الغرفة تقريبا، تتطلع في انبهار، لتلك المكتبة الضخمة، التي تحتل مجمل الجدار، خلف ذاك المكتب الأبنوسي الفخم، الذى يتوسط الغرفة .
اندفعت تتلمس الأرفف الزاخرة بالكتب، وكأنها داخل مغارة علي بابا، توصلت لقسم الروايات، فانتقت  بعضها، حتى لا تضطر للعودة إلى هنا إلا للضرورة، همت بالرحيل وحملها الثمين لخارج الغرفة، لكن صوته المسيطر النبرة استوقفها متسمرة موضعها، وهو يؤكد لمناع أمر ما، قبل أن يدلف للغرفة بغتة، متفاجئا بوجودها.
ازدردت ريقها بصعوبة، والصمت سيد الموقف بينهما، إلا أنه تقدم نحوها في تمهل عجيب، أفقدها رباطة جأشها، التي تحاول إقناع نفسها اللحظة بالذات، أنها تمتلكها. 
وقف قبالتها، دون أن يتطلع إليها، مادا كفه ليستعيد ما كانت تحمله من مقتنياته العزيزة، ووقف يقلب في الروايات، يضع بعضها جانبا، ويعيد البعض لكفيها من جديد، أصبح المجموع ثلاث روايات، هي كل ما كانت تحمل بين يديها، أما الباقي، فعاد بهن في هدوء  للمكتبة، يضعهن برفهن الصحيح، كأنه يحفظ الأمكنة ككف يده.
لم تجرؤ على التحرك قيد أنملة، وكأنما نبتت لأقدامها جذور.
قطع عفيف حبل الصمت الصاخب أخيرا، وهو يعاود الوقوف أمامها هامسا: دي أحسن روايات ممكن تجريها فالمچموعة اللى كنتِ هتخديها، ولما تحتاچي غيرها، المكتبة تحت أمرك يا داكتورة. 
هزت رأسها متفهمة، فأشار بكفه تجاه الباب، لتندفع هاربة من التواجد معه لثانية آخرى، أو ربما هاربة من ذاك الشعور الغامض، الذى أصبح يعتريها كلما اجتمعت به.
لم يكن هو، بأفضل حالا منها، وهي تغادره بذات السرعة، التي هربت بها في تلك الليلة العجيبة، راكضة وخلفها شعرها الغجرى يلحقها عاصفا بكيانه، كما تلحقها جدائله اللحظة، التي تمردت على غطاء رأسها، كأنما تتحدى الحواجز، لتطل عليه مثيرة جنونه من جديد. 
           

                   الفصل الخامس من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة