رواية جلاب الهوى الفصل الخامس 5 بقلم رضوى جاويش


رواية جلاب الهوى الفصل الخامس 5 بقلم رضوى جاويش


٥- يا مراكبي..                
دقات خجلى على باب غرفته انتبه لها وهو يختم صلاته، لينهض متوجها ليفتح الباب بشكل يؤكد أن ثورة غضبه، لم تهدأ بعد. 
انتفضت مع انفراجة الباب المفاجئة، لكنها تماسكت، هامسة على استحياء: أنا جهزت العشا على الطربيزة بره لو أنت جعان!
وقف قبالتها للحظة ساهما، وأخيرا أومأ برأسه أن نعم، ولم ينطق بحرف، فتنحت جانبا لتدعه يمر ليجلس حيث وضعت الأطباق، كان الطعام نفسه الذى كان موضوعا على طاولة الغذاء، ولم يستطع أي منهما تناوله لسوء طعمه. 
تنهد في حسرة، وبدأ في تناول الطعام بلا شهية، لكن ما أن وضع أولى اللقيمات بفمه، حتى هتف في تعجب: أنتِ عملتي إيه ف الأكل  عشان يبقى حلو كده!
ابتسمت في خجل هامسة: شوية تعديلات، خبرة ستات مش أكتر. 
بدأ يأكل في شهية جائع منذ دهور، ما جعلها تبتسم وهي تطالع تبدل ملامحه بهذا الشكل السريع، من ملامح غاضبة ثائرة، لملامح طفل  وجد ضالته، خاصة وهو يهمهم الآن بإستمتاع مع كل قضمة. 
تناولت طعامها محاولة تجنب النظر إليه من جديد، وتذكرت أنه كان حديث فتيات النجع، في جلساتهم الخاصة، منذ أن وطأت قدماه أرض النعمانية، لم يكن الأمر يتعلق بوسامته الرجولية، فهو لم يكن أول مهندس عُين بالنجع، لكنه كان الأطهر يدا والأرفع أخلاقا. 
تنهد في راحة شاعرا بالامتلاء، فاضطربت وهي تراه بهذا الاسترخاء، حتى أنها نهضت حاملة الأطباق في تعجل، فكادت تسقطها ليتلقفهم عنها في سرعة، هاتفا بمرح: أنتِ طبختي، وأنا عليا الشاي. 
أمسكت عنه الأطباق لتضعهم جانبا هامسة في تردد، تدفع نفسها دفعا للتحدث قبل أن تخونها شجاعتها: ممكن تجعد، عايزة أجولك كلمتين. 
جلس في هدوء وترقب منصتا لها، تنحنحت ناهد، وهي تدفع الكلام لحلقها، كانت تفرك كفيها معا باضطراب لاحظه على الفور: أنا، أنا عايزة أجولك أنا آسفة، أنا فكرت ف الكلام اللي جولتهولي، والصراحة لجيت إن عندك حج، إحنا فنفس المركب، و يا نغرج سوا .. يا نعدي سوا، وأنا اخترت إننا ننچح و نعدي.
أنهت كلامها، ورفعت رأسها في خجل، لتطالعها ابتسامته التي أضاءت وجهه الأسمر الوسيم القسمات، مادا كفه مصافحا، هاتفا بلهجة مرحة: اتفقنا. 
نظرت لبرهة في تردد لكفه الممدودة، لكنها مدت كفها إليها مصافحة، وما أن جذب كفه، حتى تذكر أنه ملوثا ببقايا الطعام التى سقطت على كفه، من الأطباق التي لحقها منذ قليل، قبل سقوطها أرضا، فنظر اليها معتذرا، وهو يرفع كفه ليشمها مازحا: اتفاق بصلصة البامية محصلش. 
تعالت ضحكاتها، ليتطلع إليها في تعجب، وقد رأى في تلك اللحظة، ناهد التي كان يسمع عن حسنها و دلالها من حكايا الفلاحين، وهمساتهم عنها، حين كانت تمر بالكارتة، فيبصرها من بعيد، وهو يباشر ري أراضيهم، وكأنها إحدى الأميرات، التي تعيش في ذاك البيت الكبير، على تلك التلة البعيدة.
تنبه لتطلعه فيها بهذا الشكل المطول وهي تقف هكذا في اضطراب، فما كان منه، إلا الاسراع للداخل، هاتفا في عجالة: تصبحي على خير. 
             ★ ★ ★ ★   
تعجبت، فها هو اليوم الثالث على التوالي بلا زيارة للمريضات، حتى النسوة اللاتي يأتين مستترات، طلبا لاستشارة ما، اختفين. 
أعربت عن قلقها للخالة وسيلة، وهي تعاونها في إعداد مائدة الغذاء، متعجبة: مش ملاحظة غياب الستات يا خالة وسيلة! دي أوضة الكشف مكنتش بتفضى أبدا!
هزت الخالة وسيلة كتفها متعجبة بدورها: والله علمي علمك يا بتي، يمكن چاهم الشفا على يدك. 
تساءلت دلال: طب والستات الحوامل اللي بتابعهم! راحوا فين هما كمان! 
ثم استطردت دلال مقترحة: أنا بفكر أروح لهم بيوتهم بنفسي، إيه رأيك يا خالة، أروح!  
هنا هتف صاحب ذاك الصوت الذى يزلزل كيانها: لا هتروحي، ولا الحريم هياچوا.
استدارت بكليتها لمواجهته، محاولة السيطرة على نبرات صوتها المهتزة: معلش يا عفيف بيه، تقصد إيه بلا أنا هروح، ولا الستات هاتيجي!
نثر رزار المطر من على عباءته الصوفية السوداء، واستبقت الاحداث كعادتها مبتسمة في ثقة، وهي تتطلع للجو بالخارج: آه، حضرتك أكيد قصدك علشان المطر والجو صعب شوية، مش كده!
اتجه لطاولة الغذاء يتسيدها كالعادة، وشرع في تناول الطعام نافيا: لاه، مش كِده يا داكتورة. 
جلست على مقعدها المعتاد على الطاولة، دون أن تمس الطعام، ناظرة إليه مستفهمة، ليتجاهلها تماما مستمتعا بطعامه، اللعنة عليه، ودت اللحظة، لو قلبت المائدة فوق رأسه، لعلها تطفئ نار الغضب المستعرة الآن بداخلها كالجحيم، لكنه باغتها متسائلا، ليقلب هو طاولة أفكارها رأسا على عقب: مجلتليش يا داكتورة! هي إيه حكاية الخيار والطماطم اللي دايرين يجولوها ف النچع دي!
امتقع لونها، وحارت أين توجه ناظريها، بعيدا عن نظراته الصارمة، همست عندما استطاعت إيجاد صوتها: أبدأ، دي حكاية كنت بحاول أقرب بيها فكرة إن الراجل هو المسؤول عن تحديد  نوع الجنين، بعد إرادة ربنا.
هز رأسه متفهما، وأمر معلنا: عايز أسمعها الحكاية دي. 
هتفت مراوغة: ما أنت أكيد سمعتها من أهل النجع، مش بتقول دايرين ييحكوها!
أكد فى إصرار: عايز أسمعها منك يا داكتورة.
تلعثمت حروفها قليلا، ثم أخبرته ما قصته للنساء، انتهت، وساد الصمت لبرهة، قطعه صوت قهقهاته، ما جعلها تجفل منتفضة موضعها، وما أن هدأت نوبة ضحكه حتى هتف ممستحسنا: فكرة حلوة يا داكتورة.
ابتسمت في رضا، لكن ملامح وجهه انقلبت بشكل مباغت، متسائلا في لهجة ساخرة: بس تفتكري كان دِه وجتها يا داكتورة! 
هتفت محتدة: مش فاهمة حضرتك الصراحة، أنا كنت بوعيهم بأمور علمية، مش كلام من تأليفي!
هتف بلهجة قاسية: الأمور العلمية اللي بتتكلمى عنيها دِى، خلت الرچالة تمنع حريمها إنها تاجيكي، كل واحد جال لمرته لما سمعها بتكرر حكاويكي العلمية، متروحيش للداكتورة الخرفانة دِي تاني. 
هتفت مصعوقة: خرفانة!
أكد ساخرا: دي الرچالة اللي بتجول.
ساد الصمت للحظات، شاعرا أنه أثقل عليها بنقده، فتنهد وقد هدأت نبرته مطيبا خاطرها: أنا عارف يا داكتورة إنك بتحاولي تساعدي، كتر خيرك، بس هنا، فجلب الصعيد، وفنچع بحضن الچبل، مش من الساهل إن الناس تصدج أي كلام يتجال لهم، و لو حتى واعيين إنه صح كيف الشمس اللي فوج روسهم، و بالخصوص، لو بيخالف عادة ورثوها من چدود الچدود، وكمان بتمس كرامتهم كرچالة، أهى دي بجى بالذات، حطي تحتيها مليون خط وخط.
نظرت له وعلى الرغم من ضيقها لسخريته، لكنها وللحق، شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تتملكها دهشة اكتشاف، أن ذاك الرجل الذي اعتقدت أنه يملك عقلية متحجرة، قد خالف توقعاتها، وأنه رجل واعِ، متفهم لطبيعة أهله، وعلى قدر عالِ من المعرفة.
أنتزعت نفسها من بين براثن أفكارها المتمحورة حوله، معترضة: يعني نسيبهم بقى فالجهل ده، ولا نوعي بالصح، حتى ولو كان صادم فالبداية!
أكد بهدوء واثق: طبعا منسبش الچهل يسيطر، لكن نختار الطريجة اللي تناسب عجولهم، عشان توصل لهم المعلومة بالتدريچ، لحد ما تبجى من ثوابتهم. 
همت بالتساؤل من جديد، ليقاطعها دخول مناع المفاجئ وثيابه تقطر ماء من أثر المطر بالخارج، هاتفا في لهفة واعتذار: معلش يا عفيف بيه إني دخلت هاچم كِده، بس أصلك مرتي باينها بتولد، و محتاچين الداكتورة ضروري.
هتف عفيف متعاطفا: محصلش حاچة يا مناع، إرچع أنت لمرتك، وأني هجيب الداكتورة وأحصلك. 
هتف مناع متعجبا: حضرتك بذات نفسك هاتاچي! 
هتف عفيف: وااه، اومال اسيب الداكتورة تاچي لحالها وفالچو الواعر دِه! روح، على بال ما تچهز الداكتورة حالها.
هتف مناع ممتناً وهو يندفع للخارج: ربنا يبارك لك يا عفيف بيه. 
ما أن أنهى مناع حديثه، حتى اندفعت دلال للمطبخ، ومنه للمندرة، لتجهز أمرها، فها هي الآن في اختبار حقيقى أمام الجميع لإثبات كفاءتها، واستعادة الثقة المفقودة.
            ★ ★ ★ ★
خف هطول المطر، هي تندفع لخارج المندرة، تجذب سترتها الثقيلة حول جسدها،عندما ضربها الهواء البارد، وهي تسير بجانبه. توقعت أن بيت مناع، لا يبعد كثرا عن تلك التلة المرتفعة، المقام عليها البيت الكبير موازيا للجبل الغربي، لكنها أدركت خطأ اعتقادها عندما أشار لها عفيف لتركب تلك الكارتة التي تجرها الأحصنة، والتي شُرعت مظلتها كقبة، يحتميان تحتها من المطر. 
كيف يمكنها التصرف الآن! حذائها عال الكعب الأنيق، وأمثاله بالحقيبة، والذين لم تفكر باستبدالهم بأحذية مريحة، في عجالة صدمتها، يوم أن جاءت إلى هنا، يعيق اللحظة حركتها، وقدرتها على صعود الكارتة. 
صعد عفيف من الجانب الآخر، عندما شعر بحيرتها، وانحني مادا كفه نحوها، أمرا في لطف: هاتي يدك يا داكتورة. 
هتفت في ذعر، وهى تضم كفها لصدرها: ليه! 
كاد ينفجر ضاحكا، لولا بعض من ثبات، مجيبا وهو يئد ضحكاته: عشان تطلعي الكارتة.
حزمت أمرها، ودفعت بكفها لأحضان كفه الممدودة أمام ناظريها، وكأنها إحدى العرافات التي يحثها لقراءة طالعه، لحظة، كما هو الحال بينهما دوما، ووجدت نفسها مجذوبة بقوة إلى داخل العربة، تجاوره كتفا بكتف في محيطها الضيق، فتساءلت مستفسرة: لسه كتير على بيت مناع! 
هز رأسه نافيا: لاه خلاص، وصلنا المعدية. 
هتفت في صدمة: معدية! معدية إيه!
لم يجبها، بل غادر العربة، أمرا سائقها بعدم المغادرة، حتى عودتهما، مهما طال غيابهما، استدار ليساعدها في الترجل، مبتسما لعنادها حين وجدها تعتمد على نفسها، نجحت بالفعل في إنزال قدمها الأولى، لكن الثانية خذلتها، وعلق كعب الحذاء بمسند القدم، سقوط  مدوِ أمامه، ووسط كل هذا الوحل! رائع! هذا ما كان ينقصها! 
لكنه لحق بها، لتسقط، لكن بأحضانه، محيطا جسدها بذراعيه.
لماذا تحدث كل كوارثها في ححضرته! خلصت قدمها المعلقة، ووقفت تدعي ثبات هش، ليهمس هو، بذاك الصوت الذى أصبحت تميزه، ذاك الذي يحمل نبرات متحشرجة مرتبكة على غير عادته، مع اهتزاز واضح بتفاحة آدم العالقة كمصيرها بمنتصف حلقه: اتفضلي يا داكتورة. 
أشار للمعدية، التي ما كانت سوى قارب خشبي صغير سيحملهما للضفة الآخرى، من هذه الترعة، المتوسطة الاتساع. 
عبر عفيف لداخل القارب، و مد كفه، لمساعدتها على العبور، بعد صراعها مع حذائها، الذي كان يغوص فالوحل، كانت المرة الثانية في الدقائق الماضية التي تتلاقى فيها أكفهما، وكادت تقسم، أنه لو للأكف حديث، فإنها تسمعته بين كفيهما اللحظة، كفه يهمس لكفها بعد لقائهما الأول، مرحبا مرة آخرى، وداعا لعلنا نلتقى قريبا من جديد. 
دفع المركبي القارب، لتخوض في الماء قليلا، حتى دفع نفسه داخلها، يقف على مقدمتها، حاملا عصاه التي تزيد طولا عن عمق المجرى المائى، دافعا بها لأعماقه، حتى يتحرك المركب للأمام، كان يفعل ذلك بسلاسة أذهلها، وهي تراقبه في انبهار، غير واعية أن هناك عيون باسمة، تتابع تلك النظرات المغلفة بالدهشة، التي تطل من عينيها السمراء. بدأ المركبي في الغناء، بصوت شجى أخذها لبعد آخر، تطلعت حولها في عدم تصديق، شاعرة أنها تدخل عالم موازِ، ما كانت لتدركه ولا بعين خيالها، مركب و نهر، جبل شامخ وأمطار، و.. عفيف، وقعت عيناها عليه بغتة، لتجد ناظره لا يحيد عن محياها، أرتجفت رغما عنها، جاذبة إلى جسدها سترتها الصوفية، وبدأت في الاستماع لغناء المراكبي لاهية نفسها، تحاول استوضاح معنى كلماته: 
     فَرَطت جلعِي ما چانيش ريح..
        وعاودت ع البَر ناوي..
        ياما ناس زيِّنا مچاريح..
        لكن صابرة ع البلاوي..

  إوعاك تجول للنـدل يا عـم..
   وإن كان ع السرچ راكب
    ولا حد خالي من الهم..
     حتى جلوع المـراكب.
وصلوا أخيرا للبر الثاني، لتتبادل أكفهما الحديث اللحظي مرة آخرى.
ما أن أدرك مناع قدومهما، حتى هلل في لهفة، مندفعا يحمل عن عفيف الحقيبة  الطبية، مصطحبا دلال، يرشدها لغرفة زوجته، التي كانت صرخاتها المتوجعة، تملأ الدار، وعاد سريعا لعفيف، هاتفا في حرج: لا مؤاخذة يا عفيف بيه، اتفضل، والله دِه أني حصلت لي البركة بمچية چنابك. 
جلس عفيف داخل إحدى الغرف الجانبية ، هاتفا في مناع: روح شوف الأحوال، يكونوا محتاچين حاچة، هم ياللاه، متجعدليش كيف العمل الردي، وربنا يجومهالك بالسلامة.
هتف مناع معترضا: كيف يعني! يبجى عفيف بيه النعمانى بداري، ومجعدش تحت رچليه، والله الليلة كنها ليلة عيد بتشريفك يا بيه. 
ابتسم عفيف لمحبة مناع الصادقة، و التي تتعطر بها كلماته، ليهتف به امرا بابتسامة:- طب روح اطمن، عارفك هتجعد مش على بعضك، وأني لو عوزت حاچة، هنادم عليك. 
نفذ مناع الأمر، كما اعتاد دوما، بادر دلال التي خرجت من الحجرة في تلك اللحظة، متسائلا في لهفة: مش خير برضك يا داكتورة، ولا إيه! طمنينى ربنا يريح جلبك، دي شكلها ميطمنش. 
حاولت دلال، أن تداري قلقها، هاتفة في نبرة مطمئنة: إهدى يا مناع، كله بأمر ربك. 
هتف مناع في جزع: يبجى حالتها واعرة كيف ما أني واعي. 
لم ينتظر منها جوابا، بل ترك المكان كله وولى مندفعا للأسفل حيث ينتظره عفيف، الذى زم ما بين حاجبيه، ما أن طالعه وجه مناع الغائم، فهتف مستفسرًا: خير يا واد، إيه في!
تحشرج صوت مناع: الليلة باينها واعرة يا عفيف بيه، وعيت لكلام الداكتورة ميطمنش، يا رب ألطف بيا و بيها يا رب.
انحنى عفيف، يربت على كتف مناع الجالس أرضا، واضعا رأسه بين كفيه في استسلام، هاتفا في مؤازرة: ما تچمد اومال، هتجوم بالسلامة، بس جول يا رب. 
هتف مناع من أعماقه متضرعا: يا رب يا عفيف بيه، يا رب، دي لو چرالها حاچة، أروح وراها. 
تطلع عفيف لخفيره ساهما، كانت كلمات مناع، تحمل معانِ ما كان عفيف يدركها، وكم كان يتعجب، من تلك الحالة المبهمة التي ما وعاها قلبه يوما، وتعجب من حال أصحابها، لكن لما يستشعر الآن، أن كلمات مناع ما عادت غريبة على إدراكه، و أن قلبه بدأ يفك شفراتها الغامضة!
أصوات زغاريد منطلقة أخرجته من شروده، وجعلت مناع ينتفض مندفعا باتجاهها غير مصدق ما تنبيء به. وصل لباب غرفة الولادة، يتطلع بأعين زائغة منتظرا البشارة، لتعاجله أمه هاتفة في سعادة، تكاد تقفز فرحا: ألف مبروك يا ولدي، واد كيف البدر، الله أكبر. 
واعادت إطلاق زغاريدها المدوية من جديد، و قد وضعت الوليد بين ذراعي والده، الذى اغرورقت عيناه بالدموع، وهو يضمه لأحضانه، وفي غمرة سعادته، هتف في جزع: و سعدية ياما، زينة! 
هتفت أمه تطمئنه: زي الفل، الداكتورة ما شاء الله عليها، لولاها ما كنّا عارفين إيه اللي كان هيُحصل. 
كانت دلال بالداخل ترعى سعدية، ما دفع مناع لينزل إلى عفيف، حاملا ولده في فرحة غامرة، ليضعه بين ذراعيه، تناوله عفيف في حذّر، ناظرا إليه في سعادة، لكم تمنى أن يحمل أطفال ناهد، ومن بعدهم أطفاله، انحنى في وجل، يقبل جبين الطفل في حنو، وهمس لمناع حتى لا يوقظه: نويت تسميه إيه بإذن الله! 
اندفع مناع هاتفا في حماسة: هسميه عفيف، بعد إذن چنابك طبعا. 
قهقه عفيف في سعادة، وهو يعاود النظر للطفل بين ذراعيه، هاتفا في فخر، وهو يخرج مبلغا ماليا كبيرا من جيب جلبابه، ليضعه بداخل غطاء الطفل، هاتفا وهو يعيد الوليد بين يدىّ والده من جديد: مبروك ما چالك يا مناع، يچعله الواد الصالح يا بوعفيف. 
انتشى مناع من اللقب الجديد، وهتف معترضا على عطية سيده الثمينة: ده كَتير جوي يا عفيف بيه، دِه كفاية مچيتك، ربنا يخليك لينا، و يبارك لنا فعمرك. 
هتف عفيف في محبة، وهو يربت على كتف مناع: لا كَتير ولا حاچة، و بعدين هو عشانك، دِه عشان عفيف الصغير. 
كانت تقف على عتبة باب الغرفة منذ لحظات، ليطالعها ذاك المشهد الذى غزا قلبها بشكل عجيب، مظهره وهو يحمل طفل مناع، جعل ضربات قلبها تتضاعف بسرعة صاروخية، وملامح وجهه تلك، التي كانت تحمل كم غير طبيعى من الرأفة، جعلت روحها تئن مترنحة، تكاد تسقط صريعة لتلك الأحاسيس، التي أثارتها تلك الملامح الخشنة، المستكينة بالحنو.
كم وجه يملك ذاك االرجل! 
لم تعد قادرة على ترك الحبل على غاربه لأفكارها، لذا اندفعت داخل الغرفة، ترسم ابتسامة بلهاء على شفتيها، هاتفة بصوت ليس لها: مبروك يا مناع، وحمدا لله على سلامة سعدية، يتربى في عزك. 
هتف مناع في امتنان: البركة فيكِ يا داكتورة، والله ما عارف أجولك إيه! ولا أوفيكِ حجك كيف!
اتسعت ابتسامتها مؤكدة: متقلش حاجة يا مناع، ده فضل ربنا وتساهيله.
واتجهت أنظارها للطفل النائم بوداعة بين ذراعيّ أبيه، لتمد كفيها تحمله عنه في شوق، و تساءلت في جوف أعماقها، هل سيمن عليها الله يوما لتحمل أطفالها، كما تحمل أطفال الغير بتلك المحبة! 
استأذن مناع في عجالة، تاركا إياها تتفقد الطفل في حنو بالغ، وقد نسيت تماما، أن هناك من يقف يتابع بنظراته المتفحصة، كيف تقف مأخوذة كليا بعفيف الصغير، و تأوّهاته المحببة، والتي دفعت الابتسامة لشفتيها ودموع الفرحة لمآقيها. 
أيقظها همس عفيف، من أحلامها الوردية: شكلك تعبتي يا داكتورة، مش نرچعوا بجى! ولا لسه في حاچة جدامك هنا! 
ما أن همت بإجابته، حتى انتفضت في ذعر، تلتصق به وهي تضم عفيف الصغير بينهما. 
صوت الطلقات النارية الحية، التي كان يطلقها مناع بالخارج، فرحة بميلاد طفله، جعلتها تجفل فزعة، ولم يكن بمقدورها أن تأتي بأي رد فعل ممكن، وخاصة والطفل بين ذراعيها، فانكمشت على نفسها، وهي تغلق عيونها بقوة.  
كان من العجيب ان تشعر فجأة ان صدى الطلقات قد خفت، وبدأت في الاسترخاء رويدا، رويدا، ما دفعها لفتح عينيها تدريجيا، لتصطدم بعينيه المتطلعة إليها، وكفيه اللتين أحاطتا بجانبي وجهها، ضاغطة قليلا على أذنيها فوق حجابها، بشكل لم تستشعره، لكونها كانت ضاغطة على أسنانها ذعرا، فاصلة إياها عن عالم الأصوات الخارجية. 
تطلعت إلى عمق عينيه، التي ما استطاعت أن تحيد بنظراتها عنهما، تأمل في تفسر مغزى نظراته المسربلة بكل هذا القدر من العجب، لكن الوصل انقطع، عندما دخل مناع هاتفا في سعادة فاقت الحد، وهو يتناول ولده من بين ذراعيها، ناظرا إليهما في امتنان: عجبال ما نشيل عيالكم، وتفرحوا بيهم. 
لم تعد تستطيع أن تنتظر لحظة واحدة، أمام سيل النظرات التي غمرتها من تلك العيون الفحمية، وخاصة بعد كلمات مناع الأخيرة. 
اندفعت في عجالة خارج الدار، ليندفع عفيف لاحقا بها، وقفت على عتبة الدار، ترتدي حذاءها الموحل، والذى خلعته تأدبا عند وصولها، لتتوقف مصدومة، وهو ينحنى متناولا الحذاء، ليكسر كعبه في سهولة، وكأنه ينتزع قشة عالقة بثيابه. 
وضع الحذاء أرضا بعد أن أنهى مهمته، لينظر إليها مؤكدا: كِده هيريحك فالمشي أكتر. 
دست قدميها في الحذاء بضيق، وهي لا تصدق أنه فعل ذلك بحذائها الغالي، و الذى ابتاعته مضحية بمرتب شهر كامل، اللعنة عليه، و على الأمطار، وعلى سيطرته الخانقة. 
استطاعت الوصول للمعدية، و دخولها بسلام دون الحاجة لمعاونته، والحق يقال، كان خلع كعبي الحذاء، ضروريا، وأراحها فعلا.
كان ذاك حدث استثنائي في بلدان الصعيد، أن تهطل الأمطار بغزارة، ولعدة مرات فاليوم الواحد، شعرت بالبرد والماء يتخلل عظامها، فقد تنبهت، بعد فوات الأوان، أنها قد نسيت سترتها الثقيلة، التي خلعتها بحجرة سعدية، تنبه عفيف لارتجافاتها، وقد أدرك دون سؤال، أنها نسيت جلب معطفها، تحرك بحذر داخل المعدية، التي كانت تتمايل بعنف في تلك اللحظة، حتى وصل إليها، ملقيا عليها عباءته الصوفية، وعاد ليجلس موضعه من جديد، حتى يستقيم اتزان المركب. 
أغمضت عيناها وهي تستمتع بدفء عباءته، أحاسيس عجيبة تسربت لروحها، و دفء العباءة المخلوط بعطره، يدغدغ مشاعر مستترة ما خبرتها يوما، وما كانت على علم بوجودها من الأساس. 

وبدأ المركبي في الشدو من جديد:
خلخال خطر ع الجدم..
كل المحاسن فيه
والصايغ اسمه حسن..
صانع چميع ما فيه..
دايما على الحِمل صبار
الـلـي أصـوله زكية.
تنهدت في راحة، وتورد خداها بلون الزهر، لكنها استشعرت الحرج، حين أدركت أنها غرقت في أحلام يقظتها، ولم تجب ندائه باسمها، إلا بعد النداء الثالث تقريبا.
تبهت في خجل، وابتسم هو في ثقة، ابتسامة غيرت خارطة العالم، مادا كفه ليخرجها من المركب، مدت كفها وهي تلتحف العباءة الثمينة، و تضمها إليها، وعاد حديث الأكف من جديد، مرحبا ومودعا في نفس ذات اللحظة. 
ركبا العربة التي ايقظ عفيف سائقها مناديا، لينتفض منتبها بكامل وعيه، ليعودا لبيت النعماني، وعلى أعتاب المندرة، دفعت بالعباءة الغالية مرغمة عن كتفيها، غير عابئة لاعتراضه، وهي تضعها بين كفيه شاكرة، مهرولة للدخل، فقدت اكتفت اليوم، من محيا عفيف النعماني، الذي بات يؤرقها في صحوها ومنامها. 
عاد لداخل البيت، لتعاجله الخالة وسيلة: حمدالله بالسلامة يا ولدي، هااا، مرت مناع جامت بالسلامة! 
أكد عفيف وهو يتوجه لأعلى الدرج: آه، الحمد لله، بفضل الداكتورة بعد ربنا، جامت بالسلامة وربنا رزج بعفيف الصغير. 
هتفت الخالة وسيلة: الله أكبر، الله أكبر، عجبال ربنا ما يمد فعمري، واشيل عوضك، و أفرح بشوفته جادر يا كريم. 
ابتسم عفيف وهو يختفي بأعلى الدرج هاتفا: كله بأمره يا خالة، كله بمشيئته. 
وتذكر فجأة أمرا هام، فعاد لأعلى الدرج، هاتفا باسمها، لتظهر ملبية في سرعة: أمرك يا عفيف بيه. 
أكد عليها هاتفا: روحي للداكتورة بأكلة زينة، دي ملحجتش تتغدى، ومش هوصيكِ عليها عاد.
هتفت في محبة: توصيني برضك! دي فعيني من چوه، أني رايحة لها اهااا، بس أنت معيزش حاچة جبل ما اروح أعملهالك!
نفى وهو يختفى بأعلى الدرج من جديد: لاه يا خالة، تسلمي.
دخل غرفته ملقيا جسده المرهق على كرسيه المفضل لبرهة، يحاول دفع نفسه للحمام، ليطرد ذاك البرد الذى تخلل جسده، ببعض الماء الساخن، الذي أعاد سريان الدماء الحارة بعروقه، وما أن عاد للغرفة، حتى وقعت عيناه على عباءته التي دثرتها، وأحاطت جسدها الذى تراقص أمام ناظريه، في تمايل مُسكر للألباب.
أقترب في وجل لموضع العباءة حيث ألقاها عند وصوله، رفعها إلى وجهه، مغرقا إياه في طياتها، يتحسس عطر روحها العالق بنسيجها، لعله يبوح بمكنونات قلبها العصي. 
طال شذى ما بقى من عطرها الهائم بين الثنايا، عمق روحه، ملقيا وعيه في  دوامات من التيه، لكنه انتفض مستغفرا، وهو يدفع العباءة عنه، ملقيا إياها بطول ذراعه، فما عاد يحتمل،  تأثيرها الدامى على حسن منطقه، وزعزعتها لسلامه النفسي. 


                   الفصل السادس من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة