
٦- وبدأت الحكاية
تدثرت جيدا بمئزرها، والبرد ينخر عظامها، بعد تلك الرحلة العجيبة لبيت مناع، ابتسمت ابتسامة حالمة، وهي تتخيل تفاصيل الرحلة، كفيها تحتضن كوب الزنجبيل، الذي أعدته الخالة وسيلة، لعله يعيد الدفء لجسدها، مدت كفها للرواية التي كانت قد قررت مطالعتها الليلة، اندمجت بالاحداث و الشخصيات لحد كبير، وقد شرع الدفء في التسلل لأطرافها أخيرا، مشعرا إياها بالنعاس، لكن بعض الاسطر الجانبية، المكتوبة بخط يدوي منمق، استوقفتها، حملقت وبدأت فى القراءة، هامسة في وجل:
ياليتنى يوما رأيتكِ..
قبل أَن تأتى الحروفُ.
وتعرفُ الأرضُ الحلالَ من الحرامْ
كنتُ انتزعتُ القتلَ من سُننِ الحياةِ
أقمتُ للعشاقِ مملكةً
وقصوراً من وئامْ
وتركتُ عمرى فى يديكِ سحابةً
تَمْضِى وتمطرُ كلما شاءتْ
وتغسلُ كل أدران العداوةِ والخصامْ
شهقت متعجبة، هل هو حقا، من يكتب تلك الابيات على حاشية الكتاب! هل يحفظ الشعر ويكتبه حقا!
أسرعت تفر صفحات الرواية في لهفة، فلابد أن هناك المزيد، سقطت عيناها على أبيات جديدة، فهمست تقرأها في وجل، ودقات قلبها تتضاعف في سعادة عجيبة، كأن هذي الكلمات، كتبت لأجلها:
أحبك جدا وأعرف أني تورطت جدا
وأحرقت خلفي جميع المراكب
وأعرف أني سأهزم جدا
برغم الدموع ورغم الجراح و رغم التجارب
وأعرف أني بغابات حبك وحدي أحارب
وانني ككل المجانين حاولت صيد الكواكب
اخذت تقلب الصفحات، فما عادت تقرأ الرواية، أو تهتم لتفاصيلها، بقدر ما أصبحت متلهفة لإيجاد أثر لكلمات عفيف، المنثورة على حواف الصفحات، ظلت على حالها، حتى زارها النوم بغتة، وهى تتدثر أشبه بأحد رؤوس الملفوف، محتضنة الرواية لصدرها، وكأنما تحتضن كلماته، التي ودت لو كانت لها.
***************
همهم نديم، وهو يلوك آخر لقمة من طعامه مستمتعا، لتبتسم ناهد، هاتفة في خجل: إيه يا باشمهندس، كل الانبساط ده، عشان شوية عدس!
ابتسم نديم، وهو يسند ضهره للأريكة خلفه في استرخاء، مفسرا: وإيه يعني عدس! نعمة، و لما يكون معمول حلو كده، يبقى أكبر نعمة.
وغامت عيناه فجأة بنظرات ملؤها الحزن، تنبهت متحيرة، لسبب تغير مزاجه المباغت، فهمس بنبرة تقطر شجنا، منهيا حيرتها: بعد ما ماتت أمي الله يرحمها، فضي علينا البيت أنا ودلال أختي، كنّا بنشتهي أكلة سخنة، لسه نازلة من ع النار، معمولة بمحبة بأيد الغالية، كنّا ممكن نقعد بالأسبوع على أكل بايت، أو شوية فول وطعمية، طبعا الحالة المادية كانت مش ولابد، معاش بابا مكنش بيكفينا، أنا كنت ثانوية عامة، ودلال كانت ثالثة طب، دراستها صعبة ومش سايبة لها وقت لأي حاجة جنبها، لدرجة إنها كانت بتفكر جديا تسيب الكلية، وتنقل أي كلية أربع سنين، بس أنا رفضت، قلت لها، لو سابت كليتها، أنا كمان مش هكمل، وهنزل أشتغل، كانت أيّام صعبة، لولاها جني، معرفش كنت هعديها إزاي!
هتفت ناهد متعاطفة: ربنا يخليكم لبعض، شوجتني أشوفها.
واستطردت هامسة، دون أن تدرك أنه سمع همهماتها بوضوح: دِه لو ربنا أراد، و الوشوش اتجابلت.
صمت لبرهة، وتوجه للحمام، وما أن عاد، وقع نظره على ورقة على الطاولة، بها بعض الطلبات الضرورية، وفوقها تركت ناهد خاتمها الذهبي.
تصنع عدم الفهم، هاتفا وهو يراها قادمة من المطبخ: هنزل أجيب الطلبات حالا، بس خدى بالك نسيتي الخاتم بتاعك، لحسن يتنطر في أي حتة ويضيع.
هتفت مؤكدة، وهو يقدم لها خاتمها: أنا اللي حطيته يا باشمهندس، دي مساهمة بسيطة مني فالمصاريف، إحنا مش عارفين اللي إحنا فيه ده، هيطول لأمتا، و...
قاطعها في ضيق، متشكر، لما أبقى أقصر، أبقي فكري تساعدي.
هتفت تدافع عن وجهة نظرها: مش إحنا فمركب واحدة، يبجى كل واحد يجدم اللى يجدر عليه.
هتف مؤكدا اه احنا ف مركب واحدة ..
هتف مازحا، حين أيقن حسن نواياها، مشيرا إلى صدره فى فخر هاتفا: آه إحنا فمركب واحدة، بس أنا القبطان على فكرة.
ابتسمت ولم تعقب، فمد كفه ملتقطا كفها، بشكل عفوي، دافعا بخاتمها ليزين بنصرها من جديد، أرتجفت كفها بين كفيه في اضطراب لفعلته، ولم يدرك إلا متأخرا، أنه قد تجاوز حده المعتاد، جذبت كفها في عجالة، واندفعت لحجرتها، تلوذ بها، تاركة إياه، يتطلع إلى حيث غابت في حيرة.
★ ★ ★ ★
طرقات متتابعة على باب حجرته، جعلته ينتفض موضعه في تيه، قبل أن يستعيد كامل وعيه، مندفعا ليفتح الباب، هاتفا في قلق، وهو يتطلع لمحيا الخالة وسيلة المضطرب: إيه في يا خالة!
والتي هتفت في توسل: إلحجني يا ولدي، الداكتورة دلال..
قاطعها في ذعر: مالها الداكتورة، خير!
لم ينتظر منها جوابا، بل اندفع للدرج هابطا عدة درجات، قبل أن يتنبه، أن الذهاب لحجرتها، من حجرة مكتبه أقرب، فصعد مسرعا متوجها لغرفتها، والخالة وسيلة في أعقابه، تجاهد لتلحق بخطواته المتسعة لهفة، وحفيف جلبابه يعلو، مدللا على هرولته المضطربة.
وصل لعتبة بابها، وما أن هم بالاندفاع للداخل، حتى جذبه تعقله ليعود القهقري، منتظرا وصول الخالة وسيلة بفارغ صبر، والتي وصلت لاهثة، فانفرج الباب حين دخلت، ليلمح دلال ممددة على فراشها، تتآكلها الحمى، ويبدو أنها تهزي بهمهمات تصله حيث موضعه قبالة الباب متسمرا، يغض الطرف عن محياها بأعجوبة.
هتفت الخالة وسيلة في قلق متضاعف: چتتها جايدة نار، وبتخترف يا نضري.
اندفع عائدا لحجرته، لتستوقفه الخالة وسيلة هاتفة: على فين الساعة دي، فالرباب والوحلة اللي بره!
أكد وهو يدلف للحجرة، نازعا عنه جلباب نومه، واضعا آخر، متلفحا بعباءته: رايح أجيب الداكتور.
تعجبت وسيلة: ابعت الغفير يچيب داكتور الوحدة الصحية وياچي.
هتف مهرولا: الداكتور عمر، داكتور الوحدة فإجازة، لازما أچيب داكتور من بره النچع.
ضربت وسيلة على صدرها في ذعر:هتسوج ع الأرض المربربرة، و فالعتمة دي!
هتف وهو يغادر الدار: اومال يعنى هنسبوها كِده! ادعيلى بس ألجى داكتور يرضى ياچى معاي الساعة دي.
خرج مندفعا بعربته، لينتفض غفيره الناعس بديل مناع، لنفير السيارة، ليفتح البوابة في عجالة.
خرج مسرعا على الطريق، يحاول الوصول لأقرب مدينة، لجلب الطبيب، كان مظهرها وهي مستلقية غارقة في هزياتها، يثير مشاعر الشفقة والرحمة، هكذا ظن، أو أراحه أن يظن، أن تلك المشاعر الوليدة نحوها، ما هي إلا شفقة ورحمة بحالها.
أرتجف، فجذب العباءة على جسده اتقاءً لبرد الجبل القارص، الذى تسلل إليه، في مثل هذه الساعة، ليدرك أنها نفس العباءة، التي أطاح بها جانبا، عندما تسللت منها رائحة عطرها، التي سلبت وقاره، ها هو، يلتحف بها أكثر، لعلها تنشر الدفء، طاردة ذاك البرد، الذي يتسلل لقلبه، ما أن يتذكر محياها الشاحب على فراشها.
★ ★ ★ ★
هم مناع بدخول حجرته في حذر، لكي يلتقط بعض حاجياته، استعدادا للذهاب للبيت الكبير، لكنه وجد سعدية مستيقظة تطعم صغيرها، اقترب في سعادة، يجلس على طرف الفراش هامسا: إيه! عفيف الصِغير مش مخليكي تنعسي!
همست بصوت واهن: معلش، العيال كلها كِده، رايح البيت االكبير دلوجت!
أكد قائلا: هفطُر وأروح طوالي.
همست باسمة: طب السلام أمانة للداكتورة دلال، والله لولاها ما كنت عارفة كان ممكن يچرالي إيه!
أكد بايماءة من رأسه: الشهادة لله، هى تتحط ع الچرح يطيب، ربنا بعتهالنا من السما، يا رب يرزجها بواد الحلال اللي يستاهلها.
اكدت سعدية متخابثة: ما هو مموچو، والله ما تلجى أخوه، ربنا يچعلهم نصيب ف بعض.
زم مناع ما بين حاجبيه مستفسرًا: جصدك مين! عفيف بيه! يا ريت، بس مظنيش الحكاية تظبط، ده اللي بين...
قطع مناع حديثه، حتى لا يفضي بما لا يجب الإفصاح عنه، فيما يخص سبب وجود دلال بالنجع، فتنبهت سعدية متسائلة: إيه في يا مناع! باينك مخبي حاچة عليٌ..
استدرك مناع سريعا: لاه، هخبي إيه يعني! الحكاية كلها إن الموضوع مش ظابط، بجى تسيب مصر وتاچي تعيش هنا!
هتفت سعدية متطلعة لمناع في عشق: والله لو بتعجشه كيف ما بعشجك يابو عفيف، لتاچي من آخر الدنيا وتفضل معاه.
ابتسم مناع منتشيا، هامسا في محبة: والله كنت بموت ويحيا النهاردة، ولما جالولي ولدت، وبخير، أتردت لي روحي.
ابتسمت في دلال، وغاب في محياها للحظات، قبل أن ينتفض مؤكدا: أني أتأخرت جوي على عفيف بيه.
وخرج مودعا، هامسا في محبة، وهو يبرم شاربه: خلى بالك على حالك، يا أم عفيف.
انتشت للقب الجديد، وشيعته مودعة بابتسامة عريضة.
★ ★ ★ ★
سمح للطبيب الذي أحضره منذ لحظات للدخول إليها، كان يقف أمام باب الغرفة، تتنازعه مشاعر شتى، استطاع أن يميز أكثرهم سيطرة على حاله، وكانت الغيرة، التي أنكرها في جزع، موبخا نفسه:غيرة! غيرة إيه يا عفيف! شكلك اتچنيت، وجلة النوم عشية، أثرت على عجلك!
سخر هاتفه الداخلي، متسائلا في خبث: وهي جلة النوم دي، مش هي اللى كانت السبب فيها برضك!
كاد أن ينكر من جديد، حقائق هو أكثر الناس دراية، أنها صدقا وحقا، لكن خروج الطببب، أنقذه من صراعه النفسي، وهو يؤكد، خلال كتابته لوصفة الدواء: الحمد لله، عدت على خير، الموضوع كان هيبقى له مضاعفات لولا إنك جيت فالوقت المناسب، ع العموم فخلال أسبوع بكتيره هتكون تمام، بس المواظبة على مواعيد الدوا، والتغذية الكويسة، وألف سلامة على المدام.
لم ينبس عفيف بكلمة، والطبيب يقدم له وصفة الدواء مبتسما: واضح إنها غالية عليك، وإلا مكنتش جيت المسافة دي كلها عشان تجبني على هنا، والموضوع بسيط بإذن الله.
اضطرب عفيف، وحاول أن يبادل الطبيب الابتسام، شاكرا في تيه، وهو يقوده عبر حجرة المكتب للخارج، يسلمه لمناع، حتى يوصله من حيث أتى به، والتأكيد على شراء الأدوية المطلوبة.
عاد مجددا، ليقف قبالة باب غرفتها طارقا برفق، ليبادر الخالة وسيلة السؤال، ما أن طلت من خلفه: ها! هي عاملة إيه دلوجت!
أكدت الخالة هامسة: السخانة نزلت، وأهي رايحة فسابع نومة، هروح أحضر لها لجمة ترم عضمها، لما تجوم من غير شر.
أكد عفيف: مسلوج يا خالة، كيف ما جال الداكتور.
هتفت في تأكيد: معلوم، ربنا يجومها لنا بالسلامة، وأنت كمان، تعالى كلك لجمة، دِه أنت على لحم بطنك من عشية.
اعترض متطلعا نحو باب الحجرة الموارب، الحاجب محياها عنه: لاه، مليش نفس يا خالة، تسلمي.
هزت وسيلة رأسها متفهمة، وخرجت في هدوء، تسحب باب الغرفة خلفها، ما دفعه ليتحرك مبتعدا، مارا بحجرة المكتب ومنها إلى الخارج، هاربا من مشاعر عجيبة تطارده، لا تفسير لها، ولا قدرة على الفكاك منها.
★ ★ ★ ★
رأته يستعد للخروج، فهمست بنبرة خجلى: أنت نازل تچيب طلبات البيت!
أكد بإيماءة، مستفسرًا: أجبلك حاجة معايا!
همست مترددة: الصراحة عايزة أچي معاك.
هتف مرحبا: طب وماله، تعالي.
خرجا سويا من باب البناية، فطالعهما البحر، وملأت رائحة اليود أنفاسهما.
كانت المرة الأولى التي تخرج فيها منذ جاءا إلى الأسكندرية، تشعر أنها كالنبتة التي أبصرت الشمس بعد طول العتمة.
وقف هو يبتاع الأشياء الضرورية للمنزل، ووقفت هيا تطالع الشارع العريض، وصنوف البشر، لكنها فجأة انتفضت مسرعة، تستتر خلف ظهره، ما أن سمعت اسمها، تنبه نديم لذعرها، فتوجهت أنظاره في قلق، صوب من يناديها، فإذا به أب يستدعي ابنته، والتي تحمل مصادفة نفس الاسم.
قرأ نديم حزنها المرسوم على ملامحها النقية بكل سلاسة، كقراءته لجريدته الصباحية، فانتشل الحاجيات التي اشتراها بالفعل، ومد كفه ممسكا بكفها، كأنه يبثها الطمأنينة، حتى أنها ما اعترضت، لم ينبس أحدهما حرفا، فماذا يمكن أن يقال، في ظل ما يشعر به كلاهما من غربة مخلوطة بحسرة!
وصلا شقة سمير، فاندفعت هي للداخل صوب حجرتها، مغلقة بابها خلفها بقوة، فتنبه لعمق وجعها الذى حاولت كتمانه، حتى تصبح وحيدة، فتفرغه كما يعلم، دموعا سخية يسمع همهماتها ليلا، و يبصر أثرها على عينيها النجلاوتين صباحا، تنهد في ضيق، وهو يضع الأغراض جانبا، ليمر بحجرتها، متطلعا للباب الموصد، هو يعذرها، فهو ليس بأقل منها حزنا، لكن عليه أن يكون قويا بالنيابة عن كليهما، فلم يحن زمن وجعه بعد.
★ ★ ★ ★
عادت حرارتها للارتفاع مرة آخرى، ما دفع عفيف ليسأل الخالة وسيلة، في قلق: عتطيها الدوا اللي جلت لك عليه يا خالة !
هتفت وسيلة في قلة حيلة: مش جادرة أرفع راسها، ولا هي مساعداني، غايبة عن الدنيا يا نضري، تعال ساعدني.
اضطرب عفيف، أيدخل إلى حجرتها، التي أصبحت حرم مقدس، ما أن وطأتها قدماها منذ لحظة وصولها إلى االنعمانية!
لكن للضرورة أحكام، ما دفعه ليستجمع شجاعته، دافعا الباب برفق، يغض الطرف عنها، حتى وصل لطرف الفراش حيث ترقد، والخالة وسيلة جالسة بقربها على الجانب الآخر، والتي ساعدته فمد كفا مضطربة أسفل رأسها، الذي تخلى عنه غطائه، الذي كان موضوعا بعشوائية، ويا لوجيعته! وارتجافة روحه! وهو يرى شعرها الغجري، منثور هكذا بفوضى مثيرة، بعثرت ثباته أشلاء.. تناثرت بأرجاء الأرض قاطبة.
انحني مقتربا، مدركا أنه يرتكب خطأ فادحا في حق قلبه، فلا مفر من الاحتراق، رفع رأسها عن وسادتها لتستقيم قليلا بشكل يخول لها ابتلاع دوائها، كانت شبه فاقدة للوعي، فترنح رأسها قليلا، قبل أن يسقط متوسدا كتفه، كاد أن يشهق مصدوما وهو يستشعرها بأحضانه لولا بقية من ثبات، تناول حبة الدواء بكف مرتعشة من الخالة وسيلة، هامسا باسمها بصوته المتحشرج اضطرابا، لعلها تسمعه: فوجي يا داكتورة، خدي بس الدوا ونامي.
وضع حبة الدواء داخل فمها، و شرع في مساعدتها لتبتلعها بالقليل من الماء، سعلت قليلا، وبدأت تهزي، والتقطت أذنيه اسم أخيها.
أعاد رأسها على الوسادة في رفق، وما أن هم بسحب كفه إلا وشابكت أصابعه بجدائل شعرها الثائرة، وكأنها تتوسل أن يبقى، نظر لتلك الخصلات في تيه لبرهة، وعاد لها هزيانها من جديد، ولكن هذه المرة، كان اسمه هو.. ما همست به شفتاها، ما دفعه لينفض عنه الخصلات المتشبثة، مهرولا للخارج، مؤكدا لوسيلة في عجالة: أنا چارك ف المكتب لو عوزتي حاچة يا خالة.
دار حول نفسه كالممسوس داخل غرفة المكتب، يشعر أنه فقد شيئا غاليا لا يدرك كنهه، ولا يستطيع تحديد ماهيته على وجه الدقة، كل ما يدركه اللحظة، أنه يستشعر في بعادها، خواء رهيب بروحه، فأي جنون مطبق يكون هذا!
★ ★ ★ ★
هتفت في ود، ما أن طالعها رأس الخالة وسيلة المطل من فرجة الباب الضيقة، تتأكد أنها ما زالت تغط في نومها: تعالى يا خالة، أنا صاحية.
هتفت وسيلة مستبشرة: الله أكبر، رايجة الحمد لله، خلعتينا عليكِ يا بتي، حتى عفيف بيه اللي ما بيتهز كيف الچبل، كان ناجص يطول السما بيده، أول ما وعي لحالك.
تضرجت وجنتيها بحمرة محببة، ما ان سمعت تفاصيل الليال الأربع الماضية.
وهتفت في دهشة: عجيب! عفيف بيه يقلق كده! وعشاني أنا!
تنهدت وسيلة، بعد صمت طال لثوانِ: بالك يا بتي! ما في حد يعرف عفيف بيه كدي، ده رباية يدي، عفيف ده، لو وعيتيله مع ناهد أخته وچلعه فيها، مش هتصدجي إنه هو عفيف، اللى صوته بيهز الچبل اللي جصادنا على مدد شوفك دِه.
واستطردت باسمة: عفيف مخدش من النعمانى الكَبير غير شكله، لكن طبعه كله طبع أبوه، سيدى راغب الله يرحمه.
تبهت دلال، بعد أن كانت مأخوذة كليا، بحديث الخالة وسيلة عن النعمانية، لتهتف مستفسرة: قصدك إبإن عفيف بيه شبه جده النعماني!
هتف وسيلة مفسرة: يا بتي محدش من عيلة النعمانية كلهم، يشبه النعمانى الكَبير كيف عفيف بيه، كنهم فولة واتجسمت نصين، نفس الطول والعرض والهيبة الله أكبر، حتى الصوت اللى يرچ الچبل رچ، نفس الطلّة اللي ترچف، هو سيدي النعماني الكبير بالمظبوط، لكن الحنية والطبع اللين، كني واعية لسيدى راغب أبوه، صدج من جال، اللي خلف مامتش.
استنتجت دلال، من ذاك الذى زارها في أحلامها العجيبة، من وصولها إلى هنا، ربما هو جده! أراحها هذا الخاطر، راحة لا تعرف لها سببا، وسكينة عجيبة شملتها، بعد هذا الاستناج، جعلتها تتنهد تسأل وسيلة في فضول، لازال مشتعلا منذ المرة السابقة، التي أغفلت فيها سرد بعض تفاصيل الحكاية عمدا، لذا هتفت في لهفة: لكن مقلتليش يا خالة!
تنبهت وسيلة بكامل وعيها لدلال، و تطلعت إليها بعيونها الدائرية الصغيرة، التي تشبه عيون العرائس البلاستيكية، لولا أنها تنبض بالحياة، و يشع منها بريق وثاب.
استطردت دلال، مستفسرة بنفس النبرة الملهوفة: إيه بقى اللي خلى مرات النعماني الكبير، متسامحش جوزها طول مدة جوازهم، على الرغم إنك قولتيلي، إنه كان بيعشقها!
توترت وسيلة وهمت بالنهوض محاولة تغيير الموضوع، إلا أن دلال كان فضولها أقوى من أن تترك المرأة تذهب لحال سبيلها، دون أن تذكر كافة تفاصيل الحكاية، فهتفت مستعطفة: قوليلى بقى يا خالة، متخافيش الكلام ده مش هيطلع لحد، هو أنا بكلم مين يعني هنا غيرك!
تنهدت المرأة العجوز، و عادت لتجلس على طرف الفراش من جديد، هامسة بتردد: ليه هتخلينى أنبش فلجديم يا بتي! ما راح لحاله مع صحابه، الله يرحم المراحيم كلها.
هللت دلال بطفولية، مستشعرة أن وسيلة نفسها، عندها رغبة كبيرة فالافصاح عن كل الأسرار: قولى بقى يا خالة عشان خاطري.
اومأت العجوز برأسها موافقة، و بدأت في سرد قصة الماضي، هامسة بصوت يأتي من أعماق بعيدة، بُعد ذاك الزمن، ما جعل دلال ترتعش رغما عنها برهبة، ووسيلة تأمرها: صلي ع النبى يا بتي.
أطاعت دلال في خشوع، و تدثرت وهى تستشعر أنها ستسمع حكاية من عجب، عن تلك البلاد، التي يحكمها العرف، وتقيدها العادة، و يسوسها السادة، ويخضع لأمرهم صغيرها وكبيرها. بدأت وسيلة في سرد حكاية النعمانية، منذ أن كانت قطعة أرض جرداء، بحضن الجبل الغربي.