رواية جلاب الهوى الفصل السابع 7 بقلم رضوى جاويش


رواية جلاب الهوى الفصل السابع 7 بقلم رضوى جاويش


٧- چلاب الهوى   
تثاءبت في كسل، وهي تشعر بدفء عجيب يسري في أوصالها، وتطلعت حولها في سكينة عجيبة، وخاصة وذاك الغناء المبهج، يصلها من مكان ليس بالبعيد. 
نفضت الغطاء عن جسدها، و تلحفت بمئزرها، واضعة غطاء رأسها، لتفتح النافذة لعلها تكتشف مصدر ذاك الغناء، الأشبه بدعوة سحرية للاسترخاء والدعة، لكن ما طالعها من موضعها، هو تلك الأرض الشاسعة مترامية الأطراف، المكسوة بالأخضر حتى تصطدم بذاك الجبل الشامخ، الشاهد على ما دار على تلك الأرض، التي احتضنها منذ مئات السنين، كأنها حبيبته التي ما من سبيل لافتراقه عنها، لا تعرف لما خطرت على بالها قصة النعمانى الكبير وزوجته!
جاء النعماني الكبير لتلك الأرض، التي كانت تأبى الخروج عن طوع ذاك الجبل، تملك لونه وملامحه الخشنة، حتى قرر النعمانى بفأسه وذراعيه تغيير تلك الحقيقة للأبد، منتصرا على الجبل، مستقطعا تلك الأرض المحيطة منه، وحولها لجنة خضراء رغما عن أنفه،  لتكون النعمانية نسبة إليه. 
وعلى ما يبدو، أن مبدأ فرض القوة، كان مبدأ النعمانى في حياته كلها، لا فيما يخص الأرض والزرع فقط، بل في أمور القلب كذلك. 
رأها يوما، كانت ابنه واحدة من العائلات، التي بدأت تفد للنعمانية، ما أن بدأت بشاير الخير تهل، هام بها عشقا و قرر أن تكون له، لكن الفتاة كانت مخطوبة بالفعل لابن عم لها، كما هي العادة، ذاك القريب المغترب، الذي استطاع النعماني بما له من نفوذ، ألا يعجل في عودته من سفرته البعيدة، وبالفعل طالت غيبته لتظل الفتاة على حالها، لا يجرؤ أحدهم على طلب يدها للزواج، وخاصة بعدما شاع أن النعماني يرغبها كزوجة، ما جعل الكل يغض الطرف عنها كأنها غير موجودة، وكانت الفتاة على علم  بكل هذا، لكن ماذا كان عليها أن تفعل بقلبها المعلق بابن عمها، الذي نسجت معه أحلام الطفولة و الصبا! لكنها بالنهاية قبلت الزواج من النعماني، فقد  قدمت نفسها قربانا لحماية الحبيب، وحلم شبابها الضائع، بعد تهديد النعماني المبطن لسلامته، لتسقط في أحضان من جحيم، ما ذاقت فيها إلا اللوعة والحسرة، وعلى الرغم من أنها سلبت لبه، وأسرت قلبه، وكل من كان بالنعمانية، أدرك هذه الحقيقة، كإدراكه لطلوع الشمس يوميا من المشرق، لكنه لم يستطع أن يجعلها تسامحه على فعلته، لم يستطع أن يغرز بذور هواه في صحراء قلبها، التي ما عاد ينبت فيها إلا صبار الكراهية، وحنظل القهر. 
أنجبت أولاده، عشقتهم بجنون، لكنها لم تقدر أن تعشق أبيهم بالمثل، لتموت وهى تلد طفلها الأخير في تلك الغرفة، التي رأت فيها كابوسها الأول، في ليلتها الأولى هنا في النعمانية، ليظل النعماني بعدها لا يقرب امرأة، يعيش على ذكراها متحسرا، كان يآمل أنها حتما ستحبه يوما ما، سيضمها وهي راضية، ستضحك لمزاحه، وتراعى غضبته، تدارى ضعفه، وتحفظ هيبته، لكن هيهات،  كلها كانت أمانى مستحيلة، لشخص كان يرجو الحب بالسيف والقسوة، لا باللين والرحمة، فما جنى سوى العذابات. 
تنهدت وهي تستفيق من ذكريات الليلة الماضية، على صوت الغناء مرة آخرى.
لا بديل عن الصعود للسطح لمعرفة مصدر الغناء، والتمتع بمنظر أكثر وضوحا للنعمانية. 
حزمت أمرها، وخرجت تمشي بطول الردهة حتى مرت بجوار الغرفة العجيبة، غرفة الألم والقهر، فتخطتها سريعا واندفعت باتجاه الدرج الجانبي، الذي أفضى لباب خشبي سميك، دفعته ليطالعها السطح الواسع، والخالي تماما إلا من بعض الأرائك الخشبية، التي اُنتزعت أغطيتها، حتى لا تتعرض للبلل بفعل الأمطار. 
تقدمت للسطح، لترى منظر لم ولن ترى في روعته، تلك السفوح السمراء البعيدة، وكأنها أيادٍ لذاك الجبل العتيد، تضم النعمانية إلى صدره الحجري، والتي يمر بين شطريها ترعة متوسطة الاتساع نسبيا، تلك التي عبرتها مع عفيف، يوم ولادة عفيف الصغير، كانت وكأنها تطالع قطعة من النعيم بحق، مع ذاك اللون الأخضر المنتشر هنا وهناك، كأنه خضاب عروس في ليلة حنتها، استمعت للغناء وهي منتشية، لا تستطيع تمييز الكلمات، أو إدراك معانيها.
نظرت للارتفاع الشاهق للبيت الكبير، وللمندرة بالتبعية، وخطر لها تقليد إحدي قصص الطفولة، التي لطالما قصتها عليها أمها، فجمعت شعرها الغجري من خلف ظهرها، وتخيلت أنها تدليه من موضعها، لعل الفارس الذي انتظرته طويلا، يصعد إليها، مخلصا إياها من سجن حياتها الرتيبة!
انفجرت ضاحكة لسذاجة الخاطر، ضحكة صافية رنانة، تشبه ذاك الصباح الدافيء، وشمسه الخجلى، المتسللة من خلف غيوم الليلة الماضية، ضحكة منتشية، جعلت ذاك المضجع في سلام على إحدى الأرائك الموضوعة تحت السور المشترك القائم كفاصل بين سطح المندرة، وسطح البيت الكبير، ينتفض عجبا، وهو يعتقد أنه يتهيء ضحكاتها الوثابة. 
تطلع لمصدر الضحكات، حتى يتأكد أنه لا يهزي، تسمرت عيناه على ما تفعله بشعرها، وهي تدليه من فوق السور ضاحكة، فجن جنونه، هامسا في تضرع: هونها يا رب. 
كان على استعداد ليقف عمره كله متطلعا إليها، على هذا النحو الساحر الذي يفقده صوابه، لكن قلبه ما عاد يحتمل المزيد، غض الطرف متنحنا، وهو يستشعر أنه يخرق عزلتها المقدسة. 
انتفضت هى في ذعر، و خبأت شعرها أسفل مئزرها، محكمة غطاء رأسها، هامسة في إحراج: عفيف بيه!
تنحنح من جديد، رغبة في إجلاء صوته المتحشرج، تأثرا لمرأها: حمدا لله بالسلامة يا داكتورة، جلجتينا عليكِ.
ابتسمت في رقة: الله يسلمك،  تعبتكم معايا أنت والخالة وسيلة.
هتف معاتبا، برقة غير معتادة: متجوليش كِده، المهم إنك بخير. 
سار ليقف في مواجهة السور الخارجي، محيدا ناظريه عنها، مستطردا بنفس الرقة، متسائلا: بس أنتِ إيه اللي خلاكِ تطلعي فالبرد، وأنتِ لساتك تعبانة!
ابتسمت وهي تتطلع بدورها للبعيد هامسة: الغنا ده هو اللي طلعني الصراحة، جميل رغم إني مش فاهمة هم بيقولوا إيه، بس واصلني إحساس الفرحة فيه أوي. 
تطلع إليها في تعجب لحظي، ثم ابتسم ابتسامة من إحدى تلك الابتسامات النادرة الظهور على ذاك الفك الصلب، والتي تحرك شيء ما داخلها، مجهول الهوية والتفسير، هاتفا: احساسك ف محله يا داكتورة، دِه موسم كسر الجصب، ومن زمن بعيد، مواسم الحصاد مرتبطة عندنا كصعايدة، أو حتى الفلاحين فبحري، بالأفراح، بنستنوا الحصاد عشان نتچوز، او نچوزو عيالنا. الأغنية دي مرتبطة بالفرح مع موسم كسر الجصب والخير اللي هاياچي من وراه. 
انتبهت لكل كلمة قالها، وكأنها تعويذة سحرية، نطقها بحب واعتزاز لتلك الأرض، التي تحمل عرّق جده ورفاته، ورفات أبناء النعمانية من بعده، اشارت لغيط القصب حيث يجتمع الرجال لكسره هاتفة: طب هم بيعملوا إيه دلوقت، وإيه عربيّات السكة الحديد اللى بتمر دي! 
ابتسم مؤضحا: دي مش عربيّات سكك حديد، دي عربيّات مصنع السكر، بيچمع الجصب عشان يروح ع المصنع، والباجي يطلعوا بيه ع العصارة .. 
ثم أشار لبناية عتيقة على أطراف الأرض البعيدة، هاتفا: شايفة المبنى الملون اللي على طرف الأرض ده! هى دي العصارة، دي بيروح فيها چزء من الجصب، عشان نعِملوا منِه العسل الأسود، أكيد تعرفيه، حتى من جبل ما تاچي هنا! 
اومأت مؤكدة بابتسامة، صبت في دمه ملايين اللترات من العسل المصفى، وهي تهتف مازحة: أيوه، مفيش أحلى منه، بالذات مع الفطير المشلتت من أيد الخالة وسيلة.
انفجر ضاحكا على غير العادة هاتفا: واضح إنك چعانة يا داكتورة، وعايزة تعوضي الأيام اللى فاتتك من فَطير الخالة وسيلة. 
قهقهت بدورها، ولم تعقب للحظات، وأخيرا أشارت لغيط القصب مستفسرة: هو إيه اللي بيحصل بعد كده فالعصارة!
أكد بهدوء: خلاص كِده، طلع العسل ومبجيش إلا الچلاب. 
هتفت متعجبة: جلاب! يعنى إيه!
ابتسم مقتربا من السور المشترك بينهما: الچلاب دِه، حلاوة بنعملوها من بواجي العسل الأسود، شكلها مخروطي ولونها مايل للبني شوية و... 
صمت، فتطلعت إليه مستفسرة، ليتردد قليلا، قبل أن يمد كفه بجيب جلبابه، مخرجا ورقة ملفوفة حول شيء ما، فضها أمامها هامسا: هو دِه.
تطلعت في فضول، لذاك القمع المخروطى العسلى اللون، ثم استأذنت: ممكن أدوقه!
أكد بإيماءة من رأسه، فمدت كفها تتناول القمع، قضمت قطعة صغيرة، وما أن بدأت تذوب بفمها، إلا وهتفت مستمتعة: ده حلو أوي.
أكد في سعادة مقهقها: معلوم، ما هو كله سكر، مش أصله جصب!
أعادت إليه قطعة الجلاب، و التي تردد في أخذها، لكنه مد كفه، يتناولها مغلفا إياها، قبل أن يقذف بها في جوف جيبه.
سألت في أريحية متهورة: طب وحضرتك محتفظ بيه ليه في جيبك!
غامت ملامحه لبرهة، و طلت من عينيه نظرة حزن عميقة، شرخت وعاء البهجة الذى كان يحتوي روحها منذ لحظات، ندمت أنها سألت، اتقاءً لقسمات الوجع الدفين، التي ارتسمت على ملامحه، والتي أربكتها كليا، كانت تعتقد أنه سيتجاهل سؤالها، لكنه للعجب أجابها، في نبرة محملة بالشجن: يمكن عشان الچلاب دِه، الحاچة الوحيدة اللي بتفكرنى بأمي الله يرحمها.
صمت ثقيل شملهما، حتى استطرد هو بنفس الصوت الموجوع: وأني صغير، لما كانت بتعوز مني حاچة، تجولي أعملها وأچيب لك چلاب.
صمت لبرهة، ثم ابتسم بغصة مسترسلا بحديثه المعجون بالشجن: كنت أجول لها، لاه مش عامل، وهخلي چدي يچبلي م العصارة، والله ساعتها، لو كنت واعي لحالي بعد فراجها، لكنت رمحت أعمل كل اللي تطلبه، وكنت خدت كل الچلاب اللي كانت بتعطيهولي بيدها، مش عشان أكله، لاه، عشان أداريه بين ضلوعي، وأطلعله بعد ما غابَت،  ومعدش ياچيني چلاب من يدها تاني.  
شعرت بمرارة كلماته، المغموسة بالشوق الفاضح لأمه، وشعرت بنفس الغصة، وهي التي فقدتها،، وتشاركه المصاب، ونفس الألم الحي، الذى لا يندمل أبدا. 
كادت أن تطفر الدموع من عينيها تأثرا، لكنها كانت أكثر وعيا، لتدرك أنه لن يستطيب تعاطفها، وربما يندم على ما أطلعها عليه من أسرار دفينة، تعد سبق لم يحدث من قبل، و ربما لن يتكرر، لذا ابتلعت دموعها، وهتفت بلهجة حاولت إكسابها بعض من مرح: طب قبل ما ننزل نفطر، عشان أنا فعلا جعت أوي، سؤال أخير.
ابتسم، وتغيرت الملامح الخشنة من جديد، لتصبح ألطف وأروق: اتفضلي.
اشارت تجاه الغناء، الذي كان على أشده بالأسفل، هاتفة في فضول: هما بيغنوا يقولوا إيه!
عاد يتطلع للمشهد الساحر أمامه، وتغيرت فجأة نبرة صوته، لتصبح أكثر دفئا، مرددا كلمات الأغنية:
يابو اللبايش يا جصب..
عندينا فرح وأتنصب ..
چابوا الخلخال على كدِها..
نزلت تفرچ عمها ..
جال يا حلاوة شعرها..
يسلم عيون اللي خطب ..
يابواللبايش يا جصب ..
عندينا فرح وأتنصب
جابوا الجميص على كدِها
نزلت تفرچ عمها
جال يا حلاوة شعرها
تسلم عيون اللى خطب ..
وصمت فجأة، متطلعا إليها، ليجدها في عالم آخر، مبهورة  بما تسمعه من كلمات، بصوت ذاك الذي ظنت يوما ما، أنه رجل عتيد القسوة، لا يعرف إلا لغة القوة. 
سأل مستفسرًا، عندما طال صمتها و شرودها: عچبتك!
هتفت منتفضة لسؤاله: جميلة أوي.
أكد متنحنحا في إحراج:  أهي كلمات  فلكلور جديمة، بتهون ع العمال التعب، وبعدين هو في حد بيلبس خلخال عندينا فالصعيد دلوجت!
هتفت في تحسر طفولي: خسارة، ده أنا كان نفسي فواحد.
لم يعقب، بل شملها بنظرة لم تعرف لها تفسيرا، وأخيرا هتف مستعيدا جديته : أشوفك ع الفَطور يا داكتورة، خالة وسيلة زمانها حضرته، بعد إذنك، وحمدالله بالسلامة مرة تانية. 
اندفع باتجاه الباب المفضي للداخل، ليختفي في لحظة، حتى ظنت أنه ما كان هنا من الأساس، وكأنها كانت تحادث طيفه، وليس عفيف النعماني بشحمه ولحمه. 
            ★ ★ ★ ★
دخل للبيت الكبير، حاملًا ذلك الكيس البلاستيكي الفاخر، استوقفته الخالة وسيلة، وعيونها على ما يحمل، لكنه راوَغها حتى اندفع لحجرة المكتب، كان يعلم أنها بالأسفل في حجرة الكشف، كان متأكدًا من هذا، فالنساء يملأن المدخل الخلفي للبيت، ما جعله مطمئنًا تمامًا أنها ليست بالمندرة، أو حتى قابعة بحجرتها، فتح الباب الفاصل بين المكتب وغرفتها، وأخرج الصندوق الكرتوني، ووضعه أمام باب الحجرة، وقفل راجعًا للمكتب في عجالة، تذكر في خضم تعجله، أنه لم يضع الخطاب الذي كان ينوي إرفاقه بالصندوق، فلن العجلة في سره، واندفع يُخرج الخطاب من جيبه، ليعاود فتح الباب في حرص مرة أخرى، رفع غطاء الصندوق واضعًا الرسالة، أغلقه وعاد مسرعًا للمكتب.
أنجزت عملها بالأسفل، كان يومًا من الأيام الشاقة، فلم يسبق لها أن استقبلت هذا العدد من النساء، لكن يبدو أن سعدية لم تدخر وسعًا في الرعاية الكافية لها، ابتسمت ممتنة وهي تمر بجانب حجرة الأسرار، لتختفي الابتسامة تلقائيًا وتسرع الخطى لتصل لحجرتها، التي وقفت قبالتها بها تتطلع لذلك الصندوق الموضوع أمامها في تعجب، انحنت لتلتقط الصندوق بين كفيها مستطلعة، دفعت باب الحجرة ودخلت لتجلس على طرف فراشها والصندوق على حجرها، ترفع غطاءه في رهبة، يطالعها حذاء رياضي رقيق، ومرفق به رسالة ما، فضّتها وخفقات قلبها تتعالى، لتقرأ في همسٍ وجل:
«عارف إنك جيتي من غير استعداد لوضع المكان هنا، واللي حصل إمبارح واحنا راجعين للنجع، وانتي ماشية بجزمتك، نهى إن لازم يكون معاكي جزمة مريحة تعرفي تتحركي بيها لما تخرجي بره البيت، اعتبريها هدية، أو حتى تعويض عن اللي حصل فجزمتك بسببى»
ابتسمت رغمًا عنها وهي تطوي الرسالة، وتضعها جانبًا تتناول الحذاء الأنيق لتجربه، وتعجبت أنه ناسبها تمامًا، فاتسعت ابتسامتها، وبدأت في التحرك به، بطول الغرفة وعرضها، أشبه بطفلة تُجرّب حذاء العيد، للمرة العاشرة في فرحة.
  ★ ★ ★ ★
دخلت عليها الخالة وسيلة هاتفة في حماسة : أانتِ لساتك نايمة يا داكتورة و الحريم برة بيسألوا عنك!
انتفضت دلال، تتطلع للخالة وسيلة في تعجب هاتفة: حريم، حريم مين!
فما عاد هناك من أحد يأتيها بعد أن منع الرجال نساءهم من المجئ إليها بعد حادثة الخيار والطماطم .. 
هتفت وسيلة باسمة: هيكونوا مين يعني! الحوامل اللي كانوا بياجوكي يكشفوا، كلهم جاعدين تحت.
اندفعت دلال لتغير ملابسها، فأخيرا ستنتهى أيّام الخمول.
استقبلتها النساء بحفاوة غريبة، بعد هذا الانقطاع الطويل، واستنتجت من أحاديثهن، أن سعدية زوج مناع، قد قامت بواجب الدعاية اللازمة لها بين نساء النجع، ليعدن من جديد لزيارة الطبيبة (وش الخير)، والتي وُلد على يديها، الولد الذي كان يتمناه مناع، على الرغم من أن مناع، لم يترج شيئا من الدنيا، إلا سلامة زوجه سعدية، وهي شاهدة على هذا. 
ألقت بكل هذا خلف ظهرها، وبدأت في استقبالهن بفرحة، فمهما كان سبب عودتهن، الأهم إنهن عدن .
             ★ ★ ★ ★
قررت أن الوقت حان لاستطلاع النجع، وخاصةً في ذلك الجو الصحو، واليوم إجازة العيادة، ولا عمل طوال النهار، ارتدت حذاءها الجديد، واندفعت خارج البيت الكبير، من بابه الخلفي، حتى لا يصر مناع على مصاحبتها، سارت حتى هبطت التلة، ومنها بدأت تتفرع الطرق، لم يكن عندها القدر الكافي من المعرفة، لتختار الطريق المناسب، لكنها سارت كما هداها عقلها، لتجد نفسها على طريق ضيق يفصل بين الغيطان الخضراء، أعجبها المنظر، واستمتعت بالهواء المنعش، واستمرت على مسيرها، لتخرج لطريق ترابي طويل، استشعرت أنه مألوف لها، لحظات ودقات سنابك فرس تنامت لمسامعها، أدارت رأسها قليلًا، لتبصر عفيف على فرسه، ألقى السلام في أريحية، ردّته في هدوء، وترجل وسار جوارها..
تساءل متعجبا: مخلتيش مناع يوديكي أو يچيبك مشوارك ليه يا دكتورة؟
كان يعلم أنها لم تكن عند إحدى مريضاتها، فهي لا تحمل حقيبتها الطبيبة، لكنه تساءل من باب الفضول لمعرفة وجهتها، فهتفت في بساطة:
مكنش فيه داعي يا عفيف بيه، أنا خرجت أتمشي شوية مش أكتر.
هز رأسه متفهمًا، وسار جوارها، قابضًا على لجام فرسه، لتشير هي لحذائها بابتسامة رقيقة:
متشكرة ع الجزمة!
قهقه على غير عادته: لو حد غيري، كان فكرها شتومة يا دكتورة، بس على كلن.. العفو.
تنبهت لكلامها، فقهقهت بالمقابل، ليصمت هو متطلعًا إليها في وجل، ثم يغض الطرف مجبرًا، متسائلًا بغتة: إيه حكاية أحلام كل ليلة دي!
توقفت ضحكاتها، وانقلب محياها للنقيض مصدومة، الخالة وسيلة بالطبع، هي من أخبره أنها استيقظت عدة مرات فزعة، ونمت بل ابتهلت بسرها، أن تكون قد اكتفت بإخباره عن الأحلام لا فحواها، لكن أمنيتها تبددت، عندما همس متعجبًا: الخالة وسيلة جالت لي، بس إني حابب أعرف منك، إنتِ بتشوفي إيه بالظبط!
تهدجت ولم تنطق حرفًا، ليلح في سؤاله، بفضول عجيب ليس من طبعه:
يعني احكيلي عن الكام حلم اللي شوفتيهم.
هتفت دلال في حنق:
تهملك فيه أحلامي يا عفيف بيه! شوية تخاريف بشوفها ف نومي، معتقدش تخصك ف حاجة!
ابتسم رغم نبرة الحدة في صوتها، مؤكدًا:
يا دكتورة، حضرتك ست العارفين، الأحلام دي علم، والعقل الباطن له أسرار، والإنسان لسه فنفسه ياما هيعرف ويشوف.
تطلعت متعجبة من حديثه، في أي كتاب قرأ هذه الكلمات، وجاء ليناقشها؟!
هتفت: كل الأحلام أو أقول الكوابيس مضمونها تقريبًا واحد، تسلط ورغبة في فرض محبة بالعصب، جبروت من الآخر، واضح إنه سلو العيلة.
قالت جملتها الأخيرة في نبرة ساخرة، جعلته يتطلع إليها جازًا على أسنانه، ولم يعقب.. لتستطرد هي شاعرة برغبة عامة في الإفصاح عما بداخله:
واضح إن العيلة مش مؤمنة بحاجة اسمها حب، وإن البنت تختار اللي ترتاح له وتشوفه مناسب ليها، اللي عمله جدك مع جدتك، هو نفسه اللي أنت كنت عايز تعمله مع أختك لدرجة دفعتها إنها تهرب، مع اللي اختارته بقلبها، بدل ما تجوزها واحد من العيلة لا يناسبها ولا فيه بينهم توافق، انتهوا إزاي..
قاطعها في نبرة حازمة، لا تقبل المقاطعة:
يا داكتورة، حكمك مش في محله، وأني عمري ما كنت هجوز أختي غصب..و..
قاطعته ساخرة: والأستاذ صفوت، اللي داير يقول إنه متكلم عليها وطلبها منك.
هتف محتدًا: أني موافجتش، وصفوت ده بالذات لو آخر راجل فالدنيا، مديهوش أختي، الظاهر إنتي متعرفتش ناهد كانت إيه بالنسبة لي!
تحرك شيء ما مجهول داخلها، عندما نطق كلماته الأخيرة بكل هذا الصدق، لكنها لم تتراجع عن هجومها ساخرة: يمكن، بس إيه المبرر للي عملته.. ده لو كان كلامك صحيح! إنتوا للأسف متعرفوش يعني إيه حب!
تهدّج متسائلًا: يعني إيه حب يا دكتورة؟ عرفيني!.. جولّي إيه تعريف الحب من وچهة نظر سيادتك!
تلجلجت وتاهت الأحرف، وتلعثمت وهي تقول:
الحب! الحب!
ابتسم في رزانة، وهمّ بالرد بدلًا عنها، ليقاطعه شدو أحدهم من قلب غيطه، في صوت شجي:
سايج عليك البشر، عرب وعجم..
تنظري بعين رضا، تحييني من عدم..
يحرم عليّا الفرح، والغنا، والنوم..
دا لو اتحرم طلتك، ما يعدّي عليّا اليوم..
يا سيد الغوالي، من بعدك ما فيه غاليين..
ده أنت لحالك في كفة، والدنيا لحالها فكوم..
توقفت مشدوهة لذلك الشدو الساحر، حتى إذا ما انتهى، همس عفيف مؤكدًا: چاوبتك الغناوي يا داكتورة.
تطلعت نحوه، لا تصدق أن ذلك الرجل الصلب حد الغلظة في بعض الأحيان، يعتقد في مثل هذا الحب، الذي عرفته الترنيمة الجميلة التي سمعتها لتوّها!
وصلا التلة، صعداها في صمت، ولم ينطق أحدهما حرفًا، حتى ألقى التحية في عجالة، متوجهًا بفرسه لوضعه، تاركًا إياها تتطلع لموضع رحيله لبرهة، قبل أن تتجه للمندرة، بفكر مشغول.
  ★ ★ ★ ★
ظهر صفوت النعماني، بين رجال النعمانية، الذين اجتمعوا كعادتهم في مندرة الشونة الملحقة بالاسطبلات، والمقامة على الهضبة المرتفعة القائم على جنباتها بيت النعمانى الكبير، ليهتف في نبرة، حاول أن يغلفها بالهدوء، رغم ما كانت تنضح به من توعد: للمرة التانية  أها يا عفيف، بتجدم لك جَصاد رچالة النعمانية كلهم و بطلب يد أختك، إيه جولك!
أنهت كشوفاتها، وقررت أن تسير قليلا، قبل أن تحبس روحها داخل البيت، والنهار لا زال طويلا، خطت في اتجاه معاكس لمدخل البيت، لتدور حوله، شاردة لا تعرف لمَ تستشعر أن شيء ما في سبيله للحدوث، حدسها قوي، هي تعلم ذلك، وذاك أكثر ما يقلقها، توقفت فجأة، عندما وصلت لنهاية البيت الكبير الخلفية، وتناهى لمسامعها صوت عفيف، تقدمت في حذر، فإذا به اجتماع للرجال، وكان أحدهم يطلب أخته للزواج، شهقت في قلق، لا تعرف كيف سيخرج عفيف من هذا المأذق!
وقفت تتابع في اضطراب، وعفيف يتطلع لصفوت  في حزم صامت، وعلى الرغم من الاضطراب الذى عربد بجنبات نفسه، إلا إنه ظل رابط الجأش، واثق النبرة، وهو يهتف في حنق: هي جصة أبو زيد وهنحكوها ع الربابة يا صفوت! ما جلنا إنها لسه مرچعتش من عند جرايبنا فالمنصورة، لما ترچع بالسلامة، يبجى لينا حديت تانى فالموضوع دِه. 
هتف صفوت متعجبا: كانت موچودة ولا لاه، هتفرج إيه! هي هيكون ليها رأى بعد رأيك! وبعدين هي راحت فين يعني! أروبا!.. ما تبعت لها تاچي. 
نهض عفيف من موضعه في ثورة، هاتفا بصوت جهوري، هز أركان المكان: بجولك إيه يا صفوت، أني جلت كلمتي و بمردهاش، بعد ما هي ترچع نتكلموا، ومعدش ينفتح الموضوع دِه تاني، وخلونا ف المفيد، مسيبناش الرچالة أشغالهم، عشان ياچو يخطبولك أختي يا صفوت! 
قال عفيف كلمته الأخيرة ساخرا، لترتفع ضحكات الرجال، تطلع صفوت لرجال النعمانية، وكيف استطاع أن يقلب الطاولة وقد تأكد أنه لن يتلقى الدعم من أحدهم، فالنعمانية كلها، لا تدين بالولاء والطاعة، إلا لشخص واحد فقط، عفيف النعماني، والذي يتمنى لو أسقطه عن عرشه ذاك، مهما كان الثمن.
تنهدت دلال في راحة، وابتسمت ما أن اطمأنت أنه استطاع بذكاء التخلص من ذاك المأذق بسهولة، وقررت العودة من حيث أتت.
           ★ ★ ★ ★
دلفت للمطبخ،  ملقية التحية، والتي ردتها وسيلة بصوت مهموم النبرة، تطلعت لها دلال، لتجد ملامحها تشي بأن شيء ما قد جرى، فهتفت متسائلة في قلق: خير يا خالة! شكلك ميطمنش.
تنهدت وسيلة، هاتفة في شجن: ربنا يستر، المستخبي يفضل مداري.
هتفت دلال، والقلق تتزايد وتيرته: إيه الألغاز دي يا خالة، قولي في إيه!
تنهدت وسيلة في ضيق: صفوت واد عمة عفيف بيه، طلب ناهد لتاني مرة النهاردة جدام رچالة النعمانية كلهم.  أكدت دلال في تفهم: أيوه، كنت بتمشى وسمعت جزء من الحوار ده.
واستطردت في إعجاب: بس عفيف بيه عرف يتصرف كويس، والموضوع عدى الحمد لله. 
أكدت وسيلة في حنق: لحد ميتا يا بتي! المرة دي وعدت على خير، طب ولو طلب تاني، هايبجى إيه الجول ساعتها لو رچالة النعمانية، وجفوا مع صفوت، دِه محراك شر، لما يحط حاچة فدماغه ياللاه السلامة، طب سيبك من صفوت، ناس النعمانية نفسهم، مش هيجولوا غايبة فين كل ده! عفيف بيه جاللهم إنها عند جرايب لهم في المنصورة، لكن لميتا! ربك يسلم يا بتي ع اللي چاي.
شردت دلال للحظة، وتساءلت متعاطفة: يا ترى عفيف بيه، عامل إيه بعد اللي بيحصل ده! 
لم تكد تنهي سؤالها، إلا وانتفضت، والخالة وسيلة موضعهما، ما أن وصلهما ندائه الجهوري، حاملا نبرة غاضبة: يا خالة وسيلة! فين الشاي!
هتفت وسيلة، مشيرة إلى اتجاه الصوت الهادر، هامسة في حسرة : أها، واعياله، من ساعة ما چه م الجاعدة إياها وهو ع الحال دِه. 
همت الخالة وسيلة للاندفاع حاملة كوب الشاي الذي طلبه، لعله يهديء من بعض ثورته، لكن دلال طلبت منها في هدوء: عنك يا خالة، أنا هوديله الشاي.
ترددت وسيلة لبرهة، لكنها استسلمت معطية الصينية لدلال، لعلها تكون الأقدر على اخماد ذاك البركان الثائر،  سارت نحو موضع جلوسه، وبداخلها طاقة كبرى من الخوف، ممزوجة بالتعاطف نحو ذاك الرجل، كبير قومه، والذي لن يسمح أبدا، لأي من كان، أن يكون سببا في إلحاق العار باسم العائلة، هي تدرك، بعد كل هذه الضغوط التي يتعرض لها، أنه سيفعل المستحيل حتى يتجنب حدوث ذلك، حتى ولو كان ثمن ذلك باهظا، وهذا جلّ ما يثير مخاوفها. 
طرقت باب القاعة، التي كانت دوما، مكان مجلسه المفضل، والمطلة على كل ذاك البراح الأخضر، لكنه لم يأذن لها بالدخول، فتحت الباب في حذر، لتجده يقف جوار الهاتف، موليا ظهره للباب، يتحدث مع شخص على الطرف الآخر، بنبرة تنضح لهفة: يعني أنت متأكد إنهم عندك! وعيت لهم بعينك! طب خليك مطرحك، عينك متغبش عنهم، وأني چايلك مسافة السكة.
سقطت الصينية من يدها، وقلبها وصلت دقاته أضعاف مضاعفة، هل وجدهما حقا!
تطلع نحو تلك التي تقف على أعتاب القاعة، متنبها لصوت السقوط، لكنه لم يعبأ بكل هذا، بل تخطاها، مندفعا نحو حجرته في عجالة.
اندفعت لأعلى الدرج خلفه، لتستطلع الحقيقة، هاتفة في تساؤل مُلح: أنت لقيتهم! صح! 
خرج من الغرفة، وعلى ملامحه صرامة مخيفة، حتى أنه لم يجبها عن سؤالها، الذي ما كان يحتاج لإجابة، وخاصة وقد وعت له، يعدل من وضع سلاحه بجيب جلبابه الداخلي، فشهقت في صدمة، تنادي لعله يستمع لها، لكنه اندفع مهرولا هابطا الدرج، تعقبته لتتوقفت لاهثة، تسد عليه منفذ خروجه، هاتفة والدموع تسيل على خديها: هتعمل فيهم إيه! طب يرجعوا وجوزهم قدام الناس، وتخلص المشكلة! اسمع يا عفيف بيه، كل الأمور ممكن تنحل بهدوء، بس حكم عقلك. 
هتف بنبرة عجيبة على مسامعها، كأنها ليست له: ما أني محكمه يا داكتورة، وإدعي وأنا غايب، محكمش غيره، وإلا ياللاه السلامة.
هم بالخروج، إلإ أنها تشبثت بذراعه، هاتفة في توسل: طب خدني معاك، أنا متأكدة إن وجودي هيفرق، ويمكن لما نسمع عذرهم، ونشوف... 
لم يمهلها لتستكمل حديثها، بل اندفع خارج البيت الكبير، تاركا إياها خلفه، تبكي في قهر وذعر.
ظهرت الخالة وسيلة، قادمة من غرفة الخبيز، لتجد دلال على هذه الحالة، والتي بادرتها صارخة في لوعة: لقاهم يا خالة، عفيف لقي نديم وناهد. 
شهقت وسيلة بدورها: يا منچي م المهالك يا رب. 
هتفت دلال من بين شهقات بكائها: حاولت أروح معاه، لكن مرضيش يا خالة، هيموتهم! يعملها يا خالة! قوليلي، طمني قلبي إن أخته مش هتهون عليه، وإنه ممكن يحكم عقله، ويلاقي طريقة غير قتلهم نداوي بها الموضوع!  
هتفت وسيلة بدموع قهر: معدش يداوى يا بتي، أخته كسرته جدام نفسه، وچابت له العار، والعار ما يداويه إلا الدم.
شهقت دلال فزعة، تحاول أن لا تتخيل ما قد تأتي به الساعات القادمة من أهوال. 


                  الفصل الثامن من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة