
٨- الهروب الكبير
كاد أن يغص نديم بلقيمة الطعام، التي كان على وشك ابتلاعها، عندما علا رنين الهاتف، نظر لناهد قلقا، يسألها المشورة، هل يرد، أم يتجاهل الرنين، رغبة في عدم فضح أمر وجودهما!
كانت ناهد أكثر حيرة منه، وهى تتطلع للهاتف وكأنه قنبلة موقوتة على وشك الانفجار.
انقطع الرنين، فتنهد في راحة لم تدم طويلا، عندما علا رنينه من جديد، ليندفع نحو الهاتف، مقررا الرد بسرعة، حتى لا يتردد من جديد، وضع السماعة على أذنيه في حذّر، دون أن ينطق بحرف، ليندفع لمسامعه صوت سمير صارخا باسمه: نديم! يا نديم!
زفر نديم هاتفا: هو أنت يا سمير، نشفت دمي يا شيخ، حصل حاجة!
هتف سمير في ضيق: ايوه طبعا، اومال برن عليك ف الوقت ده عشان أقولك سلامات، أبويا فطريقه لسكندرية، أنا معرفش أتحرك إمتا بالظبط، بس إلحق سيب الشقة بأسرع ما يمكن، وحاول تخليها زي ما كانت.
انتفض نديم، متطلعا حوله في اضطراب: حاضر، حاضر يا سمير حالا، ومتشكر على كل حاجة.
هتف سمير في ضيق: متشكر على إيه بس! مفيش بينا الكلام ده، أنا اللي أسف إني هخرجكم من الشقة دلوقت، المهم أسيبك عشان تلحق تظبط الدنيا.
أكد نديم: هسيب لك المفتاح بتاع الشقة مع البواب، ومتشكر مرة تانية، سلام عليكم.
وضع السماعة، لتهتف ناهد التي شرعت بالفعل في جمع الحاجيات، هاتفة بعزم: ولا يهمك، ياللاه نسرع قبل ما الراچل يوصل.
اندفع كل منهما في اتجاه، يعيدا الشقة كما كانت، ليرتحلا من جديد.
★ ★ ★ ★
كانت دلال أشبه بطائر جريح مهيض الجناح، وهي تقف مكتوفة الأيدي، لا قدرة لها على التصرف حيال ما يحدث، تحاصرها الأفكار السوداء، حول ما قد يفعله عفيف بأخيها، إذا-لا قدر الله- عثر عليه وأخته.. كان عليها أن تتصرف، والآن..
نهضت من فراشها، واندفعت لخارج الدار، حزمت أمرها أنها ستتبعه للقاهرة، فلربما استطاعت إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإقناع عفيف بتزوجيهما، حتى يتقي القيل والقال، في حق العائلة وشرفها المصون ..
لم يتنبه مناع لخروجها، لأنها استطاعت التسلل من الباب الخلفي، ومنه هرولت في اتجاه الطريق الرئيسي الذي يقود لخارج النجع، وقفت على ناصيته، في انتظار إحدى سيارات الأجرة، لنقلها لموقف الحافلات بالمحافظة، ومنه للقاهرة، لكن مناع كان الأسبق، حيث وعى لعدم وجودها، ما أن أخبرته الخالة وسيلة أن فراشها شاغر، وليست فالبيت كله، فلحق بها فالوقت المناسب، معتذرا منها: معلش يا داكتورة، والله ما بخطري، بس لازما نرجعوا، أنتِ عارفة لو عفيف بيه رچع وملجيش حضرتك هيعمل فيا إيه!
تنهدت دلال في قلة حيلة، لبستطرد مناع مقنعا: وبعدين هتروحي مصر على فين! وهو أنتِ تعرفي هم فين من أساسه!
كان على حق، لكنها كانت محاولة على أي حال، ما دفعها لتعود بصحبة مناع إلى البيت الكبير، والذي زفر في راحة ما أن خطت عتباته للداخل، لنتلقفها ذراعي وسيلة مرحبة في تعاطف.
كانت حالتها لا تحتمل معاينة اي مرضى، وهي على هذه الحالة من الشرود القلق، لكنها على الرغم من ذلك، لم تتوان عن تقديم الخدمة لهم، لعل بعض العمل يلهيها عن اضطراب خواطرها، الذي يكاد يدفعها للجنون.
أوشك النهار على الانتصاف، فهمت بالنهوض من خلف مكتبها، في اتجاه باب حجرة الكشف لغلقها، الا انها أبصرت على أعتاب الباب الخارجي، فتاة صغيرة لا يتعد سنها الخامسة عشرة، تقف فى اضطراب و خلفها يقف رجلا ملامحه لا تعرف الهوادة واللين.
هذه هي المرة الأولى، التي يزورها رجل داخل عيادتها الخاصة بالنساء، فتساءلت في ود، شفقة بالفتاة التي كان الرعب مرتسما على قسمات وجهها: خير! تحت أمركم.
هتف الرجل بصوت حاد: عايزين من حضرتك خدمة.
واستطرد في عجالة: تسنني البت دي، عشان چايلها عريس وعايزين نكتبوا كتابها.
انتفضت دلال فى صدمة: عريس إيه، دي لسه عيلة!
تطلعت للفتاة تسألها مشفقة :- أنتِ عندك كام سنة يا حبيبتي!
لم تنطق الفتاة بحرف، فيبدو انها لُقنت تعليمات مشددة، بعدم التتفوه بحرف واحد مع أي من كان.
هتف الرجل في نزق: ملكيش صالح بالبت يا داكنورة، احنا هاتكتبي الشهادة، ولا لاه!
أكدت دلال فى صرامة: ده مش اختصاصي، روح الوحدة الصحية.
واستطردت بلين، لعله يرتدع: بنتك مبلغتش السن القانوني للجواز، دى أصغر بحوالى ٣ سنين، وأنت عايزني اديها شهادة تقول إنها ١٨ سنة عشان تجوزها، ليه الاستعجال! ده خطر عليها، حرام.
صدرت عن الفتاة شهقة لا إرادية، تؤكد على بكائها الصامت الذى حاولت إخفاء أناته.
اقتربت منها دلال، تربت على كتفها فى تعاطف متسائلة: اسمك إيه!
هتفت الفتاة بصوت مهتز النبرات: نادية.
لم يمهلهما الأب الوقت لتجاذب أطراف الحديث، بل جذب الفتاة من ذراعها فى قوة، لتهرول خلفه محاولة مجاراة خطواته الواسعة.
تنهدت دلال في حسرة، وهى تتطلع للفتاة التي تساق خلف أبيها، بهذا الشكل المهين، تشابكت نظرتها المنكسرة، مع نظرات دلال العاجزة، التي ظلت عيناها معلقة بالباب حيث غابت الفتاة، فقررت في عزم، أن عليها التصرف سريعا، وألا تدع هذا الأمر يمر مرور الكرام.
★ ★ ★ ★
أغلقا باب الشقة بإحكام، ورحلا عن البناية سريعا، تحسبا لوصول والد سمير في أي لحظة، وللمرة الأولى يكون ممتنا لما فعلته دلال من اجله، رغم اعتراضه وقتها، فلقد أصرت على جعل حسابها المصرفي، الذى كانت تودع فيه راتبها مع كل ما تتحصل عليه من عملها الإضافي في المستوصف الخيرى وغيره، بحساب مشترك، حتى إذا ما احتاج لمال، لا يضطر لسؤالها، وخاصة بعد تخرجه وبقائه بدون عمل لفترة، الآن، هو بالكاد يملك مالا يكفيهما لوجبة، وثمن ليلة في فندق متوسط الحال، همست ناهد، تخرجه من شروده: هنروح على فين دلوجت!
هتف نديم مطمئنا: متقلقيش.
سارا معا، لا يعلم أحدهما، أين سيكون مستقرهما القادم!
★ ★ ★ ★
توقفت دلال أمام نقطة الشرطة الموجودة بأطراف النجع، عابرة بوابتها الخشبية القصيرة، توقفت أمام أول حجرة قابلتها، كان يقف على بابها أحد العساكر فى تصلب كتمثال شمعي، هتفت تسأله فى عجالة: حضرة الظابط موجود!
أكد العسكرى: موچود سعادتك.
سألت من جديد: طب ممكن أدخل أقابله!
اومأ العسكرى برأسه ايجابا، وأشار للباب الذى كان مفتوح بالفعل، وطأت أقدامها الحجرة الواسعة، وجالت بناظريها فى أرجائها، لكنها كانت فارغة، أو كانت تظن أنها كذلك، حتى تناهى إلى مسامعها، صوت رجولي، يتغنى بموال للعندليب، مترنما فى انسجام تام.
كان يجرب صوته، رغم بشاعته، وهو غائب خلف مكتبه، بالأدق تحت مكتبه، ربنا يبحث عن شيء مفقود.
تنحنحت في محاولة لجذب انتباه مطرب الروائع ذاك، و الذى اعتدل بالفعل فى سرعة، ما أن استشعر وجود شخص ما بالغرفة، كان ما يزال يعيد مقطع الأغنية بلا كلل، ولكن ما أن وقع ناظره عليها، حتى توقف فجأة فاغرا فاه فى صدمة.
بدأ عقله فى العمل، يحاول استيعاب ما يحدث بسرعة، متسائلا في همس: مين دي! تقدمت دلال في ثقة، وتوقف قبالة مكتبه، مادة كفا للتعارف هاتفة وكأنها نجيبه على سؤاله: دكتورة دلال محمود المصري.
انتفض واقفا فى عجالة، مادا كفه، مبادلاً إياها التحية هاتفا في ترحاب: أهلًا يا دكتور، نقيب شريف عبدالواحد، تحت أمرك.
أجلت حنجرتها متنحنحة: الصراحة يا حضرة الظابط..
كان شاردا في عالم آخر، متطلعا إليها كأنها المرة الأولى التى يبصر فيها نساء، هتف لنفسه مؤنبا: إيه يا شرشر، شكلك منزلتش اجازة من فترة طويلة، ونسيت شكل الستات، وده خطر على عقلك الباطن يابوالظبابيط.
تنبه لكلماتها الاخيرة أخيرا، وهى تقول بحماسة: وللسبب ده.
هتف متعجلا فى تهور، فاضحا عدم تركيزه في شكواها: سبب إيه حضرتك!
تطلعت إليه، وهتفت في حنق حاولت مداراته: واضح إن حضرتك مكنتش مركز معايا.
هتف مقهقها:لا بالعكس، ده أنا مشكلتى إني كنت مركز معاكِ زيادة عن اللزوم والله.
هتفت متعجبة: نعم!
هتف محاولا إنهاء الموقف: متخديش فبالك يا دكتورة، أنتِ مشكلتك إيه بقى!
هتفت تعيد كلامها السابق: عايزة أعمل محضر أو أقدم بلاغ أو شكوى، شوف حضرتك هتسميه إيه!
هتف مازحا: نسميه كريم بإذن الله، انا بحب الاسم ده أوي.
هتفت تتطلع إليه، وقد شعرت أنها تخاطب شخصا يعانى من خلل ما: كريم مين! أنا بتكلم عن محضر عدم التعرض اللى عايزة أعمله.
هتف محاولا اصطناع الجدية: آه طبعا مفهوم، بس هو مين اللي يقدر يتعرض لحضرتك! اللي أعرفه إنك ضيفة عفيف النعماني، متهيء لي ده لو حد كح من غير إذنه ف النعمانية، يودره سعادتك.
لا تعرف لما ساءها حديثه عن عفيف بهذا الشكل المبالغ فيه، ووجدت نفسها دون وعي منها، تهتف مدافعة: عفيف بيه راجل عادل و رحيم، وعمره ما ظلم حد.
أكد شريف بايماءة من رأسه: طبعا، ما ده اللي قصدته، مين اللي يعرف إنك ضيفة عفيف النعماني ويضايقك لدرجة إنك عايزة تعملي فيه محضر عدم تعرض!
هتفت مؤكدة: أنا معرفش اسماءهم الصراحة، بس هو والد بنت اسمها نادية، جابها عشان اديله شهادة تسنين، عشان يجوزها، وده مخالف للقانون لأنها تحت السن، وخطر طبيا، فأنا عايزة أعمل فيه محضر عدم تعرض للبنت، لان ده في مصلحتها.
تطلع إليها، مستشعرا مدى مثاليتها، وجهلها بطبيعة إدارة الأمور، في تلك البلاد البعيدة، فهتف ونبرة السخرية تغلف تساؤله: هو أنتِ هنا بقالك قد إيه معلش!
لم تكن تدرك ما علاقة سؤال كهذا، بما جاءت من أجله، إلا أنها هتفت مجيبة: من أسبوعين تقريبا.
اكد هامسا: آه ما أنا بقول كده برضو.
تطلعت إليه غير معقبة على كلامه الهامس، ليهتف هو مستطردا: يا دكتورة اللي سعادتك بتطلبيه ده مش وارد أصلا، عيزانى إزاى أعمل محضر عدم تعرض لأب، وأقوله ملكوش دعوة ببنتك ومحدش يجي جنبها!
هتفت دلال فى حنق: لكن البنت فعلا ممكن تتضر، أانا عارفة أنا بقول إيه، ده شغلي.
هتف شريف مؤكدا: على عيني و راسى يا دكتورة، بس إيه اللي المفروض اعمله، مفيش أي قانون يخلينى أمأمنأب من إنه يعمل شهادة تسنين لبنته، وخاصة إنه لو راح الوحدة أكيد هيرفضوا، طالما هي تحت السن القانوني، بس اللي حضرتك ممكن تعمليه، هو إنك تخلي مسؤليتك عن أي حاجة ممكن تحصل للبنت، ده لو عايزة!
هتفت في ضيق: أنا مش جاية أحمي نفسي، وأتخلى عن مسئولية، أانا جاية أدافع عن روح بنت صغيرة، لكن واضح إني كنت غلطانة لما جيت.
هتف شريف معاتبا في تأدب: إزاى يا دكتورة تقولي كده! كفاية إني اتعرفت على حضرتك، ويا ريت كنت أقدر اساعدك، لكن ما باليد حيلة.
ساد الصمت للحظة، ليستطرد بعدها بنبرة ناصحة: بصى يا دكتورة، أنتِ مبلقيش إلا فترة بسيطة هنا، وفى حاجات كتير غايبة عنك، مختلفة تماما ع اللي أنتِ متعودة عليه ف القاهرة، العادات والتقاليد هنا غير، وتنفيذها ملزم بقوة العرف، اللي ممكن للأسف، تبقى أكبر من قوة أحكام الدين نفسه، فبعض الأحيان.
تطلع لوجهها، الذى تعكرت صفحته النقية بفعل كلامه، ليستدرك موضحا: أرجو إنك متتصدميش باللي هتشوفيه بنفسك، ويا ريت متقفيش فوش التيار، عشان هايبقى جامد أوي عليكِ.
انتفضت واقفة، ومدت كفها من جديد ملقية التحية، هاتفة فى إصرار: متشكرة يا حضرة الظابط ع النصيحة الغالية دي، بس أنا متعودتش أشوف الغلط وأسكت.
سارت فى اتجاه الباب راحلة، ليهتف خلفها في حسرة: يبقى هاتتعبي هنا يا دكتورة، وانصحك، لو تقدري تبعدي عن هنا، أبعدي بسرعة، قبل ما يجرفك تيار البلد دي، أكتر من كده.
هزت رأسها فى هدوء، شاكرة له نصيحته، واندفعت خارج النقطة تكاد تموت قهرا.
أما هو، فتبعها بنظراته من النافذة القريبة، وهي تركب الكارتة مبتعدة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة، حار في تصنيفها، ما بين الاشفاق والإعجاب.
★ ★ ★ ★
وصل عفيف للموضع الذي حدد خفيره، لكنه لم يجده، تلفت حوله في ضيق، حتى ظهر الخفير قادما على عجالة، فهتف عفيف به صارخا: كنت فين يا حزين! أنا مش محرچ عليك متسيبش مطرحك!
هتف الخفير مرتبكا بحروف متلعثمة: السماح يا بيه، رحت أعمل زي الناس، الواجفة بالهوا چار البحر ف السجعة دي ب...
قاطعه عفيف، هاتفا في ضيق: فينها االعمارة!
اشار الخفير باتجاه إحدى البنايات القريبة: أهي، الدورالتالت.
اندفع عفيف في سرعة باتجاه البناية، لكنه دلف إليها في هدوء، حتى لا يشك بأمره بوابها، الذي كان جالسا فى مدخلها بخمول، لكنه انتفض ما أن أدرك دخول عفيف متسائلا: خير يا حضرت! عايز حد!
أكد عفيف: شجة الأستاذ سمير.
أكد البواب: اتفضل الدور التالت، أول شقة ع اليمين.
صعد عفيف في هوادة، وما أن توارى عن ناظري البواب، حتى اندفع يصعد في عجالة، توقف قبالة الشقة المرجوة، ودق بابها في هدوء يتنافي مع ثورته الداخلية، لحظات مرت كالدهر، حتى انفرج الباب عن رجل في العقد السادس من عمره، تطلع لعفيف متسائلا: أي خدمة!
هتف عفيف فى تردد: أنا آسف، الظاهر غلطت ف الشجة، البواب جالي إن دي شجة الاستاذ سمير.
هتف والد سمير مؤكدا: ايوه هي، وأنا علوي والده، تحت أمر...
لم يمهله عفيف لاستكمال كلماته، بل اندفع لداخل الشقة مثل العاصفة، باحثا داخلها لعله يجد ضالته، لكنه لم ينجح إلا فى استثارة غضب صاحبها، الذي هتف في ثورة: أنت بتعمل إيه يا حضرت! أنا هجيب لك البوليس.
انهى عفيف مهمته، وما أن هم بالرحيل، إلا وتوقف معتذرا: أنا آسف، الظاهر حصل سوء تفاهم.
هتف علوي في غضب: انت تعرف ابني سمير منين!
أكد عفيف في هدوء: معرفهوش، الظاهر أنا بدور على سمير تاني، عن إذنك.
غادر عفيف البناية، متوجها نحو موضع خفيره في حنق: أنت متأكد يا مخبل إن دِه االعنوان!
أكد الخفير مضطربا: آه، وعهد الله يا عفيف بيه كانوا فالعماردة دي، وعيت لهم كيف ما أني واعي لچنابك.
استشف عفيف الصدق في حديث خفيره فلزم الصمت، يفكر بعمق في الخطوة القادمة، مقررا المرور على عدة فنادق للسؤال، فبالتأكيد عليهما البحث عن مستقر لهما، بعد هروبهما من شقة سمير، وربما يكونا قد استقر بهما المقام باحداها بالفعل.
ارتاح للفكرة، فشرع في تنفيذها، لعله يصل إلى مراده في نهاية المطاف.
★ ★ ★ ★
مد لها كفه بالطعام والشراب الساخن، عبر الطاولة المنزوية في أحد أركان مطعم الوجبات السريعة هامسا: كلي حاجة، أنتِ مكلتيش حاجة من الصبح، وأشربي الحاجة السخنة تدفيكِ.
هزت رأسها في إيجاب، تحيد بنظراتها الدامعة بعيدا، تنظر عبر واجهة المحل الزجاجية للخارج، فقد قررت أن تكون قوية أمامه، حتى لا تزيده أحمالا فوق ما يتحمل بالفعل.
شعر نديم ما تكابده، فمد كفه لا شعوريا، يحتضن كفها في تعاطف، وللمرة الأولى لا تنتفض للمساته، بل نظرت إليه وسالت دموعها رغما عنها، وهمست من بين دموعها: أنا عارفة، أنت تعبت، أنا آسفة، بس..
لم تستطع إكمال كلماتها، فقد غلبتها دموعها، لتجذب كفيها من بين أحضان كفه، تداري بهما وجهها، محاولة وأد شهقاتها الموجوعة.
احترم ألمها، حتى هدأت حدة شهقاتها، فعاود أمره لها بحنو: كلي حاجة بقى، عشان نلحق نشوف هنعمل إيه قبل ما الليل يدخل، وبعدين أنا متعبتش، وأنتِ ملزمة مني قدام ربنا لأنك مراتي، في راجل يتعب من مراته برضو!
قررت التماسك، فارغمت نفسها على الابتسام، وبدأت في تناول طعامها، امتثالا لأمره.
كان يتطلع إليها مشفقا بحق، فهى أبدا لا تستحق ما تعشه الآن، وهى مدللة أخيها، ابنة الحسب المرفهة، سليلة العائلة العريقة.
كانت ساهمة تتطلع للخارج عبر زجاج النافذة، تأخذها خواطرها بعيدا، لكنها توقفت فجأة عن تناول طعامها، و حملقت بشدة في شبح يقف خارج المطعم، تنبه لنظرتها المصدومة، فوجه نديم عينيه إلى حيث تركز نظراتها بهذا الشكل المذعور، ليشهق في صدمة، جاذبا إياها ليستترا خلف ظهر مقعدهما العالي.
زفر نديم في راحة، ما أن تأكد من رحيل عفيف بالفعل من أمام نافذة المطعم، والذي كان من الواضح، أنه لم يتوان في بحثه الداؤوب عنهما.
تطلع نديم نحو ناهد في حنق معاتبا: أنتِ كنتِ شيفاه واقف بره ومقلتيش! أفرضي كان شافنا، كان إيه اللي هيحصل!
نكست رأسها في اضطراب ولم تعقب، ليزفر هو بضيق مشيحا بوجهه عنها، ساد الصمت للحظات، قبل أن يهمس نديم متسائلا بنبرة حانية: كان واحشك، مش كده!
أكدت إيجابا، دون أن تنطق حرفا، لكن عبرات عينيها التي انسابت متتابعة، كانت كافية وزيادة، لتخبره مدى الشوق، الذي استبد بها لأخيها الغالي، فلاذ بالصمت رفقا، وبداخله يتمزق وجعا، على حالها قبل حاله.
★ ★ ★ ★
انتفضت مذعورة، عندما تناهى لمسامعها صوت ألة تنبيه سيارته، التي عبرت بوابة البيت الكبير، فاندفعت تهبط الدرج فى عجالة، حتى كادت أن تنكفيء على وجهها، وصلت للمدخل الرئيسي وهى لاهثة، تكاد أن تنقطع أنفاسها انفعالا، وما أن طالعت محياه، حتى هتفت تستوقفه، متسائلة في اضطراب: إيه اللي حصل يا عفيف بيه!
تطلع إليها واجما، ولم ينبس بحرف واحد، فاقتربت فى توجس هامسة: أوعى تكون..
صمتت لبرهة، ثم استطردت صارخة: عملت فيهم إيه! أنت...
قاطعها هاتفا في إرهاق: أهدي يا داكتورة، ملحجتهمش، هما بخير.
هتفت في سعادة: ملحقتهمش!
هتف مؤكدا بايماءة من رأسه: أيوه، كانوا مداريين ف شجة سمير، زميل أخوكي اللي ف اسكندرية، والله أعلم إيه اللي خلاهم يسيبوها جبل ما أوصلهم بشوية.
هتفت متعجبة :- بس أنت إيه اللي عرفك بسمير وشقته!
تطلع إليها في سخرية هاتفا: الحوچة يا داكتورة خلتني أدور ف كل صحاب أخوكِ، أصلك يعني هو هيروح فين! بس للأسف معرفتش أوصلهم فالوجت المناسب، بس ملحوجة.
هتفت في ذعر: ملحوقة إزاي!
ابتسم هاتفا: ما دام حضرتك مشرفانا، يبجى أكيد ملحوجة.
ألقى كلماته الساخرة، واندفع صاعدا الدرج، تاركا إياها وقد شملتها الراحة، ما أن تيقنت أن أخاها بخير، وكان ذاك يكفيها وزيادة.