رواية جلاب الهوى الفصل التاسع 9 بقلم رضوى جاويش


رواية جلاب الهوى الفصل التاسع 9 بقلم رضوى جاويش


٩- شكرًا 
 ابتسم موظف الاستقبال في تأدب لنديم: اتفضل يا فندم مفتاح الأوضة، شرفتونا.
تناول نديم المفتاح، وتبعته ناهد في استسلام، وقف كل منهما يتطلع للغرفة بأثاثها القليل، متحاشيا النظر إلى رفيقه، فقد جمعهما بيت واحد، كان لكلامها فيه غرفته الخاصة، التي ينال فيها القسط الوافر من الحرية، أما هنا، في تلك الغرفة متوسطة الاتساع، فكيف سيتسنى لهما ذلك!
كان هو أول من قطع الصمت كعادته، ليقر في هدوء: أنا هنام هنا على الكنبة، وأنتِ هتخدي السرير، أريحلك. 
هتفت تعترض على اختياره، لضيق الأريكة، التي اتجه إليها بالفعل: بس..
قاطعها بلهجة صارمة: مفيش بس. 
ثم استطرد بلهجة أقل صرامة، تحمل في طياتها بعض الأسف: معلش، دي الأوضة اللي على أد إمكانياتنا، لحد ما نشوف هنعمل إيه، أهم حاجة إن ليها حمام خاص، عشان متخرجيش بره لأى سبب، الفندق كويس فعلا، بس مفيش حاجة مضمونة. 
أومأت برأسها في طاعة، وهي تتجه لتجلس في تثاقل إلى طرف الفراش الأبعد عن أريكته، لا تعرف ما عليها فعله، تشعر انها في كابوس لا يقظة منه لإنهائه، وعليها أن تعيشه بكل تفاصيله القاتمة، ألقت بنظرة سريعة على شريكها بالغرفة، كان ساكنا لا يأتي بحركة، فأعتقدت أنه راح في النوم، ما شجعها لتتمدد، تدس قدميها تحت غطاء الفراش، الذى جذبته حتى عنقها، معلقة عيناها بالسقف، وهي تفكر في ما آلت إليه حياتها، ملقية نظرة خاطفة على ذاك القابع في هدوء، شاعرة بالأسف نحوه، وأخيرا، أغمضت عينيها في محاولة لطرد كل تلك الأفكار، حتى تستطيع الولوج لدنيا الأحلام، هاربة من هذا الكابوس الحي، الذى تحياه بأعين مفتوحة.
           ★ ★ ★ ★   
اندفع في ثورة، من الباب المفضي للمطبخ تحت أنظار الخالة وسيلة، والتى لم يلق عليها السلام كعادته، مكملا اندفاعه المتهور، حتى وصل لقلب البهو في منتصف المندرة، هم برفع صوته يناديها، إلا إنها ظهرت من خلف باب حجرة الكشف، التي كانت تغلقها، وقد أنهت لتوها كشفها الاخير. 
تطلعت بدهشة لذاك الذى يقف متحفزا فى قلب المندرة، متسائلة فى تعجب: عفيف بيه، خير!
كان يجز على أسنانه، فى محاولة للسيطرة على انفعالاته، وثورته المحتدمة، في عمق حدقتيه، هاتفا في غضب: خير منين! مهواش خير يا داكتورة. 

ازدردت ريقها بصعوبة، متسائلة بصوت مضطرب خوفا: نديم وناهد بخير! في أخبار عنهم!  
هتف بحنق: لاه، أنا بتكلم ع اللى عمِلتيه! 
تساءلت فى حيرة:عملت إيه!
هتف صارخا هذه المرة:  روحتى النجطة ليه تبلغي عن أبو نادية!
هتفت مجيبة: أنا.. 
قاطعها فى غضب هادر: وليه مرچعتليش جبل ما تعملى كده! 
هتفت بغضب مماثل: عفيف بيه! أولا، حضرتك مكنتش موجود، وأنا مش هاخد رأي حد ف اللي شايفة من وجهة نظري إنه صح، ثانيا، أنا حبيت أعفي حضرتك م الحرج، وأبقى قدام الكل اتصرفت من نفسي، وسيادتك تبقى بعيد عن الموضوع. 

هتف مذهولا: بعيد كيف يعني! أنتِ واعية لحالك، أنتِ بتجولي إيه! كيف ابجى بعيد عن حاچة بتحصل ف النعمانية! 
هتفت ساخرة: يبقى صحيح بقى، إن مفيش حد يقدر يعطس ف النعمانية، ولا يكح من غير إذنك، زي ما بيقولوا.
هتف متعجبا: أنتِ مين جالك الكلام ده!
واستطرد فى سخرية: أني عارف مين اللي جال لك كِده، أكيد حضرة الظابط الهُمام.
أكدت فى هدوء: أيوه حضرة النقيب شريف عبدالواحد، هو فعلا قال لي كده، وقال لي كمان إن اللي بعمله غلط، وإن الدنيا هنا غير القاهرة. 
لا يعلم لمَ ذكرها لاسم الضابط، جعله يغلى غضبا فوق غضبه المستعر، ولكن على الرغم من ذلك، أكد في هدوء، وقد ضاقت عيناه الصارمة، ملقيا صوبها نظرة لم تفهم مدلولها: والله وعِجّل حضرة الظابط، أصلك أول ما چه النعمانية، كان كيف حالاتك كِده، كان واخد الدنيا جفش. 
أكدت دلال، فى لهجة متحدية: يمكن هو عشان محكوم بقوة القانون، لكن أنا مش هبقى كده يا عفيف بيه، واللي هشوفه صح هعمله.
تساءل فى حذّر: جصدك إيه!
أكدت بعزم: قصدي اللي حضرتك فهمته، أنا مش هسكت على حاجة غلط، اتفرج وأيدي متكتفة، ومعملش حاجة تمنعها، عن إذنك. 
اندفعت فى اتجاه الدرج تعتليه مسرعة، تاركة إياه، نيران غضبه تكاد أن تُحرق المندرة، بل البيت الكبير بما فيه. 
             ★ ★ ★ ★ 
استغرقت معظم النهار فى الفحوصات المختلفة، كانت  تشعر بإرهاق فوق العادة، وها قد انهت الكشف على  آخر مريضة، وما أن همت بالذهاب لغلق باب البيت الكبير الخلفي، حتى توقفت، عندما ظهر أمامها، يسألها في فضول: أنتِ بجى الداكتورة اللي بيجولوا عليها!  
تنبهت لصاحب الصوت، لتطالعها أعين قاتمة، الخبث يفيض من نظراتها، تتطلع إليها باكتساح حقير، حتى إنها تراجعت للخلف خطوة، رغبة في جعل مسافة كافية عن صاحب تلك النظرات المنفرة.
لكن هتافا بصوت تألفه، جعلها تنتفض متطلعة إليه في سعادة لمجيئه، فرحة عجيبة انتابتها عندما طالعها محياه بعد أيّام من القطيعة، هتف عفيف  بصوت جهوري في الضيف الواقف أمام دلال، والذي لم يتزحزح لمرأى عفيف: يا مرحب يا صفوت، شرفت،  بس إيه! موعتلكش وأنت داخل، ولا كنك چيت من باب الحريم! 
كادت أن تنفجر دلال ضاحكة، شامتة في ذاك الأحمق، إلا أن صفوت مررها بيسر عجيب، ورد ببرود: أني چيت أرحب بالداكتورة، ما هي ضيفة عندينا برضك، وأخدها عشان أختي خديچة تعبانة شوية، ما أنت عارف إنها ف أول حملها.
هتف عفيف، موجها حديثه لدلال: معرفتكيش يا داكتورة، صفوت يبجى ابن عمتي و..
قاطعه صفوت مؤكدا: وخطيب ناهد أخته عن جريب بإذن الله.
زمجر عفيف زمجرة مخيفة أرعبتها شخصيا، وهو يجز على أسنانه: اللهم طولك يا روح. 
هتفت بغية تلطيف الأجواء:  أنا تحت أمرك يا صفوت بيه، قرايب عفيف بيه أكيد يهموني.
هتف عفيف في ضيق، وقد رأها تستدير مغادرة، للذهاب مع صفوت: الداكتورة مبتروحش لحد بيته، اللي عايزها ياچيها هنا زي باجي الحريم. 
هتف صفوت، بلهجة تموج غضبا: ايوه صح، هي مبتروحش إلا عند مرت غفيرك، لكن بت عمتك، لاه. 
توقعت دلال مجزرة ها هنا، بعد كلمات صفوت المسمومة تلك، لكن عفيف خيب توقعاتها، ليقول في هدوء قاتل: الداكتورة مبتخرچش برة البيت الكبير إلا لحالات الولادة بس، غير كِده اللي عايزها ياچيها، حتى ولو كان مين. 
ثم استدار إلى دلال هاتفا في تبجيل، مشيرا للداخل أمرا: اتفضلي يا داكتورة على چوه،  تعبناكِ النهاردة.
للمرة الأولى، ترى في لهجته الآمرة، نوع من الأمان العجيب الذى ادهشها، كيف يمكن أن يجمع ذاك الرجل، الأمان والتسلط في جملة مفيدة واحدة وتستقيم! لكن ها هو عفيف النعمانى يفعلها.. وللمرة الثانية، تتعاطف مع ناهد، والتي لو بقيت لأصبحت زوجة هذا الشخص اللزج، والذي على ما يبدو، مصرا على هذه المصاهرة، مهما كلفه الأمر.
           ★ ★ ★ ★
همهمات متكررة دفعتها لتستيقظ دفعة واحدة، لتنهض في اضطراب، متجهة إلى ذاك الذى كان يهزي، اقتربت تهزه في قلق: نديم,، نديم رد عليا. 
لم ينطق حرفا، الا تلك المقاطع المبهمة التي لا تُفسر، اسم واحد فقط ظل يردده في تكرار محموم، اسم أخته دلال.
وضعت كفها على جبينه في تردد، لترفعها في صدمة لسخونته، ماذا عليها أن تفعل االآن! إنها وحيدة هنا، وقد منعها الخروج إلا برفقته، ظلت تجيء وتروح في تردد داخل الغرفة، وأخيرا حزمت أمرها، مدت كفها لحافظته تتناول بعض النقود، وهي تؤكد أنها قادرة على التصرف، حتى ولو كان في ذلك مخالفة لتعليماته المشددة. 
            ★ ★ ★ ★ 
اندفعت دلال من باب المطبخ المشترك بين المندرة والبيت الكبير، في نفس اللحظة، ظهر عفيف قادما من قلب البيت للمطبخ، ليتوقف كل منهما قبالة الآخر وحيدين في غياب الخالة وسيلة.
 لكن هل هذا الرجل، هو عفيف النعماني حقا! تساءلت وهي تتطلع لذاك الذى يرتدي بدلة عصرية رائعة، تناسب قده السامق، تنبهت لخواطرها الغير معتادة، مجبرة نظراتها لتحيد بعيدا عن محياه، وخاصة أنها المرة الأولى تماما، التي تراه فيها دون عمامته، والتي دوما ما تتوج رأسه الصعيدية، اليابسة كحجر الصوان. 
وقف متطلعا إليها بدوره، لا يعلم ما عليه قوله أو فعله، وخاصة وهو يقف كالتائه، ممسكا بربطة عنقه.
دلفت الخالة وسيلة للمطبخ، قاطعة  ذاك الاضطراب، متسائلة وهي تراه واقفا في حيرة: خير يا عفيف بيه! كنت بتنادم! 
وتنبهت الخالة لوجود دلال، فابتسمت لها في حبور، هاتفة: دِه الحبايب كلهم هنا، كيفك يا بتي عاوزة حاچة! 
اومأت دلال برأسها هاتفة: آه، بس أنا مش مستعجلة، شوفي طلبات عفيف بيه الأول، هو اللي شكله مستعجل. 
تطلعت وسيلة نحوه  مستفهمة، فتردد قليلا، قبل أن يهتف متعجلا، وهو يظهر رابطة عنقه أمام عينيها: الهبابة دي، تعرفي تربطيها! 
بحلقت الخالة وسيلة في رابطة العنق بعدم اهتمام، معيدة نظراتها للأوانى التي تغلي على نار الموقد، مؤكدة: يا ولدي أني ايش دراني بالحاچات دي! ناهد اللي كانت ب...
قطعت الخالة استرسالها في الكلام، بعد إدراكها إنها جاءت على ذكر ناهد، لكنها تداركت الموقف في ذكاء هاتفة: ما تربطيها له يا داكتورة، أكيد تعرفي، صح!  
انتفضت دلال في إحراج، متطلعة إليه وهو يقف كالتلميذ الخائب، الغير قادر على أداء واجبه بمفرده، و تذكرت أن نديم لديه نفس العقدة، وأنه لم يستطع يوما إجادة عقد رباط العنق، مهما حاولت تعليمه، شعرت بالحنين لأخيها الصغير وربيبها، و يبدو أنه نفس الشعور الذى يكتنف عفيف في تلك اللحظة، مفتقدا تلك الأشياء البسيطة، التي كانت لناهد فقط حق أدائها دون غيرها، لمساعدة أخيها الحبيب. 
اقتربت في هدوء، تتناول رابطة العنق من يده التي أمتدت بها، ليسير خارج المطبخ وهي تتبعه، تاركي الخالة وسيلة بين أوعية طبخها، وقفت هي تنظر لمرآة جانبية في أحد الأركان، وهي تضع رابطة العنق حول جيدها، وشرعت في عقدها، وما أن انتهت، حتى خلعتها في هدوء تناوله إياها، لكنها فوجئت بانحنائه تجاهها، لتضع الرابطة حول عنقه، تسمرت كفها لثوانِ، لا تعرف ما عليها فعله، وأخيرا دفعت بالرابطة حول ياقة قميصه، اعتدل قليلا، فأصبحت ذراعاها مرفوعتان للأعلى، كأنما هي من تتعلق به، بل تتشبث لتظل قربه.
وكان القرب مهلكا لكلاهما، تعلقت العيون في حديث طويل، حديث تعارف، كأنما تراه الآن للمرة الأولى، كما يراها، تلاقت أكفهما عدة مرات سابقا، لكن حديث العيون وتلاقيها حديث آخر، حديث يطول شرحه، وقصة تُكتب على مهل، شراب يُرتشف بهوادة، نوافذ للروح تُفتح على مصرعيها، فتتجلى الروح، ساكنة ومستئنسة بوليفها، روح بحلة شفافة، دون أي حواجز، هناك فقط همس شجي، وسكون مطلق، وأُنس من نوع آخر، لا يدركه إلا محب. 
انتفضت مبتعدة، جراء بعض من تعقل، فرضته طبيعتها، ما دفعها لتحكم جذب الرابطة حول عنقه، قبل أن تتقهقر للخلف خطوة، ولم تكن تدرى من فرط اضطرابها، أنها كادت تخنقه، إلا عندما علا سعاله، هاتفا بصوت أجش: ربنا ما يوجع رجبة حد تحت يدك يا داكتورة. 
كسا وجنتيها الوردي خجلا، فضحك وهو يخفف من شدة إحكام الرابطة حول عنقه، وتطلع إلى حياءها الذي يعشق، و نظراتها المطرقة التي يتمنى أن ترفعهما للحظة فقط، حتى تكون هي آخر ما يبصره، قبل أن يغادر في رحلته إلى القاهرة، وها هي لم تخيب رجاءه، ورفعت عينيها حاملة نظرات عاتبة، وقد عاودتها روحها الوثابة، تطل بجلاء من حدقتيها السمراوتين، هاتفة بضيق: هي دي كلمة شكرا!
هتف مازحا، مغيظا إياها: العفو.
نظرت إليه في غيظ: هو مين اللي المفروض يشكر مين!
هتف وهو لايزل محتفظا بلهجته المازحة: عايزة الحج، ولا ابن عمه! 
تطلعت إليه، كان عجيبا، لم يكن عفيف الذي تعرفه، شعرت باضطراب حلو يشملها، حتى أنها هتفت  معترضة، وهي تندفع عائدة  للمطبخ، هربا من حضوره الطاغي: أنا إيه اللي جبني أصلا من أوضة الكشف!
استوقفها بلهجة جادة: يا داكتورة!
تسمرت موضعها، وكفها على مقبض باب المطبخ، واستدارت نصف استدارة،  مستفسرة، ليهتف مبتسما تلك الابتسامة التي تهلكها: شكرا.
تعثرت الأحرف على درب الكلام، وهتفت ما أن استجمعت بعضها في ضيق مفتعل، تداري خلف استاره تأثرها: العفو، أي خانقة. 
انفجر ضاحكا على تعليقها الأخير، فهرولت للمطبخ، و صوت قهقهاته، يجعل قلبها كالسكير، مترنحا بين أضلعها، أما هو فقد كفاه، حديث روح، وبضع نظرات غاضبة، هي كل زاده، في رحلته.  


                  الفصل العاشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة