رواية جلاب الهوى الفصل العاشر 10 بقلم رضوى جاويش

 

رواية جلاب الهوى الفصل العاشر 10 بقلم رضوى جاويش


١٠- الحلبية 
تطلعت إليه، كان ما يزال يهزي، والحمى ترتع بجسده، عبثت بأحد الأكياس، التي كانت تحملها، وأخرجت منه علاج لخف حرارته. 
اقتربت منه تحاول إيقاظه، فتنبه قليلا، بعينين شبه مغلقة، لكفها التي تحمل ملعقة بها سائل ما، لم يعبء بمحتواها، غير أنه تحامل على نفسه، ورفع جسده بعض الشيء، لتناول الدواء، قبل أن تنهار رأسه من جديد ملقاة على وسادته، دمعت عيناها اشفاقا على حاله، لكن ما كان بمقدورها إلا الانتظار، حتى يأتي الدواء بمفعوله، ويخفض حرارته المرتفعة تلك.
             ★ ★ ★ ★ 
ملأت فراغ يومها بعد رحيله، بالزائرات من المريضات اللائي اكتسبت ثقتهن بفضل الله، لكن ما أن انتصف النهار وقلت الزيارات، حتى انتهت قبيل العصر، إلا وبدأ ذاك الإحساس العجيب بالفراغ الداخلي، وعدم الأطمئنان الذى يتملكها في غيابه، يظهر طافيا على سطح وعيها، مشعرا إياها بضيق غير مبرر. 
نزلت للحديقة المحيطة بالبيت الكبير، فالطقس إلى حد كبير دافئ ذاك النهار، ما دفعها لجلب إحدى الروايات، و الجلوس على تلك الأرجوحة، التي اكتشفت وجودها في ذاك الركن البعيد، والتي عرفت أنها لناهد، صنعها عفيف خصيصا من أجلها.
الرواية التي بين يديها، كانت من اختياره، أصر عليها لقراءتها، "قنديل ام هاشم " .. تعجبت من الاسم، وتذكرت أن هناك فيلم يحمل نفس الاسم، لكنها لا تذكر أحداثه، بدأت أولى سطورها، فأخذتها الرواية بين طياتها، وهي تكاد تجزم أن صراع البطل مع التخلف والموروثات القديمة، لا يختلف بأي حال من الأحوال، عن صراعها هنا في النعمانية، تشابه الحالة جعل الرواية أكثر متعة، ما جعلها تعطيها جل اهتمامها، حتى تصرف ذهنها عن التساؤل حيال موعد عودته، ومدى تأثرها بغيابه.
             ★ ★ ★ ★
تأوهت لتيبس عظام كتفيها، فيبدو أنها غفلت دون أن تعي وهي تجلس بالقرب منه، على طرف الأريكة الضيقة، مدت كفها تلقائيا، لتجد أن حرارته ارتفعت من جديد، وأنه يرتجف اللحظة بشكل أثار قلقها، مدت كفها من جديد، تحاول أن توقظه، لتكتشف أن ملابسه مبتلة بفعل عرق الحمى، وذاك هو سبب تلك الرجفات المتتابعة، فهمست باسمه في اضطراب، ليفتح عينيه في تثاقل،  هامسا:: سنديني لحد الحمام، مفيش حاجة هتنزل الحرارة إلا دش ساقع، أنا عارف نفسي، وبالمرة أغير هدمي.
وافقته مستحسنة، بإيماءة من رأسها، ومدت كفها تضعه تحت مرفقه، تساعده على النهوض والسير نحو الحمام، ساعدته حتى دخل إلى المغطس، ثم أمرها بالخروج، وسيحاول هو تدبر أمره، اطاعته في تفهم، وتحركت للخارج مغلقة الباب خلفها، تبحث عن ملابس له داخل حقيبته، وكذا منشفة نظيفة، كان صوت تأوهه بالداخل، يرج قلبها بين أضلعها، ما دفعها لتسأله في نبرة قلقة: نديم! أنت كويس! 
كانت أسنانه تصطك ببعضها بردا، فلم يكن باستطاعته الإجابة، حتى كررت سؤالها عدة مرات، ما دفعه للتحامل، هاتفا بأحرف متكسرة: أه، هاتي الهدوم .
دخلت في تردد، وبدأت في مد كفها، بالمنشفة أولا، ثم بملابسه قطعة قطعة، وهي تذوب خجلا، حتى انتهى.
دفع ستار المغطس جانبا، كان يترنح وجعا، ما دفعها لتهمس في تعاطف، وهي تمد له كفها: تعالى أرچعك الأوضة ترتاح. 
هز رأسه بالإيجاب فى تثاقل، و قد بدأ فى استعادة وعيه قليلا،  خطوة، وكادت أن تنزلق بفعل الأرض المبتلة، لكنها تماسكت بأعجوبة، ما دفعها لتهمس ساخرة من نفسها: چبتك يا عبدالمعين تعيني، لجيتك يا عبدالمعين تتعان. 
خطوات وئيدة حذرة اتخذاها،  حتى خرجا أخيرا من الحمام، ليهمس باسما في وهن : أهو عبدالمعين طلع مفيش أجدع منه.
ابتسمت متطلعة نحوه، فتنبهت أن شعره يقطر ماء، على ما يبدو، ما كان  قادرا على استعمال المنشفة بشكل جيد، فاجلسته على طرف الفراش، ومدت كفها نحو المنشفة، وبدأت فى تجفيف رأسه، ثم أبعدتها عن محياه، فتطلع نحوها مبتسما في إعياء، ابتسامة ممتنة حركت شئ ما داخلها، أثار ارتباكها وخاصة وهو أشبه بالأطفال، بهذا الشعر المشعث. 
هم بالنهوض ليسير صوب أريكته بخطى متثاقلة، لكنها استوقفته، مبدلة مساره نحو الفراش، هاتفة في نبرة أمرة، يغلفها الحنو: دورك تنام النهاردة ع السرير، أنت تعبان ولازما ترتاح. 
لم يكن لديه طاقة لجدالها، لذا اطاعها، ومدد جسده على الفراش في إعياء واضح، ناولته جرعة أخرى من الدواء، ودثرته جيدا.
همت بالابتعاد نحو الحمام، لكنه استوقفها مناديا: ناهد!
استدارت صوبه ملبية، ليستطرد وابتسامة تكلل قسماته الشاحبة: شكرا.
هزت رأسها تفهما، ولم تجبه بكلمة واحدة، بل حملت ملابسها وولجت للحمام، تصلح من الفوضى التي أحدثها بالداخل، وكذا الحصول على حقها في حمام دافيء، يطرد من عظامها، ذاك البرد الذى بدأ ينخر بجسدها. 
تناهى لمسامعها صوت غطيطه المرتفع قليلا عن المعتاد، فتنهدت فى راحة مبتسمة، وهى ترد عليه أخيرا: العفو.         
             ★ ★ ★ ★
أصبحت جلستها في الحديقة الخلفية، على تلك الأرجوحة، تقرأ إحدى الروايات، هي سلوتها الوحيدة، منذ غادر عفيف النعمانبة.
أربع ليالِ كاملة، هي عمر غيابه، وكأنها أربعة عصور معتمة من الوحدة، تظلل سماؤها سحب مظلمة محملة بمطر الدموع، كانت تحاول أن تتجاهل كل هذه الأحاسيس العجيبة، التي تجاهد لإنكارها، مغرقة نفسها في القراءة حد الانفصال عن واقعها، لذا لم تتنبه لمناع حين اقترب، إلا عندما تنحنح عدة مرات، اخرجتها من خضم شرودها، لتسأله في تعجب: خير يا مناع! 
ابتسم مناع، واضعا حمله عن كتفه، هامسا بإحراج: معلش بجى يا داكتورة، هَدية مش كد مجامك، بس جلت حضرتك لازما تكوني أول من يدوج جصب أرضي، بعد ما خلصت كسره، عجبال ما ياجي عفيف بيه بالسلامة، و يبدأ دوره ف الكسر، هدوجي أحلى جصب فالنعمانية كلها.
ابتسمت في سعادة هاتفة: هدية مقبولة يا مناع، بس هو كسر القصب بالدور، أول مرة أعرف. 
ابتسم مناع مؤكدا: معلوم يا داكتورة بالدور، الجصب لو جعد في الأرض ميبجالوش عازة، لازما ينكسر بسرعة ويتحمل لمصنع السكر، و المصنع بيعين مهندس يشرف ع الأدوار دي، وأنت واعية عاد، إيه اللى ممكن يُحصل لو المهندس دِه طلعت ذمته واسعة، لكن على مين! مش ف النعمانية وفوچود عفيف بيه! دِه هو بذات نفسيه واخد دور زينا زييه، مع إنه بس بإشارة صغيرة من يده، جصبه ينكسر ويتحمل أول جصب، وما حد فينا يجدر ينطج بحرف، لكن عفيف بيه  طول عمره حجاني، وميعملهاش أبدا. 
ابتسمت دلال مشجعة، فقد كان مجرد ذكره، يدثرها بدفء عجيب، ليستطرد مناع مسترسلا: بالك أنتِ يا داكتورة! لولا عفيف بيه، أني لا كنت طُلت سعدية، ولا اتچوزتها من أساسه. 
انتبهت بكامل حواسها، ومناع يسرد عليها تفاصيل حكايته مع سعدية، ودور عفيف في تتويج القصة بالزواج: أني كنت رايدها فحلال ربنا، لكن أبوها الله يرحمه بجى، كسر مجديفي ومكنش عاچبه العچب، مكنش راضي يدى بته لراچل على كد حاله، زي حالاتي، محلتوش طين، وشغال غفير ميملكش إلا سلاحه، يومها كنت هموت من جهرتي، لكن لجيت عفيف بيه بيجولي ولا يهمك  يا مناع، والله لتبجى من نصيبك، وجبل ما يهل الشهر العربي، هتكون ف دارك. 
هتفت دلال مأخودة بحديث مناع، واستفسرت بسؤال كانت إجابته معروفة بالفعل، لكن كان كل ما يشغلها التفاصيل: وصدق فعلا! 
أكد مناع بحماسة منقطعة النظير: وااااه، لو عفيف النعماني يدي كلمة وميصدجش فيها، اومال مين اللي يصدج يا دداكتورة! والله جبل ما يهل الشهر العربي كمان، كانت ف داري بحج،  راح بذات نفسه لأبوها، و كبرني جدامه، وأني مجطوع من سجرة، محلتيش إلا أمي، هي اللى طلعت بيها م الدنيا، وكتب لي جدام أبوها جيراطين أرض، من الأرض الجبلية اللي بجروب الچبل.

نظرت إليه في دهشة ممزوجة بتعجب، ليستطرد مناع: فكرك يا داكتورة إن عفيف بيه ساعدني إكمني  غفيره ووكِده! لاه، عفيف بيه خيره ع الكل هنا، صغير وكبير، تعرفي الواد خرابة! 
ابتسمت ما أن تذكرت الاسم، واومأت برأسها مؤكدة: أه أعرفه، ده صلح لي شنطتي. 
هتف مناع بحماس: معلوم يصلحها ويصلح أبوها كمان، دِه واد چن، تعرفي يا داكتورة!

واخفض صوته، متطلعا حوله دلالة على أخبارها بسرعظيم، مستطردا بهمس: الواد خرابة دِه، كان من مطاريد الچبل.
انتفضت غير مصدقة، ليبتسم مناع، ما أن أدرك مدى تأثير حكاياته على ملامحها المذعورة، مؤكدا: إيوه، كان من مطاريد الچبل، حرامي يسرج الكحل من العين، بس فيوم وهو نازل من الچبل يسرج مواشي عفيف بيه، عكشناه، يوميها علجه عفيف بيه ع السجرة الكبيرة اللي جصاد الباب اللي بتوعيلها وأنت داخلة دي، و... 
قاطعته مصدومة: إيه! جلده زي ما بنشوف ف الأفلام كده!
قهقه مناع هاتفا: لاه، چلده إيه يا داكتورة، عفيف بيه ميعملهاشي، هو عِمل كِده عشان يخليه عبرة لكل واحد يفكر يهوب من بهايم النعماني أو أي حاچة تخصه، لكن ربنا جادر وهدا الواد خرابة على يده، ولجينا عفيف بيه بنى له أوضة جرب مدخل البلد، بيصلح فيها كل حاچة تخطر على بالك، ومن يوميها محدش دخل البيت الكبير، ولا صلح أي حاچة خربت فيه، إلا الواد خرابة دِه.
كانت تفغر فاها، غير مصدقة كل تلك التفاصيل التي تتوالى على مسامعها عن عفيف النعماني، ذاك الرجل الذي لم يفشل مرة في ابهارها، إنه بحق رجل دهشتها الأول بلا منازع. 

تنحنح مناع، عندما طال صمتها هاتفا: جلبت دماغك يا داكتورة بحديتي، يا رب يعچبك الجصب، ولو احتچتي أي حاچة، ولو كان لبن العصفور، شاوري ياچيكي، ده أني عفيف بيه موصينى أشوف طلباتك كلها وهو مش موچود، ربنا يرد غيبته بألف سلامة. 
ابتسمت في امتنان هاتفة: متشكرة يا مناع، لو احتجت حاجة أكيد هقولك، وهدية مقبولة، وسلملي على سعدية وعفيف الصغير. 
ابتسم وهو يغض الطرف، وهتف وهو يهم بالرحيل:  حاضر، يوصل بإذن الله. 
أحتل مناع موقعه قبالة البوابة الكبيرة كالمعتاد، ليتركها تجول الطرف في الحديقة حولها، وهي تتذكر كل حرف قيل عن عفيف، كل حرف كان بمثابة دثار من نوع خاص، يكسو قلبها، ويبعث في نفسها الأمان، الذي افتقدته بشدة في غيابه الذي طال.

تنهدت في قلة حيلة، وتطلعت لحزمة القصب الكبيرة التي تركها مناع بجوار مجلسها، لتنهض في حماس، جاذبة أحد الأعواد محاولة كسره، كما رأت مناع يصنع ذات مرة، وضعت العود الصلب مقابلا لركبتها، وبدأت في جذب طرفيه نحوها لعله يُكسر، لكن لا فائدة، عاودت الكرة من جديد، وكاد أن يختل توازنها وتسقط أرضها، لكنها تماسكت قبل السقوط، لم تيأس، وظلت تحجل على قدم واحدة، وتعيد التجربة على ركبتها الثانية، إلا أن ضحكة طفولية أوقفت محاولتها قبل ان تبدأ، لتتطلع خلفها حيث مصدر الضحكة، ليطالعها عفيف وهو يقف في بدلته العصرية، وبجواره مراهق لم يتعد الثالثة عشرة على أقصى تقدير، يجلس على كرسى مدولب، وابتسامة واسعة تكلل شفتيه.
كان الواجب عليها الترحيب بعودته سالما، لكن كيف لها أن تنطق حرفا، وقد عقد الشوق إلى مرآه لسانها عن الإفصاح بحرف، ليبتدرها هو هاتفا: كيفك يا داكتورة، يا رب تكوني بخير! 
استجمعت شتاتها هاتفة: الحمد لله، ونورت بيتك. تحرك ليقف قبالتها، فتوقف النبض، وهو يهمس منحنيا: اسمحيلى يا داكتورة!
كانت حبيسة عالم التيه، مشوشة الإدراك لقربه، وعيها غائب عن مقصده، حتى مد كفه ملتقطا عود القصب، عائدا خطوة للخلف، أعادت بعض من الرشد لذهنها، متنبهة لصوت كسر العود، غير عابيء لبنطال حلته الغالية.
مد كفه لها بالعود المكسور، والذي أصبح نصفين، وهتف بالمراهق المرافق له: وحشك الجصب يا كمال!
اومأ الصبي في تأكيد، ليبدأ عفيف في كسر عود آخر،  أقترب دلال من الولد، الذي تذكرت أين سمعت اسمه، هو حفيد الخالة وسيلة الغائب، والذى لم تره منذ جاءت إلى النعمانية، لكن ما هي قصة قدميه! ولما يجلس على ذاك الكرسى االمدولب! لم تخبرها الخالة وسيلة عن ذلك أبدا.    
             ★ ★ ★ ★
كانت تجلس بجانب الخالة وسيلة تحت تلك الشمس الدافئة، يجاورهما كمال حفيد الخالة، وقد أخذ في تقشير القصب و إعطائه لدلال، التي منذ  وصوله للبيت الكبير، صارت صديقته الأولى بلا منازع، ذكرها كمال بأخيها نديم في مثل عمره، كان كتلة من الذكاء و رجاحة العقل مع بعض الشقاوة المحببة لمن هم في مثل سنه، إلا أن كمال حُرم ذلك نظرا لظروفه، التي دفعتها لتسأل: هو كمال ايه اللى حصل لرجله ببالظبط يا خالة! 
تنهدت وسيلة، وهي تعبث بقطعة من عود قصب يابس،  كانت تمسك بها بلا هدف، هاتفة في حسرة: حادثة يا بتي، كانوا جايين هو وأبوه، وأمه ف العربية، واتجلبت بيهم، راحوا وفاتوه، مبجيش إلا هو من ريحتهم. 
تنهدت وسيلة في حزن عميق، كأن ما حدث كان في الأمس القريب، ربتت دلال على كتفها متعاطفة، وعم الصمت لبرهة، قبل أن تقطعه وسيلة هاتفة في نبرة ممتنة: بالك يا بتي، كمال دِه ما كان جادر حتى يجعد على حيله، شوفته على حاله دِه نعمة كَبيرة، دِه كان راجد مبيتحركش، ولولا عفيف بيه الله يستره، هو اللي چاب الدكاترة من شرجها وغربها عشانه، و نجلنا من دارنا البعيدة ف آخر النجع، واللي كلها بالطين، وچابنا هنا نعيشوا معاه ف الأوضة اللي  جرب مطلع السلم، عشان تبجى أريح لكمال بعيد عن الرطوبة، وعشان أكون چاره، ومجلجش عليه وأني هنا.
شردت دلال، وهي تطيل النظر لكمال، ولم تعلق على ما سمعته، إلا أن وسيلة أكملت في نبرة متفائلة: بس عفيف بيه جال إن الدكاترة فمصر لما شافوا كمال آخر كشف، جالوا هيتحسن لو أتعمل له عملية كبيرة، بس لما يكبر شوية، العملية دي هتكلف كَتير، بس عفيف بيه جالي إنه هيتكفل بيها، المهم إن كمال يجوم ويتحرك زي بجية العيال. 
ابتسمت دلال في سعادة، عفيف النعماني كان رجل الأفعال الأول على طول الخط، ولم يخيب رجاء أحدهم، ناشرا للفرحة والسعادة، وكأنه عصا الساحر التي تحقق الأمنيات. استفاقت فجأة من شرودها على صوت همهمات عالية، كانت تأتي من ناحية الباب الرئيسي للبيت، طلت وسيلة برأسها، وعادت في ثوانِ لتسألها دلال: ايه اللي بيحصل يا خالة! 
اندفعت وسيلة لداخل المندرة هاتفة بها: تعالي وراي نشوفوا إيه في من باب المطبخ. 
لم تكذب دلال خبرا، ودفعها الفضول للتلحق بوسيلة بسرعة، حتى وصلا لباب المطبخ المطل على البهو الواسع للبيت الكبير، والذي تجمع فيه كل هؤلاء الرجال، وفي مقدمتهم عفيف بيه، لكن العجيب، أن بين هذا الجمع الذكوري بامتياز، كانت هناك امرأة، لا تعرفها ولم ترها من قبل.
هتف عفيف بصوته الجهوري، مخرسا الجدل الدائر، متسائلا: خبر إيه! هو إحنا اتچمعنا عشان نتعاركوا ولا ننفاهموا!  
صمت الجميع، ليستطرد عفيف حديثه أمرا في حزم:  الكل يجعد ويوحد الله، وكل مشكلة وليها حلها بإذنه.
هتف أحد الرجال، والد الفتاة التي كانت أمارات المسكنة و الغلب مرتسمة على محياها في احترافية: يا عفيف بيه، هوأكمننا غلابة يچوروا على شرف بتي وأجعد ساكت! ده حتى ميرضيش ربنا. 
هتف عفيف صارما: إهدى يا خفاچى، هنشوفوا إيه اللي حصل الأول، وبعدين لو ليك حج هتخده.
اندفع خفاجي يقص ما حدث من ابن أحد العائلات الكبيرة فى النجع، تجاه ابنته التي لا تجد من يصد الشباب عنها لفقرها، وعدم انتماءها لعائلة تحفظ لها حقوقها وشرفها، فأضطر للجوء لعائلة آخرى طلبا للحماية. 
كانت الفتاة تبكي في لوعة لا تخطئها الأعين، مؤمنة على حكي أبيها للقصة، وما أن انتهى، حتى ساد الصمت. 
كان عقل عفيف يعمل في سرعة، في محاولة لإيجاد حل لهذه المشكلة قبل تفاقمها، فالشاب المتهم من عائلة بينها وبين العائلة الأخرى، التي استجار بها خفاجي الكثير من المشاكل والعداوات، التي أخذت أشكال عديدة على مر الزمن، وقد استطاع عفيف بعد جهد كبير، إخمادها الى حد ما، وما يحدث الآن، قد يحرك الجمر الذي تحت الرماد، لتندلع نيران العداوة من جديد. 
همست دلال، بالقرب من مسامع الخالة وسيلة، وهما خلف باب المطبخ الموارب: حرام اللي بيحصل ف البنت الغلبانة دي، هي عشان ملهاش حد يتجرأ عليها الشباب كده!  
ابتسمت وسيلة، تاركة موضعها، لتتابع غلايات الماء على الموقد، من أجل صنع الشاي، لهذا العدد الكبير من الضيوف بالخارج، هاتفة بسخرية: والله أنتِ طيبة جوي يا داكتورة، دي مين دي اللي غلبانة! لواحظ الحلبية وأبوها خفاچي! 
هتفت دلال، وهي تساعد في وضع الأكواب على الصينية الواسعة : يعنى إيه حلبية!
هتفت الخالة وسيلة شارحة: حلبية يعني م الغچر أو النَوّر.
وضعت دلال كفها على فمها، شاهقة في تعجب: غجر! هو في غجر بجد!  
أكدت وسيلة، وهي تصب الشاي في الأكواب: ايوه،  أمها كانت زمان غازية فلموالد،  بتجرا البخت والكف وابوها شرحه، ملوش شغلانة إلا البلطچة، وعايش على عرج الحريم. 
واستطردت متتهدة: كانوا أيام النعماني الكبير، بياجوا ف الموالد و ينصبوا خيامهم برا النچع، ومكنوش يجدروا يدخلوا النعمانية، دوول يسرجوا الكحل من العين يا بتي، وحريمهم أية ف الچمال يهبلوا أي راچل، وياما سمعنا حكايات عن اللي همل أهله ومرته، ودار وراهم، رچالة بشنبات، وعوايل كبيرة، اتفضخوا بسبب حكاويهم.. واللي بره دول .. 
واشارت للخارج.. تقصد خفاجي وابنته لواحظ، مستطردة: مبياچوش إلا والمصايب ف رچلهم كيف ما أنتِ واعية، ربنا يستر والعيلتين ميجعوش ف بعض بسببهم والدنيا تولع من تاني، ده عفيف بيه اتشاهد لما هدى النار بيناتهم.
همست دلال في ذعر: للدرجة دي! طب بس اللي أنتِ قولتيه ده يا خالة، مش المفروض كل اللي بره عارفينه! ليه بقى الحمقة الكدابة، واللمة اللي ملهاش لازمة دي! 
أكدت وسيلة: تلكيكة يا بتي، العيلتين م الأساس بيناتهم حزازيات وعداوات، ورغم الصلح، لكن اللي ف الجلب ف الجلب، وأها چت فرصة يرچعوا يمسكوا ف بعض من تاني. 
عادت دلال تتطلع من خلف باب المطبخ، لتعلم ما آلت إليه الأمور بالبهو، لتسمع أحد الرجال يهتف غاضبا: الراچل استچار بينا يا عفيف بيه، عايزينا إيه! نطلعوا عيال منجدرش نچيره هو وبته! 
هتف عفيف بحزم: مجلناش كِده يا حچ مندور، نهدى وكل حاچة ليها حل .. 
هتف خفاجي مستجيرا بالحج مندور: چيرني يا حچ، خد حجي وحجها من واد أبو الدهب. 
كاد أن يندفع عفيف، ليقطع لسان خفاجي، الذي ينفخ في النار، التي يحاول أن يخمدها في مهدها. 
هتف رأس عائلة أبو الدهب، في غضب هادر: طب خلي حد منيكم يجرب من ولدي، والله ما يكفيني فيه رچالة أبو مندور كلهم.
دخلت الخالة وسيلة عند تلك النقطة الحاسمة من الأحداث، ووضعت صينية الشاي على الطاولة، ليهتف عفيف بصوت هادر: خبر إيه يا رچالة! مكنش دِه اتفاجنا جبل سابج.
اقتربت وسيلة من عفيف، هامسة بالقرب من أذنه في سرعة ببضع كلمات، ثم عادت أدراجها للداخل، ليستطرد عفيف أمرا الرجال: اشربوا الشاي واستهدوا بالله، دجيجة وراچع لكم. 
اندفع للداخل حيث كانت تنتظره دلال، فهي اللي دفعت وسيلة لاستدعائه على وجه السرعة، ظهر على أعتاب المطبخ، هامسا في عجالة: خير يا داكتورة!  
هتفت دلال في تردد: أكيد خير بإذن الله، ممكن بس تبعت لي البنت اللي بره دي!  
هتف عفيف متعجبا: لواحظ! ليه يا دداكتورة! 
هتفت من جديد: أهو يا عفيف بيه، يمكن أعرف ألاقي حل للمشكلة دي، يوضع سره فأضعف خلقه. 
هتف عفيف: العفو يا داكتورة، حاضرهبعتها، وأني متأكد إنك هتعملي الصالح. 
اندفع للخارج، وما هي إلا لحظات، حتى كانت لواحظ تدلف للمطبخ، وهي تتبختر في خيلاء، تختلف تماما عن تلك المسكنة التي كانت تدعيها بالخارج، لتهتف بها دلال أمرة: اتفضلي من هنا. 
أدخلتها غرفة الكشف، وهنا تنبهت الفتاة لدلال هاتفة: مش أنتِ الداكتورة اللي بيجولوا عليها! 
هتفت دلال بحزم: ايوه أنا، ممكن تتفضلي على سرير الكشف! 
هتفت الفتاة في ذعر: كشف ليه لا سمح الله! أني صاغ سليم.
ابتسمت دلال ساخرة: طب طالما أنتِ صاغ سليم بقى، نطلع نقول للناس اللي بره دي إنك بتتبلي على بن أبو الدهب، ولا إيه!  
بهت لون لواحظ، محاولة استمالة دلال ببكاء مصطنع، فقررت دلال مجاراتها، متصنعة التعاطف معها هامسة: أنا عايزة مصلحتك، لو كشفت عليكِ، عفيف بيه هيجيب لك حقك لحد عندك.
هتفت في حماس: صح!  
أكدت دلال بإيماءة من رأسها، لتخضع لواحظ لفحصها. 
عادت لواحظ إلى مجلس الرجال تحتمى بأبيها في خجل مصطنع، بينما اندفع عفيف للداخل، مستطلعا ما جرى، هاتفا في تعجل: ها يا داكتورة، البت جالت لك حاچة!
هتفت دلال، منكسة الرأس  حياء: البنت يا عفيف بيه مش بكر.
شهقت الخالة وسيلة، وهي تضرب على صدرها في صدمة: أستر على ولايانا يا رب. 
هتف عفيف مبهوتا: معنى كِده إن كلام البت وأبوها صح، وإن واد أبوالدهب... 
قاطعته دلال مفسرة: أنا مقلتش كده يا عفيف بيه، البنت اه مش بكر، بس مش بسبب اعتداء من كام ساعة بس، ده مستحيل.
بهت عفيف هاتفا: أنتِ متأكدة يا داكتورة! دي أعراض ناس.
هتفت بنبرة مؤكدة: لو انا مش متأكدة، مكنتش هنطق بكلمة واحدة فحقها يا عفيف بيه، لألأزي ما حضرتك قلت، دي أعراض ناس.  
هز عفيف رأسه متفهما، واندفع للخارج، لتندفع خلفه الخالة وسيلة، مطلة برأسها من خلف الباب هامسة لدلال: تعالى نشوفوا عفيف بيه هيعمل إيه بعد اللي جولتيه! دِه كلام تطير فيه رجاب. 
هتف عفيف بصرامة: البيت بيتكم يا رچالة، و الغدا عندينا النهاردة، تعال يا خفاچى عايزك فكلمتين 
تطلع خفاجي إلى نصيره الحاج مندور يطلب العون، إلا أن الحاج مندور لم يحرك ساكنا، ليأمر ابنته لواحظ بالعودة لمكان الحريم، وسار خلف عفيف صاعدا الدرج حتى مكتبه، والذى أغلقه عفيف بأحكام، جاعلا الدماء تتوقف في شرايين خفاجي خوفا.
تطلع عفيف لخفاجي بصرامة، جعلته يرتجف من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه، متسائلا في نبرة حازمة: تاخد كام، نفضوها الحكاية الماسخة دي! 
هتف خفاجي متصنعا الذهول: أبيع شرفي يا بيه! 
هتف عفيف بصوت مكتوم، يحمل غضب عارما: بجولك إيه! الشويتين دول تضحك بيهم على حد غيري، بتك مهياش خضرا الشريفة، وأنت واعي، فبلاها الجصص دي، والمصُلحة اللي كنت هتطلع بيها من عيلة مندور، نخلصوها دلوجت، وبالزيادة، وتنزل تجول إنك خلاص مستغني عن چيرتهم ليك، وإن الموضوع بجي ف يدي، ها، جلت إيه!
أكد خفاجي، وهو منكس الرأس، هاتفا في استكانة: وأني ليا جول بعد جولك يا عفيف بيه! 
فتح عفيف خزانته، وأخرج منها رزمتين من النقود، ألقاها على سطح المكتب بالقرب من خفاجي، متسائلا: كِده كفاية عليك، ولا ليك كلام تاني! 
اندفع خفاجي يحمل المال في شره واضح، أشعر عفيف بالاشمئزاز، ليستطرد عفيف محذرا: لعبتك أنت وبتك اتكشفت، لكن ربك حليم ستار، ولو اتعملت الحكاية دي تاني، والله ما ليكم جعاد فالنجع كلكم، ولا هتخطوه برچلكم، طول ما أني على وش الدنيا.  
هز خفاجي رأسه مؤكدا على  الطاعة، ليندفع عفيف من المكتب، يعقبه ذاك المتاجر بعرضه، لينفذ ما اتفقا عليه، لتهدأ نار الفتنة.
تنهد عفيف في راحة، بعد أن رافق الرجال لبوابة البيت الكبير مودعا، وانتهى الأمر على أفضل حال.
دخل البيت، ليراها تساعد الخالة وسيلة في نقل أكواب الشاي واطباق الغذاء الفارغة للمطبخ، ليهتف بها: يا داكتورة!
انتبهت دلال لندائه، لتتوقف في منتصف الطريق للمطبخ، لتعاجلها الخالة وسيلة، حاملة عنها الأطباق، لتتجه لعفيف ملبية: خير يا عفيف بيه! 
ابتسم في امتنان هاتفا: أنا مش عارف أتشكر لك كيف، على اللي عملتيه النهاردة! 
همست بخجل: على إيه! أنا معملتش حاجة. 
هتف مؤكدة: كيف معملتيش!  أنتِ عملتي فيا چميل كبير، البت دي وابوها، ياما حصل مشاكل من تحت راسهم، وبعد كلامك، هيلموا روحهم. 
ابتسمت في بساطة هاتفة: أنا مبسوطة إني قدرت أساعد باللي أقدر عليه.
ابتسامتها المرسومة على وجهها الصبوح، طرحت رياحين من البهجة في شوارع صدره، وصبت السعادة صبا بشرايينه. 
شرد في محياها، فاضطربت خلاياها، وهي لا تدري أين يمكنها توجيه ناظريها بعيدا عن نظراته الهائمة، فهمست تستأذن في خجل، مبتعدة في اضطراب، بخطوات حثيثة، ليستفيق هو من شردوه، موبخا حاله، لفقده السيطرة على ثباته المعتاد، الذي هجره في حضرة ابتسامتها.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة