
١١- غيرته
طلت من شرفة حجرتها، تتابع موكب العروس الذي يمر اللحظة من أمام البيت الكبير، تحاول البحث عن العروس بين الحشد المزدحم، لكن لا أثر لها، ابتسمت على أي حال، متمنية للعروس حياة سعيدة.
توجهت للخالة وسيلة بالمطبخ لتساعدها، وصوت الطبول ما زال يدوي خارجا، ما جعلها تهتف متسائلة: فرح مين ده يا خالة! تعرفي!
هتفت وسيلة موضحة: دِه مش فرح، دِه زفة لشوار العروسة.
تعجبت دلال: إيه الشوار ده!
أكدت وسيلة مبتسمة: يعنى چهازها يا بتي، عجبال چهازك يا رب، إحنا عوايدنا كده، ناخدوا چهاز العروسة من بيت أبوها لبيت چوزها بزفة كَبيرة.
هتفت دلال في دهشة: معقول! ده أنا أفتكرتها زفة فرح من كتر الهيصة، وقعدت أدور على العروسة، وأقول مش شيفاها ليه!
قهقهت وسيلة هاتفة: أها، تجولي إيه! عوايد فاضية، جال يعني الناس تعرف إن أهل العروسة چايبين الدنيا لبتهم، فشخرة كدابة، وكلها بالسلف والمديونية، بس أهي عوايدنا، ربنا يهدي.
تساءلت دلال: بس مقلتليش! ده جهاز مين بقى! حد تعرفيه!
صرحت وسيلة: أه، فرح نادية بت محروس النميري، على واد خالها اللى لسه چاي م الخليچ.
هتفت دلال فى صدمة: نادية! هي بنت صغيرة، عندها بتاع ١٥ سنة كده!
أكدت وسيلة فى اضطراب: أه، هي يا بتي، أنتِ تعرفيها كيف!
اندفعت دلال من أمام وسيلة فى اتجاه المندرة مرة آخرى، هاتفة فى تحدي: أانا مش ممكن أخلى الفرح ده يتم، البنت لسه صغيرة، حرام عليهم.
أرتدت حذائها، واندفعت لخارج البيت الكبير، وقد قررت أن لا تدع ذاك الطبيب الذي ارتكب هذا الجرم في حق هذه الطفلة، بكتابة شهادة تسنينها، يهنأ كأن شيء لم يكن.
★ ★ ★ ★
تقلبت على تلك الأريكة الضيقة فى حذّر، مخافة السقوط، ما أورثها قلقا أطار النوم من عينيها، وكذا ذاك البرد القارص، الذي كان ينخر عظامها، فما من غطاء آخر بالعرفة، خلاف ذاك الغطاء الصوفي الذي يتدثر به نديم، ولم تكتشف البارحة أنه نام دون غطاء، مستعينا بسترته الثقيلة التي لم يخلعها عنه، لجلب الدفء.
نهضت باحثة بعينيها في ظلام الغرفة عن تلك السترة، سارت في حذّر حتى لا توقظه، وتناولتها من موضعها مترددة للحظات في ارتدائها، لكن ذاك البرد كان كفيلا بدفعها لترتديها على عجالة، ليسري بأوصالها بعض من دفء جالبا النوم لأجفانها.
جذبت أطراف السترة الجلدية حول جسدها، واستشعرت دفء ينساب إليها كأنه السحر، دفء غير معتاد، محمل برائحة عطره، مختلطة بأنفاسها، وكأنما هي أقرب ما يكون لنبض قلبه، انتفضت ما أن استوعبت إلى أي منحى اتجهت أفكارها، لم تكن يوما من ذاك النوع العاطفي من الفتيات، اللاتي يبكيهن الشوق للقاء الحبيب، ويعتصرهن الحزن على الفراق، قررت بعزم خلع السترة حتى تدرأ عنها شبهة الحب أو حتى الشروع فيه، إلا أن صوتا يهمهم جعلها تنتفض في اتجاهه ناسية خلعها، كان نديم قد بدأ يهزي من جديد، اختنقت بعبراتها المتأرجحة بمآقيها، وهي تطالع وجهه الشاحب، لكن ما أن تناهى لمسامعها هزيانه باسمها، حتى انسابت تلك الدموع، ولم تعد بقادرة على ايقافها، فقد أدركت اللحظة، أن ذاك الرجل، حرك شيئا ما كان كامنا بأعماق روحها، خالقا حالة عجيبة من التخبط والضبابية، لم تخبرها يوما. مسحت دمعاتها، وانحنت ترفع رأسه قليلا، تساعده على ابتلاع حبة دوائه، هامسة وهى تقرب من شفتيه كوب الماء: أشرب يا نديم، أشرب عشان خاطري.
فتح عينيه فى تثاقل، وارتشف القليل مبتلعا دوائه، لتعيد رأسه موضعها على الوسادة، وهى تتطلع إلى قسمات وجهه الرجولية، وجبينه المتعرق جراء الحمى، وبلا وعي مدت كفها لتمسح قطرات العرق عن جبينه الواسع، وسالت دموعها من جديد.
★ ★ ★
طرقت دلال باب غرفة الكشف، وما أن سُمح لها بالدخول، حتى دفعت الباب، محاولة أن تضبط غضبها المستعر داخلها، وما أن همت بالكلام، حين طالعها محيا الطبيب الجالس خلف مكتبه، حتى كان هو الأسبق، هاتفا فى صدمة لمرأها: أنتِ مين! وازاي تقتحمي غرفة الكشف بالشكل ده!
هتفت تحاول السيطرة على غضبها: أنا خبطت ع الباب على فكرة، وحضرتك قلت اتفضل.
هتف طبيب الوحدة الصحية في حنق: اتفضل دي مكنتش لحضرتك، كانت للمريض.
ظهر المريض فعلا من خلف ستار الكشف، متناولا ورقة من يد الطبيب بها وصفات الدواء، ليخرج في هدوء مغادرا، ليستطرد طبيب الوحدة في ضيق: متشرفناش، حضرتك مين بقى!
هتفت، وهي تمد كفها للسلام: أنا الدكتورة دلال المصري، الدكتورة اللي...
هتف متذكرًا، مقاطعا إياها، ومرحبا بها في ود: اه، أهلًا يا دكتورة، طبعا عرفت حضرتك، أنتِ دكتورة النسا اللي جت بمعرفة عفيف بيه، مش كده!
أكدت بإيماءة من رأسها، ليهتف مستطردا: خير يا دكتورة! شايفك مضايقة.
هتفت دون مواربة: طبعا يا دكتور، أكيد مضايقة، لما أشوف اللي بيحصل حواليا للبنات، وأعرف إن حضرتك لك يد فاللي بيحصل، لازم طبعا أضايق، مبيصعبوش عليك! يعنى إذا كان أبوها مش فاهم، وفاكر إن دي مصلحة بنته، كنت نصحته أنت يمكن يسمعك.
هتف الدكتور طارق متعجبا: حضرتك بتتكلمي عن إيه! أنا مش فاهم حاجة بجد! بنات مين!
أكدت دلال بغيظ، وهى تعتقد أنه يدعي جهله بما يحدث تحت أنظاره: نادية اللي فرحها بعد كام يوم، وهى مكملتش حتى ١٥ سنة، مين كتب لأبوها شهادة التسنين!
هتف طارق فى هدوء: بصي يا دكتورة، أنا مقدر طبعا تعاطفك مع البنت، ورغبتك في منع جريمة زي دي، وأنا ياما حاولت قبل ما حضرتك تشرفينا، وجاهدت كتير مع عفيف بيه عشان نوقف الموضوع ده.
هتفت متعجبة: عفيف ببه!
أكد طارق ممعنا في هدوئه وهو يعدل منظاره الطبي: أيوه يا دكتورة، الموضوع ده كان شاغل عفيف بيه جدا، و كان بيحاربه بضراوة، وكونه باحث اجتماعي فده...
قاطعته دلال متسائلة في صدمة: مين ده اللي باحث اجتماعي!
هتف طارق ناظرا إليها بدهشة: عفيف بيه طبعا، ده حاصل على درجة الماچستير في علم الاجتماع، وحاول كتير تعديل بعض العادات لدرجة إنه قدم شكاوى كتير، في دكاترة كانوا بيسهلوا موضوع شهادات التسنين ده، واتسبب في نقلهم من هنا.
همست في تيه، والصدمة ما زالت مسيطرة عليها: عفيف النعماني!
وصله همسها، فأجاب على سؤالها المتعجب: أيوه، ده متابع معايا جدا، بس للأسف، الأهالي تحايلوا على موضوع الشهادة ده، بطريقة تانية فيها ظلم أكبر لبناتهم.
هتفت بفضول: طريقة إيه!
هتف طارق بضيق: الجواز العرفي.
هتفت صارخة: إيه! جواز عرفي! دي جريمة أكبر.
هز رأسه موافقا: طبعا عشان ميحتاجوش لموضوع الشهادة، بقوا بيجوزوا بناتهم عرفي، مجرد ورقة مفيهاش أي ضمان للحقوق، وخاصة إن الجواز بيبقى بين القرايب فمحدش مخون، وحتى لو خدوا وصولات أمانة ع العريس، ممكن بعد سنة ولا اتنين قبل ما البنت تبلغ السن القانوني، تحصل مشاكل أو خلافات، يقوم مقطع الورقة ورامي لهم الفلوس اللي ف وصل الامانة، ومع السلامة، بعد ما تكون خلفت منه كمان، وده كله والأهل فاعتقادهم إن لما البنت تبلغ السن القانوني، جوزها هيكتب عليها رسمى على يد مأذون، وهى يمكن معاها عيلين وأكتر منه، وفيه مصيبة أكبر بتحصل، لو جوزها ده توفى قبل ما توصل سن العقد، ومبيقدروش يثبتوا لها حق بالورقة العرفي طبعا.
هتفت بصدمة: أنا مش مصدقة اللي بيحصل، عشان إيه كل ده!
هتف طارق في ضيق: عشان الفلوس طبعا، معظم اللي بيعمل كده على أد حالهم، ومخلفين عيال كتير، وطبعا عشان يخف الحمل، يقوموا مجوزين البنات، وأهو يطلعوا بقرشين من ورا العريس، اللي طبعا من القرايب اللي ربنا كرمهم بسفرية بره، فرجع محمل من وراها اللي يزغلل بيه عيون الكل، وطبعا بيبقى عريس ميتفوتش لبنتهم، لا بيفكروا بقى ففرق سن، ولا ضرر ع البنت ولا أي كلام من اللى إحنا بنقوله ده.
كانت دلال تنظر في تيه، غير مستوعبة لكل تلك الحقائق القاتمة، التى يسردها الدكتور طارق، ما جعلها تهتف في عزم: بس إحنا لا يمكن نسيب الأمور كده، لازم يبقى فيه حل.
اكد طارق بنبرة يائسة: يعني هانعمل إيه يا دكتورة! االبلاد دي حكم العادات والتقاليد فيها ساري على رقاب الكل، و للأسف، أحيانا العرف بيسري حتى ولو بيخالف حكم شرعي.
ساد صمت قاتل يذبح الكلمات بسكين ثالم، فلم ينبس أحدهما بحرف.
كسر طارق حاجز الصمت، مبتسما: بس أنا اتشرفت يا دكتورة بمعرفة حضرتك، ويا رب يكون وجودك هنا فالنجع، سبب فى تغيير مفاهيم كتيرة.
ابتسمت في شجن هاتفة: بعد مجهودات حضرتك وعفيف بيه، أنا هقدر أعمل إيه! واضح إن الموضوع مش سهل فعلا.
هتف طارق مؤكدا: الموضوع صعب فغلا، بس يا أنتِ بسبب قربك م الستات وعلى ما أسمع، إنهم بيحبوكِ جدا، وده إنجاز فالفترة البسيطة دي، ويأكد تأثيرك الكبير عليهم.
نهضت لترحل، مبتسمة فى امتنان: أنا متشكرة يا دكتور ع الثقة دي ف قدراتب، اللي أنا نفسي مبقتش واثقة فيها، وآسفة ع الطريقة اللي اقتحمت بيها أوضة الكشف.
ابتسم طارق، وهو يعدل منظاره الطبى بحرج: ولا يهمك، أنا مقدر شعورك، وأنا تحت امرك فأي وقت.
تبعها طارق حتى الباب الخارجي للوحدة الصحية، ومد كفه مودعا، لتمد كفها بالمقابل فى تحية رسمية رافقتها ابتسامة ممتنة، وغادرت فلوح مودعا من جديد، وطفق عائدا لحجرة كشفه.
سارت متوجهة للبيت الكبير، غير مدركة أن نظرات فحمية متقدة كانت تتبعها، ونيران من نوع آخر لم يخبرها صاحبها من قبل، كانت تضطرم بين جنبات روحه، محرقة فؤاده.
هم بصعود الكارتة، التي تركها جانبا، عندما كان برفقة أحد الاشخاص، ولمحها تخرج من الوحدة، وما أن هم بصعودها والتوجه اليها، حتى زفر في حنق، محاولا السيطرة على ذاك الشعور المدمر الذي يستشرى داخله. أما كان كافيا رؤيته، والدكتور طارق يلوح لها مودعا فى أريحية، حتى يراها الآن، وقد ترجل الضابط من عربته الميري، متحدثا إليها: أهلًا يا دكتورة، أخبارك!
ابتسمت دلال في رقة، مجيبة: الحمد لله يا شريف بيه، أخبار الأمن على حسك، مستتب!
قهقه لمزحتها هاتفا: مستتب بالقوي، وربنا يخلي لنا عفيف بيه.
ما أن أنهى كلمته، حتى ظهر عفيف مقتربا، ليهمس شريف لها ساخرا: أهو جه ع السيرة.
حاولت أن لا تلتفت صوبه، حتى وصل موضعهما، ملقيا التحية بلهجة جافة، لا تعرف لها سببا: سلام عليكم.
رد كلاهما، ليستطرد عفيف في لهجة رسمية: إيه الأخبار يا حضرة الظابط ! كله تمام!
أكد شريف: تمام يا عفيف بيه، والبركة فحضرتك.
هتف عفيف بلا مبالاة: طب تمام.
وأدار نظراته لدلال، يهم بالحديث، إلا أن شريف بأريحية معتادة، وابتسامة واسعة: ما تتفضلي يا دكتورة، طبعا البوكس مش أد المقام، بس أهي توصيلة، والجودة بالموجودة.
همت دلال بالرد، لكن رد عفيف الناري كان الأسبق: ماهو عشان مش كد المجام يا شريف بيه، مينفعش تعزم بيها م الأساس.
واستطرد والشرر يتطاير من حدقتيه: طريجكم مش واحد يا حضرة الظابط.
واستدار لدلال، هاتفا بلهجة حاول ضبط نبراتها لتخرج أكثر هدوءا: اتفضلي يا داكتورة، اتأخرنا على معاد الغدا.
شعرت دلال بحرج كبير، وهمت بالاعتذار، لكنها لمحت ابتسامة عجيبة، مرسومة على محيا شريف، لم تدرك لها مدلولا، ما جعلها تبتلع لسانها، وهى تسير خلف عفيف، وصولا للكارتة، التي صعداها، لتمر على شريف، في طريقها، فلم يعره عفيف التفاتة، بل طوح بسوطه، على غير عادته، ملهبا ظهر الفرس، التي علا صهيلها، مندفعة كالريح.
وصلا في لمح البصر، فترجلت مسرعة للداخل، لتساعد الخالة وسيلة، إلا أن صوتا كالرعد استوقفها: يا داكتورة!
تسمرت موضعها لبرهة، قبل أن تلتفت مستفسرة: خير يا عفيف بيه!
هتف في حنق، وقد خاب كل مسعى له، في كبح جماح ذاك الشعور الأحمق، الذي أتى على مجمل تعقله: اعذريني ف اللي هجوله، بس دي الأصول، إحنا هنا فنچع فجلب الصعيد، يعنى اللي ينفع فمصر مينفعش هنا.
تساءلت بريبة، وقد ضافت عيناها: ويا ترى إيه اللي ينفع فمصر، ومينفعش هنا يا عفيف بيه! أظن الأصول أصول، سواء هنا أو هناك.
هتف محتدا لمناطحتها: حيث كِده، يبجى اسمحيلي أجول لك، إن وجفتك مع كل من هب ودب، وضحكك و هزارك يا داكتورة، مينفعوش عندينا، وإذا كان دِه العادى بتاعك، فيا ريت ت...
هتفت محتدة بدورها، مقاطعة إياه: عفيف بيه، أنا مسمحش بالتشكيك ف...
زعق مقاطعا، بصوت هز جنبات البيت الكبير، وتراقصت عمدانه: بلا تسمحي، بلا متسمحيش، جاعدة تسلمي على دِه، وتضحكي مع دِه، و جال دِه عايز يوصلك، والتاني واجف يعمل لك باي باي، إيه المسخرة دي!
همست مبهوتة فى صدمة: مسخرة!
ساد الصمت، وصدره يعلو ويهبط انفعالا، وقد بدت على قسماته بودار ندم، وخاصة وهو يراقب تبدل ملامحها، من الصلابة والعناد، إلى سكون صادم.
هم بنطق أي كلمة من شأنها ترطيب الأجواء، إلا أنها لم تمهله كالعادة، مبتعدة كسهم أنطلق من قوسه، تاركة إياه مسربل بندمه، تطلع للحظة إلى وسيلة، التي أتى بها صوت جدالهما، كانت نظراتها عاتبة، لكنها لم تفصح، بل انسحبت في صمت، نحو المطبخ، لتتركه هي ايضا، وقد زاد حمل ندمه.
★ ★ ★ ★
شعر بتيبس فقرات ظهره، من كثرة رقاده، التي لا يعرف كم طالت، لتصطدم عيناه بمحياها، تسمرت نظراته عليها، وهو يراها مكومة بهذا الشكل، متلحفة بسترته الجلدية اتقاء للبرد، وما تبقى من جسدها، فمدفوع تحت الغطاء المشترك بينهما.
نظراته كانت تنهب ملامحها الجميلة بشغف، بشرتها حنطية صافية، مشربة بحمرة خفيفة، جراء ذاك الدفء الذى يشملها اللحظة، أنفها شامخ ودقيق، شفتاها...
ازدرد ريقه عند هذه المرحلة من رحلته عبر محياها الناعس، وقد قاطع استرسال خواطره، تنهدات من قبلها، جعلته ينتفض داخليا، وقد دعا الله سرا أن تستيقظ مبتعدة عنه، رفرفت أهدابها، ووعت موضعها، فهمت بالنهوض في حذر، لكنها تذكرت أن تستطلع حرارته، فمدت كف مترددة إلى جبينه، لتدرك أن الأمر على ما يرام، لكن حاله هو، الذي لم يكن على ما يرام أبدا، لمستها الرقيقة تلك، هزت قلبه، كشجرة عجفاء في مهب ريح عاصف.
خرجت من الفراش فى هدوء حتى لا توقظه، فيدرك أين باتت ليلتها، واتجهت لتلك الأريكة الضيقة، منتظرة استيقاظ من اعتقدت أنه لا يزل غارق فى نومه، وهى لا تعلم أنه استيقظ من زمن، استيقظ ليواجه مشاعره المتنامية تجاهها وجها لوجه، ليدرك أن هنا، حيث موضع قلبه، شيء ما قد تغير، ولا يظن أنه سيعود كالسابق أبدا.
سعل قليلا، لتنتفض هى من أريكتها، مسرعة نحوه: أنت بخير يا بباشمهندس!
هتف مؤكدا، وهو يحاول ألا تسقط نظراته على محياها، الذى نهل منه لمحات عذبة، ستظل محفورة بذاكرته دوما، وستورثه الأرق لليال طوال: الحمد لله.
عدل من وضع جلسته، فاقتربت تساعده في وضع الوسادة خلف ظهره، بشكل أكثر اعتدالا، إلا أنه كان الأسرع مؤكدا: متتعبيش نفسك، أنا مرتاح عليها كده.
ابتعدت في تفهم، ما جعله يزفر فى راحة، وهتف معاتبا، عندما وقعت عيناه على بعض الأغراض: خرجتي لوحدك برضو!
فسرت في نبرة حانية: معلش، أصلك يعني، مين كان هيچيب لك االدوا!
ابتسم، وقد أسرته نبرتها المهادنة: سماح المرة دي، بس بعد كده، متخرجيش لوحدك تانى، ولو بموت.
هتفت فى عجالة: بعد الشر عنك.
شملها الحرج، وساد الصمت لبرهة، قطعه نديم مازحا: طب فين الفطار بقى! الواحد حاسس إنه مكلش من قرن.
قهقهت هاتفة: كان نفسى أچيب لك خروف، بس ما باليد حيلة، أخرنا شوية چبنة وطماطم.
ابتسم بدوره: نعمة ورضا.
اندفعت تحضر له الإفطار، وقد عزم داخليا على الرحيل من ذاك الفندق، فوجودهما معا تحت سقف حجرة واحدة، ينذر بالمزيد من التورط الخطر فى ذاك الشعور الحلو، المبهم التفسير، وهذا آخر ما ينقصه، في ظل الظروف الحالية.
★ ★ ★ ★
أربع ليالِ طوال، كأيام حزن سرمدية، يقتات ندمه على روحه، كما تلتهم النيران في اشتهاء، أعواد حطب عجفاء.
كان يقضي معظم نهاره خارج البيت الكبير، وليلا يتعذب على فراش من جمر، شوقا لملاقاتها.
كم من رغبة وأدها، كانت تدفعه ليطرق بابها معتذرا، بألف ألف طريقة، ما واتته الجرأة، على إتيان أي منهن!
ما عاد قادرًا على تحمل تلك العزلة التى فرضتها على نفسها، غير مدركة أنه نال عقابه على ما تفوه به وزيادة.
تناه لمسامعها صوت أنشودة ما، تصلها عبر ذاك الجدار الفاصل بين حجرتها ومكتبه العتيق، أرهفت السمع لكلمات الأغنية، كان ذو ذوق راق في اختيار ما يسمع، هى تقر بهذا، صمتت الموسيقى، فأدركت أنه أغلق مشغل الأغاني، تنهدت وبلا وعى منها اعترفت أنها اشتاقته، عزت ذلك للتعود لا أكثر، لكن لمَ وجدت نفسها تسرع الخطى نحو شرفة حجرتخا، حتى تدركه قبل أن يغادر البيت، متوقعة أنه فى سبيله للخارج، وقد صح توقعها، فها هو يندفع مغادرا بعربته.
قررت الدخول للمكتبة مستغلة غيابه، فتحت باب المكتب في حذّر، رغم علمها أنه بالخارج، اندفعت لتفحص صف الروايات التى دلها عليه سابقا، تناولت منها ما أرادت فى عجالة، وهمت بالعودة، لكن عيناها اصطدمت بذاك الإطار المذهب، المعلق بعيدا على أحد الحوائط الجانبية، وأدركت لمَ لم تلحظه من قبل، في هذا المكان المتطرف نوعا ما، فالمرات التي زارت فيها المكتب!
وقفت تتطلع إلى ذاك الإطار القيم، الذى يحيط بتلك الشهادة العلمية، وهمست لنفسها: دي شهادة الماچستير فعلم الاجتماع فعلا.
تذكرت كيف كان يوجها للطرق المثلى للتعامل مع بعض المشكلات هنا، تنهدت وقرأت اسمه فى وجل، و وجيب قلبها يتضاعف دون داعِ، مجرد ذكر اسمه، يفعل بقلبها أفعال لا سلطان عليها: عفيف راغب صديق النعماني.
وكأنها استحضرت جن المصباح، ليظهر هو مندفعا من باب المكتب، ما ان أنهت نطق اسمه بهذا الشكل الساحر.
انتفضت دلال فى ذعر لدخوله الاعصاري، حتى أنها أسقطت ما كانت تحمله من روايات، ولم يكن هو بأحسن حالا منها، فقد تسمر موضعه على أعتاب المكتب، مطالعا محياها المذعور في تيه، كغزال مضطرب أمام قوس صياد، قلبه يئن فى وجع منتفضا لمرأها، كغائب عن الوعى، أُلقى على محياه الماء البارد.
تنحنح كعادته، عندما يحاول استجماع نفسه المبعثرة فى حضرتها، هاتفا فى لهجة هادئة: السلام عليكم يا داكتورة.
قررت الابتعاد، مندفعة للهرب، لكنه كان الأسبق، ليقف فى طريق باب الخروج هاتفا في نبرة مهادنة: السلام لله يا داكتورة.
كانت تغض الطرف عن محياه، ليهمس هو فى نبرة حانية، جعلتها رغما عنها ترفع نظراتها المعاتبة، لملاقات نظراته المعتذرة: لسه واخدة على خاطرك من الكلام اللى جولته!
لم ترد بحرف، ليهمس مستطردا في أحرف متلجلجة: أنا بس، كنت يعني...
كانت نظراتها تستحثه على الاسترسال، مقدرة كل هذا الأضطراب، بالطبع فعفيف النعمانى لا يعتذر مطلقا، أيخطيء من الأساس!
لكنه أذهلها، عندما هتف فى ثبات: حجك عليّ يا داكتورة.
لم تعقب، ليستطرد مفسرا: أني بس مش حابب حد يجول كلمة، او يطولك بحرف، اللي يمسك يمسني.
ثم استكمل في عجالة: أنتِ ضيفتي برضك.
هتفت أخيرا: أكيد طبعا، أنا مجرد ضيفة يا عفيف بيه، والضيف لازم يلتزم بقواعد اصحاب البيت، وحضرتك متحبش حد يمسك بكلمة من تحت راسي، مفهوم.
هتف يفسر: لاه، مش دِه الجصد، اجصد يعني، ملوش لازمة الوجفة والحديت مع رچالة غريبة فجلب النچع، ودِه يجول ودِه…
قاطعته ساخرة: يعمل باي باي.
ابتسم محرجا، وغض الطرف هامسا: دِه أنتِ زعلك واعر.
ابتسمت رغما عنها، فتشجع هاتفا: خلاص صافي يا لبن.
هزت رأسها ايجابا: حليب يا قشطة.
همت بالانصراف، إلا أنه هتف يستوقفها، يجمع الروايات التي أسقطتها لحظة دخوله المباغت: رايحة وسايبة الروايات دي لمين!
ناولها إياهن، لتهتفت وهى تشير لشهادته العلمية: أنت معاك ماچستير في علم الاجتماع، ليه مكملتش وأخدت الدكتوراه!
ابتسم عفيف في شجن، وهو يتطلع لشهادته العلمية المعلقة على ذاك الجدار منذ أعوام طويلة، واعترف شاردا: مكنش ينفع.
شعرت بعمق الأسى الذي يعتريه اللحظة، فهتفت فى فضول، أصبح معتادا لكل ما يمت لعفيف النعمانى بصلة: ليه! حد ياخد ماچستير بامتياز مع مرتبة الشرف وميكملش!
أكد وهو يبتعد عن إطار شهادته المعلق: عشان دي كانت أوامر الحچ راغب النعماني، وأوامره كانت سيف على رجبتي.
هتفت متعجبة: والدك! وإيه اللي يخلى والدك ياخد قرار قاسي كِده، ومعارض لرغبتك!
ابتسم عفيف هاتفا: عشان كان شايف وواعي للي محدش واعيله.
هتفت متعجبة: مش فاهمة!
أكد عفيف، متطلعا إلى الفراغ أمامه في شرود: جالهالى يومها، سبتك تاخد الماچستير على هواك، أكتر من كِده مش هينفع، لو بجيت داكتور فالچامعة هتروح ف السكة دي ومش هترچع، ساعتها مين هيكون للنعمانية من بعدي، وأني مخلفتش رچالة غيرك، يا الداكتوراه، يا النعمانية.
واستفاق من شروده هامسا، وهو يتطلع إليها: وكانت النعمانية.
هتفت دلال متسائلة: مندمتش!
أكد عفيف فى صدق: ولا لحظة يا داكتورة، اللي بناه چدي، وتعب فيه أبويا، واچب عليّ صونته، وأديني بحاول.
أنهى جملته الأخيرة، مع ابتسامة رزينة، تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا في مناسبات خاصة جدا، والتي أصبحت تحفظ تفاصيلها، ودوما ما تحرك شيء ما بالقرب من معدتها، يورثها اضطرابا حاولت مداراته، هامسة في عجالة: طب عن إذنك يا عفيف بيه، ومتشكرة ع الروايات.
اندفعت من أمامه تلوذ بحجرتها، بعيدا عن ذاك الرجل، القادر بابتسامة على قلب موازين فؤادها، وهز عرش تعقلها.