رواية جلاب الهوى الفصل الثاني عشر 12بقلم رضوى جاويش

 

رواية جلاب الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم رضوى جاويش


١٢- براءة
همت بغلق باب غرفة الكشف حين تناهى لمسامعها جدلا دائرا بالقرب من الباب الخارجي، طلت برأسها فلمحت امرأتين برفقة رجل يجادلها في ضيق، وما ان همت بالخروج إليهم، لكن النساء اقتربن برفقة فتاة صغيرة لم تتعد الحادية عشرة من عمرها، سمحت لهن بالدخول، بينما الرجل بالخارج، ينتظرهن بفارغ الصبر.
جلسن، وبدأن في التخفف من حمل برداتهن القاتمة، لتهتف أكبرهن سنا بلهجة متعجرفة: أنتِ الداكتورة اللي چت من مصر!
لم تنتظر جوابا، بل استطردت بنفس اللهجة، وبنبرة أمرة: عايزينك تطهريلنا البت دي. 
اشارت للفتاة الصغيرة، الضئيلة الجسد والضعيفة البنية، التي كانت تجلس منكمشة بالقرب من المرأة الأخرى، التي كان يبدو عليها الاستكانة والاستسلام حتى أنها لم تنطق حرفا. 
نظرت دلال في صدمة للمرأة المتعالية اللهجة، هاتفة في ذعر: ختان! بس البنت ضعيفة وممكن متستحملش، وبعدين لازم يبقى في ضرورة طبية لعملية زي دي، لأن ممكن ضررها يبقى أكبر من نفعها. 
هتفت المرأة بحدة من جديد: بجلك إيه يا داكتورة! هاتعمليها ولا نروحوا لحد غيرك يخلصنا من غير حكم ومواعظ.
وتطلعت للمرأة المستسلمة، والتي كان يبدو أنها أم تلك الفتاة الصغيرة، هاتفة في غيظ: أني عارفة إيه كان لزمته وچع الجلب ده! جال دكاترة و معرفش إيه! ما كانت أم حبشي الداية خلصتنا ففساعتها، جلع ماسخ.  
كظمت دلال غيظها رأفة بالفتاة الصغيرة، وحتى يتسنى لها فحصها، هاتفة بهن مؤكدة: متقلقوش أنا هعمل اللازم. 
أمسكت دلال بكف الصغيرة، التي تشبثت بذراع أمها، فهمهمت الأخيرة في محاولة لطمأنة ابنتها: روحي معاها يا بتي، روحي متخافيشي. 
تحركت الفتاة في طاعة خلف ستار الفحص، وما أن اصبحت دلال معها بمفردهما، حتى همست وهى تربت على كتفها في حنو: متخافيش، مفيش حاجة هتأذيكي، أنا مش ممكن أخليهم يضروكي أبدا.
تلجلجت الأحرف على شفتي القتاة، خامسة: أني خايفة، ستي هتدبحني.
ربتت دلال على خدها مطمئنة، هامسة بدورها: أنا موجودة وعمري ما هسمح لحد إنه يئذيكي.
ابتسمت الفتاة السمراء الصغيرة في راحة، واستكانت ملامح وجهها للمرة الأولى منذ وصولها، لم يكن من الصعب على دلال، إدراك عدم حاجة الفتاة لمثل تلك الجراحة العقيمة، لكن كان عليها أن تثبت ذلك لأهل الفتاة انقاذا لها. 
خرجت دلال من خلف ستار الفحص، هاتفة فى تأكيد: البنت مش محتاجة لعملية زي دي، البنت ممكن أصلا متستحملهاش، دي ضعيفة أوي.
هتفت المرأة المتسلطة، عالية الصوت بغضب في أم الفتاة: أني جلت بلاها دكاترة، والمحروس ولدي عام على عومك، أدي اللي خدناه من شورتك، نسوان عايزة الحرج. 
هتفت دلال بحنق بالغ، لم تستطع التحكم به، أوالسيطرة عليه: بقولك البنت ضعيفة، واللي هتعملوه فحق البنت جريمة، وأنا مش هسكت وهبلغ عنكم البوليس، لو حد قرب للبنت أو ضرها. 
انتفضت المرة السليطة اللسان من مكانها، هاتفة متجاهلة الرد على دلال، بل وجهت كلامها لزوجة ولدها: أدي أخرتها يا معدولة، وأدي أخرة اللي يمشى ورا شورة الحريم، جومي ياللاه جامت جيامتك. 
نظرت المرأة المستكينة إلى دلال، نظرات تحمل كم لا بأس به من الوجع، وكم مساوٍ من الأعتذارعلى أسلوب حماتها الفظ، وهتفت تستدعى ابنتها من خلف ستار الفحص، الذي ظلت الفتاة مستترة خلفه، متحاشية ثورة جدتها: ياللاه يا براءة. 
تحركت الفتاة من خلف الستار، لتسير في اتجاه أمها مغلوبة على أمرها، و تطلعت إلى دلال فى نظرة تحمل الكثير من القهر، ونداء صامت موجع، مستغيثة بها لإنقاذها من براثن عادات بالية يجرمها العالم. 
هتفت دلال للفتاة في حنو: اسمك براءة! الله، اسمك جميل أوي. 
ابتسمت الفتاة في رقة، ونكست الرأس حياء، وتشبثت ضعت بكف أمها، وسارتا خلف المرأة الأكبر سنا، التي اندفعت خارج حجرة الكشف، دون حتى إلقاء التحية. 
نظرت دلال فى اتجاهه البوابة، لتجد المرأة العجوز تتشاجر فى غضب مع ولدها، لم يكن يصلها تفصيل القول، لكن ما كان من الصعب عليها استنتاج فحواه، تجاهلتهم دلال تماما، وعيناها مسلطة على الفتاة الصغيرة، التي أدارت وجهها فى اتجاه موضع وقوفها، واشارت إليها مودعة من طرف خفي، حتى لا يلحظها أحدهم، 
ابتسمت دلال فى سعادة، وهى تلوح للفتاة محاولة بدورها أن لا يلمحها أحد من أهل الفناة، والتي أصبحت منذ اللحظة عدوتهم اللدود، خاصة تلك العجوز الجبارة، التي تتعامل مع الجميع، كأنها الحاكم بأمره. 
        
            ★ ★ ★ ★
تنحنحت وهى تطرق باب مكتبه، داخل نقطة الشرطة، ليهتف شريف من الداخل، معتقدا أنه عسكري الخدمة الخاص به: اتفضل، من أمتى الأدب ده يا خويا! 
كان مندمج في تجميع بعض الأوراق والملفات الهامة من فوق مكتبه، وهتف دون أن يرفع رأسه عنها، لملاقاة القادم: نعم! عايز إيه يا عملي االأسود!
علت قهقهاتها رغما عنها، ما جعله ينتفض متطلعا نحوها،  متنحنحا في إحراج: أهلًا يا دكتورة، اتفضلي. 
هتفت دلال، والابتسامة لا تزل مرسومة على محياها: واضح إنك مشغول، وأنا مش هعطلك. 
هتف شريف، وهو يجمع الأوراق على عجالة: لا مش حكاية شغل يا دكتورة، لأنك أكيد جاية هنا عشان شغل، بس أصل أنا نازل أجازة حالا دلوقتي. 
هتفت متعجبة: نازل أجازة يبقى المفروض مبسوط، وأنا شايفة غير كده. 
هتف شريف، بنبرة صوت مضطربة: صح، أصل أمي تعبانة وفي المستشفى. 
شهقت متعاطفة: ألف سلامة عليها، خير مالها!
هتف شريف: أبدا، هو قلبها أصلا تعبان شوية، يا رب يبقى خير. 
هتفت دلال تحاول المساعدة: طب أنا ممكن أكتب لك اسم دكتورة زميلتي ممتازة، ده تخصصها.
تناولت إحدى الأوراق وقلم، وبدأت على عجالة، فى كتابة اسم زينب صديقتها، وناولتها إياه مؤكدة: اتفضل يا حضرة الظابط، كتبت لك اسم المستسفى وعنوانها. 
فهتف شريف متعجبا: دي نفس المستشفى اللي فيها ماما. 
ابتسمت دلال: طب كده تمام.
وكتبت بعض الأسطر على عجل، وطوت الورقة، تسلمها إياها: لو فيها تعب، وصل لها الرسالة دي مني، ومتقلقش هى هتعمل اللازم. 
ابتسم شريف ممتنا: متشكر يا دكتورة، بس مقلتيش كنتِ جاية فإيه! 
هتفت دلال متنهدة: لا خلاص بقى، يا دوب أسيبك تشوف ترتيبات سفرك للوالدة، ربنا يقومها بالسلامة.
وحيته مودعة، وهى تهمس فى قلق: بس ع الله لما ترجع، يكون فى فرصة تقدر تدخل من أساسه. 
            ★ ★ ★ ★
خرجت من الحمام، وما أن وقع ناظرها عليه، حتى هتفت فى تعجب: على فين يا باشمهندس! أنت لسه تعبان.  
هتف نديم، وهو يكمل إحكام غلق سترته الجلدية: زهقت م الراقدة، لو قعدت أكتر من كده هعيا بجد، وكمان أجيب حاجة ناكلها بدل الجبنة دي. 
تردد قليلا، مستطردا: وهكلم دلال، هشوف أخبارها إيه، زمنها رجعت من المؤتمر اللي سافرت له، وبالمرة أقولها إني مش هنزل اجازة لفترة، عشان متقلقش عليا لحد ما نشوف الدنيا هتودينا على فين.
اومأت برأسها تفهما، هم بالخروج، لكنه قبل أن يغلق الباب بأحكام خلفه، سألها هاتفا في إهتمام: مش عايزة حاجة أجبهالك معايا!
هزت رأسها نفيا، وهتفت: عايزة سلامتك، بس متتأخرش عليا، عشان بخاف أجعد لوحدي .. 
ابتسم في مودة، واومأ برأسه موافقا، ثم غادر. 
            ★ ★ ★ ★

اندفع شريف لداخل حجرة المشفى، وما ان طالعه محيا أمه الراقدة على فراش المرض، حتى توجه إليها، هاتفا فى لوعة: ماما، أنتِ كويسة! 
ابتسمت أمه الحاجة شريفة فى محبة، هاتفة: يا حبيبي مفيش حاجة، متقلقش كده، دول شوية تعب وهيروحوا لحالهم، أقعد بس خد نفسك. 
جلس على أقرب مقعد للفراش، متنهدا في راحة: أانا أول ما خالتي كلمتني، جيت جرى.
هتفت الحاجة شريفة: شوف وأنا اللي موصياها متخضكش! 
هتف شريف معاتبا: هو أنتِ مكنتيش عيزاها تقولي! ده برضو ينفع يا ماما! 
هتفت الحاجة شريفة في حنو: و الله يا شريف مكنتش عايزة أقلقك عليا، أنا بقيت زي الفل أهو. 
نهض شريف من موضعه هاتفا: طب أنا هروح أشوف الدكتور اللي متابع حالتك.
هتفت أمه: طب يا حبيبى خد نفسك، ده أنت شكلك لا كلت ولا نمت. 
أكد شريف: أه والله مطبق من إمبارح.
وابتسم مستطردا في مزاح، مقبلا جبينها: بس فداكِ أنتِ يا حجوج يا قمر. 
قهقهت أمه في سعادة، بينما اندفع هو باحثا عن الطبيب المعالج، وتذكر في طريقه اسم الطبيبة التي أوصته الدكتورة دلال بالمرورعليها. 
سأل إحدى الممرضات، وهو يعبر الممر المفضى لحجرة الأطباء: لو سمحتي! الدكتورة زينب عبدالحكيم، ألاقيها فين! 
أكدت الممرضة: الدكتورة زينب لسه مجتش، ومش عارفة إذا كانت هتيجي النهاردة، ولا لأ. 
هز رأسه في تفهم، وانصرف عائدا لحجرة أمه، ليجد السرير خاليا، تنبه لخالته التى وصلت للغرفة، فسألها فى قلق: إزيك يا خالتي! هى ماما راحت فين! ده أنا لسه سايبها!
ابتسمت خالته في هدوء: إزيك يا شريف يا حبيبي، حمدالله على سلامتك، متقلقش شريفة  فالحمام، تعالى كللك لقمة، سربت الاكل ده من الأمن تحت بالعافية، محشي يستاهل بقك. 
قهقه شريف هاتفا: سسربتيه! أنا عرفت دلوقتي، أنا جبت الحس الأمنى منين يا خالتي!
قهقهت خالته هاتفة: يخرب عقلك يا شريف، والله الواحد بتوحشه خفة دمك دي، تعالى بس دوق، مش هتندم. 
تمدد شريف على فراش أمه، هاتفا بوهن: لا يا خالتى مليش نفس، همدد جسمي بس لحد الحاجة ما تطلع م الحمام، أنا عارفها هتقعد لها بتاع ساعتين جوه، أكون أنا كوعت فيهم. 
قهقهت خالته على أقواله، وتركته يتمدد على الفراش فى أريحية.            
           ★ ★ ★ ★ 
وعت لسعدية زوجة مناع، بانتظارها خارج البوابة الخلفية كما هو متفق. 
فقد قررت أن تواجه الجهل، وتحاربه في عقر داره، وتقضي على أدواته.
هبطتا التلة المقام عليها دار النعماني، وسلكتا طرقا ضيقة، حتى وصلتا لدار طيني من طابق واحد، مقام على أطراف النعمانية، همست سعدية مؤكدة: هو دِه يا داكتورة بيت الداية أم حبشي. 
وما أن همت دلال بالطرق على باب الدار، حتى استوقفتها سعدية هاتفة في قلق: لسه يا داكتورة عايزة تعملي اللي فراسك! دي ولية شرانية، ولسانها بينجط سم. 
هتفت دلال بعزم: أيوه لازم، ومش هتراجع ولو فيها إيه. 
بدأت دلال في الطرق على باب الدار الخشبية المتهالكة، بعد أن ابتعدت سعدية، تستتر خلف شجرة ضخمة بالقرب من الدار. 
انفرج الباب عن امرأة سمراء البشرة، ضخمة الجثة، ممتلئة القوام، متشحة بالسواد من قمة رأسها حتى اخمص قدميها، باختصار امرأة طلتها مقبضة للنفس.
استجمعت دلال شجاعتها، هاتفة في ثبات: أنتِ أم حبشي الداية!
هتفت المرأة بصوت أجش، أقرب لصوت الرجال: إيوه، أنتِ مين يا شابة!  
هتفت دلال في هدوء: طب مش هتقوليلي اتفضلي الأول!
هتفت أم حبشي في ابتسامة صفراء: معلوم، إحنا نعرفوا الأصول والواچب، زبائن كده إن شكلك چاي ف حاچة كَبيرة، ربنا يسترع الولايا كلهم. 
كادت دلال أن ترفع كفها لتلطم وجه تلك المرأة الحقيرة لذاك الاستنتاج الأحقر، لكنها تمالكت أعصابها، وأظهرت ضبطا شديدا للنفس.
صمت ساد لحظات، حتى هتفت دلال من جديد، محاولة الخروج من حالة اليأس التى انتابتها، قبل حتى أن تبدأ:  بصي يا أم حبشي، من غير لف ودوران كتير، أنا الدكتورة دلال المصري، سمعتى بيا ولا... 
قاطعتها أم حبشي، هاتفة بنبرة بها الكثير من الغل: يا مرحب بالداكتورة، معلوم  سمعت، وأديني شوفت كمان. 
تنهدت دلال هاتفة: طب كويس إنك سمعتي، ده هيوفر علينا كتير، أنا جاية أعرض عليكِ عرض هينفعك، وهتكسبى من وراه. 
هتفت أم حبشي ساخرة: چاية تنفعيني! ده أني مشفتش من بعد مچيتك أي مُصلحة. 
أكدت دلال، تحاول استمالتها: ما هو أنا جاية عشان كده،  عشان حاسة إن وجودى أثر على أكل عيشك، فقلت ليه متشتغليش معايا، نستفيد بخبرتك، وليكي اللي تطلبيه! 
قهقهت المرأة متهكمة:  اشتغل معاكِ! بطلوا دِه واسمعوا دِه، أنتِ عارفة أني بولد حريم النچع من ميتا! من جبل ما أنتِ تتولدي يا داكتورة، يعني عِندي كد اللي اتعلمتيه فالچامعة والكتبات بتاعتك عشر مرات. 
ابتسمت دلال، هاتفة فى هدوء: ربنا يزيدك يا ستي، بس الخبرة اللي عندك، مع شوية العلم اللي طلعت بيهم م الكتب، ممكن تفيد الستات هنا فالنجع، ليه نبقى ضد بعض لما ممكن نساعد بعض، ونستفيد إحنا الاتنين! 
نهضت أم حبشي، متجهة لباب الدار تفتحه، هاتفة في صوت جمهور: شرفتي وأنستي يا داكتورة، ومالوش لازمة تكرريها. 
تأكد لدلال أن مسعاها قد خاب، فتنهدت ونهضت تعبر باب الدار للخارج، ثم استدارت تواجه أم حبشي من جديد، هاتفة فى محاولة أخيرة: مش هعتبر ده ردك النهائي، فكري تاني يمكن تغيري رأيكِ. 
كان على مشارف النجع بعربته، عندما لمح سعدية زوجة مناع، تقف منتصبة في استنفار خلف تلك الشجرة الضخمة، كأنما تترقب وصول شخص ما، ليرى دلال تخرج من بيت تلك المرأة المشؤومة أم حبشي، والتي مات على يديها الكثير من نساء النجع، لقد كادت تودي بحياة سعدية نفسها، في ولادة ابنتها الثانية، لكن ماذا تفعل الدكتورة عند تلك المرأة يا ترى! تساءل متعجبا، وهو يترجل مقتربا من الدار، وقد سمع دلال تدعوها للتفكير مرة آخرى في أمر ما، فما ذاك الأمر الجلل، الذي قد يجمعهما! 
هتفت أم حبشي خلف دلال، وهى ترحل مبتعدة في طريقها لسعدية:لاه يا داكتورة، ومظنيش هاياچيني خير من تحت راسك، ولا هشوف منفعة طول ما أنتِ هنا فالنچع. 
ظهر عفيف في مجال رؤيتهن، صارخا فى صوت كالرعد: أم حبشي! 
ارتعدت المرأة لظهور عفيف المفاجيء، وتحولت من حالة الجبروت، التي كانت تتمثلها منذ لحظات، إلى امرأة آخرى، تدعي المسكنة والمذلة، هاتفة في صوت مرتبك: أمرك يا عفيف بيه.
اقترب عفيف من أم حبشي، هاتفا فى لهجة قاسية: تعرفي! لولا ما إنك مرّة كبيرة، كنت عِملت معاكِ الواچب، الداكتورة ضيفتي، عارفة يعنى ايه تجولي اللي جولتيه ده، لضيفة عفيف النعماني!
انتفضت المرأة، تحاول الدفاع عن نفسها: والله ما أجصد يا عفيف بيه! ضيوفك على روسنا من فوج، بس أصلك.. 
هتف عفيف بصرامة، منهيا الحوار العقيم: انتهينا، و يكون فمعلومك، مچية الداكتورة لحدك، دي حاچة كبيرة جوي وليها جيمتها، واللي طلبته منك، يتتفذ على رجبتك، معلوم!  
همست أم حبشي، في نبرة تحاول أن تداري ذاك الحقد، الذى يقطر منها: معلوم يا عفيف بيه، بس يعني... 
هتف عفيف مؤكدا: خلصنا، سلام عليكم. 
اندفع في اتجاه عربته، مارا بدلال التي ما أن حازاها، حتى همس أمرا بلطف: اتفضلي يا داكتورة ع الكارتة، أوصلك المُندرة ف طريجي.
أشارت دلال لسعدية من طرف خفي، أن ترحل في هدوء، وصعدت العربة بجواره كالمعتاد، لتتحرك العربة ويشملهما الصمت للحظات، قطعته متسائلة: عجيب إنك تضغط على أم حبشي تقبل باللي عرضته عليها، رغم إنك متعرفش أنا عرضت إيه، وحتى مسألتش! 
أكد في هدوء، دون أن يحيد بناظريه عن الطريق: وأسأل ليه! أنا متأكد إنك هتعرضي عليها، اللي فيه المصلحة للكل. 
ابتسمت رغما عنها فى بلاهة، تكاد تطير فرحا، لمجرد إظهاره الثقة فيما تتخذه من قرارات. 
تطلعت للطريق الأخضر على جانبي العربة، واستنشقت في عمق ذاك الهواء المحمل بعبق خاص، والذي لن تجده إلا هنا، وأكدت لنفسها أن ذاكرتها ستظل تحفظ ذاك العبق العطر، المحمل  برائحة أديم الأرض البكر ما حيت. 
لم يستطع كالعادة ان يغض الطرف عنها، وهى بهذا الكم من البراءة، و ذاك القدر الكافي وزيادة من العفوية، والقادر على تدمير ثباته في ثوانِ، مهما أدعى قدرته على الصمود.
وسأل محاولا إلهاء أفكاره عنها قليلا: بس أنتِ ليكِ إيه عند المرّة السو دي، عشان تروحيلها يا داكتورة! لو كنتِ جولتيلي، كنت چبتها لحد عِندك. 
هتفت سعيدة بتجاذب أطراف الحديث، وايجاد الفرصة لتستطلع رأيه فيما فعلت: أنا فكرت إنها بدل ما تبقى منافس، ليه متبقاش شريك!
هتف عفيف مستفسرًا، رغم استنتاجه المراد: بمعنى!  
هتفت دلال، شارحة في حماسة: يعنى ليه أسبها تعمل مصايب عشان خاطر الفلوس، لما ممكن أخليها تشتغل تحت عينى، وتاخد الفلوس اللي هى عيزاها، المهم إننا نكف أذاها عن ستات النجع وبناته. 
كانا قد وصلا بالفعل أمام البوابة الرئيسية للبيت الكبير، فترجلا من العربة، وسارا معا حتى باب المندرة، تركها تفتح بابها في أريحية بمفتاحه الذي لا يفارقها، وهم بالرحيل، لتستوقفه هاتفة فى تعجب: إيه! مقلتليش رأيك يا عفيف بيه! اللي عملته ده صح ولا غلط! 
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مهلكة، ولمعت عيناه ببريق فخر، وهمس بنبرة أذابتها حرفيا: أتغيرتي كَتير يا داكتورة. 
همست بصوت متحشرج تأثرا: أتغيرت! 
تطلع إليها من جديد، وهم بالرحيل، إلا أنها استوقفته من جديد، مصرة على سماع رأيه هاتفة: برضو مسمعتش رأيك! 
هتف مقهقها: كل دِه، ولسه معرفتيش رأيرأيي
اندفع مبتعدا، تاركا إياها تغمرها سعادة عجيبة، وفرحة من نوع خاص، فلقد اختفى عفيف الساخر، المتهكم على أفعالها، التي كانت تحاول بها، إنارة الطريق المعتم، بمشاعل علم، يطمث معالم العادات الجاهلة، التي حفرت أثارها طوال السنين الغابرة.
هي إذن على الطريق الصحيح، وهو يدرك ذلك جيدا، ويستحسنه، وكم كان هذا كافيا. 
             ★ ★ ★ ★
دخلت الغرفة في هدوء، لم تكن هذه الحالة، ضمن سجل متابعاتها، لكنها استثناء، لغياب الطبيب المعالج، توجهت بهدوء إلى مؤشر الحالة، المعلق على واجهة الفراش، قرأته فى عجالة، و توجهت للمريض الممدد على الفراش، تمسك بمعصمه، متفحصة نبضه في احترافية، وفجأة، وبدون سابق إنذار،  وجدت نفسها تطير في الهواء، لتسقط ممددة على الفراش في موضع المريض، الذي أنتفض منقضا عليها بجسده المفتول العضلات، صارخا في ذعر: مين! 
هتفت بأحرف مرتعشة: إهدى، ولله ما في حاجة. 
هتف مضطربا ومشوشا: أنتِ مين!
أقرت في عجالة: أنا الدكتورة زينب والله العظيم. 
تطلع شريف حوله في تيه، و تذكر أخيرا أنه بحجرة المشفى، ممددا على فراش أمه، وأنار في عقله الاسم، أقالت أنها الدكتورة زينب!  
تطلع إليها من جديد، لتهتف زينب محاولة تهدئته: أرتاح، شكلك تعبان فعلا.
ابتعد عنها، لتنتفض هى مبتعدة عن الفراش، تعدل من هندامها وثبات غطاء رأسها، ليعاود هو الهمس مدعيا المرض: أيوه، أنا فعلا تعبان، أنا تعبان أوي. 
ترددت قليلا، ثم مدت كفها لتقيس نبضه، لتهمس بعد قليل: فعلا ضربات قلبك عالية.
أكد مدعيا: شفتي، ده أنا تعبان ع الآخر والله. 
تركت كفه، فتأسف داخليا متمنيا ألا تتركها أبدا، متوجهة مرة اخرى لمؤشر الحالة، تتعجب من التشخيص المدون بها، وكذا إغفال كتابة اسم المريض على غير العادة. 
تعجبت عائدة إليه مرة آخرى، هاتفة وهى تضع سماعة الفحص على أذنيها: أسمح لي أفحص حضرتك!   
تمدد في أريحية هاتفا: أنتِ تعملي فيا اللي أنتِ عوزاه، اعتبريني حقل تجارب تحت أمر سعادتك. 
ما أن همت بوضع سماعتها على صدره، حتى دخلت أمه متوكزة على ذراع خالته، وما أن طالعهما المنظر، حتى نظرت كل منهما للأخرى، و انفجرتا في الضحك بشكل هيستيري. 
تعجبت زينب مما يحدث، وتطلعت للجميع في دهشة وفضول، لمعرفة سبب هذه السعادة المنتشرة بالعائلة الكريمة. 
هتفت الحاجة شريفة لولدها، بعد أن خفت نوبة الضحك:  أنت مفيش فايدة فيك يا شريف! مش هتبطل مقالبك دي أبدا! 
اعادت زينب نظراتها مرة آخرى لمريضها، بعد كلمات تلك السيدة المنشرحة، لتجده ينهض في عافية كاملة، يعدل من هندامه، وابتسامة بريئة ترتسم على شفتيه في أريحية، وقد بدأت تدرك ذاك الفخ الأحمق، الذي أوقعها به، فنظرت إليه شذرا، ليهتف وهو يمد كفه مرحبا فى سعادة جمة: أهلًا يا دكتورة، نقيب شريف عبدالواحد. 
لم تمد كفها ردا على تحيته، بل هتفت في ضيق: أه، وسيادة النقيب جاي يتسلى هنا بقى!
شعر بالحرج، وما أن هم بالرد، حتى هتفت أمه في نبرة معتذرة: معلش يا دكتورة متخديش على خاطرك، شريف ميقصدش. 
هتف شريف مفسرا: فعلا مقصدش يا ماما، أنا واحد نايم فأمان الله، لقيت واحدة زي القمر .. اقصد زي الغفر، أقصد لا زي القمر ولا نيلة، ماسكة أيدي، وبتقولي قلبك ونبضك وكلام كده م اللي يدوخ ده، طب بذمتك أعمل إيه أنا!
حاولت خالته وأمه كتم ضحكاتهما، مع وجوم من زينب، ليستطرد مازحا: لقيت نفسها فمريض تكشف عليه، قلت يا واد يا شريف الشرطة فخدمة الشعب، قمت مطوع، يبقى غلطة مين! 
هتفت زينب مصدومة: نفسها فمريض! 
علت ضحكات امه وخالته المكبوتة، بينما تصنعت هى الجدية هاتفة: حصل خير،  عن إذنكم. 
واندفعت هاربة من الغرفة، لتعاتبه امه هاتفة: شكلك زودتها يا شريف، وزعلت البنية منك. 
هتف متسائلا: تفتكري يا حجوج!
اومأت أمه ايجابا، اندفع بدوره لخارج الغرفة، محاولا اللحاق بزينب، التى ما أن ابتعدت عن الغرفة، حتى أطلقت العنان لقهقهاتها، والتي امسكتها متصنعة الجدية من جديد، تحاول مداراة نظراتها الباسمة بكل الأتجاهات، حتى لا تفضحها، بعد أن توقفت إثر سماعها لصوته يناديها، فأستدارت لتواجهه هاتفة في جدية: أفندم. 
هتف معتذرا: أنا آسف بجد، وأرجو إن حضرتك متكونيش زعلانة. 
أكدت فى هدوء: حصل خير.
تساءل في ريبة: صحيح! هو حضرتك الدكتورة زينب عبدالحكيم! مش كده! 
استطاع استثارة فضولها لتهتف: أيوه أنا، خير! 
أكد وهو يخرج رسالة دلال: الدكتورة دلال المصري بعتالك الرسالة دي.
وأظهر الرسالة أمام ناظريها، مستطردا في مرح: وبتقولك وحياة الغاليين تتوصي بيا. نظرت شذرا، فاستطرد في مرح: أقصد بأمي، أنتِ مش دكتورة قلب برضو! 
وتنهد فى لوعة،  فاختطفت الرسالة من بين أصابعه، و ابتعدت تاركة إياه، وما أن أصبحت وحيدة بحجرة الأطباء، حتى انفجرت ضاحكة على أفعاله، وهي تفض رسالة صديقتها، التي خطت فيها: "إزيك يا زينب!  يا رب تكوني أنتِ وطنط بخير، بقولك! حضرة النقيب  شريف عبدالواحد ده اللي ماسك النقطة هنا فالنجع وولدته تعبانة عندك فالمستشفى، يا ريت تعملى اللازم معاهم. 
ملحوظة: مفيش أي أخبار وصلتك عن نديم! يا ريت تبعتي تطمنيني مع حضرة الظابط، وخدي بالك هو ميعرفش أي حاجة عن سبب وجودي فالنعمانية، سلميلي على طنط كتير، سلام عليكم". 
عاد شريف لغرفة أمه، التى اتخذت موضعها على الفراش، لتهتف فيه: تعالى يا حبيبى كُل حاجة، أنت مكلتش لقمة من ساعة ما جيت، تعالى خدلك صباعين محشى. 
ظل شريف شاردا، وهو يتذكر نظراتها المذعورة، عندما جذبها لفراش أمه مذعورا بدوره، وكذا تلك الأصابع الناعمة الرقيقة، التى مست معصمه، فجعلت نبضه يتقافز للضعف، ليهمس أخيرا: لا، أنا عايز صوابع زينب. 
هتفت أمه متسائلة: بتقول حاجة يا حبيبي!  
قهقه هاتفا: بقول سلامتك يا ست الحبايب.
وعاد لشروده من جديد.  
         

                 الفصل الثالث عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة