رواية جمعية حب الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم شمس محمد بكري



|| بحارٌ شاردٌ بسفينته ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||


 اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________

كأني حبيسٌ وعيناكِ هي سُبل حُريتي..
فأنا لا أفهم معنى أن يكون الإنسان مجرد سجينٍ وحُريته يجدها في شخصٍ بمجرد نظرة واحدة فقط، نظرة تخبره أنه حُرٌ من كل قيدٍ وأسرٍ، ورُغم ذلك يُحب أسره في أعين من يُحب..
ولا أعلم كيف أصف الأمر الذي يهتاج في عُمق بحري، لكني أشعر في هذا العالم كأني نزيلٌ في زنزانةٍ وعينك هي نافذتي نحو العالم بالخارجِ في حين أنيّ مجرد شخصٍ حُكِمَ عليه أن يقضي أيام عمره منفيًا عن الحياة..
ولم أكن يومًا أعرف أن الحياة بذاتها تتواجد في عينيكِ..
حيثُ نهاري وفيه تتجلى شمسي،
وليلٌ به القمر ووَّنسيّ..
حيث أنا معكِ كأني مع نفسيّ.

           <"لم أكن مثاليًا، فقط كُنت إنسانًا">

من لم يكن إنسانًا برحمةٍ تتجلى بصفاته..
لا يستحق أن يُعاشر الناس ويكون وسطهم، فمن يترك نفسه لأهوائه ورغباته فقط كي ينعم بما يُريد ويُحقق مبتغاه هو بذاته الذي لم يكن صاحب المبدأ؛ الذي قد يمنعه من أن يؤذي غيره، 
فالعالم لم يُطالب بالمثالية، لكنه أضحى يفتقر الإنسانية..

انفجر "غسـان" بانفعالٍ في وجه جده الذي رفع رأسه يُرشقه بنظرة حادة، ثم اعتدل مستقيمًا في جلسته وضم كلتا كفيه على سطح مكتبه ثم استفسر منه بسؤالٍ فاترٍ بلا روحٍ:

_عاوزني أقولك أنا عاوز إيه؟.

_ياريت، على الأقل أبقى عارف عدوي ناويلي على إيه؟.

رد بذلك على جده الذي تنهد وعاد لشموخه يقول بثباتٍ:

_تسيبك من بنت "ناجي" دي خالص وتسيبها لحالها، وتصلح موقفك وموقفنا مع أبو "بسملة" يمكن نقدر نصلح حاجة من اللي فاتت، مش علشاني أنا، بس علشانك أنتَ وعلشان تعرف تقف على رجلك من تاني، يا كدا يا تفضل تحاول تقف وكل مرة هتقع على جدور رقبتك، القرار معاك، يا راحتك وراحة "نوف" معاك، يا مفيش راحة لحد أصلًا.

ألقى الحديث ولم يكتفِ بالصمتِ؛
 بل نظراته كانت حادة كما جناح الصقر حين يذبح فريسته، غريبٌ هو كما حدود دولةٍ قاسية على شعبها، وحنونة على كل غريبٍ يطيء أرضها وحدودها فتفتح له ذراعيها، وكأن القريب هو المطعون الأول بصلة القرابة، زاغ بصر "غسـان" إذ أذهله جده بمطلبهِ وجُرأته في طرح فكرته عليه، وقد تشكل السؤال مذهولًا في عينيه ليقول الآخر مُكملًا..

_خليك واعي واحسبها صح، هتستفاد إيه من بنت "ناجي" يعني؟ بالعكس دي ماتليقش بيك، ماتليقش باسمنا ووضعنا، لكن "بسملة" ليها اسم وتاريخ وعيلة تشرف، وكفاية أوي إنك كنت خاربها ورايح جاي من غير ما حد يحاسبك، حقها عليك إنك ترجعلها أصلًا.

الحديث منه يُثير زوبعة غضبه واستفزازه، يجعله كمن يجلس فوق جمرٍ مُلتهبٍ يتلظى بالنيران ولن يهدأ غير بحرق عدوه، لذا ما كان أمامه غير أنه مال على المكتب وطرق فوق بكلتا راحتيه وهدر بعنفٍ بالغ الأثرِ:

_كسر حُقها هي واللي يتشددلها واللي يفكر يقف في طريقي، بقولك إيه لولا إن مش هقبل أبويا يتقال في حقه كلمة واحدة منك أو من ناس تعبك كان زماني مطربق المكان باللي فيه على دماغ الكل هنا، بس أنا مش هعمل كدا، أنا بس هقولك كلمتين وتحفظهم وتحطهم حلقة في ودنك، بلاش تخاطر معايا أنا علشان مش ببقى على حاجة، مش علشان جدي يبقى ليك تدوس عليا، يوم ما هتفكر تقف في طريقي، ساعتها هقلب عليك.

استقام بعد أن كان مُنحنيًا بجذعه على المكتب فتقابلت الأعين مع بعضها، عينا جده الحادتين نظير عينيه الملتهبتين، نظرات أشبه بلقاء أعين الصقر بفريسته، أو الضارية بالصيدِ، نظرات جعلت جده يعود للخلف ويشبك كفيه ببعضهما ويفجر قنبلته بقوله الذي غلفه البرود واللامبالاة:

_براحتك، بس زي ما "لمار" بعدت عن "أدهـم" مسير البت بتاعتك دي تبعد عنك، وصدقني دا أسهل مما تتوقع، مش هغلب فيها دي، عملتها قبل كدا.

تبدلت نظرات الآخر من الحدةِ للاستنكار، حيث ظهر كأنه طالب في مرحلة صغيرة بالمدرسةِ يتلقى التعليم للمرةِ الأولى في حياته، الدرس بدا له مُبهمًا كمن لا يفهم أي شيءٍ، فأكمل جده بضحكة فاترة أشبه بالآليةِ وهو يقول:

_أوعى تكون فاكر إني عبيط ولا هسمح لواحد فيكم يبوظ اسمي وسمعتي بعمايلكم الهبلة دي، أنتوا مالكوش كبير، متدلعين وعاوزين اللي يسيبلكم الدنيا عمياني، بس أنا بقى مش هقبل بكدا، أنا أقدر أوقفكم كلكم عند حدكم أنتوا واللي يفكر يبقى معاكم وفي صفكم.

وفي الحقيقة حديثه هذا لا يُعني غير أنه فجَّر قُنبلةً في وجه حفيده، كأنه مجرم حربٍ ويعترف بكل خطاياه ويُقر بجُرمه ولم يبذل جهدًا حتى يحفظ هذه الحقيقة عن الأعين، أمَّا "غسـان" فقد فرغ فاههُ ذاهلًا وهو يشعر أن جده مختلٌ ولم يعد بكامل قواه العقلية، وقد تحرك الآخر والتَّف حوله ثم حاوط كتفه بصورةٍ تبدو ودية، لكن في صُلبها كانت تكمُن السيطرة، وحينها قال بثباتٍ:

_بناتي التلاتة مافيهمش واحدة نصفتني، كلهم خيبوا أملي، حتى "رئـيفة" أمك لما جوزتها "طاهر" كنت فاكر إنه هيقدر يشكمها، بس طلعت غلطان، حتى "طاهر" مقدرش يمشي كلامه عليها، وخرج هو وهي من طوعي، وجايين عيالهم يكملوا اللي هما بدأوا فيه، يبقى لازم ماسكتش.

حديثه بمثابة كارثة سقطت فوق مدينة كانت آمنة، كلماته حادة وقوية وأنانية بقدر دناءة أفكاره التي لم تخرج من مستنقعها، وقد رمقه "غسـان" بنظرة كارهة، أدرك أن المُتسبب في ضياع حال ابن خالتهُ، وقد أكد نظراته بقوله الكاره للماثلِ أمامه:

_تصدق بالله أنا بقيت كاره اللحظة اللي عرفت فيها إني حفيدك، بقيت عارف إن بناتك فعلًا كان معاهم حق يكرهوا عيشتهم معاك، علشان اللي جواك دا مرض، مرض ربنا يعينك عليه، بس لو فكرت بس مجرد التفكير إنك تقرب مني أو من حد يخصني صدقني أنا وأنتَ هنزعل مع بعض.

أنهى الحديث ثم دفع كف جده بعيدًا عنه، أرشقه بنظرة نارية كأنه قائد جيشٍ ضد عدوٍ يستبيح أرضه وأملاكه وفقًا لأهوائه ورغباته في امتلاك ما لم يُحق له، لا يعلم سر العداوةِ والخصومة التي بينه وبين عائلته وأحفاده، ولعل السبب في كره فتياته الثلاثةِ له، كُلهن رفضن سطوته عليهن، جميعهن أنكرن أنه يستحق أن يُصنف ضمن الأباء..

وكمان يُقال أن النسوة اللواتي يتم سجنهن في بيوتهن، تُغريهُن الحُرية بالخارج حتى ولو كانت في الطريق للطوفان، أو لجحيمِ نهايته بالموتِ أو الاحتراق، ولا شك أن "داغـر" أشعل طوفانًا في بيتهِ كي يتمردن عليه فتياته، فالأولى ماتت في فترة مراهقتها على يديهِ، حين تسبب في موتها وهي صغيرة، والثانية هربت منه وتزوجت رُغمًا عنه وعن أنف عائلته وقبيلته وسطوته، وكانت النتيجة موتها بحسرتها بسببه، والأخيرة والدته، تلك المسكينة التي فجر فيها كل غضبه وأجبرها على الزواج من أبيه، ونصيب الخير أتاها في زوجٍ مثله.

كان "غسان" في سيارته يقودها بقوةٍ وعنفٍ، حديث جده ونظراته لم يبرحا عقله، كان يرغب في قتلهِ، ورُبما يرغب في الثأر منه وقد يراه عدوه الأول، ورُغم ذلك هو اكتفى بالرحيل بدلًا من الانتقام، لأنه مهما فعل ومهما تحدث ومهما برأ نفسه ستبقى الصورة كما هي، أن الحفيد يتطاول على جده..

ولن ينتبه أحدٌ أنه القريب المطعون بصلة القرابة من ذويه. 
____________________________________

    <"صديق الهزائم والخيبات لا يخون في المسَّرات">

بعض المآسي تشبه الوحوش الضارية..
وأغلب الذكريات ليست بحميدة لكنها قاسية، ورُغم أن الأمر جللٌ يحتاج للكثير كي يتم إصلاحه، لكن قد يكون الحل في وجود صديقٍ واحدٍ فقط تشاركه الهزائم فيأتي لك بالنصرِ..
وكأنها قاعدة عامة متعارف عليها، أن صديق الخيبات لا يخون..

رحل حماهُ بعد أن حضر وأجج نيرانه من جديد، بعد أن كانت خمدت ثورته؛ ثارت مُجددًا، كأنه أتى فقط هي يُعكر صفوه، وقد كان جالسًا فوق المقعد خلف إطار مكتبه وعيناه سابحتان في الفراغ هناك، يغوص في شيءٍ غير معروفٍ، وقد كان "أدهـم" يجلس بمواجهتهِ، يتابعه بعينيه حيث نظراته الفارغة وملامحه الشاردة، وقد شعر بالقلق حِياله، فنبس اسمه بقلقٍ:

_"سليمان" !! أنتَ كويس؟.

توقع عدم الرد وعدم الجواب ورُبما عدم الإنصات، لكن الآخر جاوبه بصوتٍ قاتمٍ يقول:

_حاسب راسك.

تباينت ملامح "أدهـم" ومال برأسهِ لليسارِ فرمى الآخر حاوية الأقلام من فوق مكتبه وحينها صدح الصوت في كل المعرضِ يجذب الانتباه، صوتٌ عنيفٌ وفيه غضبٌ كما الذي بقلب صاحبه، وقد توسعت عينا "أدهـم" الذي رفرف بأهدابه ثم همس بصوتٍ خفيضٍ:

_يا ابن المجانين، دي ربنا نجدها.

انتبه له "سُليمان" فحدجه بنظراتٍ غاضبة ثم زفر بقوةٍ وقال بنبرةٍ أعربت عن كل غضبهِ ودمار أعصابه:

_أنا مش فاهم إزاي قادرة تكدب على أبوها، بقى أنا رميتها؟ بنت ***** بتقوله رماني في الشارع؟ وهو زي ****** صدقها، وزعلان إني مش عاوز أرد عليه؟ طب أرد أقوله؟ قولتله ياريتك كنت ربيت بنتك على الأصول زي ما علمتها تطلب باللي مش ليها بعين قوية كدا، وفي الآخر بيغلط فيا؟ طب أطلع على بيتهم وأجرسهم؟.

كان يتحدث لأنه حقًا فقد طاقته كبشرٍ على التحمل والصمت أكثر من ذلك، لم يَعُد يحتمل أن يكون صدره ممتلئًا بكل هذا الغضب في حين أن العالم فارغٌ ويتسع للأوغادِ بالخارجِ، ياليته كان الأمر سهلًا عليه أن يُخرج النيران التي بداخله بدلًا من أن تأكله هي، لكن الأمر في الحقيقة جللٌ، ليس من السهلِ أن تكون النيران في قلبك، والعالم يناقضك بسكونه في القطب الجنوبي..

وقد أعاده رفيقه لرشده حين نطق معبرًا عن رفضه القاطع بقوله الذي خرج حادًا بعض الشيء وكأنه صوتٌ لضميره:

_ماينفعش، ماتوقعش نفسك في غلط أنتَ مش قده، مهما كانت دي ست برضه وأنتَ راجل وليك هيبة، وماينفعش تنطق بكلمة في حقها، والكلمة اللي هتخرج منك بحساب عليك يا "سليمان" ومش قيمتك إنك تعمل حاجة زي دي، الحمدلله الباب اتقفل على كدا، سيبك منهم وخليك في أخوك بقى.

زفر "سُليمان" بضيقٍ ورفع كفهِ يحُك فروة رأسه كأن الصداع داهمه بقوةٍ، لقد كانت لعنته أن آلامه النفسية تخرج على هيئة آلامه الجسدية، تنهد بقوةٍ ينظم أنفاسه المضطربة ويُعيد بعثرة نفسه، وفي نفس اللحظة صدح صوت هاتفه، سحب الهاتف يُجيب على رقم أمه فوجد "سليم" ابن شقيقه يقول بلهفةٍ:

_أنتَ فين يا "سليمان" اتأخرت ليه؟.

عقد حاجبيه وضرب القلق مركز ثباته وقال بتيهٍ بعض الشيء:

_أنا في المعرض يا "سليم" حصل حاجة عندك؟ أنتوا كويسين؟.

_آه هما كويسين، بس أنتَ اتأخرت أوي، مش هتيجي؟.

لاحظ عمه احتياجه له، نبرته تنطق بكل مشاعره، اهتزاز صوته يبرهن على ضياعه، لذا ابتسم هو بحنوٍ يصبغ به كلماته:

_هاجي والله ومش هتأخر متخافش، بعدين يا عم أنا سايبك راجلهم عندك، ماتخليش حاجة تهزك كدا وتقل بيك.

ابتسم هو لأجل ثقة عمه فيه وفي أخلاقه وقوته، لكنه يرغب أن يعود الصغير الذي يستند على الجدار ولا يكون هو الجدار بذاته، لذا سأله بحنوٍ يُطالبه:

_طب أنا عاوز الراجل بتاعي، ينفع تيجي؟.

تبدلت نظرات "سُليمان" بالكليةِ، أحس بنفسه خارج حدود السجن، كأنه رفرف فوق السحاب كما الطير حيث ينل حُريته، لذا سحب نفسًا عميقًّا ثم قال بصدقٍ أبوي ومشاعر حنونة:

_هاجيلك حاضر، الراجل بتاعك مش هيتأخر عليك.

أغلق معه الهاتف فيما كان "أدهـم" يتابع الحوار الدائر بينه وبين ابن شقيقه فتنهد بقوةٍ ثم استقام في وقفته وقال بهدوءٍ:

_أعمل حسابك أنا مش هعرف أعمل فرح ولا ليلة من غير وجودك فيها، ومش هستقر على معاد غير لما أتطمن على "سالم" ويخرج بخير، أو على الأقل يرجع البيت تاني، المهم روح شوف أخوك وأنا هخلص حوار العربية دا، ولما أتممها هكلمك، أبقى طمني عليك بس.

رحل "سُليمان" من المعرض وترك خلفه الرفيق الذي يعلم أنه لن يخونه، يعرف أنه لو وضع رقبته أسفل سيفه لن يخون الرفيق ثقته، وفي الحقيقة هو لا يأمنه فقط على ماله وإنما على روحه وحياته بأكملها، لذا حين رحل لم يقلق بشأن الأموال الكثيرة التي قد تقع في يديه، وكأنه النصف الثاني منه..

بينما "أدهـم" فجلس بموضع جلوس رفيقه ثم أخرج هاتفه فوجد "عُـلا" أضافت قصة جديدة عبر تطبيق المراسلات "واتساب" وبالأخص صورة السماء المُمطرة التي التقطتها حين ولجت السيارة كي يعود بها، وأضافت معها الأغنية التي لم تتوقف عن سماعها:

_حبيبي ليه تغيب وتيسبيني لحالي؟.
وحشاني ليه ما كنتِ معايا دي ثواني
بتسألني حاسس بإيه وأكيد في إجابة في دماغي،
مش حاساها ولا إيه، هاقولها وأنتِ قوليهالي،
كلمة حبيبي باينة في عينيه، 
بس مابيقولهاليش مش عارف ليه..

ابتسم بعينيه دون أن يعلم سببًا لذلك، فرُبما هو يربط شيئًا في مشاعره بظهورها هي وحدها في حياته، شيءٌ بعيدٌ عن الكُل والجموعِ لازال موجودًا لأجل بقائها هي في هذه الأرض معه، رُبما "أدهـم" البريء الصغير صاحب الأعوام القليلة الذي كان ينتمي لها، رُبما هي لازالت بنفس حُرية الحياة حين كان العالم في عينيه خاليًا من كل قيدٍ، وهي تُشبه الحياة حين يكون المرء حُرًا من كلِ قيدٍ..

كاد أن يُراسلها لكنه تردد، تردد أن يُراسلها فتكون على غير استعدادٍ لكلامه معها، لكنه تنهد ومسح وجهه بكفهِ الحُرة ثم كتب لها تعليقًا على الصورة التي أضافتها هي مُشيرًا للكلمات التي أضافتها:

_المطرة لو كان ليها حبيب المفروض يكون أنتِ.

كتب جملته وهو يتذكر شغفها الكبير بالمطر منذ أن كانت صغيرة، هي الفتاة الوحيدة التي لم يُرعبها البرق والرعد كما الصغيرات غيرها، كانت تهرول قبل الجميع وتضحك لرؤية السماء تبرق، وحين يصلها صوت الرعد كانت تضحك كأنه تتلقى مزحة لطيفة أو رُبما إطراء من أحدهم.

ظنها أنها لن ترد عليه، لكنه أذهلته حين كتبت له بعد مرور ثوانٍ قليلة من رسالته التي أتتها:

_المطر حُرية المسجون، اعتبرني بلاقي حُريتي فيه.

وضع رمزًا تعبيريًا يتضامن به مع كلماتها ثم التزم الصمت، فهو يعلم أنها ترى نفسها بعين السجينة، منذ أن كانت صغيرة وأطلق القاضي لسانه بالحكم كي يُحرمها من أمها وحُضنها وهي ترى نفسها بعين البشاعةِ، فلو كان القاضي يرى بضميره قبل الدلائل لكانت حياتها اختلفت، ولو كان تخلى عن العُرفِ والعادات والتقاليد ونظر لها بعين الرحمة، لكانت في وضعٍ يُغاير ما هي فيه..

في الطرف الآخر ابتسمت هي بعد أن جاوبته ثم تحركت من فوق الأريكة وولجت المطبخ تتابع الطعام الموضوع فوق الموقد الغازي ثم أطفأت النيران وعادت تجلس بموضعها، جلست بشرودٍ وهي تبتسم وتتذكر فعلته حين خرج ركضًا يأتي لها بسترته الشتوية ثم عاد وتركها أسفل غزارة المطر، لقد عاشت حُرة وسعيدة في ليلةٍ لم تكن بحسبانها قط.

ظلت تبتسم وروح الأنثى فيها تُكابر وتتحدث بمبالغةٍ أنها تستحق أن تعامل بمثل هذه الطريقة، أن تكون في موضع تقديرٍ من رجلٍ يعرف قيمتها، يعرف أنها تستحق الحياة، لا الموت، تستحق أن تكون النصر من بعد الهزيمة، تُرىٰ مثل ضوء الشمس فيشعر الرجة أنها شروقه الوحيد ولا حاجة لديه كي يلتفت ويُطالع شمسًا غيرها..

صدح صوت جرس الشقة فتحركت تفتح الباب فوجدت في وجهها "ربـاب" عمتهما، ابتسمت لها ودعتها للداخل فولجت وهي تقول بسمةٍ بشوشة:

_أنا قولت أطلع أتطمن عليكِ واشوفك علشان "آدم" هيتأخر برة شوية، عنده النهاردة حفلة في المطعم كبيرة أوي، ولازم هو بنفسه اللي يتمم كل حاجة، طمنيني أخبارك إيه؟.

_بخير والله، بس زهقت بقى من القعدة كدا، اتعودت اشتغل وأشوف ناس وأنزل، على الأقل أروح أقعد عند البحر لكن هنا مفيش كدا خالص، الحياة هنا هادية أوي ومملة، يعني روقت البيت وخلصته من الصبح، وعملت الأكل وخلصته خلاص، وبرضه قاعدة مكاني؟ مفيش حاجة تتعمل خالص؟.

ضحكت "ربـاب" وهي تقول بصوتٍ غلبه المزاح:

_يا بت غاوية فقر ليه؟ حد يلاقي دلع ومايتدعلش كدا؟ بس والله أنا متفقة معاكِ، خصوصًا إنك مش واخدة على القعدة كدا، بس هانت بكرة تتجوزي "أدهـم" وهتعرفي إن الله حق، هو علشان مش هنا بس، لما يرجع الشقة هتشوفي الروشة كلها، بيني وبينك في حتة كدا من عيلة أمه، لازم كل حاجة تكون مظبوطة  بالمللي، ولازم كل حاجته تفضل ثابتة مكانها، رغم إنه مش زيهم، بس واخد الحتة الرخمة دي من جده.

عقدت هي حاجبيها وتذكرت أمر جده، فمنذ أن كانت صغيرة وعقلها يحتفظ بلمحاتٍ من شجارات الماضي، بل وتتذكر أن ذاك الرجل سيرته كانت تُزعزع ثبات أمها وتُقلقها، وقد تذكرت أمر "لمار" وسيرتها حين فُتِحت ذات مرةٍ، وتعجبت أمر غيابها عن البيت طيلة هذه المدة، فسألت بتيهٍ تخفي فيه فضولها:

_هي "لـمار" بنت عمهم ليه بطلت تيجي هنا؟ وليه بحسها دايمًا بعيد عنهم، يعني ساعة الخطوبة ماجاتش وبرضه مالهاش علاقة بـ "ورد" رغم إنهم بنات عم والمفروض يكونوا صحاب.

تبدلت ملامح "ربـاب" وكأنها تبغض سيرة المذكورة، لكنها كي لا تقع في المحظور قالت بهدوءٍ وهي ترسم بسمة مشوشة بعض الشيء:

_عادي، هي مش قريبة منهم أوي، بصي هي طول عمرها بعيد عننا، زيها زي أمها كدا من بعيد لبعيد عننا، وهي و"ورد" علاقتهم مش أحسن حاجة علشان مفيش بينهم كلام كتير وشخصياتهم مش شبه بعض، وهي و "آدم" مش بيحبوا بعض للأسف من صغرهم وكبروا مش طايقين بعض، فعادي يعني، المهم ماتشغليش بالك أنتِ بيها ولا بغيرها، خليكِ في نفسك وفي خطيبك وأخوكِ، دا المهم يا "عُـلا".

شعرت "عُـلا" بالإحراج من طريقة عمته لكنها التزمت بالصمتِ، تذكرت الإثنين فابتسمت كونها مُحاطة بأمنهما سويًا، وقد لاحظتها "ربـاب" وأحست بصدق مشاعرها البريئة، كما أنها تعلم أن "أدهـم" سوف يحاول لأجلها يفعل أي شيءٍ كي تكون آمنة، بل وأيضًا سعيدة، فهو دائم القول في حديثه:

_بحكم على الراجل لما أشوف حياة الست اللي معاه، غير كدا كلها بتعرف تبقى رجالة ومظبوطة وقت ما تحب بس.

كان "أدهـم" ولازال صاحب شخصية منفردة، له فلسفة خاصة به هو وحده، كأن تأثره بعالم الحيوان وحياة الضواري جعلته على داريةٍ كافية بألاعيب البشر مهما كانت عدم معرفته بهم، لذا تركت الأخرى لشرودها وعزمت أمرها على نُصحه كي لا يتركها تفل من يديه دون أن تكون نصيبه السعيد من الحياة..

ولعل كل الأمنيات تتحقق، ياليت سؤال القلب مُجاب..
____________________________________

  <"هذا الحقل الذي ترويه بحنانك أنتَ هو غذاء روحك">

يقولون أن الشيء الذي تمد يدك به اليوم..
هو بذاته الذي ينطلق ويدور دورته الكاملة ثم يعود لك محملًا بما أطلقت به سراحه، فما من شيءٍ يُقدمه المرء إلا وعاد له بمثل ما قدَّم بيديه.

في جُنح الليل وسط السكون والهدوء كانت السيارة تتحرك وقطرات المطر تستقر فوق زجاج السيارة، يرى الطريق ضبابيًا من خلف إطار الزجاج المؤطر، وقد كانت "ورد" تجاوره وهي تتصفح هاتفها وتشرد في رحلتها القادمة معه، ترسم آلاف الخيالات في رأسها، وتعلم هي تمام العلم أنه سوف يُفاجئها بمَّ لم تُفكر هي فيه، لكنها تعلم أنها سوف تكون بأسعد لحظات حياتها معه هو..

لاحظها بطرف عينه فتنهد ثم اقترب منها وضم كلتا كفيها بين قبضته ثم سألها بوجهٍ باسمٍ وهو يُراقب الطريق:

_مبسوطة؟ يا رب اللي هعمله دا يفرحك.

توسعت بسمتها له وضمت كفه بقوةٍ أكثر وتنهدت بولهٍ وغرقت في ملامحه الطيبة التي تعشق هي النظر إليها، كانت تراه بعينيها كما يراه قلبها، هو كما هو الحنون، الطيب، الرجل الذي أخبرها أنه لا ينتمي لغيرها، رُغم أنه رأى الكثيرات، وارتبط بفتياتٍ كُثر، لكنه لم يشعر أن الرجل الذي يسكنه يميل أو ينتمي لأخرى غيرها..

ظلت شاردةً في ملامحه ثم قالت بصوتٍ غلفه أثر تبسمها لكن رُغمًا عنها حديثها خرج من قلبها لأنها تعلم أن هذه فرصتها:

_كفاية إني معاك يا "منتصر" وبس، والله يابني أنا مش طالبة أكتر من طاقتي ولا طاقتك، كل اللي طالباه إني استقر معاك في أي مكان، يا سيدي لو في بيت العيلة أنا معاك في شقتنا، ولو معاك في الغُربة أنا راضية، بس أكون معاك، يا "منتصر" أنا جربت من غيرك أربع أعياد لوحدي، بيصعب عليا نفسي، ومشكلتي إني بحبك ومستحيل أقلل بيك قدام حد.

تنهد هو حين وجدها أخيرًا تتحدث، تتحدث وتنطق بما كانت تُجاهد لتكتمه في سريرتها، لذا بدأ الحديث مُجددًا بقوله:

_عارف، وبصراحة لما جيت وشوفت الوضع اتقفلت وزهقت، فكرك يعني أنا مبسوط كدا؟ أكيد لأ بس هي ظروف أكبر مني ومن طاقتي، ومش عليا لوحدي، دا حال الكل، وأهي الدنيا بتمشي، بس يا ستي هخلصلك الورق وأشوف هتيجي إمتى وتقعدي معايا هناك، ونبقى نيجي مع بعض هنا إجازات.

توسعت عيناها حين أسعدها بكلماته، كأنه أزاح ستار الغموض عن كلماته المحبوسة وقد مالت تضع رأسها فوق كتفه وهي تتنهد، تبتسم لأنه يحاول ويفعل ما بوسعهِ لأجلها هي، وهي ترضى ولو بأقل القليل منه وحده، لم تعرف الحُب إلا حين وجدته هو، ولم تفهم معنى أنها تنتمي لمكانٍ غير أهلها؛ إلا حين كان هو أهل القلب ذلك، لذا كل شيءٍ لم تكن تعرفه عرفته عن طريق معرفته هو.. 

لم تعرف كم مر من الوقت وهي بجواره في السيارة حتى أوقفها أسفل بناية في مدينة الاسكندرية تقرب الشاطيء بعدة أمتار قليلة، وقد ظلت تُتابع المكان حولها بانبهارٍ، تبتسم حين تعزف أمواج البحر أجمل مقطوعة موسيقية، مقطوعة تستحق أن يقطع المرء لأجلها كل هذه المسافات كي يكون هُنا برفقة هذا الأنس..

ولجت معه الشقة ثم هرولت بخفة الفراشات نحو الشُرفة كما تنطلق الزهور في الحقل بحلول الربيع، ويبدو أن ربيعها قد حان أخيرًا، حيث استنشقت الهواء بعمقٍ ثم زفرته على مهلٍ، رائحة البحر مع بقايا المطر بخليطٍ من التُراب وقد علق أثره في أنفها..

أغلق "منتصر" الشقة وولج يقف خلفها ثم ضم خصرها وقربها منه وتنهد بولهٍ كأنه أمسى غريقًا فيها هي، أمسى حُرًا في حقل زهورها، هي الموطن وهو الذي عاد من غُربته لأجل نظرة واحدة من عينيها، وحين جاء لها أدرك لمَّ هي وحدها التي يشعر أنها لها كل الحق فيه…

طبع لثمة خفيفة بجوار أذنها ثم همس بخفوتٍ:

_وحشتيني أوي يا "ورد".

وتلك هي الحقيقة، برغم تواجدهما معًا لكنه يشتاق لها، يشتاق للحُرية معها دون أن تكون مفروضة عليهما، دون أن تكون أمه كما الرقيب عليهما وتمنع عنه الحياة، يعرف أنه مثل الإنسان الآلي الذي يتوجب عليه أن يُراضي كل الأطراف، يكون كما الشمعة التي لا بُد لها من الاحتراق كي تُنيز ظُلمة الجميع. 

ضمها له بشوقٍ وهو يشعر أن تلك الحدود التي كانت تفصل بينهما تلاشت، هُنا حيث هو وهي والحُب الكبير الذي جمعهما، هُنا لا توجد أمه كي تتطفل على عالمه، ولا يوجد شقيقه الذي يحتاج للمالِ فيضعه هو في ضائقة مالية، ولا حتى زوجة عمه التي ترمي أنفها في شؤونه، ولا ابنة عمه التي تُطالعه بنظرة خُذلانٍ كأنه تخلى عنها، 
هو هنا حيثُ ما يحب أن يكون؛ 
مع من يُحب من كل نساء الكون.

في صبيحة اليوم الموالي.. 
في مدينة القاهرة ظُهرًا بعد أن خرجوا الناس من المسجد وبدأ الجو يعود للروتين الهاديء، وفي شقة "مُرسي" الذي كان يجلس فوق مقعده مبتسم المُحيا وبشوش الملامح، أتت زوجة أخيه ولمحها بعد أن فتحت لها زوجته، وقد ولجت ترحب بها ثم جلست معها، الاثنتان دار الحديث بينهن بمجرد أسئلة عن أسعار السوق ما فيه وصولًا لخطبة ابنة الجارة التي تسكن في الشارع العاشر من بعدهن..

لمحت الأخرى الهدوء الموجود بالبيت وعدم ظهور "منتصر" وزوجته خاصةً أن صلاة الظهر انتهت بالمسجد ولم يظهر هو، فسألت بفضولٍ أكبر من قدرتها كإنسانة كي تحويه بداخلها:

_يوه !! هو "منتصر" لسه ماصحيش ولا إيه؟ دا أنا كنت جايبة حاجات من الخُضري اللي على الناصية ومش قادرة ياختي دارع وقف وشد عليا، لاقيتني بقف في وسط الشارع تقوليش يا حبيبة أختك اتشليت !! وقفت أبص عليه وسط الخارجين من الجامع مالتقيتهوش، استغربت.

مصمصت الأخرى شفتيها وهزت جسدها بتهكمٍ وزفرت زفرة أعربت عن ضجرها وهي تُبدل طريقتها بقولها:

_قال ياختي راح يتفسح هو والغندورة بتاعته، ماعرفش أنا فجر المرارة دا إيه، طول عمره خايب ابن خايبة، طالما معاه قرشين يحب يصرفهم هنا وهناك، ويرجع تاني يغني ظلموه، هو حُر بقى أنا غلُبت من الواد دا.

وبنفس الطريقة أخذت الأخرى رد الفعل ذاته وهي تضرب كفيها معًا وتتشدق بنزقٍ تهكمي ساخرٍ:

_حِكم، شوف إزاي ياختي، ماهو لو يبطل مياعة القلب دي معاها ويوقفها عند حدها كدا من الأول كل دا مش هيحصل، بس نقول إيه بقى؟ ابنك طيب وأهبل ويتضحك عليه بكلمتين خايبين، وهي الله أكبر عليها، تعرف تتلون حلو أوي.

كان "مُرسي" مستمعًا للحديث الدائر بينهن فتنهد بضيقٍ وقاد مقعده حيث موضعهن ثم قال بصلدةٍ مفتعلة في نبرته وإندفاع كلماته:

_أظن دي حاجة ماتخصناش يا أم مروة، هما أحرار مع بعض، أظن يعني لما اتجوزتي أخويا كنتِ عايشة براحتك ودي حاجة محدش ينكرها، أظن يعني كنتوا بتخرجوا وتنزلوا وتروحوا وتيجوا وتسافروا محدش اتكلم، وأمي وأبويا كانوا محتاجينه ومحتاجين حد معاهم وبرضه هو كبر دماغه وشال أيده، هناخد زماننا وزمن التانيين يعني؟ بكرة ربنا يفرح قلبك ببنتك ويرزقها بابن الحلال وهتعرفي بتكلم في إيه.

لوت فمها أمامه وكأن الحديث لم يُعجبها قط، كأنه يكشف لها أمام نفسها ما كانت تخفيه هي، كأنها تبخل بالراحةِ على غيرها وتتمناها لنفسها وحدها، نبرته ونظرته جعلاها ترفض تدخله فتولت مرافعة دفاعٍ عن النفس بقولها:

_والله يا أبو منتصر أنا قولت كلمة الحق، أنا عارفة إن أم منتصر تعبانة وطلعان عينها في البيت والخدمة هنا، وكانت قاعدة مستنية رجوعه علشان تشبع منه، بعدما الغُربة خدته منها، شكرًا يا أخويا على كلامك، تشكر يا أبو الواجب.

تحركت تحمل الأشياء من يديها ورحلت من المكان، رحلت بغيظٍ منهم جميعًا، رحلت لأنها تقتنع ولو بينها وبين ذاتها أنه فضل غريبة على ابنة شقيقه، بدلًا من أن يُقنع ابنه أن يتزوج ابنتها وافقه الرأي كي يتزوج فتاة غريبة لا تقرب العائلة ولا هي من ذويهم، لذا فهي لا تبغض في العائلة غيره هو، كأنه هو الذي منع الخير عن درب ابنتها، وهو الوحيد بينهم الذي يرفض هذا الفكر العقيم.

أمَّا هو فكان الذي يحاول ويفعل ما بوسعهِ..
ولا تعلم قسوة أن تفعل ما بوِسعك في شيءٍ 
حتى تنتهيّ محاولاتك،
 فترتجل لأجل فقط أن تبقى
 مُحاولًا، مُثابرًا، 
وفي النهاية كل ما بوسعك ليس بكافٍ،
وارتجالك يكون محض الخطأ..
____________________________________

   <"وإن كان العالم بأكمله يُشن الحرب ضدك؛ فلنحرقه">

في أغلب الأحايين قد لا يجوز لنا إلا التحول الجذّري..
حيث نرفض الصمت، ونُبدِل كل المباديء، بل وننتهج مسلك الشر كأن الخير أصبح نقطة ضعف فينا ولا يحق لنا أن نتعامل بها، حتى لو كان العالم بأكمله ضدنا يُشن حربًا، فنحن في حربنا ضد العالم..

رغم برودة الشتاء لكنها تعلم أن هناك قلوب أبرد بكثيرٍ؛ قلوب لم يعرف الدفء لها طريقًا، كأنها تحتفظ بالصقيع فقط، قلوب تنشر برودتها في حياة الآخرين تمامًا كما تأتي الرياح وتضرب الطُرقات بعواصفها الهوجاء دون أن تُلقي بالًا بضعفاءٍ أضعف من مواجهة تلك الرياح بملابس مُنقبة، وقلوب مُجوفة، والحل من وجهة نظرها قد يكون في حريقٍ تُشعله لأجل تدفئة قلبٍ أحبته..

وصلت أخيرًا وترجلت من سيارة الأجرة عند بيت حماها ووالد زوجها، سحبت نفسها تُنظمه وتنظم خروجه ثم ابتسمت بظفرٍ حين لمحت سيارته وتيقنت من تواجده بالأعلى، وقد لمعت عيناها كما ضاريةٍ اصطادت فريستها في البريّة وسوف تقتلع روحه من جسده بفمها ومخالبها أيضًا..

وصلت الشقة بعدما فتحت لها "أشجان" الباب وحين لمحتها ضحكت بسخريةٍ تستهزيء بها وقالت بتهكمٍ:

_دي علامات الساعة دي ولا إيه؟ ست الغندورة عندنا؟ خير؟.

مطت "لـمار" شفتيها ببسمةٍ صفراء خالية من البشاشةِ والودِ، تجاهلتها ومرت من جوارها نحو الداخل كأنه كما ذرات الهواء التي حولها، في حين انتبه لها حماها فوقف يُقابلها بعينيه المذهولتين من تواجدها، وحين أتت "أشجان" تقف خلفها وشعرت هي بتعبيراتها من الظل، رفعت رأسها تجابه حماها بعينيها الحادتين وقالت بثباتٍ:

_شوف يا حج عـزام أنا عارفة إنك تطيق العمى ولا تطيق وشي، ويمكن كمان بتتمنى موتي الساعة دي قبل كمان شوية، بس أنا بقى قاعدة على قلبكم كلكم، ومش هسيب "حلمي" لوحده وسطكم، ولو فكرت مرة تانية بس تيجي عليه أو عليا أو تجيب سيرة حاجة تضايقه، أقل ما فيها ألم الناس عليكم وأفضحكم، وأقول للكل شوفي الراجل المحترم اللي بيقف في طريق ابنه الغلبان، علشان عياله التانيين، والله وما ليك عليا حلفان لأخليك تتكسف ترفع عينك في وش حد.

أنهت الحديث بنبرةٍ عالية وإندفاعٍ غريب، وهو لم يتعجب من طريقتها ولا من قولها ولا حديثها، هو يعلمها ويعلم كل تفاصيلها، يعرف أنها فتاة جريئة بقدر جمالها، وقوية بقدر ما تبدو لعين الرائي ضعيفة، تمامًا كما الفراشة حين تُذهلك بجمالها الآخاذ، وحين تركض نحوها تلتفت حولك لتصبح كما الحيّة التي اصطادت فريستها.

وقد تدخلت "أشجان" ترد عليها بسخريةٍ تهكمية:

_وهو المحروس بسلامته جايبك ليه ولية أمره ولا إيه؟ مش قادر يقف قدام أبوه يقول الكلمتين راح جايب مراته تيجي تسمعهم لنا؟.

وصلها الحديث فالتّفت برأسها تُرشقها بنظراتٍ كارهة وماقتة ثم اعتدلت بالكليةِ تواجهها وهي تقول بذات التهكم والسُخرية:

_ليه أنتِ فاكراه تربيتك ولا إيه؟ جوزي راجل وسيد الرجالة كمان، وعلشان هو راجل جيت أعرفكم أنا ممكن أعمل إيه علشانه لو حد فيكم فكر يضايقه تاني، مش على آخر الزمن لمامة الناس هيتعملهم سعر ويتشرطوا على أسيادهم، ولا إيه يا..يا أشجان؟.

_سامع !! سامع قلة الأدب وطولة اللسان؟ هي دي مجايب ابنك الـ…

_لو لسانك نطق وفكر يجيب سيرتي أو سيرته هعرفك مقامك.

هدرت بها "لمار" بملء صوتها حتى أن الأخرى أجفلت من الإندفاع بهذه الطريقة، ازدردت ريقها بتوترٍ والأخرى ترمقها بنفس النظرات ثم التفَّت لحماها تضيف بنفس الطريقة السابقة:

_أظن أنا جيت لحد عندك قبل ما أعمل أي حاجة، علشان لما أتحول عليكم يبقى عدّاني العيب خلاص، نقفل بقى على السيرة دي وتشوف حل تصالح بيه ابنك وتراضيه، ماهو مش هتفضل منكدلي على الراجل كتير كدا، دا حتى فال وحش لو حابب تشوف نفسك جِد يعني، يلا عن إذنكم يادوب ألحق أتحرك.

أولتهم دُبرًا والتفت تترك المكان بشموخٍ غريب كأنها لتوها تلقت عبارات تهنئة وتكريم من جهة مرموقة، فعلت ما كانت ترغب فعله دون أن يعترض أحدٌ طريقها، وللحق هي تعلم أثر فعلتها جيدًا، تعلم أن حماها سوف يخشى تهورها وجنونها، وهي لأجل ذلك تبتسم بسعادةٍ لأنه فريستها سهلة الصيد..

خرجت من البيت وتحولت تبتاع بعض الأشياء ثم أخذت سيارة أجرة أخرى وقررت أن تذهب لمكانه، للمكان الذي تنتمي له حياتها، وصلت السيارة وترجلت منها وولجت المعرض فوجدته يقف مع بعض العملاء وهو يتحدث ويشرح لهم الفرق بين الخامات المعروضة وبخبرته يقدم الأفضل من حيث كل شيءٍ، كانت تبتسم وهي تراقبه بشغفٍ، لمحت ضحكته وبشاشة ملامحه فابتسمت تلقائيًا ثم توارت عن عينيه حتى لا يلمحها..

قامت بتكتيف ذراعيها عند صدرها وهي تراقبه وكأنها مراهقة تراقب الحبيب السري الذي لم يعرفه أحدٌ باستثناء صفحات دفترها، تراقب بشرته الحنطية، دفء عينيه الحنونتين عليها هي وحدها، لمعة الضوء فوق أطراف خصلاته الواقفة بثباتٍ كأنها تحديد التهديد منه، وقد ضحكت عين تخيلته يهدد خصلاته، ظلت أمامه تتمنى لو يلتفت لها لترى توسع بؤبؤيه تأثُرًا برؤيتها، حتى تحقق مرادها والتفت هو ليجدها أمامه خلف لوحٍ رخامي..

اقترب منها "حلمي" يقطع المسافة ولهفة عينيه تنطق بدلًا عنه، نظراته تصرخ بشوفها وفرحتها، بينما هي فاقتربت أكثر لتجده يسأل بعجبٍ في أمر ظهورها:

_جيتي هنا إزاي؟ حصل حاجة ولا إيه؟.

نفَّت ذلك بإشارةٍ من رأسها ثم قالت بهدوءٍ باسمة المُحيا:

_لأ خالص، أنا بس زهقت نزلت أجيب شوية حاجات وفكرت أجيلك هنا ونروح ناكل مع بعض، بصراحة أنا نفسي في الكشري اللي كلكم بتحبوه هنا دا، هتعزمني ولا آخد بعضي وأطفش؟.

دار حول نفسه ثم ابتسم لها وقال بمراوغةٍ:

_إيه الرضا دا كله؟ شكلها هتبقى ليلة عسل.

ضحكت بعينيها له ثم تركته بدلالٍ وشموخٍ في آنٍ واحدٍ ثم جلست فوق المقعد البعيد عن الأعين، وقد تحرك خلفها ثم مال على المكتب متعمدًا أن يقترب منها كأنها قريبة من عناقه، وحين مال يأخذ متعلقاته عانقها فسألته بعينيها ليقول هو بمشاكسةٍ يدعي فيها البراءة:

_بجيب حاجتي علشان أجيبلك تاكلي، مالك؟ الله !!.

_يا شيخ؟ طب ما تلف من عند المكتب.

_لأ الناحية دي أحلى.

دار الحديث بينهما هكذا حتى ضحكت هي فيما مال يسترق من وجنتها قبلة سريعة قبل أن يلمحه أحد العاملين بالمكان فتكون كارثة في حق جموده الذي يدعيه عليهم، تركها ورحل كي يُحضر الطعام الذي ترغبه هي وشعر كأنه أكثر الرجال حظًا في الحياة، كونها سوف تتناول الطعام معه وتشاركه غُربته وسط العالم، بينما هي أخرجت هاتفه تتصفحه لتكسر الملل.
وقد صدح صوتٌ ناعم الأثر ورقيق الوتيرة فانتبهت لصاحبة الصوت فوجدت "تقوى" أمامها.

تهجمت ملامحها واعتدلت تواجهها وما إن رأتها "تقوى" ابتسمت لها بمجاملةٍ ورحبت بها بحبورٍ _حتى ولو كان كذبًا_ لكنها تفعل ما يتوجب عليها فعله، وقد انتبهت لها "لـمار" ولقدومها فأخبرتها أن "حلمي" لم يكن هنا، والأخرى قالت بهدوء ولازالت تبتسم لها:

_خلاص مفيش مشاكل، دا أكل علشان ياكله بدل أكل الشارع وحظي الحلو إنك تدوقي منه، اتفضلي بألف هنا.

كانت سترفضه وبشدة، لكن هناك شيءٌ أنذرها أنها لو فعلتها رُبما تثير غضبه عليها، وقد يوبخها لأجل الأخرى وهذا الاحتمال الأكيد في عين عقلها، لذا التقطت الطعام ببسمةٍ متوترة ثم وضعته فوق المكتب وهي تشكرها بجمودٍ آلٍ، وما إن رحلت "تقوى" زفرت "لـمار" بقوةٍ وهي تتمنى ألا تقابله بالخارج، تتمنى أن تختفي هذه من حياتها كي تستقر بفكرها وتثق فيه..

وقد عقد عقلها مقارنة غبية بين أحوالها على مر العمر، حين اختار والدها حياته بالغربة وزوجته الأخرى عليها هي وأمها، وفضل "أدهـم" أخاه عليها حين وضعته في تحدٍ، وحين ضحى بها خالها لأجل الأموال، وحين ضحى بها "داغـر" لأجل حفيده، وكأنها هي المُقابل المدفوع لأجل كل شيءٍ..

اعتادت دومًا أن تكون ثمنًا نظير كل شيءٍ..
فتكون هي المقابل المتروك تجاه شيءٍ يؤخذ وكأنه ذو أهميةٍ عنها هي، حيث تكون في نظر نفسها بلا قيمة، وكأنها تُشبه المدينة الجميلة البعيدة عن العالم؛ لكن تكلفة الوصول لها يستحيل الحصول عليها، وفي النهاية تُترك مجهولة ومهجورة.
____________________________________

<"هروب الجبان لا يُعني انتصاره في المعركة، بل هزيمة">

فرار اللص بالمسروقات لا يعني ربحه 
وهروب الجبان من المعركةِ لا يعني نصره
فتلك ما هي إلا أشكال أخرى من الهزيمة لكنها غير مسبوقة، الهرب هو الهزيمة المتأخرة، أو ربما الهزيمة الخادعة التي ترسم لك نصرًا وهميًا حتى توقعك في فخها..

حين انقلبت الأدوار أصبح الخوف يلازمها، فمرة كانت مهزومة وعشرات المرات هي التي تهزم، لكن حين انتقلت الغلبة للطرف الثاني لم تجد مفرًا غير الهرب بذاته، هربت من الكل حتى لا تكون ثمنًا للثأرِ، هي تعلم أنها ارتكبت كارثة وإذا كتب الخالق النجاة لزوجها سوف تُقتل بلا شكٍ، إمَّا يقتلها هو ويثأر لنفسه ورجولته منها، وإمَّا يموت هو ويقتلها شقيقه بلا شكٍ..

كانت "صابرين" تجلس في بيتٍ ريفي بوسط قريةٍ محشورة بين قرى أخرى على أطرافٍ نائية بعيدًا عن الكلِ، لاذت في هذا البيت بالفرار والبُعدِ عن الكل، لكنها لم تهنأ كونها بعيدة عن "سُليمان" الذي تعشقه هي، تحبه لدرجة أنها تفرح كُلما تذكرت أنه قد يكون يبحث عنها، وهذا ما يُعني أنها لها بخياله موضعٌ بغاية الأهمية..

أخرجت هاتفه تتفحص صوره وهو بمضمار السباق حين ربح هذه الجولة وخرج من باب السيارة بنصف جسده يحتفل وسط حلقات النار المستديرة وأثر إطاراته أصبح كما الوشم فوق الأرض الأسفلتية، كان يضم قبضته بقوةٍ وهو يُحيي ابن شقيقه، لازالت تتذكر هذا اليوم حين ظلت تتقافز وتصرخ باسمه بشكلٍ جذب الأنظار لها فنطقت بالكذب تقول لزوجها

_بشجعه علشان دا عم ولادي، لازم حد يحفزه.

ورُغم نظرة "سالم" التي رمقها بها إلا أنها تجاهلت نظراته المُصوبة نحوها، وظلت تتابع الآخر بشغفٍ، وكم تمنّت لو كان الأمر بيدها كي تركض له وتحتضنه وتُشاركه النصر، لكن وقتها فعلتها "مـها" التي قفزت من خلف السياج وهرولت له فضمها لعناقهِ ودار بها وهي ترميهما بنظراتها الحاقدة.

خرجت من شرودها على صوت طرقاتٍ فوق الباب الخشبي فتحركت بمللٍ تفتح الباب وقد وجدت أمها أمامها، التفتت تعود للداخل فيما تبعتها الأخرى وجلست بجوارها وهي تقول بتهكمٍ:

_هتفضلي قاعدة كتير كدا؟ وأخرتها؟ عاوزين نشوف حل.

_حل إيه بقى إن شاء الله؟ أروح لهم وأحب على إيدهم علشان يسامحوني؟ أنا مش عارفة هو اتنيل مات وغار في ستين داهية ولا لسه فيه الروح؟ دا لو فاق ورجع يقف على رجله من تاني مش بعيد يموتني، ولا "سليمان" لو عتر فيا مش بعيد يدبحني، والزفتة المحامية دي أكيد معرفاهم كل حاجة، ومش بعيد يكونوا رفعوا قضية عليا.

هوى قلب أمها أرضًا وكأنها سقطت من فوق برجٍ نحو شلالٍ إبان نومها، برقت بعينيها ثم قبضت فوق مرفق ابنتها بعنفٍ تغرس أظافرها في لحم ذراعها وهي تقول بفحيحٍ:

_وحياة أمك؟ وهو مخك كان فين وأنتِ بتعملي كدا؟ كان عقلك فين وأنتِ بتهببي اللي بتهببيه دا؟ أنتِ يا بت بنت حرام؟ يخربيت أهلك يا شيخة، بقى دي نتيجة وقوفهم جنبك؟ يعني العيال يشيلوا همك ويقفوا في صفك وواحد منهم يتجوزك ويأويكِ في بيته وأخرتها بتعملي كدا؟ دي لو رسيت على موتك بس يبقوا عيال رجالة، منك لله يا شيخة.

دفعتها أمها على ظهر الأريكة فارتدت الأخرى للخلف وهي ترمقها بهلعٍ من عينيها، نظراتها كانت خائفة كأنها قامت بتخريب جدران البيت بقلمٍ مُلون، خشيت رد فعل أمها التي تحركت تخلع وشاح رأسها وهي تلعنها وتلعن حظها بابنةٍ مثل هذه..

امتلأ قلبها بشيءٍ أكبر من الغضبِ، أكبر من الحزن أو رغبة الصراخ، وإنما هي تشعر كأن ضرباتها هوجاء كما اهتياج أمواج البحر الغاضب، هي حقًا تشعر بنوبة هوجاء تحثُها على الطوفان، وعن قريبٍ سوف تبتلع الكلِ حتى تحصل على ما تُريد هي..
____________________________________

   <"المكان الذي ينتمي المرء إليه في غُربته، عيناكِ">

حين يُجبر المرء على هزيمة قد لا يتقبلها..
وبذات القدر قد يُجني هزيمة من صنع يديه وسوف يتقبلها، وكأن المرء يقبل بأي شيءٍ من نفسه، حتى ولو كانت هزيمة ساحقة..

في مطعم "آدم" وهو بداخل المطبخ يقوم بمتابعة الطعام وتحضيره كان "غسـان" بجواره يشكو له من فعل جده، يخبره عن أفعاله في محاولة تخريب زيجته، وقد أنصت له "آدم" وظل يُمعن عينيه في ملامح الآخر الذي يتحدث بغضبٍ وضجرٍ، وحينها انتبه "آدم" لشيءٍ لم يكن وضعه في الحُسبان، فقال بانشداهٍ:

_أومال لو عرف بقى إن "أدهـم" خاطب "عُـلا" بنت ضرة بنته؟ دا ماقدرش يقبلني لمجرد إني ابنها وقريب من حفيده، أومال لما يعرف إن حفيده عاوز يتجوز بنتها؟ دا هيبقى صداع على الكل، الكلام دا مالهوش غير حلين، يا تسرعوا بالجواز، يا تفضلوا كاتمين الخبر لحد ما ربنا يكرمكم بقى ويتمم بخير.

زاغ بصر "غسـان" في كل الجهات ثم أخرج هاتفه بلهفةٍ، راقبه رفيقه بعينين حائرتين فوجد الآخر يتحدث مع خطيبته، حياها واطمئن عليها ثم باشرها بسؤاله:

_"نـوف" هو أنتِ خلاص كدا موافقة عليا؟.

توترت هي من سؤاله وكأنها في خانة الاعتراف بشيءٍ أرادت أن تُخفيه، حاولت إيجاد الرد المناسب لكنه زفر باختناقٍ ثم قال بثباتٍ كأنه يقنع نفسه قبلها هي بالحديث حتى لا يتراجع:

_لو تمام كتب كتابنا بعد أسبوعين.

توسعت عيناها أكثر وحركت رأسها في كل الجهات وهي تحاول استيعاب قوله، وقد أضاف هو متابعًا بتفسيرٍ غير مكتملٍ:

_أنا ماعنديش استعداد بصراحة إني أخسر تاني، وبالذات لو الخسارة دي جت في حاجة أنا مستعد أعمل علشانها أي حاجة، وعلشان مابقاش واخد الدنيا قفش فكري وردي عليا بكرة، واسألي مامتك، وبالنسبة لعمك وابنه أنا اللي هقولهم إني عاوزهم علشان نحدد الميعاد.

كانت تشعر بالتيه بعض الشيء، رُبما هي مشاعر الحُرية عند تحليق الفراشات بداخل معدتها، وقد تكون مشاعر الفتاة المراهقة التي لم تعِش مراهقتها في صغرها، فأتتها بغتةً على كبرٍ، لم تجد حديثًا مناسبًا غير الذي وجدته ينساق من طرفها:

_شوف اللي يخليك مرتاح ومتطمن وأعمله، أنا واثقة إنك أكيد مش هتضرني، بس أهم حاجة دي تكون رغبتك أنتَ، بلاش تعمل حاجة علشان حد أو وضع بيجبرك، بس طالما أنتَ قد قرارك دا خُده، في النهاية أنتَ مفيش مفر منك.

ابتسم لجوابها وشعر كأنه يراضي شخصه، تجاوب بمَّ يحفظ لها كبريائها، وفي نفس الوقت تحافظ على قراراته ومظهره كرجلٍ يقود العلاقة، لذا شعر كأن حمايتها هي فرض عينٍ عليه، كأنه ربان سفينة وهو المسؤول عن أمنها والإبحار بها حتى يصل لبر الأمانِ من وسط الطوفان.

أما على الطرف الآخر فكان "آدم" غارقًا في بحرٍ من الشرودِ بشأن أخته، نهش القلق قلبه وهو يفكر هل يمكن للخوف أن يعترض طريق أمانها؟ هل يُعقل أن تُكسر فرحتها؟ في الحقيقة هو يعلم تجبر "داغـر" وكيف يستطع أن يكسر شموخ أي فردٍ قد يعترض طريقه في شيءٍ يرغبه هو، لذا قرر أن يتحدث مع أخيه كي يلفت نظره لشيءٍ مثل هذا، إما يُحرر وثاق أخته من هذا الدربِ..

وعلى الجهةِ الأخرى في البنايةِ كانت "رحيق" تقفز أمام التلفاز وهي تشاهد الأغنية المُفضلة الخاصة بالصغارِ، وقد وقف "يحيى" يراقبها في الخلف مبتسمًا وهو يتعجب كيف لها أن تحتفظ بكل هذه الطاقة لأجل الرقص أمام التلفاز؟ ألم تتعب عظامها الرقيقة من هذا المجهود؟ اقترب منها يقف أمام الشاشة الكُبرى فظلت تحرك رأسها حتى ترى الشاشة لكنه حجب الرؤية عنها حين قال:

_كفاية كدا ونامي شوية، جسمك هيتعبك.

حركت رأسها نفيًا بقوةٍ وظلت تقفز أكثر، كأنها لا تملك طريقة للتفاعل مع العالم غير هذه الطريقة، ترقص وتقفز وكأن جسدها بأكمله يتحدث نيابةً عنها، ظل يُحايلها كي تقتنع وتأخذ قسطًا من الراحةِ، لكنها غلبته هي حين ضحكت ومدت كلتا كفيها تعانق كفيه ثم دارت به وهي تضحك، وقد اندهش هو في باديء الأمر لكنه ضحك وحملها ووضعها فوق كتيفه وهرول بها للأريكة يرميها فوقها..

قفزت من جديد ترتمي على ظهره وحينها قال "يحيى" بنبرةٍ غلبتها ضحكته اليائسة:

_بت !! مش أنا اللي يتضحك عليا بالشويتين دول، يلا علشان تاكلي، بدل ما أنتِ بتاكلي بعقلي حلاوة كدا.

حركت رأسها نفيًا، بينما كاد هو أن يُجادلها لكن صوت هاتفه خطفه، أخرج الهاتف فوجدها مكالمة مرئية من "يُـسري" ابن عمه، وقد أدرك أنه يرغب في رؤية الصغيرة، لذا فتح المكالمة وهو يحملها خلف ظهره وما إن لمحها "يُـسري" ابتهجت ملامحه وتهللت أساريره وهو يقول بلهفةٍ:

_وحشتوني أوي، عاملة إيه يا "رحيق"؟.

أشارت له بإبهامها وهي تضحك، بينما "يحيى" ابتسم وهو يُضيق جفونه ويراقبها ثم سخر بقوله:

_ما لازم تكوني تمام، ما أنتِ مأجرة ضهري مفروش.

ضحك "يُـسري" على سخريته فيما لثمت هي وجنته وظلت تحرك رأسها كأنها تحاول التحدث لكنها فشلت، حاولت أن تنطق وتُعبر لكنها لم تفلح في هذا الفعل، لذا ابتسمت بحزنٍ وكأنها تذكرت أمها وحياتها، تذكرت أن الوحيد الذي تعايش مع أزمتها هو "يحيى" وحده، الوحيد الذي يفهمها دون حديثٍ والعالم بدونه لن يفهم حتى نظرة من عينها.

نزلت من فوق ظهر أبيها وجلست فوق الأريكة فتنهد لأجلها "يُـسري" بحنقٍ ثم قال لابن عمه بهدوءٍ كي لا يصلها الحديث:

_ماتزعلش نفسك، بكرة تتحل، أنا عرفت مركز حلو أوي عندكم في القاهرة، فيه استشاري كبير ومتخصص في الحالات النفسية دي، بإذن الله قريب هاجيلك ونروح بيها، كل حاجة هتتعدل يا "يحيى" وقريب هظبط الدنيا علشان ترجع وتاخد حقك.

أنهى الحديث وقبل أن يلتقط نفسه وجد الاعتراض أتيًا من الآخر باندفاعٍ كما شظايا الحريق حين تطول البعيد قبل القريب:

_أنا مش عاوز حق يا سيدي، مش عاوز حاجة خلاص، كل اللي يهمني خروجي ببنتي من البلد دي بخير قبل ما يجرالها حاجة تاني، ومش عاوز فلوس ولا رجوع، بلاش يا "يُـسري" ترجعنا تاني لنقطة الصفر ونفضل كلنا نلف في نفس الدايرة ورا بعض، اعتبرني متنازل عن حقي دا.

لاحظ ابن عمه اندفاعه فاحترم رغبته في إدارة حياته بالشكل الذي يُرضيه، تركه يفعل ما يحلو له كي لا يُرغمه على تحمل مشاعر قاسية عليه، لذا اعتذر منه وأخبرها عن دعمه المتواصل له وأنه يقف في صفه مهما كلفه الأمر، بينما "يحيى" فكان يشعر بالضياع، يشعر بالرغبة العارمة في الغرق، رغم أن النجاة كُتِبَت له كأن قلبه يقول معبرًا عنه؛ 
-أقوم بجمع السلاح 
كل يومٍ في انتظار موعد القتال، 
ولم أنتبه قط أنني كل يومٍ أحارب نفسي 
وعمري يضيع في نزالٍ مع الذات.
____________________________________

        <"لم يكن الخائن غريبًا، وتلك هي الكارثة">

رُبما الأمر الذي قد لا يُحتمل من البشر أن تكون الخيانة من موضع ثقةٍ، أو تكون الضربة من موضع أمنٍ، أو أن الجرح الغائر كان بسكينٍ من ذوينا بذواتهم..
ربُما الخائن لم يكن غريبًا، رُبما الكارثة أنه لم يكن غريبًا.

في المشفى كان "سُليمان" هناك برفقة أمه التي حصلت على موافقة الخروج أخيرًا بعد أن تحسنت أحوالها الصحية، وقد وقف "سُليمان" معها في الغرفة بجوار ابنة خالته وقال يستجديها بقوله:

_أبوس إيدك روحي يا ماما، خلاص فوقتي وربنا كرمك أهو، روحي البيت خليني أفوق للي هنا، على الأقل علشان العيال اللي طلعان عينهم معانا دول، هو بدأ يفوق وكلها ساعات والدكتور يطمننا.

رفضت هي لأن قلب الأم أقوى من الرفضِ، تخشى أن ترحل فتصيب النائبة قلبها، تخشى الرحيل فيعقبها خبرٌ ما تخشاه هي، وقد أكدت "سُعاد" الحديث بقولها:

_معاه حق يا خالتو، لازم تروحي البيت وترتاحي شوية وعلشان "سليم" و "سدره" كمان يرتاحوا، مالهاش لازمة نتعب "رحمة" معانا كدا كل شوية، لو أنتِ ريحتي شوية كل حاجة هتكون أحسن، على الأقل "سليمان" يعرف يتحرك بدل ما هو تايه كدا بينكم.

نظرت لها بحزنٍ وقالت بخوفٍ أعربت عنه أخيرًا حين فتك بها:

_خايفة، والله غصب عني، أنا عندي عقدة من الزفت المستشفيات دي، اللي بيدخلها مابيخرجش، قلبي مش هيطاوعني أمشي وأسيبه، دا ابني هو حتى واحد قريبي؟ حتة مني يا "سليمان" وراجلي وضهري، علشان خاطري خليني.

ظهرت في هذه اللحظة "رحمة" على أعتاب باب الغرفة ووقفت تنصت لحديثها ولوعتها فتنهدت تنظم ثورة أنفاسها ثم اقتربت تلقي التحية بصوتٍ خافتٍ، وبمجرد أن انتبهوا لها قالت بذات الهدوء:

_"سدره" و "سليم" في البيت عندي دلوقتي، وديتهم مع طنط "فايزة" علشان يرتاحوا شوية، ياريت يا طنط حضرتك تروحي البيت النهاردة، تنامي وترتاحي شوية وتيجي تاني، لو مش عاوزة تقدري تيجي شقتي وتكوني مع الولاد براحتك، البيت مفتوحلك طبعًا، بس القعدة هنا فعلًا مالهاش لازمة.

رفعت "ثُريه" عينيها نحوها ومسحت عبراتها ثم نكست رأسها للأسفل وهي تتمنى الموت لزوجته التي دمرته ودمرت حياته، تتمنى لو تلمحها حتى صُدفةً كي تأخذ حق ولدها الكبير، وفي هذه اللحظة ولجت الممرضة تشير لـ "سُليمان" الذي خرج لها ولحقته "رحمة" بخوفٍ، فقالت الممرضة بخفوتٍ:

_الأستاذ "سالم" دلوقتي عدى مرحلة الخطر، حاليًا فتح عينيه والدكتور كان متابع معاه، كل المؤشرات كويسة، ضغط، سكر، نسبة الأكسجين، بس تقريبًا الموضوع نفسي أكتر، ودي الدكتور هيشرحها لحضرتك بالتفصيل، بس تقدر تدخل تطمن عليه.

توسعت عينا "سُليمان" وركض قبل أن تُنهي هي حديثها، وقد تابعته "رحمة" بعينيها وعقدة الذنب تلتف أكثر حول عنقها، لكنه حين ولج الغرفة تحركت خلفه ووقفت تراقب المشهد بعينين مغرورقتين بالدمعِ، وقد ولج هو وطالت النظرات بينهما، كان "سالم" يجلس فوق الفراش بعجزٍ ورأسه منكسة للأسفلِ، و"سُليمان" يقف على أقدامه كأنه يخشى الاقتراب منه..

نبس اسمه بخوفٍ وترددٍ كأنه يرتاب من أخذ هذه الخطوة، يخشى أن يفعلها فلا يجد إلا الرد المعتاد منذ أشهر، بينما الآخر فرفع عينيه نحو مُلتقى عيني شقيقه لكن نظرته لن يستطع "سُليمان" أن ينساها ما دام عاش فوق الأرضِ، لقد رمقه بنظرة انكسارٍ وهوانٍ قتلته آلاف المرات، نظرة غريبة يراها للمرةِ الأولى كأنه يطعنه بخنجرٍ…

وقد كان "سالم" لا يتذكر شيئًا إلا المشهد الأخير له قبل أن يضيع في غياهب الليل السرمدي وتُصبح حالته شبه ميؤوسٍ منها، كان يتذكر الليلة التي كانت بها بين أحضانه وبكل أسفٍ تهزي وتهمس باسم شقيقه هو، حين كانت معه فقط بالهيئةِ والشكل والجسد، لكن الروح والقلب والمشاعر كانت تنادي باسم رجلٍ غيره، ومن هُنا انقلبت الأحوال رأسًا على عقبٍ..
وهو لا يُدرك موضعه في تلك القصة تحديدًا، كأنه بحارٌ شاردٌ بسفينته وسط البحرِ..

_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.....



        
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة