رواية قلبي عدوك الفصل التاسع عشر 19 بقلم رباب حسين


رواية قلبي عدوك الفصل التاسع عشر 19 بقلم رباب حسين



بعض النهايات لا تأتي بصخب، بل تأتي بطرقة خافتة على باب مغلق وقلب يرتجف خلفها لا يعلم؛ هل يفتح لأمل جديد أم ينتظر صفعة أخرى؟
وبعضها يأتي بانهيار، لم يعد هناك مجال للوعود بل رحيل ينهي كل الصراع وينتهي معه ذلك القلب النابض بألم لا ينتهي.
أما هذه النهايات التي تأتي بعد صراع طويل في محاولة لأثبات الحقيقة، لأثبات طهارة القلب الذي عشق دون مقابل فتكون بمثابة إعلان لنهاية حرب خاسرة منذ البداية. 
فمن يحب يرى طُهر الروح دون شوائب، يعرف النبض الصادق من غيره، فلا تهلك ذاتك بحرب خاسرة، فقط أرحل بهدوء واترك العاصفة تلتهم ما خلفك.

هذا ما فعلته أنين، كانت تحارب لأجل أن تثبت براءتها، تبحث عنه وتفكر به بالرغم من وضعها الحالي، تفكر كيف تصلح الخلل الذي وقع بينهما ودمر علاقاتهما معًا، في حين أنه تزوج من أخرى، تأكدت أنها كانت تحارب وحدها من أجل تلك العلاقة، وحين رأت حقيقة ما يفعل هو التفتت ووالت ظهرها ليس فقط لذلك الباب التي تقف أمامه بل رحلت بعد أن اتخذت قرار عن اقتناع أن هذا يكفي.

أما آسر، فكان يجلس بجوارها داخل السيارة ويشعر بأن قلبه تمزق وهو يقف أمام الباب الذي أوصلها بنفسه إليه كي تعود لحبيبها، شعور لا يوصف بالكلمات بل ينبض بكل معاني الألم. 
وحين عرف بزواجه ونظر في عينيها ليرى نظرة مختلفة، وكأنها فتحت عينيها على حقيقة جعلتها ترحل بكبرياء، لم يتحدث، بل فضل الصمت حتى لا تشعر بأنه يستغل ألمها. 

وفي الجهة الأخرى، هناك من تستمع لما هو أسوء، لحظة توقظ ذلك العقل من غفوته، جملة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح عينيها على حقيقة أقرب من الموت، حين وقفت أمامها تسنيم وأخبرتها بتلك الحقيقة، لم تتحدث فقط ظلت تطالعها بصدمة ثم قال زياد: لأ معلش حضرتك قصدك إيه؟
نظرت له تسنيم ثم عادت النظر إلى قمر وقالت: هو مين حضرته؟
زياد: ردي عليا أنا، يعني إيه إتجوز التالتة على حسابها؟!
قالت قمر برعشة في صوتها، وهي تحاول أن تستوعب ما تسمع: أصلًا هو مع الولاد في الغردقة، إزاي إتجوز هناك؟! الست ديه بتكدب.
تسنيم: أنا عرفت من الفندق، واحدة صاحبتي نازلة هناك وشافته، وعرفت إن كل واحد فيهم في أوضة، لكن مراته في الأوضة اللي جنبه وبينهم باب، ولادك مش حاسين بحاجة، وعشان هما عايزين يقعدو معاه من بعد الطلاق واضح إنه معرفش يخلع منهم، فا عمل الحيلة ديه عشان محدش يحس، وكمان عشان الولاد بيطلبو منك فلوس ده غير الفلوس اللي بيسرقها من الشركة هنا من غير علمك.
قمر بدهشة: بيسرق من الشركة! إزاي؟
تسنيم: اللي أعرفه إن المحاسب بيديله فلوس مقابل نسبة، وهو بيأيد في الدفاتر الفلوس ديه على أنها مصاريفك الشخصية، وديه أكيد مش هتبصي عليها في المراجعة، وسمعته كذا مرة بيتكلم مع المحاسب اللي شغال هنا وده اللي خلاني عرفت الحقيقة، ساعتها سكتت وقولت هو حر معاكي إنتي برده مراته لكن لما عرفت إنه ضحك عليا وراح إتجوز وأنا فكراه قاعد بعياله هنا في القاهرة ومش عارف يجيلي إتجننت، وقولت طالما في الآخر رماني يبقى هفضحه، عشان ياسر من غير فلوسك مش هيعرف يعمل حاجة، إحمدي ربنا إنك خلصتي منه وإدعيلي أخلص منه أنا كمان.
زياد: اسم المحاسب ده إيه؟
تسنيم: تقريبًا توفيق.
قمر: المدير المالي! يا ما شاء الله، المدير المالي بيسرقني؟!
ثم صاحت عاليًا: فين الأمن؟

تقدم منها الحراس فقالت: ورايا.
ذهبت نحو مكتب توفيق وزياد يلحق بها، تحت نظرات العمال اللذين وقفو بتأهب عندما رأو ما يحدث، ثم دخلت المكتب دون استئذان وحين رأها توفيق وقف على الفور بفزع وقال: مدام قمر! خير يا فندم.
أشارت قمر إلى الحرس وقالت: مش عايزاه يخرج من الأوضة ديه، وإنت... هات ملف مصروفات الشركة.
نظر لها بتوتر ثم قال: خير بس يا مدام قمر فيه إيه؟!
زياد بحزم: هات الملفات، إيه اللي مش مفهوم في الكلام!
بحث توفيق عن الملف وقلبه يهوى بين قدميه ثم سلمه لها بيد مرتعشة، أمسكت به قمر وقالت باشمئزاز: إوعى من على الكتب ده، روح أقف هناك.
تحرك توفيق وجلست على مكتبه ثم جلس زياد بجوارها، بدأت تدقق بالمصروفات الخاصة به، وجدت عدة مبالغ لا تتذكر أنها أخذتها من الشركة، عدا ما تم سحبه هذا الشهر فقط والذي تعدى المائة ألف جنيه، نظرت له بصدمة وقالت: ١٠٠ ألف جنيه الشهر ده بس، وباقي الشهور كام يا أستاذ توفيق! بتاخد عمولة كام من البيه اللي بيخليك تسرقني لحسابه؟
زياد: أنا هطلب البوليس.
توفيق باندفاع راجيًا: لأ، أرجوك بلاش سجن وبهدلة، هو جوزها ومفيش عليه شبهة جنائية، أنا اللي هروح في داهية، وفي الآخر هو اللي خد الفلوس.
زياد بغضب: وإنت خدت نسبة، وبعدين هو مبقاش جوزها، لو كان مش هيتحاسب على الفلوس اللي سرقها منها وهي مراته فهو هيتحاسب على الفلوس اللي سرقهم في آخر أربع شهور، لأنه مبقاش جوزها خلاص ومش ذمة مالية واحدة.
قمر: بلغ يا زياد، أنا هحبسهم هما الاتنين، ويبقى يوريني مين هيخرجه.

ثم وقفت ونظرت نحو الأمن وقالت: لو اتحرك بس تنسو إن يبقى ليكو مكان في الشركة ديه، إحنا هنخرج وإنتو إقفلو الباب من جوا لحد ما البوليس يجي.

أومأ لها الحرس وهما يقبضون على توفيق بقوة، ثم غادرت قمر وخلفها زياد تحت صيحات توفيق الذي يطلب العفو منها، واتصل زياد بالشرطة على الفور وقدم بلاغ بالوقعة.

عاد آسر وأنين إلى المنزل، ثم دخلت أنين الغرفة ووضع آسر الحقيبة بجوارها والحزن يرسو على جفنيه، وقال: تقدري تحطي هدومك هنا، وكمان جبتلك الكتب عشان تذاكري، وأعملي حسابك بكرة هنروح الجامعة عشان نطلب من دكتور خالد نشوف الكاميرات، وأنا هخرج أعمل أكل لأني جعان.

كاد يذهب فأمسكت أنين بذراعه، فالتفت إليها وقالت: أنا آسفة على اللي عملته النهاردة، عارفة إنت شايف الموضوع إزاي وحاسس بإيه، بس بجد أنا كنت رايحة هناك مش عشان أرجعله أو كده، أنا كنت عايزة أثبت إن الصورة اللي وصلتها سالي عني مش صح، يمكن الرغبة ديه زادت جوايا بعد اللي حصلي كمان، مبقتش قادرة استحمل إن كل الناس شيفاني وحشة وواخدين عني فكرة غلط.
آسر بضيق: أنا مش شايفك وحشة، مش واخد عنك فكرة غلط بالعكس أنا شايفك من جواكي وعارفك كويس، بس إنتي مش شيفاني، إنتي مهتمة برأي كل الناس إلا أنا، عشان أنا مش مهم عندك، ده إنتي زعلتي لما ماهي فهمتك غلط، صاحبتك أهم عندك مني، وأنا عارف ده وعارف أنا عندك إيه وإني مش حد مهم أصلًا، بس إنك تطلبي مني إني أوصلك ليه هي ديه اللي داست على كل حاجة حتى كرامتي، ومش عشان حبيتك تعملي فيا كده، مش عشان بفكر فيكي أكتر مني ورامي نفسي ورا ضهري عشانك تعامليني كده، عمالة تدوسي عليا بكل قوتك ومش حاسة بيا.

أنين ببكاء: مش قصدي خالص إني أجرحك بجد، ولا عمري فكرت إني أجرح حد، متفتكرش إنك مش شخص مهم عندي لأ إنت بجد أقرب حد ليا دلوقتي، يكفي إن إنت الوحيد اللي مخذلتنيش، أنا عارفة إنت شايف الموضوع إزاي ومترجمه جواك إزاي، بس صدقني أنا مرحتش عشان أرجعله، لأني ببساطة مكنتش مرتبطة بيه من الأساس، أنا أهم حاجة عندي هو رأي الناس فيا دلوقتي، يمكن الأول مكنتش مهتمة ولا كنت ببرر موقفي قدام حد عشان كان كفاية عليا ثقة الناس اللي قريبين مني فيا، لكن فجأة اكتشفت إن حتى بابا مستني مني دليل على إني مغلطش ولا عملت حاجة تسيء ليه ولا لسمعته، ده بس اللي خلاني أروح هناك يا آسر، مش عشان الحب والكلام ده، وفي الآخر لما رحت ولقيته إتجوز عرفت إن أنا كده كلي على بعضي مش فارقة معاه عشان كده بجد رميته من دماغي، ودلوقتي عايزاك تفهم أنا عملت كده ليه عشان مش عايزاك تزعل مني إنت كمان، أنا مليش غيرك بجد، ومش عايزة أخسرك أرجوك، حقك عليا متزعلش مني.

أغلق عينيه وتنهد بقوة محاولة منه بأن يهدأ، فارتمت أنين في أحضانه وقالت: خلاص عشان خاطري، أوعدك مش هزعلك تاني.
ربت على كتفها وقال: خلاص كفاية عياط بقى، مش عايز أشوف دموعك تاني، هسيبك تغيري وأروح أحضر أكل.
أبعدها عنه وأزال دموعها عن وجنتيها، ثم ابتسم لها وهو ينظر داخل عينيها، وقبل جبهتها وخرج من الغرفة. 

بدلت أنين ملابسها ووضعت أغراضها بالخزانة ثم خرجت من الغرفة وتوجهت نحو المطبخ، نظر لها آسر ثم ابتسم وقال: مش المفروض يعني زي الأفلام الوضع يبقى معكوس وإنتي اللي تقفي تعملي الأكل وأنا اللي أقف أتفرج عليكي؟!
أنين: مش بعرف أطبخ للأسف.
نظر لها بصدمة وقال: نعم؟! يعني إيه! لا تتعلمي مليش فيه.
ضحكت أنين وقالت: خلاص علمني.
آسر: يا حزني، أنا اللي علمك.
أنين: ما ماما ماتت وأنا صغيرة يعني، مين هيعملني.
آسر: اه إنتي بتقولي كده عشان تصعبي عليا وكده؟ لأ مش هتصعبي عليا، الوصفات في كل حتة وفيه أكتر من قناة بتعلم الطبخ، إنتي اللي تتصرفي وتتعلمي مش محتاجة معلم خالص.
أنين: إيه ده؟! هي عافية يعني.
آسر: اه عافية، هتتجوزي إزاي وإنتي مش بتعرفي تعملي أكل؟
أنين: هو لازم أعرف أطبخ عشان أتجوز؟!
آسر: اه طبعًا.

ابتسمت أنين وقالت بدلع: يعني لو مش بعرف أطبخ مش هتتجوزي مثلًا؟!
ارتبك آسر وحاول أن يسيطر على ابتسامته وقال: ومين قال إني عايز أتجوزك، إنتي بتدبسيني؟ ولا طمعانة في شقتي وعايزة تاخديها، لأ معلش أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي أنا آسف.
أنين بتذمر طفولي: إيه ده! على فكرة أنا كنت بهزر.
دنى آسر بوجهه لتتقابل أعينهما معًا وقال بهدوء: وأنا كمان بهزر، هو أنا أطول أتجوز القمر ده.
أنين بحزن: اه تطول، ويمكن إنت اللي كتير عليا، آسر لو سمحت لو الفيديو انتشر متفكرش فيا تاني.
آسر بضيق: يادي السيرة الزفت، ما كنتي بتطلبي إيدي دلوقتي، يا ستي اصبري لما أوافق حتى، عيب ترجعي في كلامك على فكرة.

ثم قاطع حديثه تلك الرائحة التي تخللت أنفه فقال: الأكل! الأكل اتحرق.
ركض نحو الطعام وأبعده فورًا عن النيران، ثم نظر نحوه بضيق وقال: عجبك كده؟
أنين: أنا مالي طيب.
آسر: ما إنتي جاية بشكلك ده وواقفة قدامي، نسيت كل حاجة.
ضحكت أنين وقالت: يعني حلاوتي هي اللي حرقت الأكل؟
نظر لها آسر بضيق وقال: إمشي برا، خليني أعمل أكل بدل اللي اتحرق ده، أنا جعان، كتك القرف في حلاوتك، إمشي.
أنين بمزاح: تسلم بجد كلك ذوق.

أمسك آسر المحرمة وقذفها في وجهها، فخرجت تركض من المطبخ وهي تضحك، فضحك آسر أثر ضحكتها وقال بهمس: فداكي بس إضحكي.
صاحت أنين من جانب الباب: سمعتك على فكرة.
نظر آسر نحو الباب بصدمة، ثم خرج وجذبها من يدها لتدخل المطبخ مرة أخرى وقال: أهوه عشان لسانك الطويل ده هتعملي الأكل معايا، إتفضلي.
أنين: حاضر، بس علمني.
ابتسم وقال: هعلمك.

بعد وقت كانا يتناولان الطعام معًا، يتجذبان أطراف الحديث وأصوات ضحكتهما تملء المكان، حاولت أن تعوضه عما فعلت اليوم، تركت هذا الألم القابع بقلبها فقط لتراه يبتسم، هو يفعل من أجلها الكثير وهي لم تفعل أي شيء لأجله، وما تشعر به نحوه ليس مماثل لشعوره نحوها، ولكن آسر يملك مكانة خاصة بقلبها الآن، ولا تشعر بالأمان سوى بجواره.

أما هو فكان قلبه يتراقص فرحًا بداخله، بالرغم من أنه يعلم أنها لا تكن له الحب الذي يتمناه، ولكن رؤيتها بجواره تبتسم بسعادة كان كافيًا، مجرد تنفسها بجواره هو اقصى حلم يتمناه.

بعد وقت، كانت تدرس بجواره وهو يعمل على الحاسوب، ثم أرسل بعض الأعمال إلى حازم الذي تلقى رسالته وصافي تجلس بجواره، تلقي رأسها على كتفه وهي تتحضن ذراعه، ثم أرسل له حازم أنه سينهي أعماله الليلة، نظرت له صافي وقالت: مش دلوقتي بقى، أنا ما صدقت قعدت معاك شوية.
حازم: متقلقيش يا حبيبتي هخلصهم بعد ما تمشي.
صافي: نفسي أفضل معاك على طول، أنا مش عايزة غيرك إنت من الدنيا، إنت الوحيد اللي عمرك ما حسستني إني فيا عيب، اتقبلتني زي ما أنا من غير ما تطلب مني إني أتغير، أنا حتى بابا وماما مش متقبلني، دايمًا شايفيني عبأ عليهم، وده كان أوحش إحساس بحسه وأنا معاهم، إني مش مقبولة، ماما كانت تقولي ساعات متقوليش إنك بنتي قدام الناس اللي متعرفيناش عشان محدش يقول عليا كبيرة في السن، كل اللي كان فارق معاها هو شكلها ومظهرها، عندها الشنط أهم مني، وبابا كان بينتقدني دايمًا بسبب ومن غير سبب، لكن إنت بجد عمري ما شفت إني قليلة في نظرك، إوعى تعمل كده في يوم من الأيام.
حازم: أنا حبيتك زي ما إنتي كده، مش عايز منك حاجة غير إنك متعمليش حاجة غلط وبس، ومتكدبيش عليا في أي حاجة، دول أكتر حاجة مش بعرف أسامح فيهم، لكن أي حاجة فيكي أنا بحبها زي ما هي.

تذكرت صافي ما فعلت مع أنين، فأظهرت ابتسامة خجولة على ثغرها وهي تخفي ذلك التوتر بداخلها، تطمئن نفسها أنه لن يعلم بما فعلت، فقد انتهى الأمر ولم يعرف أحد بالحقيقة.
___________
بعد يوم طويل بين قسم الشرطة ومكتب المحاماة، وتسليم ملفات الشركة للشرطة للتدقيق وحصر كامل المبلغ الذي اُختلس من عهدة الشركة، عاد زياد وقمر إلى المنزل، كانت تبدو قمر صامدة أمام ما يحدث، لم تذرف دمعة واحدة على ما حدث اليوم، ولكن حديث زياد عن ما كانت تفعل سابقًا مع ياسر كان يتردد داخل عقلها، هي من تساهلت بحقها، كان عليها أن تلزمه بالمصروفات وبمسئولية المنزل والأولاد، وهذا ما جنته اليوم من التساهل في حقها. 

حاولت أن تبدو قوية أمام الجميع ولكن زياد كان يشعر بألمها، عينيها كانت حزينة للغاية، عدا صدمتها حين سمعت بأن ياسر متزوج باثنين أخرين. 

دخلت غرفتها على الفور ثم اتصلت بلوسيندا، وقالت بغضب: أيوه يا لوسيندا، بكرة الصبح إنتي وأحمد تبقو قدامي هنا.
لوسيندا بفزع: خير يا ماما فيه إيه؟
قمر بحدة: كلامي يتنفذ من غير نقاش، إنتي وهو تبقو هنا عندي، وقولي لأحمد أحسنله يرجع معاكي بدل ما تشوفو مني اللي عمركم ما شفتوه، سامعة ولا لأ؟

تعجبت لوسيندا من غضبها، لأول مرة تتحدث معها بتلك الطريقة، لذا شعرت بالقلق عليها ووافقت على طلبها، ثم ركضت نحو غرفة أحمد وأخبرته بما حدث، وقررا أن يعودا بالصباح كما أمرت.

انهت قمر المكالمة وقذفت هاتفها بضيق، ثم جلست على الفراش وهي تتنفس بصعوبة، تحاول أن تجاهد ذلك الألم الذي يقودها نحو البكاء، تتماسك بقوة مزيفة، ولكن لم يعد لديها قدرة تحمل أكثر، بكت بكل ما فيها، وحين سمعها زياد لم يتحمل، دخل الغرفة وجثا أمامها وهو يمسك بيدها وقال: هششش، متعيطيش عشان خاطري، كل حاجة هتتصلح بس إنتي إهدي.
قمر ببكاء: أنا مقهورة، إزاي يعمل كده فيا! يعني هو عمال يقولي إتجوزي عشان نرجع، ويوقع بيني وبين ولادي عشان يضغط عليا، وأنا كل ده فاكرة إنه بيعمل كده عشاني وعشان الولاد، ويطلع في الآخر بيعمل كده بس عشان بيسرقني، عشان طول ما أنا مراته مش هيتحاسب على اللي بيعمله، أد كده كنت رخيصة عنده!
زفر زياد وقال: متقوليش كده، إنتي غالية وغالية جدًا كمان، هو اللي مش راجل وميستاهلش تبقي على ذمته، ربنا كشفه قدامك في الوقت المناسب عشان يتحاسب، وحقك هيرجع غصب عنه.
قمر: المشكلة إني مش هقدر أحبسه عشان الولاد، مش هقدر أعمل في أبوهم كده، بس يكفي إني هكشفه قدامهم، وهيفضلو معايا مهما حصل.
زياد: وده أحسن ليهم طبعًا، كل حاجة هتحصل زي ما إنتي عايزة بالظبط، بس بطلي عياط.

نهض وجلس بجوارها ووضع رأسها على كتفه، فتمسكت بقميصه بقوة، وكأنه مصدر قوتها الوحيد الآن، تشعر بالضعف والانكسار، وهذا ما جعل زياد يقول: إنتي عارفة إن كل حاجة صعبة بتحصل ربنا بيعوضنا خير بعدها، أنا مثلًا بعد موضوع أنين اتصدمت في البنات كلهم، حسيت إني عمري ما هلاقي بنت محترمة، ربنا حطك إنتي في طريقي عشان يقولي لأ في محترمين لسه وعوضني بيكي، وإنتي لو فكرتي هتلاقي إن لو مكنش كل ده حصل مكناش أنا وإنتي هنا في بيت واحد، مكناش إتجوزنا أصلًا.
رفعت قمر وجهها الباكي ونظرت إليه وقالت: بس جوازنا مش جواز حقيقي ومش هينفع يبقى جواز حقيقي.
أزال زياد دموعها عن وجهها وقال: أظن دلوقتي كل واحد فينا إتأكد إن موضوع المحلل ده كان مجرد حجة بنقولها لنفسنا، أنا طلبت منك الجواز عشان حسيت إني مشدودلك وإنتي وافقتي لنفس السبب، أظن كفاية نضحك على بعض وعلى نفسنا أكتر من كده.

اقترب منها ولكن وضعت قمر يدها لتمنعه وقالت: مبقتش مضطر تعمل كده خلاص.
نظر زياد داخل عينيها وقال بهدوء: مين قال إني بعمل كده عشان مضطر، ولا عمري فكرت أقرب منك بس عشان أسيبك ترجعي لجوزك، أنا كان جوايا شعور من ناحيتك بيزيد ومش عارف أسيطر عليه ولا فاهم هو إيه، بس كل اللي عارفه إني وصلت لمرحلة إني مش عايز أقرب منك عشان مخسركيش، أظن ده كفاية يثبت إن اللي جوايا ليكي كبير أوي.

نظرت له وهي لا تصدق ما تسمع، هل هذا هو السبب في رفضها أمس؟! ثم رأت تلك النظرة داخل عينيه، نظرة تثبت مدى تعلقه بها، كانت غيرته عليها أكبر دليل على حبه لها، والآن تأكدت من مشاعره.
لم تصده مرة أخرى، بل ارتمت بين أحضانه بأمان، ليس هناك عتاب أو لوم يتردد داخل عقلها، هي الآن زوجته حقًا ولم يعد هناك مانع شرعي بأن تقترب منه، فلم يعد زواجهما بغرض المحلل بعد الآن. 

يتبع....



                   الفصل العشرون من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة