
رواية قناص قلبي الفصل الاول 1 بقلم نانسي عاشور
(حين لا ينام الدم)
لم يكن الليل وقتًا للنوم.
كان مسرحًا يعاد فيه كل شيء… بدمه، بصوته، برائحته.
استلقى على السرير دون أن يغمض عينيه. السقف الأبيض فوقه يتحول ببطء إلى لون رمادي خانق، كأن الظلام يتسرب من داخله لا من الخارج. يده اليمنى، تلك التي لا ترتعش حين تضغط الزناد، كانت الآن متيبسة، كأنها ما زالت تمسك بجسد لم يبرد بعد.
الدم.
لا يفارقه.
حتى حين لا يكون موجودًا.
أغمض عينيه أخيرًا… فأتاه الصوت.
«اركض.»
لم يكن يعرف إن كان صوت المدرب، أم صوت طفلٍ يُسحب من ذراعه.
ركض. دائمًا كان يركض.
في المعسكرات، في المدارس الداخلية، في الممرات الطويلة التي لا تشبه البيوت.
لم يكن له بيت. هكذا قالوا له.
الذي لا أهل له… لا يُدلّل.
الذي لا أهل له… يُكسر أولًا، ثم يُعاد تشكيله.
كانوا يعرفون أين يضغطون.
كانوا يعرفون أن كلمة “مالكش حد” أقسى من أي صفعة.
كبر جسده سريعًا، أسرع من روحه.
تعلم كيف يقف مستقيمًا لساعات، كيف يبتلع الجوع، كيف يخفي الألم خلف نظرة جامدة.
تعلم القتل كمهارة… لا كخيار.
وفي أول مرة ضغط فيها الزناد، لم يشعر بشيء.
ذلك كان أخطر ما في الأمر.
دخل عالم المافيا كما يدخل الغريق الماء: بلا مقاومة.
قوانينهم واضحة، نظيفة في قذارتها:
تنفّذ… تعيش.
تسأل… تموت.
لم يكن يسأل.
لكنه كان يرى.
يرى الارتعاش في عيون من لا يستحقون الرصاصة.
يرى الخوف الذي يشبه خوفه القديم.
وكان يقتل… ثم يعود ليلًا، غير قادر على النوم، وكأن أرواحهم وجدت طريقها إلى فراشه.
أما “أمه”…
فكانت امرأة تؤدي دورًا بلا روح.
حضنها بارد.
لمستها محسوبة.
عيناها لا تبحثان عنه، بل تراقبانه.
كان طفلًا، لكنه شعر مبكرًا أن هناك خطأ ما.
أن الرائحة ليست رائحة أم.
أن الاسم الذي تناديه به يخرج من فمها بلا دفء.
كان أبوه مختلفًا.
ينظر إليها طويلًا… ثم يصمت.
صمت رجل فقد شيئًا ولا يعرف كيف يصرخ عليه.
في إحدى الليالي، سمعه يقول بصوت مكسور: «إنتِ مش هي…»
لم يفهم وقتها.
لكن الجملة علقت في صدره كشوكة.
الليلة…
بعد مهمة لم يُسمح له أن يفشل فيها،
بعد جسدٍ سقط أسرع مما توقع،
عاد إلى غرفته، وفتح درجًا قديمًا لم يكن يجرؤ على لمسه.
أوراق صفراء.
صور مشوشة.
وشهادة ميلاد.
قرأ الاسم…
ثم توقف.
اسم أمٍ أخرى.
وتاريخ وفاة…
يوافق يوم مولده.
شعر أن الغرفة تميل.
أن الدم الذي يطارده منذ سنوات لم يكن دم ضحاياه فقط…
كان دم البداية.
رفع رأسه، وعيناه دامعتان دون دموع. ولأول مرة منذ زمن طويل، لم يسأل: لماذا أنا هكذا؟
سأل: من أنا؟
وفي أعماقه،
بعيدًا جدًا عن هذا الظلام،
كان هناك نور صغير…
لم يصل بعد،
لكنه كان في الطريق.
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا