
رواية قناص قلبي الفصل الثالث 3 بقلم نانسي عاشور
(أثر لا يُمحى)
لم يكن حلمًا عابرًا.
كان ارتدادًا…
كأن الذاكرة قررت أن تفتح بابًا أُغلق بالقوة.
طفل يقف في منتصف غرفة ضيقة.
أصغر من الخوف،
أنحف من الألم،
يتعلم مبكرًا أن الصمت أحيانًا يخفف الضرب.
الأم أمامه.
لا تصرخ، لا تبكي.
البرود في عينيها كان أشد من أي قسوة.
الكرباج في يدها لا يلمع، لا يعلن عن نفسه،
فقط يهبط…
ضربة بعد أخرى.
الطفل لا يصرخ.
ينكمش.
يضُم جسده الصغير بذراعيه، كأنه يحاول أن يختفي من الوجود.
الأرض كانت أرحم من حضن لم يعرفه يومًا.
ثم يظهر الرجل.
لا يدخل مسرعًا،
لا يرفع صوته.
يمسك يدها بثبات، كأن المشهد مألوف له أكثر مما ينبغي.
– «كفاية.»
كلمة واحدة.
لكنها كانت السقف الوحيد الذي لا ينهار.
نظرتها له لم تكن نظرة أخت لأخيها.
كان فيها ارتباك…
وتراجع لا يشبه الخضوع.
أما الطفل،
فكان يشعر بالأمان فقط حين يسمع صوته.
كان يقول له دائمًا:
– «أنا خالك.»
الغريب…
أنه لم ينادِه يومًا يا خالي.
كان يناديه باسمه فقط.
كأن الكلمة لم تستقر على الحقيقة.
في هذا الحلم،
تأخر الرجل.
الضربة نزلت أقسى.
ثم…
طلقة واحدة.
سقطت الأم.
وسقط معها شيء لم يُولد أصلًا.
الطفل لم يبكِ.
لم يشعر بالفقد…
شعر بالتيه.
وقبل أن تختفي الصورة،
لم يكن الطفل وحده هذه المرة…
كانت هناك طفلة تقف بعيدًا، تنظر له بنفس العينين،
وكأنها تعرفه،
وكأنه وعدها يومًا
ألا يتركها.
استيقظ مفزوعًا.
أنفاسه متقطعة، صدره يحترق، وظهره يؤلمه كأن الكرباج لم يغادره أبدًا.
جلس على حافة السرير، يمرر يده على ذراعيه، يتأكد أن الضرب انتهى… على الأقل في الواقع.
الغرفة نظيفة، مرتبة، باردة.
هذا عالمه الآن.
لكن الطفل…
ما زال هناك.
لم يفهم يومًا لماذا لم تكن أمه حنونة.
لم يفهم لماذا اختارت القسوة طريقًا وحيدًا.
ولم يفهم أكثر…
لماذا كان الرجل يظهر ويختفي.
لم يكن يعيش معهم.
لم يكن ثابتًا.
وصوته معها كان مختلفًا…
أخفض، أقرب، وكأنه يقول أشياء لا تُقال أمام طفل.
لم يُكمل الفكرة.
بعض الأسئلة تبقى حيّة
لأن الإجابة عنها مدمّرة.
طرق خفيف على الباب.
– «تحيّة عسكري يا فندم… التحرك بعد عشر دقايق.»
– «حاضر.»
غسل وجهه بالماء البارد، نظر إلى المرآة.
ملامح صلبة، عينان اعتادتا القتل،
لكن خلفهما…
شيء لم يتدرّب يومًا على موته.
لهذا السبب
لم يكن يطلق النار على أم تحمل طفلًا.
لم يكن قادرًا.
لأن الطفل الذي بداخله
لم يُحمَ يومًا
إلا صدفة.
المهمة هذه المرة في الهند.
الهدف: دبلوماسي.
التهمة: خيانة، لعب على كل الأطراف، بيع أرواح بلا حساب.
القرار صدر…
وهو أداة التنفيذ.
المدينة تعج بالحياة: ألوان، أصوات، بخور، بشر.
نفّذ مهمته بدقة تامة.
طلقة واحدة… نظيفة.
كما يجب.
لم يشعر بشيء.
في طريق العودة، أوقفه صوت غريب:
– «تعال… أنت.»
رجل هندي مسن، عيناه غائرتان لكنهما تعرفان أكثر مما يجب.
جلس أمامه دون مقاومة، كأن التعب سمح للغيب أن يقترب.
قال العراف بهدوء:
– «ستظهر فتاة في حياتك.»
لم يتحرك.
– «ستغيّرك… وتكشف لك ما أُخفي عنك.»
– «ستعرف من أنت… وأصلك… وفصلك.»
ارتعشت يده.
– «أنت رأيتها من قبل… وهي صغيرة.»
– «وأنت ابتعدت… وهي ابتعدت.»
صمت.
– «ستلتقون في مناسبة… ثم في محنة.»
– «وأنت ستكون دليلها… ودواءها.»
ثم قال كمن يغلق دائرة:
– «امشِ كما أنت… كل شيء يسير بحساب وقدر.»
نهض دون أن ينطق.
وفي داخله،
لأول مرة منذ سنوات،
شعر أن الحلم لم يكن عن أم ماتت…
بل عن كذبةٍ
كبر معها
ولم تمت بعد.
🤍.