
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم ليله عادل
[كل شيء يتغير؛ الأيام، المشاعر، وحتى الأشخاص.
لكن الحياة تبقى كما هي، وتختبرنا بقسوة كل مرة.
فهنيئا لمن عبر اختباراتها، حتى لو كان العبور متعبا.]
ليلةعادل🌹✍️
[بعنوان: صراعات لا تنتهي]
نظر إليه تمساح من أعلى لأسفل باستنكار ساخر: مابحبش المصابيح.
تبسم عماد بخفة: اعتبرني الحاجة إللي أنت عايزها مش هانختلف.
ضيق عينية وتساءل بحذر: مين إللي دلك عليا يا باشا؟
رفع حاجبه: هو إحنا هنتكلم على الباب كده؟
ظل يحدق به لثواني، قبل أن يفسح الطريق أخيرا: اتفضل.
توجها إلى غرفة صالون بسيطة بطابع بلدي قديم، جلسا متقابلين، ثم قال تمساح وهو يتأمله: هيئتك كده تقول إنك باشا بجد، اؤمرني؟
أخرج عماد سيجارة وأشعلها بهدوء: قالولي إنك جامد ومخلص، ورصاصتك بتجيب من الآخر.
ابتسم بفخر: أومال يا باشا، ده أنا لما كنت في الجيش كنت قناص، وكانوا مسميني عشماوي، أي روح تقع تحت إيدي مابتفلتش.
هز عماد رأسه: حلو، أنا عايزك في خدمة، خدمة هتاخد عليها ٢٠٠ ألف جنيه.
اعتدل فجأة: ٢٠٠ألف؟! حتة واحدة؟
اومأ بتأكيد: ١٠٠قبل التنفيذ، و١٠٠بعد التنفيذ.
ابتلع ريقه وتسأل بفضول: وإيه هي الخدمة يا باشا؟
اقترب وقال بصوت منخفض: عايزك تبعت واحد حبيبي رحلة للعالم الآخر.
ضحك بخفة: وماله يا باشا نبعته، بس هو مين؟
نظر له مباشرة: رشدي الراوي.
اختفت الابتسامة من على وجه تمساح فورا، وحدق به بعدم تصديق: إنت قولت مين؟!
عماد مؤكدا: رشدي الراوي يا تمساح!
رمش بعينه وهو يبتلع ريقه بتوتر، فهو يعرف تلك العائلة جيدا، منذ أن كُلف بقتل سليم وزوجته من قبل.
هز رأسه سريعا بخوف واضح: لا يا باشا... الله الغني عن الحوار ده.
تغيرت ملامح عماد: ليه؟
تمساح بحزم واضح: من غير ليه، دورلك على حد غيري يخلصلك الحوار ده.
ضيق عينيه وقال بخبث: خايف من سليم؟
مسح تمساح أسفل عينه بتوتر، بينما أكمل: أنا عارف كل حاجة، أومال اخترتك ليه؟ وماتقلقش مالهاش علاقة بسليم، حوارنا مع شدي...
هز رأسه بسرعة برفض: يا باشا والنبي أعفيني من الحوار ده، أنا الوسيط إللي اتفق معايا على الحوار إللى فات اتكل، وإللي أتفق مع الوسيط برضو اتكل، وإللي حتى بيهمس بالحوار بيتكل... وأنا مش عايز أتكل، أنا عندي عيال.
صمت لحظة، ثم قال بصوت أخفض: أنا كان ليا صاحب، حاول بس يطلعله صوت في الحوار ده وقتلوه.
مال عماد للأمام بثقة: ماحدش هيعرف حاجة، وبعدين إنت راجل جدع يا تمساح، علشان كده هازودهم كمان ٢٠٠ألف، يبقوا ٤٠٠، ٢٠٠قبل ٢٠٠بعد، وده مبلغ عمرك ماكنت تحلم تمسك عشره في طلعة.
بدأ الطمع يتسلل لعيني تمساح: يعني هتديهملي بجد؟!
أخرج عماد رزمة أموال وألقاها أمامه: أكيد، خد دول ٢٠ ألف هدية مني، عربون صداقة، أو اعتبرها الشيكولاتة إللي نسيت أجيبها وأنا جاي، ودي مالهاش علاقة بالفلوس الأساسية.
ظل تمساح ينظر إلى الأموال وعيناه تلمعان بجشع، بينما أكمل عماد: يوم التنفيذ هايقابلك واحد يديك ٢٠٠، وبعد مايتم كل حاجة هتاخد الباقي.
نظر له وقال: طب أنا عايز صورته، أو أي معلومات عنه، تحركاته كدة يعني..
فتح عماد هاتفه وأراه صورة رشدي: دى صورته، أما المعلومات إنت إللي تجيبها، أنا عايز الخبر يوصلني بالكتير خلال يومين.
ثم مال نحوه وقال ببرود مخيف: والمره دى أنا عايزهم يقرأوا عليه الفاتحة، مش يدخل مستشفى ويطلع منها زي سليم ومراته.
ضحك تمساح ضحكة قصيرة: والله يا باشا دول ليهم عمر جديد، سليم خد تلات رصاصات في ضهره، أي حد مكانه مايقومش تاني، ومراته؟ أنا بإيدي دي غرستلها طعنتين في بطنها وكانت بتفرفر، بس سبحان الله له عمر، العيل اللي كانت حامل فيه
هو اللي مات.
أطفأ عماد سيجارته وهو يقف: تمام يا تمساح، خلينا على اتفاقنا.
وقف تمساح بدوره وقال باستغراب: طب مش هتقولي اسمك؟
ابتسم عماد ابتسامة باردة وهو يتحرك نحو الباب: بعدين.
غادر المكان بخطوات هادئة، بينما بقي تمساح جالسا مكانه، ينظر إلى رزم الأموال بابتسامة شرسة، وعيناه تمتلئان بالطمع والخطر.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
الفيلا التي يمكث بها مصطفى،10م
كانت آلاء تصرخ وترفض النزول، ودموعها لا تتوقف، بينما مصطفى وسليم وإيهاب يحيطون بها بنظرات حيرة وقلق.
اقترب مصطفى منها محاولا تهدئتها بصوت منخفض: طب أهدي، وفهميني مش عايزة تنزلى ليه؟
صرخت وهي تهز رأسها بعنف: مش عايزة أقعد هنا، مشيني من هنا!
تبادل سليم وإيهاب نظرة قلق، قبل أن يحاول سليم التدخل بهدوء: طب أقعدي النهاردة يا مدام آلاء وبكرة نشوف حل.
لكن دموعها كانت تنهمر بلا توقف، وصوتها يزداد انهيارا: لا مش هقعد، أنا عايزة أمشي من هنا!
إيهاب محاولا فهمها: طب في إيه؟ فهمينا مالك؟
لكنها لم ترد، فقط دفعت الباب بعنف وهبطت من السيارة، فاندفعوا خلفها بسرعة، وأولهم مصطفى الذي أمسك يدها: رايحة فين؟
انتفضت وهي تسحب يدها منه بعنف، وعيناها ممتلئتان بالدموع والانهيار: في أي داهية؟! أي مصيبة أدفع أنا تمنها من غير ماحد يتأذي؟! نادي ماما خليني أخدها وأمشي.
تنهد مصطفى بألم وهو يحاول تهدئتها: آلاء... أنا عارف إن إللي حصل صعب، بس أرجوكي أهدى وخلينا ندخل جوه ونتكلم.
صوتها ارتفع أكثر وسط بكائها واختناقها: لا! مش هدخل! كفاية ذل ومهانة، أنا مش هستحمل كلمة تانية من حد، حرام عليكم!
ثم نظرت له بانكسار موجوع: لو سمحت نادي ماما وطلقني خليني أمشي، كفاية إللي عملته معايا، كتر خيرك.
في تلك اللحظة توقفت سيارة مكي، ونزلوا منها واقتربوا بسرعة.
عائشة بقلق: فيه إيه؟ مالها آلاء؟
ارتجف صوتها وهي تلتفت إليهم باعتذار مقهور: عائشة حمد الله على سلامتك، أنا آسفة والله حقك عليا، بس والله كل إللي حصلك كان غصب عني وماليش يد فيه، لو كنت أعرف ماكنتش قبلت بكده أبدا، بس أنا هصلح كل حاجة والله، من فضلكم نادوا ماما... أنا عايزة أمي.
اقترب مصطفى منها بحيرة وقلق: طب هانادي ماما، وهتروحي فين بعد كده؟
هزت رأسها بسرعة وهي تبكي: هتصرف... ربنا هايدبرها
صاح بعصبية ممزوجة بالخوف: يعني إيه ربنا هايدبرها؟! أدخلي يا آلاء بلاش جنان..
كانت في حالة رفض تام، تهز رأسها بعنف شديد، وكأنها أصيبت بمس شيطانى، وصوتها يخرج متقطعا ومختنقا: لا! همشي مش هادخل، مش عايزة نظرة الشفقة دي، مش عايزة أشوفها في عينك ولا في عينيكم، مش عايزة أسمع كلمة تانية... كفاية! حرام عليكم... كفاية... تعبت... مابقيتش قادرة! كفاية كفاية..
أخذت تصرخ بإنهيار كامل، وكأن آخر ماتبقى داخلها قد تحطم تماما، تردد نفس الكلمات بصوت ممزق وهي تبكي بشدة: كفاية... كفاية... حرام عليكم... كفاية! كفاية
استمرت تكررها بشكل هستيري حتى بدأ صوتها يختفي تدريجيا من شدة البكاء والصراخ، ثم فجأة ارتخت قدماها وسقطت أرضا مغشيا عليها.
اتسعت أعين الجميع بصدمة، بينما اندفع مصطفى نحوها بسرعة، انحنى وحملها بين ذراعيه بقلق واضح ثم دخل بها إلى داخل الفيلا مسرعا.
أما البقية فظلوا واقفين مكانهم، والتأثر يظهر علي ملامحهم بشكل واضح، مدركين أن ماوصلت إليه لم يكن طبيعيا أبدا.
نظرت عائشة في أثرها بحزن: هو إيه إللي حصلها؟
تنهد إيهاب وهو يمرر يده على وجهه بتوتر: بعدين، المهم تعالي معايا، ماما هتموت من القلق عليكي.
تنحنح سليم قائلا: طب أنا هاسيبلكم عشري هنا ومعاه كام واحد، علشان يبقوا معاكم ويوصلكم لحد البيت، ومن بكرة إن شاء الله، كل واحد فيكم هيبقى معاه حارسين.
اومأ إيهاب بتعب: ماشي، إحنا هانبات هنا النهاردة، كلنا مش على أعصابنا.
أومأ مكي موافقا: وده الأفضل طبعا، خليكوا هنا كام يوم لحد مانشوف حوار محمود ده هايرسي على إيه.
هز إيهاب رأسه، بينما وجه سليم حديثه لعائشة، وملامحه تحمل تأنيبا واضحا لنفسه: حمد لله على سلامتك يا آنسة عائشة، وحقيقي أنا بعتذر منك، كان المفروض آخد بالي أكتر من كده زي ماوعدتكم.
هزت رأسها بسرعة محاولة تخفيف شعوره بالذنب: متشيلش نفسك الذنب، والحمد لله ماحصلش حاجة.
تنهد سليم بأسف: برضو ده مايمنعش إن عندي غلط، وحمد لله على سلامتك مرة تانية.
ابتسمت بخفوت: شكرا.
ثم وجهت حديثها إلي مكي: وشكرا ليك يا مكي علي إللى عملته علشاني.
اومأ بابتسامة: لا شكر على واجب، حمدالله علي سلامتك.
بإبتسامة: ازاي بس انت عرضت نفسك للخطر عشاني.
أوما: ده شغلي.
كانت سلوي واقفة تنظر لهم وهي تتآكل من الغيرة ولكنها فضلت الصمت.
وجه إيهاب حديثه لسليم: طبعا البيت بيتك، أنا هاخد بس شوشو لماما علشان إنت عارف كانت قلقانة عليها إزاى.
لوح سليم بيده سريعا: لا لا، براحتك، إحنا أصلا هنمشي، علشان اتأخرت على ماسة أوي.
ابتسمت عائشة رغم إرهاقها: سلملي عليها كتير أمانة عليك، وياريت تبقى تجيبها أشوفها، وحشتني أوى.
اومأ بابتسامة: بإذن الله.
تحركا ايهاب وعائشة مبتعدين، بينما ظل سليم ومكي وسلوى واقفين مكانهم.
تسأل مكي: هنمشي ولا هتستنى مصطفى؟
أجابه بفتور: لا هنمشي.
تساءل مجددا: طب هنعمل إيه في الواد المرمي في المخزن ده؟
سليم ببرود وهو يتحرك: بكرة نبقى نشوفه...
ثم ألتفت إلي سلوى فنظرت له بتوتر، لكنه سبقها وهو يرمقها بنظرة حادة: أما أنتِ، فليكي حساب معايا عسير على إللي عملتيه ده.
تمتمت بسرعة تدافع عن نفسها: ما أنا قولتلك إللي حصل و..
قاطعها بعصبية: بلا قولت بلا زفت! كان ممكن يحصلك حاجة!
مكي بتأكيد: هو فعلا كان هيحصلها حاجة، واحد منهم مسك المطواة ورفعها عليا.
ألتفت اليه بصدمة: نعم؟! إيه حوار المطواة ده؟
أخذت سلوي تهز رأسها لمكي بعدم التحدث، لكنه تجاهلها تماما وبدأ يروي له ماحدث، بينما كان سليم يستمع بصمت، وفكه مشدود بقوة، وقبضتاه تنقبضان بعصبية واضحة.
قال أخيرا وهو يضغط على أسنانه: أنا مش عارف أقول إيه الصراحة، أخلص من أختك تطلعيلي إنتِ، إنتوا الاتنين أجن من بعض، أعمل فيكم إيه؟
سلوى بخفوت وهي تحاول تهدئته: ما أنا كويسة أهو.
نظر لها بغضب مكتوم: وأنا كان المفروض أستنى لما ماتبقيش كويسة؟! سلوى، حاجة زي دي ماتتكررش تاني.
اومأ مكي مؤيدا، لكن سليم نظر له موبخا: وإنت كان فين مخك وإنت بتاخدها معاك، رايح الملاهي إنت علشان تقولي شبطت فيا؟
قال موضحا بسرعة: والله يا سليم، الموقف حصل بسرعة، وأنا ماكنتش عايز أتأخر و...
قاطعه سليم بضجر: عذر أقبح من ذنب.
ثم أشار بيده بعصبية واضحة: يلا خلينا نمشي، وماسمعش حس واحد فيكم لحد مانوصل.
تحرك أولا بخطوات سريعة، بينما سارت سلوى بجانب مكي، تراقب ملامحه بصمت للحظات قبل أن تقترب منه أكثر وتقول بمشاكسة خفيفة: بتسلمني لسليم!! أصلا مايقدرش يعمل حاجة، ده آخره كلام.
رمقها بطرف عينه ساخرا: هو ماسك نفسه عنك بس علشان أختك بترجلشه في البيت.
رفعت حاجبها بثقة: أختي مسيطرة.
لم يرد عليها وتابع سيره بملامح مقتضبة، فابتسمت بخبث وهي تقول: بس إنت خوفت عليا، أنا خدت بالي.
نظر لها بطرف عينه دون اهتمام، وأكمل طريقه وكأن كلامها لم يؤثر به، لكنها لم تتوقف، وقالت وهي تكتم ضحكتها: والله العظيم خوفت عليا.
لم يرد، فقط فتح باب السيارة وصعد إليها، ثم تحركت السيارة وسط صمت ثقيل، بينما ظلت ابتسامتها الصغيرة معلقة وهي تراقب ملامحه الجامدة.
على إتجاه آخر.
كانت أنهار ونبيلة جالستان في الحديقة بقلق منتظرين عودتهم، وما إن اقتربت عائشة حتى انتفضت نبيلة من مكانها، وفتحت ذراعيها سريعا وعيناها ممتلئتان بالدموع: يا حبيبتي يا بنتي، تعالي في حضن أمك.
ارتمت عائشة داخل أحضانها، فضمتها بقوة وكأنها تخشى أن تضيع منها مرة أخرى.
ربتت عائشة على ظهرها بهدوء: أنا كويسة الحمد لله، ماتقلقيش.
نبيلة وهي تتحسس وجهها بلهفة: أنا خوفت عليكي أوي.
ابتسمت محاولة طمأنتها: أنا كويسة يا ماما والله، ماحدش عملي حاجة.
اقتربت أنهار منهما ببطء بسبب تعبها، وعيناها مليئتان بخجل: حمد لله على سلامتك يا بنتي، حقك عليا.
هزت رأسها: مافيش أي حاجة يا طنط، أنا كويسة أهو الحمد لله.
سألتها نبيلة بقلق وهي تمسك يديها: بجد يا بنتي؟ ماحدش قربلك؟ قولي وطمنيني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة رغم إرهاقها: والله يا ماما ماعملولي حاجة، دول حتى جابولي أكل ومية.
تنهدت أنهار براحة بسيطة قبل أن تسأل بسرعة: طب آلاء فين يا بنتي؟ هي هناك مع محمود؟
أجابها إيهاب موضحا: لا هي فوق في الأوضة، إحنا جبناها معانا، بس هي أغمى عليها.
اتسعت عيناها بصدمة: أغمى عليها؟! ليه؟!
ذم ايهاب شفتيه ولم يرد إخبارها بما حدث: مش عارف، أول ماوصلنا فضلت تقول إنها عايزة تمشي ومش عايزة تقعد هنا، وبعدين فجأة أغمى عليها..
أومأت ببطء وهي تحاول تمالك نفسها: ماشي يابنى شكرا.
ثم نظرت إلى نبيلة قائلة بتعب واضح: حقك عليا للمرة التانية يا حاجة، وحمد لله على سلامة بنتك.
تحركت بعدها مبتعدة بخطوات بطيئة ومتعبة نحو الداخل، بينما ظلت نبيلة تنظر لعائشة بقلق واضح: هي مالها آلاء يا عائشة؟
ذمت شفتيها بحزن: جالها انهيار يا ماما، أنا ماعرفش إيه إللي حصلها بالظبط، بس شكل حصلها حاجة وحشة أوي، أصل هي ماكانتش معايا، كانت في مكان تاني وفضلت تصرخ إنها مش عايزة تقعد هنا.
صمتت نبيلة للحظة، وكأنها بدأت تفهم سبب انهيار آلاء، لكنها رغم ذلك لم تر نفسها مخطئة بالكامل.
فهي كانت أما خائفة على ابنتها، وأي أم مكانها ربما كانت ستفعل أكثر من ذلك.
تنهدت بهدوء ثم نظرت إلى عائشة بحنان: طب تعالي يا حبيبتي نطلع فوق، أكيد إنتِ جاية تعبانة.
إيهاب وهو يتحرك معهم: إحنا هانبات هنا النهاردة، أنا قولت لسليم.
هزت نبيلة رأسها براحة: أحسن يا ابني.
وبالفعل صعدوا للأعلى، دخلت عائشة مع والدتها الحمام، وساعدتها في غسل وجهها، بينما كان إيهاب ينتظرهم داخل الغرفة.
وبعدما خرجتا، تمددت عائشة على الفراش بإرهاق شديد، بينما جلست نبيلة بجانبها تربت على شعرها بحنان: أخوكي بس ينزل من فوق، وهخليه يشوفلك حاجه تلبسيها، علشان تاخديلك حمام يروق أعصابك.
إيهاب بهدوء: أنا ممكن أروح أجيب لبس وآجي.
ردت باعتراض حاد: لا إنت مش هتتنقل من عندي أبدا، هتفضلوا قاعدين قدام عيني كده، تلبس من عند أخوك، أو نودي أي حد من الرجالة إللي برة دول يجيبولنا أي حاجة نلبسها مش فارقة، بس خروج من قدام عيني لا.
اومأ برأسه دون رد، بينما نظرت نبيلة إلى عائشة وهي تمسح على خدها متسائلة: قوليلي بقى يا بنتي، إيه إللي حصل بالظبط من ساعة ما خدوكي؟
أغمضت عينيها بتعب: بالله عليكي يا ماما، مش عايزة أفتكر.
ربتت على يدها سريعا: ماشي يا حبيبتي، براحتك أبقي أحكيلي بكرة.
ثم سألتها بقلق أمومي: طب عاملوكي كويس؟ ماحدش لمسك؟
هزت رأسها بسرعة: والله خالص، كانوا كل شوية يقولولي معلش يا أبلة إحنا عايزين أختنا، وجابولي أكل كمان.
عقدت نبيلة حاجبيها: أومال آلاء كانت فين؟
إيهاب موضحا: آلاء راحت الشقة عند محمود إللي كان فيها وشكله ضايقها أو عمل حاجة، لأن كان فيه ستات هناك، وشكلهم ماكانش مريح خالص.
تمتمت نبيلة بضيق: وإللي اسمه محمود ده فين دلوقتي؟
إيهاب موضحا: سليم خده المخزن.
تمتمت بضيق: لا إله إلا الله، كان مالنا ومال النصايب دي كلها؟
تنهدت عائشة بخفوت: ماما... هما مالهمش ذنب.
هزت رأسها بمرارة: فعلا، الذنب ذنب أخوكي الله يسامحه.
ابتسم إيهاب بخفة حتى يغير الجو: بقولك إيه يا ماما، إنتِ مش ناوية تأكلي عائشة ولا إيه؟ دي أكيد جعانة موت.
نظرت له نبيلة بعتاب ممزوج بالحب: كنت عايزة أقعد مع بنتي وأشبع منها شوية.
ضحك بخفة: ياستي هي كانت مهاجرة؟ ما هي قدامك أهي.
هزت رأسها وهي تنظر له: معرفش قلبك جامد كده ليه يا إيهاب.
ابتسمت عائشة بخفوت: مش قلبه جامد يا ماما، بس فعلا أنا جعانة أوي، مش هاتعمليلي حاجة من إيدك؟
ابتسمت نبيلة: عيني يا حبيبتي، هاقوم أعملك أكل حالا.
ثم اقتربت منها، وقبلت خدها قبلة طويلة وهي تقول بتأثر: حمد لله على سلامتك يا بنتي، ومن النهاردة رجلي على رجلك، أنا إللي هوديكي الجامعة وأجيبك، وأوديكي الكورس وأرجعك، ومش هسيبك أبدا.
ادمعت عيناها وهي تتمتم: حسبي الله ونعم الوكيل.
ثم خرجت من الغرفة، بينما نظر إيهاب إلى عائشة بابتسامة خفيفة: بقولك إيه... أنا بصراحة عايز أعرف إيه إللي حصل، ومش قادر أستنى لبكرة.
تنهدت وهي تنظر أمامها بشرود: هحكيلك، أنا بس ماكنتش قادرة أحكي قدام ماما.
صمتت لحظة قبل أن تكمل بصوت مهزوز: بجد دي أصعب لحظة ممكن أي بنت تتعرض لها، حاجة مرعبة أوي يا إيهاب، لما فتحت عيني هناك، كان نفسي يبقى كابوس وحد يصحيني منه.
بدأت دموعها تنزل: قلبي ماهديش غير لما لقيتهم بيتعاملوا بهدوء، طريقتهم كان فيها شوية طمأنينة، بس فضلت خايفة من المجهول، ومش فاهمة ليه ده كله بيحصل أصلا.
ادمعت عينا إيهاب، واقترب منها سريعا وأخذها في أحضانه وهو يربت على رأسها بحنان: أهدي يا حبيبتي إحنا جنبك، ومش هنسيبك أبدا، ومستحيل نسمح إن أي حاجة تزعلك أو تخوفك تاني.
علي إتجاه آخر، بغرفة آلاء...
كان مصطفى يجلس بجوارها بقلق شديد، يرش قليلا من العطر على يديه ثم يمرره برفق قرب وجهها، ثم رفع حجابها من راسها، بينما ينادي عليها بصوت هادئ ومتوتر: آلاء... آلاء...
بدأت جفونها تتحرك ببطء، ثم فتحت عينيها تدريجيا وهي تأخذ أنفاسا متقطعة، قبل أن تعتدل جالسة وتنظر حولها بتشوش واضح...
مسح على كتفها بهدوء محاولا تهدئتها: أهدي، إحنا في الأوضة.
ما إن استوعبت مكانها حتى نظرت له بصدمة، ثم انتفضت بعصبية وهي تبتعد عنه: ليه جبتني هنا؟ أنا عايزة أمشي!
حاول الحفاظ على هدوءه رغم توتره الواضح: هتمشي تروحي فين؟ وتمشي ليه؟
قالت بمرارة ودموعها تتساقط مجددا: وأقعد ليه؟ علشان أسمع كلام يكسرني وأتهان تاني، وأتعاقب على حاجة ماليش يد فيها، وأشوف نظرات والدتك ليا وهي بتقولي "إنتِ السبب، منك لله"؟!
أرتفع صوتها أكثر وهي تشير لنفسها بإنفعال، ودموعها تنهمر بلا توقف: إنت فاكر يعني إني مبسوطة بكل إللي حصل ده؟! أنا كل يوم بموت وأنا بفكر فيه، بس كل حاجة حصلت كانت غصب عني! أعمل إيه؟ ربنا كتبلي كده وماحدش بيهرب من إللي مكتوبله.
ثم أنكسر صوتها فجأة، وكأن قوتها نفذت دفعة واحدة: وإللي مكتوبلي ده مش راضيني، بس أعمل إيه؟
أجابها بثبات رغم الألم الواضح في عينيه: استغفر الله يا آلاء، ماحدش ينفع يهرب من إللي مكتوبله، أو يرفض قضاء ربنا، لازم تفهمي برضوا إن إللي مكتوبلك ده كان مكتوبلي أنا كمان.
صمت لحظة، ثم أكمل بهدوء: كان مكتوبلي أقابلك، وطريقنا يبقي واحد، وإني أختار أعمل معاكي كده، يعني المصير إللي أنتِ شايفاه عقاب ليكي، أنا كمان كنت جزء منه..
توقف أمامها وتابع بصوت منخفض: فماتشيليش نفسك ذنب حاجة إنتِ ماعملتيهاش، هو إنتِ أجبرتيني على حاجة؟ ولا أنا كنت طفل ومش فاهم بعمل إيه؟
نظرت له بصمت ودموعها لا تتوقف، بينما أكمل بحزن واضح: وإذا كان على أمي، فأنا عارف إن كلامها جرحك، حقك عليا، بس أعذريها هي كانت مصدومة وغصب عنها، دي بنتها يا آلاء، أي أم مكانها كانت هاتنهار كده، حتى لو إنتِ ملكيش ذنب في إللي حصل، هي عقلها ماميزش غير خوفها علي عائشة.
اومأ بخفوت موجوع وهي تمسح دموعها بعنف: أنا عارفة إنه غصب عنها، وعارفة إن من حقها تقول أكتر من كده كمان، ومش زعلانة منها، بس أنا مش هقدر أستحمل أكتر من كدة، أنا مش عايزة أشوف نظرات شفقة ولا اتذل تاني.
ثم نظرت له بعينين مرهقتين: والنبي يا دكتور طلقني وسبني اخد أمي وأمشي، كتر خيرك لحد كدة.
اقترب منها خطوة وهو يحاول السيطرة على ارتباكه:
آلاء... اسمعيني..
لكنها قاطعته بسرعة، وكأن الكلمات تخرج منها بعد اختناق طويل: لا مش هسمع، أنا تعبت، تعبت من كل حاجة بتحصلي، مش قادرة أستحمل أكتر من كده، ماحدش حاسس بيا، ماحدش حاسس أنا حاسة بإيه.
أنهارت دموعها أكثر وهي تهز رأسها بألم: ماحدش رحمني، حتى أخويا وأنا بصرخ وبستنجد بيه، وبحلفله إن جوازنا كان مجرد عقد مكتوب على ورق ماسمعنيش ولا صدق..
أغمضت عينيها للحظة ثم همست بانكسار: أنا تعبت أوي يا مصطفى.
ظل ينظر إليها بصمت، بينما أكملت بصوت مرتجف:
إنت شايف إني كويسة عشان ماحصليش حاجة، بس لو كنت اتأخرت ثانية واحدة بس، أنا ماعرفش كان ممكن يحصل إيه.
كان يستمع إليها بصمت تاركا إياها تعبر عما بداخلها لعلها ترتاح قليلا، بينما كانت كلماتها تخرج بصعوبة شديدة، وكأن كل حرف يمزقها من الداخل.
قالت بصوت مقهور ممتلئ بالخجل والانكسار: أنت متعرفش الدقايق دي مرت عليا إزاي؟! تعرف يعني إيه بنت تت
لم تستطيع نطقها وأخذت تبكي بقهر، فاقترب منها وضم رأسها إلي صدره وأخذ يربت عليها ويردد بتأثر: أنا فاهم والله... وعارف، وحاسس بيكي بس لازم تهدي وتنسى...
انتحبت بمرارة وهي تهز رأسها بعنف، فأبعدها عنه قليلا ونظر داخل عينيها وأكمل بهدوء: هيفيدك إيه تعذيبك لنفسك بالشكل ده؟ أنا ممكن أقولك كملي في إللي إنتِ فيه، بس صدقيني ده مش هيغير حاجة، عيطي، وصرخي وعيشي وجعك، حقك، بس مش هينفع تمشي من هنا، ومش هينفع تنهاري بالطريقة دي.
أرتفع صوتها وهي تشير لنفسها بإنفعال: ليه ما أنهرش؟! ليه كل مرة مطلوب مني استحمل وما أنهرش؟! لا هنهار، وهصرخ، وهقول إني تعبت ومابقتش قادرة على الوجع ده كله!
انهمرت دموعها بشدة أكبر وهي تكمل بانكسار مرير: إشمعنى أنا بيحصلي كل ده؟! ليه الدنيا مابتحبنيش كده؟!
وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول التقاط أنفاسها: أخدت أبويا مني وأنا صغيرة وحرمتني منه، وخلت أخويا يتبهدل بالشكل ده ويبقي مدمن وسوابق، وخلتني أشتغل وأنا صغيرة، والبنات في سني كانوا بيخرجوا ويروحوا وييجوا وأنا شايلة مسؤولية أكبر مني!
كان صوتها يضعف ثم يعود أعلى من قبل مع كل كلمة: ليه أتجوز بالطريقة دي؟ واحد أصلا مابيحبنيش واتجوزني جميلة، وكمان بسببي حياته اتبهدلت وأخته اتخطفت، وأنا... وأنا اتعرضت للي اتعرضتله!
شهقت باكية وهي تضرب صدرها بكفها: ليه كل ده يحصلي؟! أنا عملت إيه وحش في حياتي علشان الدنيا تعمل فيا كده؟! الدنيا دي وحشة أوي ومابتحبنيش، أنا عمري مافرحت... أصلا معرفش يعني إيه فرحة.
ثم رفعت عينيها إليه بعجز كامل: أنا هاخد أمي وأمشي وأرجع بيتنا، ويحصل إللي يحصل، أنا مش هاستحمل تاني حد يجرحني بنظرة ولا بكلمة...
أخذت تبكي بحرقة شديدة، شهقاتها تتلاحق بصورة موجعة، بينما كان مصطفى ينظر إليها بتأثر واضح، وعيناه تلمعان بالدموع التي حاول إخفاءها.
أمسك يديها برفق ثم سحبها داخل حضنه، وأخذ يربت على ظهرها بهدوء محاولا تهدئتها: طب أهدي يا آلاء... أهدي.
ظلت تبكي بصمت موجوع، بينما أكمل بصوت منخفض ودافئ: الحياة حتى لو كانت قاسية عليكي، فهي برضوا ادتك حاجات حلوة، خلتني أقابلك وأقف جنبك، ومش بس كده؟! خلتك متفوقة في دراستك، وإن شاء الله تحققي حلمك وتبقي دكتورة.
مرر يده على شعرها برفق وهو يتابع: ربنا وقفلك ناس كتير بتحبك في حياتك، ماحدش في الدنيا مبسوط 100% يا آلاء، وماحدش جه الدنيا من غير اختبارات ووجع، وإلا هنتعلم إزاي؟
صمت لحظة قصيرة ثم قال بهدوء أعمق: حتى الأنبياء كانوا مبتلين، وربنا لما يحب عبد بيبتليه، يمكن ربنا بيحبك وعايز يشوف قوة إيمانك وصبرك، وفي نفس الوقت بعتلك ناس تساعدك وتقف جنبك علشان ماتكونيش لوحدك...
ابتعدت قليلا تنظر له بعينين ممتلئتين بالدموع، بينما أكمل بصدق واضح: ومش هقول تاني إنك مأجبرتنيش على حاجة، أنا عملت كل ده وأنا واعي وعارف بعمل إيه! ولحد دلوقتي أنا مكمل..
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة: كان ممكن في أي لحظة أقولك خلاص أنا عملت إللي عليا، لكن ماعملتش كده! أنا أهو معاكي ومتمسك بيكي، رغم إنك من أول مافوقتي وإنتِ بتقولي عايزة أمشي وعايزة أطلق.
مسحت دموعها بسرعة، ثم قالت بتردد وخوف: بس إنت لازم تطلقني فعلا، أصلا جوازنا ده معرفش هو دلوقتي حلال ولا حرام؟
عقد حاجبيه باستغراب: يعني إيه حلال ولا حرام؟
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول: محمود قالي إنه جوزني لشاهين...
تجمدت ملامحه فجأة: عمل إيه؟!
هزت رأسها بحيرة وخوف: قال إنه جوزني لشاهين، أنا مش فاهمة حاجة، يعني أنا دلوقتي متجوزاك ومتجوزاه؟
نظر لها بصدمة ثم قال بعصبية واضحة: إيه العبط ده؟! أكيد بيقولك كدة علشان يخوفك.
هزت كتفيها بضعف: معرفش...
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بسرعة، ودخلت أنهار بوجه شاحب وعينين ممتلئتين بالقلق.
ما إن رأت ابنتها حتى أسرعت نحوها وهي تقول بلهفة وخوف: بنتي إيه إللي حصل؟! أخوكي المجنون ده عمل فيكي إيه؟
نظرت آلاء إلى والدتها للحظة، ثم ارتمت داخل أحضانها وأخذت تبكي بحرقة شديدة، وكأنها أخيرا وجدت مكانا يسمح لها بالانهيار.
ضمتها بسرعة وهي تربت على ظهرها بقلق: فيه إيه يا بنتي؟ بالراحة... أهدي، صلي على النبي كده، مالك؟
تنهد مصطفى وهو يمرر يده على وجهه بتعب: مافيش يا حاجة، هي بس زعلانة بسبب إللي محمود عمله، وحاسة بالذنب.
نظرت أنهار إليه بأسف شديد: والله يا ابني إللي حصل ده غصب عننا، وبعدين والله أختك كويسة، وهي بنفسها قالتلك، أنا عارفة ابني، مجنون وبيعمل مصايب ربنا يهديه، بس والله عمره ما كان هايأذي بنات الناس، حقك علينا يا ابني، أنا آسفة والله.
هز رأسه بهدوء: مافيش أي حاجة يا حاجة، حصل خير.
ثم التفتت أنهار إلى آلاء، وقد امتزج خوفها بغضبها: وإنتِ يا بنتي، إيه إللي إنتِ عملتيه ده؟ إزاي تروحي وتحطي نفسك في خطر بالشكل ده؟! أفرضي كان عملك حاجة!
رفعت رأسها من حضنها، وعيناها متورمتان من البكاء: وإنتِ كنتي عايزاني أعمل إيه؟! أفضل قاعدة وأنا عارفة إن عائشة هناك؟!
تدخل مصطفى بهدوء حازم: على فكرة، إللي إنتِ عملتيه ده غلط فعلا، وإحنا لينا كلام بعدين.
مسحت دموعها بسرعة ثم نظرت إليه بعناد واضح: مافيش كلام بينا يا دكتور، إللي عملته كان صح، ولو رجع بيا الزمن هعمله تاني، أنا مش هشيل حد ذنبي ولا مشاكلي، كان لازم أروح علشان أرجع عائشة، حتى لو كان حصلي أي حاجة، المهم إنها بخير، كفاية بقى إللي حصلكم بسببي.
ثم نظرت إلى والدتها: أمي حضري نفسك، علشان هنمشي ونرجع بيتنا.
نظرت إليها أنهار باندهاش وكادت أن تجيبها، لكن مصطفى سبقها، وقد تغيرت ملامحه فورا: هو إيه إللي نمشي؟ مين أصلا هايسمحلك تمشي من هنا؟
نظرت له بثبات رغم دموعها: لوسمحت أحترم قراري.
أجابها بحزم واضح: لا مش هتمشي.
رفعت صوتها بعناد لا، همشي.
ضغط على فكه ثم قال بحدة مكبوتة: وأنا قولت مش هتمشي، بصي يا آلاء، حتى لو الجواز ده على ورق وبإتفاق زى ما بتقولي، بس إنتِ مراتي شرعا وقانونا، وبصفتي جوزك يبقي مافيش خروج من هنا إلا بإذني، وبعدين خلينا الأول نتأكد من الكلام المتخلف إللي أخوكي قاله ده.
نظرت إليه أنهار بقلق: إيه إللي حصل تاني؟ عمل إيه المنيل على عينه؟
مصطفى وهو يحاول السيطرة على غضبه: بيقول إنه جوزها لشاهين.
ضربت صدرها بخضه: يا نهار أسود! ومنيل! إنت متأكد يا دكتور؟!
تنهد بتوتر: والله مش عارف، بس أكيد هاتأكد، هخلي سليم يودينا له ونشوف، أصل سليم وداه مكان تبعه
اقتربت أنهار منه بسرعة وقد ظهر الرعب في عينيها:
والنبي يا ابني ما تأذوه، أنا عارفة إنه ضغطك وأذاك، بس الحمد لله اختك بخير، والله ماحصلها حاجة.
تنهد بضيق وهو يمرر يده في شعره بتوتر: هو مأذاش أختي صح، بس كان هايأذي آلاء، كان متصور إن جوازنا تم فعلا، وجاب ست علشان يتأكد.
شهقت بصدمة: يا نهار أسود! ومنيل! يا نهار أسود!
قال بسرعة: ماحصلش حاجة الحمد لله... أنا لحقتها.
نظرت له بامتنان ودموع: كتر خيرك يا ابني، كتر ألف خيرك، يا حبيبتي يا بنتي، كان نفسي أخبيكي من الدنيا كلها.
تنهد مصطفى محاولا إنهاء الحديث قبل أن تنهار آلاء أكثر: خلاص بقى صلوا على النبي وأهدوا شوية، اليوم كان طويل على الكل.
ثم نظر إلى آلاء بنظرة حازمة رغم هدوئه: هخلي الخدامة تطلعلكم أكل وهرجع أطمن عليكم تاني، ومافيش مشي من هنا، بطلي جنان.
تحرك مبتعدا وأغلق الباب خلفه بهدوء، بينما جلست آلاء على الفراش بتعب، وكأن جسدها لم يعد يحتمل أكثر من ذلك.
اقتربت منها أنهار بسرعة وجذبتها إلى أحضانها بحنان: معلش يا بنتي، حقك عليا يا ضنايا.
رفعت عينيها لوالدتها، بملامح مليئة بالخجل والانكسار: أبوس إيدك يا ماما، خلينا نمشي من هنا، مش عايزة أشوف نظرة الشفقة دي تاني، ولا أصعب على حد.
اختنق صوتها أكثر: أنا مكسوفة أبص لحد بعد إللي حصل، أكيد كلهم عرفوا، أخوه عرف، وسليم عرف، وشافوا كل حاجة، وكل الناس إللي كانوا موجودين عرفوا، أنا شكلي وحش أوي، ومش هقدر أبص في وش الناس بعد كده.
شدتها أنهار نحوها أكثر وهي تمسك وجهها بين يديها بحزم ممزوج بحنان: ماتقدريش تبصي في وش الناس ليه؟! هو إنتِ عملتي حاجة غلط؟! إنتِ ترفعي راسك قدام أي حد يا آلاء، إنتِ شريفة...
ثم أكملت بانفعال وهي تمسح دموع ابنتها: إنتِ عملتي إيه يعييك لا سمح الله؟! أخوكي هو إللي يحط راسه في الأرض إنه عمل كدة فيكي.
هزت رأسها بعجز وهي تبكي: مش هقدر يا ماما... والله مش هقدر، ليه كل ده بيحصلي؟! أنا تعبت أوي، تعبت ومابقتش قادرة.
ضمتها أنهار بقوة وأخذت تربت على ظهرها بحنان: نعمل إيه يا بنتي؟ ده المكتوب ومش هنقدر نهرب منه.
ثم تنهدت بألم وهي تكمل بصوت هادئ: وبعدين صدقيني في ناس كتير بيتعرضوا لحاجات أوحش من كده بكتير، قولي الحمد لله يا بنتي إن ربنا بعتلك دكتور مصطفى أنقذك منه في الوقت المناسب، قولي الحمد لله يا آلاء، إحنا بس نعرف موضوع جوازك ده واخدك ونمشي وأعملك إللي إنتي عايزاه يا حبيبتي.
نظرت إلى والدتها بعينين ممتلئتين بالخذلان والانكسار، ثم همست بصوت ضعيف مرتجف: أنا انكسرت أوي يا ماما ... انكسرت أوي.
ارتجف قلب أنهار لكلمات ابنتها، فضمتها بقوة وكأنها تحاول أن تجمع شتاتها بيديها، ثم أخذت تقبل رأسها وشعرها وهي تربت عليها بحنان بالغ: ماتقوليش كده يا حبيبتي... ماتقوليش كده، إنتِ أقوى من كل إللي حصلك، والله أقوى.
كانت آلاء تبكي بصمت داخل أحضانها، بينما أكملت أنهار وهي تمسح دموعها: إللي ينكسر هو إللي يعمل الغلط ويظلم ويأذي... لكن إنتِ يا بنتي مظلومة، والمظلوم عمره مايبقى مكسور قدام ربنا.
شدتها إليها أكثر وهي تهمس قرب رأسها: وأنا معاكي يا آلاء، ومش هسيبك أبدا.
أخذت تبكي بحرقة داخل حضن والدتها، بينما كانت أنهار تربت على رأسها وشعرها بحنان أمومي وهي تضمها بقوة وتدعو لها بصوت مختنق: يا رب فك كربها وأجبر قلبها يا كريم، يا رب هون عليها وأربط على قلبها.
ظلت آلاء متشبثة بها بصمت، كأنها تبحث داخل أحضانها عن الأمان الذي فقدته.
قصر الراوي9 ونصف مساء
جلست ماسة داخل الغرفة تهز قدميها بضجر، وعلامات الغضب والضيق مرسومة بوضوح على وجهها، بينما آثار أصابع رشدي مازالت مطبوعة على رقبتها بشكل مؤلم.
هي لم تكن تريد تلك المواجهة لكنه أجبرها، فقد حطم كل محاولاتها، وأسقط كل الآمال التي كانت تتمسك بها.
وسليم كان محقا طوال الوقت، لم يكن يظلمهم عبثا، ولم يكن قاسيا بلا سبب...
لكنها لم تكن ترغب في رؤيته يقتلهم بيده، فهم في النهاية عائلته... لكنهم هم من دمروا كل شيء بأيديهم.
وقعت عيناها على المرآة المقابلة توقفت للحظة، ثم اقتربت ببطء، وأخذت تنظر إلى العلامات على رقبتها، وتمرر أصابعها فوقها بشرود.
كانت حقيقية... ليست تمثيلا تلك المرة، تذكرت تهديده، ونظرته، والطريقة التي ضغط بها على رقبتها...
وبدأت عيناها تتحولان تدريجيا بشكل غريب، وكأن شيئا بداخلها ينطفئ، أو ربما تحاول قتل ماتبقى منها، رفعت نظرها نحو الساعة فوجدتها تشير إلي 9:30م وسليم لم يعد بعد...
عادت لتجلس مرة أخرى، تنتظر عودته بينما الوقت يمر ببطء خانق فوق أعصابها.
على إتجاه آخر، في الحديقة
جلس رشدي هناك شاردا في الفراغ أمامه، بينما عقله يعيد ماحدث مرارا بلا توقف.
لم يكن يتخيل أن تصل الأمور إلى تلك النقطة، أو أن يقف أمامها بذلك الغضب والقسوة، هو لم يكن يريد لكل هذا أن يحدث، لكن خوفه من خسارة مي، جعله يدفع إلى مكان أسوأ بكثير مما تخيل كل شيء أنفلت من بين يديه.
مرر يده على وجهه بتعب، ثم أخرج سيجارة وأشعلها بعصبية، يسحب منها نفسا طويلا قبل أن يخرجه ببطء، وكأنه يحاول إخراج كل مابداخله معها.
أغمض عينيه للحظة بألم، ثم همس بضيق: ليه يا ماسة...ليه؟!
سحب نفسا آخر من سيجارته، ثم أشعل غيرها فور انتهائها، وكأن التدخين صار الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانفجار.
ظل يردد داخل رأسه بإنهاك وغضب مكتوم: ليه يا ماسة... ليه خلتينا نوصل لكدة؟
كان خائفا... ليس من الذي حدث فقط، بل من القادم أيضا، خائف أن تتحول كل تلك الفوضى التي صنعها إلى شيء لن يستطيع إصلاحه لاحقا.
سيارة سليم.
كان مكي يقود بهدوء، بينما جلس سليم بجانبه شاردا، وسلوى بالخلف تراقبهم بصمت للحظات قبل أن تقول بخفوت: على فكرة ممكن تروح إنت الأول علشان ماسة، وأنا مكي يروحني.
قالتها وكأنها تتحدث بعفوية، بينما في الحقيقة كانت تريد البقاء مع مكي.
نظر لها سليم عبر المرآة الأمامية: مافيش الكلام ده، هوصلك الأول.
ذمت شفتيها وهي تقول محاولة إقناعه: ماسة عمالة تتصل بيك من بدري، وأكيد قلقت عليك.
هز رأسه: إنتي كدة كدة في طريقي، وبعدين إنتي اتأخرتي الساعة داخلة على 10.
أجابت مسرعة: انا كلمتهم قولتهم إن عندي شغل، أسمع بس إحنا نوديك وبعدين مكي يروحني، أنا مش مستعجلة.
نظر لها ثواني عبر المرآة، وفهم أنها تريد البقاء مع مكي، كاد يوافق، لكن مكي سبقه وقال بملل متعمد وهو مثبت عينه علي الطريق: هانروحك الأول يا سلوى، مش عايزين كلام كتير... أنا عايز أروح أنام.
زفرت بهدوء ثم هزت رأسها باستسلام.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
نفس الوقت عند مصطفي ...
هبط إلى الأسفل، وطلب من الخادمة أن تحضر العشاء لآلاء وتوصله إليها في الغرفة، ثم سألها عن مكان أسرته، فأشارت له بوجودهم في إحدى الغرف، أومأ لها وأتجه إلى الغرفة التي أشارت إليها، فوجد إيهاب وعائشة جالسين بمفردهما، فستاءل بمزاح لطيف: اومال ماما فين؟ انا قولت زمانها قاعدة وواخداكي في حضنها.
أجابته بهدوء: هي فعلا عملت كده بس راحت تعمل أكل علشان جعانة.
مصطفى بقلق واضح: إيه يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ طمنيني.
حاولت الابتسام بخفوت: كويسة أهو الحمد لله.
تساءل بشك وهو يراقبها بتدقيق: متأكدة؟
تنهدت، ثم انخفضت عيناها قليلا: أكيد إللي حصل خوفني، وحاسة إني مش على أعصابي، بس بحاول قدام ماما أبقى كويسة، علشان عارفة لو ضعفت قدامها هاتنهار، وبعد إللي آلاء عملته، فهمت إن ماما أكيد ضايقتها، فامحبتش أزود عليها.
ادمعت عيناها وهي تهمس بخوف: بس بجد أنا خوفت أوي، خوفت يعملوا فيا حاجة، مش عارفة هتخطى الموضوع ده إزاي؟!
اقترب منها مصطفى، وضمها وهو يربت على ظهرها بحنان أخوي: أنا عارف إن إللي حصل مش سهل، بس إحنا أقوياء، وهنعدي ده سوا، صح؟
هزت رأسها بصمت: أممم بس أنا مش هخرج لوحدي تاني الفترة دي لحد أما أحس إني قادرة أخرج لوحدي.
إيهاب بهدوء: أنا هاجي معاكي أوصلك.
عائشة بإعتراض: وشغلك؟ أنا شوية وهبقى كويسة.
مصطفى موضحا: سليم قال إنه هايحط حراسة خاصة لكل واحد فيكم.
ثم ابتسم لها بحنان، وقبل رأسها ويدها بخفة: حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، حقك عليا.
هزت رأسها بسرعة: إنت مالكش ذنب.
ثم رفعت عينيها إليه بقلق: آلاء مالها؟
تنهد مصطفى بضيق شديد: الحيوان أخوها، كان عايز يعملها كشف عذرية.
اتسعت عينا عائشة بصدمة: يا نهار أبيض! علشان كده انهارت، الحيوان إزاى يعمل في أخته كده.
تنهد موضحا: الحمد لله ماحصلش حاجة، لحقتها، بس أكيد الموقف كان قاسي عليها طبعا.
تدخل إيهاب بضيق: وماما سمعتها شوية كلام قبل ماتمشي يكسروا بصراحة..
مرر مصطفى يده على وجهه بتوتر: وفيه مصيبة أكبر من كده كمان.
نظر له الاثنان باستغراب، فقال بصوت متحشرج من شدة غضبه: أخوها بيقول إنه جوزها!!
اتسعت أعينهما بصدمة: إيه؟!
تنهد مصطفي بعصبية: لسه بقي عايز أعرف الكلام ده حقيقي ولا مجرد كلام منه.
عائشة بسرعة: طب نكلم سليم ونتأكد منه.
هز إيهاب رأسه معترضا: الصباح رباح، الراجل تعب معانا من الصبح ولسه جاي، سيبوه يروح يستريح شوية.
تنهد مصطفى بتعب: عندك حق، بكرة هادكلمه.
ثم نظر إلى عائشة بهدوء: وإنتِ يا عائشة، معلش أبقي اقعدي مع آلاء شوية وحاولى تخريجها من المود ده وتهوني عليها شوية.
أومأت فورا: حاضر، من غير ما تقول طبعا هعمل كدة.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي ،10م.
توقفت السيارة أمام القصر، هبط منها سليم ومكي، وخلفهما مباشرة توقفت سيارة الحراس.
ألتفت سليم إليه وهو يقول بجدية واضحة: زي ماقولتلك، بكرة لازم كل حاجة تكون جاهزة، وكل واحد فيهم يبقي معاه حارسين.
أومأ مكي بتعب: ماتقلقش، هظبط كل حاجة، وبعدين عشري هناك معاهم، أنا هروح أنام لإني تعبان جدا.
هز رأسه، فتحرك مكي نحو الاستراحة، بينما اتجه سليم للداخل ، لكنه توقف عندما لمح رشدي جالسا في الحديقة، شاردا في الفراغ أمامه.
اقترب منه وهو يعقد حاجبيه: قاعد كدة ليه؟
لكنه لم ينتبه له، وظل على حالته وكأنه لا يسمع شيئا.
اقترب أكثر وربت على ذراعه: إنت يا ابني!
انتفض رشدي فجأة، واتسعت عيناه بتوتر واضح، فتساءل سليم: عملت ايه مع عماد؟ روحتوا البرنامج؟!
أخذ رشدي نفسا عميقا وفهم أن الأمر ليس له علاقة بما حدث مع ماسة، فتنحنح قائلا: أنا معرفش عماد فين بكلمه من الصبح مش بيرد، بس عموما الأخبار بدأت تتكذب.
عقد سليم حاجبيه أكثر: هو إنتوا مش كان المفروض تطلعوا في برنامج النهاردة وتخلصوا الحوار ده؟
تنهد بإرهاق: عماد هو إللي متابع الموضوع، ومش موجود.
ظل سليم يراقبه للحظات، ثم قال بتركيز: فيك حاجة؟
مرر يده على وجهه بتعب: أكيد يا سليم، بعد كل إللي حصل طبيعي أبقى كده، أنا بس مش قادر أفهم مين ورا إللي بيحصل ده وليه؟
تنهد سليم، وقال بحسم: عموما، بكرة لازم نطلع في برنامج ونخلص الحوار ده، السكوت أكتر من كده ماينفعش، ماتخلينيش أندم إني اعتمدت عليك إنت وعماد...
ثم أضاف بجدية مصطنعة: لازم تفوق شوية دي أختنا، وتهمنا أكتر من عماد، حتى لو إحنا الاتنين مابنطيقهاش وعندنا مشاكل معاها ومع جوزها، بس ماينفعش نسكت عن الكلام إللى بيتقال ده.
أومأ رشدي بصمت، فتحرك سليم بعدها نحو الداخل، تاركا رشدي وحده من جديد وسط أفكاره المشتتة.
غرفة سليم ماسة.
كانت ماسة لا تزال جالسة تنتظر عودته، وقد شعرت ببعض القلق يتسلل إلي قلبها من تأخره كل هذا الوقت..
ما هي إلا ثواني، حتى سمعت صوت باب الغرفة يفتح ودخل سليم.
وما إن وقع بصرها عليه حتى اعتدلت سريعا في جلستها، تجمع شتات نفسها بصعوبة، محاولة أن تبدو هادئة، فهي لا تريد بدء تلك المواجهة وهو متعب بهذا الشكل.
توقفت بابتسامة مصطنعة، ثم اقتربت منه بخطوات بطيئة وقالت بنبرة أخف: حمد لله على سلامتك يا حبيبي، اتأخرت كدة ليه؟
جلس على الأريكة بتعب، وقال بتوضيح متعب: عائشة كانت مخطوفة..
اتسعت عيناها بصدمة، وجلست بجانبه وهي تتساءل بقلق: إزاي يعني؟! مين خطفها؟! فيه حد عرف حاجة ولا إيه؟!
هز رأسه سريعا: لا لا، مش العيلة، ده أخو آلاء إللي خطفها، بس رجعناها.
قطبت حاجبيها بعدم فهم: أخو آلاء؟!
اومأ بتأكيد متعب: أيوه، آلاء البنت إللي مصطفى اتجوزها.
أومأت باستيعاب: أيوة أيوة، بس أخوها يخطف عائشة ليه؟
تنهد وهو يعود بظهره على الأريكة ويفتح أول أزرار قميصه: هفهمك...
وبدأ يروي لها كل ماحدث، كانت تستمع إليه وملامحها تتغير بين الصدمة والتوتر وعدم التصديق، حتى أنتهى أخيرا.
شهقت وهي تضع يدها على فمها، وقالت بحزن وتأثر: يا نهار أبيض! إزاي تهون عليه يعمل فيها كده؟! دي أخته! أومال لو واحدة غريبة كان عمل فيها إيه؟! إزاي تهون عليه؟ دي أكتر حاجة ممكن تكسر أي ست، إنها تتعرض لموقف زي ده...
أومأ بإيجاب، وهو يزم شفتيه بأسف: فعلا، وحالتها صعبة جدا، صعبت عليا والله.
قالت بتأثر حقيقي وهي تزم شفتيها: أنا زعلت عليها أوي وأنا ماعرفهاش، منه لله أخوها.
ثم تابعت بضجر: سليم، إنت لازم بجد تأدبه وتخليه عبرة، الحيوان ده...
تنهد وهو يمسح على رأسه من الخلف: هعمل كده أكيد، بس مش هينفع آخد أي قرار غير لما أتكلم مع مصطفى، أنا أصلا ماعرفتش أعمل أي حاجة بسبب إللي حصل.
صمتت للحظة، ثم قالت بتفكير: حبيبي، إيه رأيك تقول لمصطفى يكلم دكتور ياسر؟ يمكن يساعدهم، هي أكيد محتاجة دلوقتي دكتور نفسي، إنت بتقول إنها انهارت وحالتها صعبة.
أومأ بالإيجاب: فكرة حلوة، هعمل كده، وبصراحة نبيلة هانم كانت قاسية جدا معاها، وبسبب الموضوع ده الدنيا اتعقدت أكتر.
قالت بتفهم: هي كانت خايفة على ولادها، الإنسان لما بيخاف أوي ممكن يعمل حاجات هو نفسه مايبقاش فاهمها، ودى كانت بنتها مخطوفة، ومع عيال صايعة، مش عايزين نقسى عليها في الحكم..
أومأ مؤيدا بنبرة مريرة: أنا عارف ومجرب، وإنتِ كمان مجربة، إحنا حياتنا اتدمرت بسبب الخوف، الخوف بيخلي الإنسان يعمل حاجات كتير غلط.
زمت شفتيها بأسف: إن شاء الله تكون كويسة، البنت دي مسكينة أوى، هاتلاقيها منين ولا منين؟ ربنا يكون في عونها، الحياة دي طلعت وحشة أوي يا سليم، مابتدوسش غير على الطيبين بس..
ثم تساءلت: وشوشو كويسة؟
أجاب مازحا: آه كويسة جدا، مافيهاش أي حاجة بقولك مكي قالي إن هي وأختك قعدوا يتعرفوا على بعض هناك كأنهم في الملاهي.
ضحكت رغما عنها، فضيق عينيه وقال بنبرة مازحة: بس غريبة إنك ماعلقتيش خالص على حوار سلوى ووجودها مع مكي؟
رفعت كتفيها: موضوع آلاء وعائشة خلاني أركز معاهم أكتر بصراحة.
تابعت بضجر: وبعدين سلوى دي مجنونة قسما بالله، كويس إنك زعقتلها ياريتك كنت اديتها على وشها المجنونة دي.
خرجت منه ضحكة قصيرة ومتعبة، ثم قال بغيظ واضح: كنت عايز أعمل كدة بصراحة بس مسكت نفسي بالعافية علشان ماتزعليش مني، ولا هي كمان، أنا ماصدقت ترضى عني..
هزت رأسها وهي تقول بضيق: لا بجد متهورة جدا، أنا ليا كلام معاها بس أشوفها، كان ممكن يحصلها حاجة، إيه العبط ده!
نظر لها من أسفل عينه وقال بمغزى: يعني أنتِ لو كنتي مكانها، ماكنتيش هتعملي كدة يا ماستي يا عاقلة؟
ردت بسرعة وكأن الأمر بديهي: أنا أعمل كده عادي، لكن هي ماتعملش كده؟!
رفع حاجبه متعجبا، فضحكت وتابعت بمزاح وتبرير: معلش أنا متعودة، أنا عشت معاك كل أنواع الأكشن إللي في الدنيا، خطف واغتصاب وهروب وتهديد وحوادث ومحاولة قتل يعني مش حارمني من حاجة الصراحة، بعدين دلوقتي أنا بقيت قوية وبعرف أضرب وادي بوكس جامد يا كراميل حتى بص.
رفعت ذراعيها أمامه تطلعه على قوتها، نظر لها وعقد بين حاجبين بتقليل، فردت على نظراته: ماتستصغرنيشي يا سليم.
ضحك بتعب وقلة حيلة: والله عارف إنك لو كنتي مكانها كنتي هتعملي زيها وأكتر، إنتم الأتنين عندكم ربع مهوي..
تابع بجدية: بس هو في الأول والآخر غلط، فيه أوقات لازم نحكم العقل، التهور ده ماينفعش.
تبسمت بشقاوة: بس عارف يا كراميل؟ هي برضوا حركة حلوة، خلته يخاف عليها ويمكن تكون سبب إنهم يرجعوا لبعض.
هز رأسه بيأس مبتسم: ماتبقيش ماسة لو ماقولتيش كده، عارف إنك عايشة في فيلم عربي قديم وبتموتي في الحركات دي..
تابع بجدية محذرا: بس تاني بقولك، ده مش صح، ممكن يعرضك ويعرض إللي معاكي للخطر، زي النهاردة كان ممكن عائشة يحصلها حاجة بسبب حركة أختك الغبية دي.
عارضته بهدوء عقلاني: أنا مابحسش مكي عاطفي بالشكل ده، مش هايختار سلوى يعني فيه لحظة ضعف، بيعرف يتحكم في عواطفه، حتى لو بيموت فيها، هايعرف يتصرف بعقل من غير مايخسر إللي معاه، غيرك خالص، يعني لو أنا مكان سلوى، كنت هاتضحي بعائشة عادي.
ضحك عاليا وهو يقول: ده حقيقي، علشان كده بعته هو..
أخرج نفسا عميقا وهو يهم بالنهوض: أنا هقوم أغير هدومي، أكلتي ولا لسه؟
هزت رأسها بابتسامة: لا مستنياك يا كراميل.
توقفت امامه وهي تمسح على كتفه بحنان: إيه رايك تاخد شاور سريع، عقبال ما سحر تطلعلنا الأكل.
أومأ برأسه واتجه نحو غرفة الملابس، أخذ ملابسه ثم دخل المرحاض.
ظلت ماسة تنظر الي أثره، تسحب أنفاسها بتوتر وهي تحدث نفسها: أستني شوية، ماتحكيلوش دلوقتي.
وقعت عيناها على مسدسه الموضوع فوق التسريحة،
ترددت لثواني، ثم أسرعت وأخذته وأخفته بعيدا،
كانت متأكدة حين يعرف قد يفعل شيئا متهورا، طلبت الطعام، وبعد قليل أحضرته سحر، وكان سليم قد أنهي حمامه.
جلسا يتناولان الطعام معا، وسليم يسألها عن يومها بين الحين والآخر، وهي تجيبه بإبتسامة خفيفة وتحاول أن تبدو طبيعية، لكنه كان يراقبها جيدا، يعرفها عن ظهر قلب، ويحفظ أدق تغيراتها، لذلك كان منتبها منذ اللحظة الأولى أن هناك شيئا بداخلها ليس طبيعيا!
وبعدما انتهيا من الطعام، جلسا يشربان العصير في هدوء ثقيل.
ظل ينظر إليها بصمت ينتظرها أن تبدأ الحديث ولكنها بقيت صامتة وشاردة، فقال أخيرا وهو يضع الكوب على الطاولى: يلا بقى قوليلي مالك ياقطعة السكر، علشان أنا ملاحظ إن فيكي حاجة.
رفعت عينيها نحوه، بتوتر خفيف، كانت مترددة لا تعرف كيف تبدأ.
أخذت نفسا عميقا، بينما هو يراقبها بتركيز شديد.
ثم قالت أخيرا: أصل، أصل رشدي جه النهاردة.
تجمدت ملامحه قليلا منتظرا باقي حديثها
بينما أكملت بصوت منخفض: وكان بيسألني ليه هربت؟! وبيحذرني إني بلاش أأمن لهم.
أجابها ساخرا: هو لسة مكمل في التمثلية بتاعته دي؟!
هزت رأسها سريعا موضحة: لا دي ماكانتش تمثيلية، هو كان بيتكلم جد..و
قاطعها بضيق غاضب: إنتِ لسه بتصدقيه؟ هو أنا مش قولتلك-
رفعت يدها تقاطعه بسرعة: ممكن تسمعني للآخر؟
صمت لحظة، يمرر عينه عليها لوهلة، ثم اخذ نفسا عميقا، وأومأ لها بالموافقة.
تنهدت وهي تنظر أمامها مفسرة بضيق: في الأول دخل عليا بنفس الأسلوب وصدقته واتأثرت مش هنكر، وافتكرت كلامي معاك الصبح لما قولتك أني هكدلك إن رشدي اتغير، وإني حتى لو استفزيته بمي مش هيستفز زي زمان، ولا هيعمل أي حاجة..
تبسم ابتسامة جانبية ساخرة: وطبعا ماعملش كدة.
أومأت بخذلان وهي تنظر له بإنهزام.
أخرج نفسا عميقا، ومد شفتيه بضيق: طب كويس يا ماسة إنك اتأكدتي إن رشدي هيفضل طول عمره رشدي، يا رب بقى تنسي عواطفك دى وتبطلي تدافعي عنهم.
أجابته بإختناق وغضب يكاد يخنق صوتها: لا، ماتقلقش، مش هدافع عنهم تاني، مستحيل أدافع عنهم، إنت كنت صح، إنت طول عمرك صح، وأنا طول عمري غلط، بس أنا افتكرت إن الإنسان بيتغير لما بتحصله كوارث، إنت نفسك اتغيرت وأنا اتغيرت، بس هما مابيتغيروش، ومابيتعظوش، ولسه مكملين في نفس الجبروت والقسوة..
نهضت من مكانها، وبدأت تتحرك في الغرفة بعصبية، بينما كانت عيناه تتابعانها بصمت، كان يشعر أن بداخلها شيئا أكبر من مجرد حديث رشدي، لذلك ظل يستمع إليها دون أن يقاطعها.
واصلت حديثها بنبرة أكثر غضبا وغيظا وكرها: عندهم فن إنهم يخلوك إنسان وحش وقاسي، ويجردوك من كل حاجة إنسانية جواك.
توقفت باستغراب تحرك يديها: المشكلة إني عمالة أفكر أنا عملت إيه وحش؟ فضلت أدور على حاجة واحدة حتى تخليهم يبقى عندهم 1% حق أو وجهة نظر بس مالقيتش..
عقدت حاجبيها باستغراب مستهجن وهي تواصل: مش شايفة إن جوازنا يستاهل كل ده، آه إنت اتخانقت معاهم واتجوزت واحدة غصب عنهم، فقيرة وخدامة وماتليقش بيك! بس أنا دلوقتي إيه؟ اتغيرت، وحتى لو مكنتش اتغيرت، يكفي إنك سعيد معايا..
هزت رأسها بعنف ثم تابعت: وماتقوليش إنهم كانوا بيقصدوني أنا بس، لا، هما كانوا بيقصدوني أنا كمان، كان فيه جزء بيقصدك وجزء بيقصدني، رشدي بيقتلك عن طريقي، وفايزة بتقتلني عشان مش عايزاني ومش قابلة بيا، وصافي نفسها تموتنا إحنا الأتنين علشان غيرانة من حبك ليا، وعلشان تفضي المكان لجوزها..
توقفت للحظة تلهث، ثم قالت بمرارة حادة: بجد أنا ندمانة على كل ثانية قولتلك فيها كفاية واديهم فرصة، هم مايستاهلوش حقيقي مايستاهلوش..
كان ينظر إليها باستغراب، كان متأكدا أن هناك شيئا كبيرا قد حدث، ماسة لا تصبح هكذا، ولا تصل إلى هذا القدر من الانقلاب والغضب إلا إذا تعرضت لشيء قاسي.
ومع ذلك، فضل أن يتركها تتحدث، يشعر أن كل مابداخلها يخرج الآن، ولم يشأ أن يوقفها.
كان يريد أن يعرف ماذا فعلوا بها في غيابه حتى تنقلب عليهم بهذا الشكل، كان متأكدا أن هناك تهديدا ماحدث، لكنه أراد أن يفهم كيف حدث بالضبط.
اقتربت منه ومالت عليه وهي تنظر في ملامحه بنظرة فيها قسوة لا تشبهها: كمل يا سليم، ماتقفش، هما مايستاهلوش.
انتصبت وهي تبتلع غصتها وأكملت بصوت متهدج: عارف؟ قبل ماتيجي بشوية كان لسه جوايا حتة إنسانية صغيرة ناحيتهم كنت عايزة أقتلها، علشان كده روحت لمامتك، كنت متأكدة إنها هاتقتل آخر حتة جوايا... وأنا كنت عايزة ده.
ـــــــــــــــــــــــ
فلاش باك
جناح فايزة وعزت
كانت فايزة متمدده على الفراش، تتابع الأخبار ويبدو علي ملامحها الضيق والاختناق، طرق الباب، ثم دخلت ماسة بإبتسامة صغيرة.
رفعت فايزة عينيها إليها باستغراب وقالت بحدة: إنتِ إيه إللي جابك هنا يا بنت إنتِ؟
أجابت بهدوء وهي تتوقف أمام الفراش: جاية أقولك حمد لله على السلامة.
ردت بعناد وأرستقراطية متعالية: طبعا شمتانة وفرحانة فينا، بس ماتفرحيش أوي، لإن كل حاجة هاتنتهي خلال ساعات والخبر هايتكذب.
وتابعت بتنبيه مهيمن: أوعي يا حشرة تفتكري إنك هتقدري تشمتي في ستك صافيناز، ولا تكوني فاكرة إني نسياكي؟ إنتِ لسة تحت عيني، وقريب هتخلص منك للأبد.
ضحكت ماسة ضحكة متعجبة من تلك العنطظة التي لا تنتهي: لا بجد، إنتوا حاجة غريبة، يتعمل عنكم مسلسلات وأفلام، وهتبقى عنوانهم، تعريف الظالم في دقيقة واحدة، نهاية كل ظالم.. أصل إنتم نهايتكم هتكون وحشة أوي، أوحش من نهايات الأفلام حتى، أوعي تكوني فاكرة إن انتوا هتفضلوا كده؟! ربنا سبحانه وتعالى مابيسيبش حق حد ولا بيسيب الظالم يكمل في ظلمه، هو أوقات بيسيبه يفتكر إن الدنيا أمان وتمام، لحد مايصدق نفسه إنه قادر وفوق الكل، وفجأة ياخد الضربة، بس ضربه ماتخليهوش تقوم له قومة.
اقتربت منها وتابعت بنبرة شماتة: أنا ماكنتش شمتانة، وكنتوا صعبانين عليا، بس دلوقتي؟ أنا مبسوطة، مش بس شمتانة، علشان حقي بيتجاب..
ثم قالت بنبرة امتلأت بالقهر: وكل مرة بصلي فيها، بدعي وبقول حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، ويارب هاتلي حقي من الناس إللي ظلمتني..
أشارت إليها بإصبع مرتجف بعينين تلمع بدموع: بس عارفة يا فايزة هانم، إنتِ قبل ماتظلميني، ظلمتي ابنك ودمرتي حياته، وأنا كمان ساعدتكم في تدميره لما خوفت منكم زمان وسكت، ولما خوفت دلوقتي..
ثم أضافت بحدة وتحولت ملامحها للقوة: بس والله العظيم، لو فضلتي تهدديني هروح وهقوله كل حاجة، وعليا وعلى أعدائي، أنا مش ههرب تاني ولا هخاف منكم، وهعرف إزاي أخلي سليم يصدق إنكم عملتوا فيا كل ده ولفقتولي قضية الأداب، وهابرئ نفسي قدامه.
أهتز صوتها وهي تقول: أنا كان نفسي أشوف في عينك نظرة ندم، بس ماشوفتش غير جحود، زي ماطول عمرك قاسية وجاحدة..
ثم ابتسمت بمرارة: بس أنا ليه مندهشة أصلا؟ إنتِ ماعرفتيش حتى تبقي حنينة على أولادك، هاتحني عليا أنا؟
نظرت حولها ثم قالت بقسوة: أقولك على حاجة وماتزعليش؟ ولا أزعلي، شوفي نفسك دلوقتي، لوحدك لا حفيد جنبك ولا مرات ابن ولا حتى أولادك، وعلى فكرة فيه منهم ناس موجودة هنا مش كلهم بره، ومع ذلك ماحدش فيهم فكر يجي يقعد معاكي..
اقتربت من الباب وهي تتابع: تفتكري لو كنتي كويسة معايا كنت هسيبك لوحدك؟ كان زماني قاعدة جنبك دلوقتي، بس إنتِ ماتستاهليش، تستاهلي بس تكوني لوحدك هنا، وجوزك مرمي في المستشفى لوحده، وبنتك كل ساعتين تصحي تصرخ وتنام بالمهدأت، هي دي نهاية إللي زيكم، ولسه ربنا هاينتقم منكم كمان وكمان.
فتحت الباب ثم التفتت إليها للمرة الأخيرة وقالت: شكرا، إنك قتلتي آخر حتة إنسانية جوايا.
صرخت فايزة بغضب: استني هنا يا بنت أنتِ!
لكن ماسة لم تنتظر، وخرجت من الغرفة.
ضغطت فايزة على أسنانها بعنف، ثم ضربت المرتبة بغيظ: طيب يا ماسة... طيب.
(عودة)
كان سليم مازال يستمع إليها بصمت، بينما تابعت ماسة بإنفعال: بس أنا هددتها، وفهمتها إني بقيت قوية، ومابقيتش زي زمان ماسة الخدامة إللي بتخاف وتسكت.
توقف سليم، ثم اقترب منها، مرر عينيه عليها ببطء، قبل أن يسألها سؤالا واحدا بصوت منخفض خطير: برضو ماقولتيش رشدي عمل فيكي إيه؟ خلاكي توصلي لكده؟ أنا عارف ومتأكد إنه أكيد عمل حاجة، هددك تاني؟!
قالت بغضب محتقن: رشدي ده حيوان! تخيل؟ أختك الحقيرة إللي جوه دي، أقسم بالله أنضف منه، على الأقل من ساعة ماتجوزنا وهي واضحة إنها بتكرهني مش زيه كداب وبيتلون، وأنا إللي كنت بقول رشدي جواه كويس، رشدي مابيكدبش، رشدي مابيتلونش، بس طلع بيتلون عادي طول مامصلحته معاك.
لم تتغير نظراته، فقط كرر سؤاله بنبرة أثقل: رشدي عملك إيه يا ماسة؟
ابتلعت ريقها ثم قالت بإختناق بعينين تلمع بدموع: لما هددته إني مش هفضل ساكتة، وإني هقول لمراته وأخليه يتعذب زي ماعذبني، خنقني الحقير الزبالة...
ثم أشارت نحو رقبتها بعدما أزاحت طرف البيجامة: خنقني وهددني بيك إنت وأهلي... الحيوان.
غامت عيني سليم بالسواد وهو يري أصابع رشدي مطبوعة علي رقبتها، بينما تابعت هي بإنفعال وغل بدموع تهبط: بس والله ما هسيبه أقسم بالله لأندمه، وأنا هاوريه بقى الإنسان الطيب لما قلبه يقسى بيبقى عامل إزاي؟! ورحمة بنتي لأخليه يمسك المسدس بإيده ويدهولي ويقولي أقتليني وأرحميني، بس ماتفضليش تعملي فيا كده... وأنا قادرة، وهعملها.
بينما سليم كان في عالم آخر، ولم يستمع إلي آخر كلماتها، وكأن عقله توقف عند رؤية آثار أصابعه على رقبتها، كل ماستوعبه أن رشدي خنقها، وهددها، وكان على وشك قتلها!
وفجأة صاح بصوت جهوري أهتز له المكان: يا ابن الكلب يا رشدي! والله لأقتلك!
ثم اندفع بعصبية وهو يصيح؛ عملها تاني؟ دخل أوضة نومي ويمد إيده عليكي تاني؟!
اتسعت عينا ماسة بخوف عليه، حين تحرك بسرعة ناحية التسريحة يبحث عن مسدسه، فركضت خلفه محاولة إيقافه.
ماسة بلهفة: سليم أهدى! العنف مش هاينفع! إنت إللي قولتلي كده، الموت راحة، طب أسمعني، أعرف أنا عايزة أعمل إيه.
قال بعصبية وهو يفتش بعينيه: فين المسدس يا ماسة؟
هزت رأسها سريعا: مش هديك المسدس يا سليم مش هخليك تبوظ كل إللي إحنا عملناه، ولا تبقى قاتل أخوك بإيديك حتى لو يستاهل، أسمعني، أنا مش هقولك سامح بس..
التفت إليها بعينين مشتعلة: عايزاني أقعد ساكت بعد إللي عمله ده؟! شايفاني مش راجل؟!
اقتربت منه بسرعة: لا لا، إنت راجل والله، بس أنا عندي فكرة أقوى من القتل...
قال من بين أسنانه: هاتي المسدس يا ماسة.
ردت: لا.
صرخ بنفاد صبر: بقولك هاتي المسدس، ماترفزنيش!
رفعت ذقنها بعناد: قولت لا.
نظر إليها لثواني وهو يتنفس بعنف، ثم قال ببرود مرعب: طب خليه معاكي، أنا هعرف أقتله إزاي.
دفعها بهدوء، ثم تحرك مبتعدا نحو باب الغرفة،
حاولت إيقافه وهي تصرخ بذعر: يا سليم أسمعني! يا سليم!
لكنه خرج راكضا كالعاصفة التي تلتهم كل مايقف أمامها دون رحمة أو انتظار، وهي مازالت تصرخ: يا سليم استنى!
لكنه لم يلتفت لندائها، وأكمل هبوطه إلى الأسفل كالمجنون.
ظلت تركض خلفه حتى وصلت إلى حافة الدرج، لكنها توقفت فجأة، وشيء بداخلها شدها بقوة، وذكرها أنها لا تستطيع النزول الآن، حتي لا تفسد مخططهم.
ضربت رأسها بغيظ، ثم ركضت مرة أخرى إلى الغرفة،
أمسكت هاتفها بسرعة واتصلت بمكي، الوحيد الذي قد يستطيع إيقافه.
أتاها صوته الناعس وهو على الفراش: إيه يا ماسة..
صرخت بإنفعال: مكي! إلحق! سليم هيقتل رشدي!
انتفض بفزع: هيعمل إيه؟!
أجابت بتوتر: هيقتل رشدي! إلحقوا بسرعة!
ـــــــــــــــــــــــ
بينا كان سليم يركض بحديقه وهو يصيح بصوت رجولي جهوري أهتز له المكان: رشدييي!
كان رشدي لا يزال جالسا في الحديقة مكانه، فألتفت إليه باستغراب وهو يعقد حاجبيه.
أندفع سليم نحوه كالوحش، وأخذ ينهال عليه باللكمات وهو يصرخ بغضب مرعب: بتمد إيدك على مراتي يا حيوان؟! يا كلب! إزاي تمد إيدك على مراتي؟!
حاول رشدي تفادى الضربات، وهو يقول: ضربت مين ياعم، دي بتكدب عليك، وسع كدة..
صاح سليم من بين أسنانه بعينين محمرتين من الغضب: وإيدك إللى معلمة على رقبتها يا خسيس، أنا هعرفك إزاي تمد أيدك على مراتي
وبدأ يضربه بجنون، لكن رشدي شدّ جسده ودفع سليم بعيدًا، ثم وجّه له لكمة قوية، إلا أن سليم أمسك يده بعنف وضربه برأسه ضربة قاسية أربكته للحظة.
حاول رشدي أن يبتعد ويدفعه، لكن سليم كان أقوى منه بكثير؛ غضبه وهيجانه جعلاه كالإعصار، بينما كان رشدي بالكاد يستطيع المقاومة بسبب حالته وإصاباته التي لم يتعافَ منها بعد.
وفجأة أمسك سليم بذراعه بعنف وهو يهدر بصوت مخيف: دي الإيد إللي خنقت مراتي؟! هكسرهالك!
ثم لوى ذراعه بقوة هائلة جعلت صرخة ألم حادة تخرج من رشدي رغما عنه، بينما شعر بعظامه تكاد تتحطم بين يدي سليم.
وفي اللحظة التالية، قبض سليم على عنقه بعنف شديد، وعيناه تشتعلان بشكل مرعب، ثم قال بصوت منخفض مخيف: هقتلك يا رشدي... والله لأقتلك!
وبدأ يخنقه بالفعل، تشنج جسد رشدي، وارتبكت أنفاسه وهو يحاول إبعاد يد سليم، لكن قبضته كانت كالفولاذ.
وبحركة يائسة، رفع قدمه وضرب ساق سليم المصابة بقوة، ظنا منه أن إصابته القديمة ستضعفه أو تجعله يتراجع، لكن سليم لم يتحرك ساكنا حتى ملامحه لم تهتز.
في تلك اللحظة وصل مكي والحارس خلفه، وهو يصرخ: أبعدوه! بسرعة.
اندفع الحراس مع مكي يحاولون الفكاك بينهم.
مكي وهو يحاول إبعاد سليم: سليم سيبوا كفاية.
وبعد عدد محاولات تمكنوا أخيرا من سحب سليم بعيدا، بصعوبة شديدة، بعدما كان أشبه بوحش كاسر.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه مشتعلة بشكل مخيف، وهو يصرخ بهم: سيبوني! سيبوني أقتله الحيوان ده!
أما رشدي، فكان جالسا مكانه، عيناه متسعتان بصدمة ورعب، يضع يده على رقبته ويحاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة، لم يكن قادرا حتى على الكلام..
كل ما كان يدور في رأسه ما الذي قالته ماسة ليصل لهذا الحد؟!
كل ذلك كانت ماسة تقف بعيد قليلا، تراقب مايحدث وهي مختبئة خلف أحد الأعمدة، وعيناها لا تفارقان المشهد.
في الجهة الأخرى.
كان مكي يدفع سليم بكل قوته، بعدما بدا كالمجنون تماما، بينما كان سليم يصرخ بعنف ويحاول الإفلات منهم: أوعى يا مكي! أبعد عني!
لكن مكي لم يتركه، وظل هو والحراس يدفعونه إلى الداخل بصعوبة، حتى تمكنوا أخيرا من إدخاله إحدى الغرف وإغلاق الباب عليه.
وعلى الجانب الآخر.
اقترب شوقي من رشدي بتوتر وقال: رشدي بيه... إنت كويس؟
رفع رشدي عينيه إليه، وكانت معتمة بسواد مخيف، ثم صرخ وهو ينهض بعنف: أوعى من وشي!
أبتعد شوقي، بينما تحرك رشدي بخطوات سريعة إلى داخل القصر، والغضب يشتعل في ملامحه بشكل مرعب.
قاطع خطواته وقوف ماسة أمامه مربعة ذراعيها أمام صدرها، وعلى شفتيها نصف ابتسامة جانبية مستفزة بشماتة، بينما رفعت أحد حاجبيها وهي تقول بسخرية باردة: تسلم إيده والله.
جز على أسنانه بعنف، وقبض علي يديه حتى برزت عروقه، وكاد يندفع نحوها فعلا، لكنها لم تتحرك من مكانها، بل قالت بثبات وهي تنظر له مباشرة: بتفكر تعمل حاجة ولا إيه؟ صدقني المرة دي هياخد المسدس إللي مع مكي ويديهالك في نص دماغك.
اقترب خطوة منها وهو يتنفس بعنف، لكنها أكملت دون خوف: أنا المرة دي اكتفيت إني أقوله إنك ضربتني علشان استفزيتك بالكلام وشمت فيك إنت وأمك بعد إللي حصل لصافيناز.
ثم مالت برأسها قليلا، وعيناها تلمعان بتحدٍ خطير: فتخيل بقي عمل فيك كل ده علشان رفعت إيدك عليا وهو مش طايقني وفاكرنى خاينه، أومال بقي لو حكيتله علي كل حاجة هيعمل فيك إيه؟
هدر بغضب قاتل: ماسة، لآخر مرة بقولك.
قاطعته بنبرة أكثر حدة: لا، لآخر مرة أنا إللي بقولك أبعد عني يا رشدي، عشان إللي جاي هيبقى بتاعي أنا..
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة منتصرة وهي تقول: واحد... صفر أنا إللي كسبت الجولة دي تعيش وتاخد غيرها يا رشروش.
اشتدت ملامحه بشكل مخيف، وكاد يفتك بها، لكنه لم يستطع، فسليم لم يكن بعيدا... وخطأ واحد فقط كفيل بإنهاء كل شيء.
صرخ رشدي بعنف رجولي، ثم ضرب الحائط بكفه بقوة جعلت صوته يتردد في المكان، قبل أن يستدير ويتحرك مسرعا إلى الخارج.
بينما ظلت ماسة واقفة مكانها، والابتسامة على شفتيها تزداد تدريجيا، ولأول مرة منذ وقت طويل تشعر أنها هي من تمسك زمام اللعبة بيدها.
على إتجاه آخر.
كان مكي يحاول تهدئ سليم وهو يلهث: في إيه يا سليم؟! هو إنت كل يوم هتخنق حد؟! أهدى بقى!
صرخ بعينين مشتعلة: كنت عايزني اعمل ايه وانا شايف صوابعه معلمه علي رقبة مراتي، كان بيخنقها الحقير الكلب، هو خلاص جاب آخره معايا...
وفي تلك اللحظه فتح الباب، ودخلت ماسة تقول بمزاح مستنكر: ضربته خلاص وارتحت، ممكن بقي نتكلم بالعقل..
اجابها بضيق وحسم: مفيش كلام، ومش هسمع حاجه.
لم تهتم لكلماته، والتفتت إلى مكي: من فضلك يا مكي راقب المكان برا لحد ماتكلم معاه شوية.
أجابها باستنكار: بلا أراقب بلا بتاع بقي، اطلعوا أوضتكم اتكلموا براحتكم، أنا رايح أنام..
ثم نظر لسليم وهو يشير بيده على ذات الوتيرة: وأسمع، رقمي يتمسح من عندك، وإنتِ كمان أمسحي رقمي، مش كل ماجي أغمض عيني، مكي ألحق...مكي أجري.. مكي حووش... الله يخربيت مكي لليوم إللى عرفكم فيه مكي..
تابع باستهجان: وبعدين مبتكلميش عشري ليه، لو مش معاكي رقمه ادهولك، ايييه مشبعتوش فرهدة، قعدت تقول عايز انتقم وانتقمت بطل فرك بقي، عايزة أنام يا جدعااان، ومافيش تصبحوا على خير..