
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والثلاثون 34 ج 2 بقلم ليله عادل
قال مكي كلماته ثم غادر وأغلق الباب خلفه، فنظر سليم إلى ماسة، ثم أنفجرا الأثنان بالضحك رغما عنهما
ماسة وهي تحاول التوقف عن الضحك: ده طلع دمه خفيف.
ترددت للحظة ثم قالت بجدية هادئة: ممكن نتكلم بهدوء من غير عصبيه؟ علي فكرة رشدي مشي، وأنا قولتله إني قولتلك إنه ضربني بسبب شماتي في صافيناز..
رفع حاجبه باستهجان: هو أنا هخاف منه ولا إيه؟
هزت رأسها موضحة: لا مقصدش كدة، بس أنا محتاجاه يعرف ده، وأنت مكانش ينفع تضربه..
رد متعجبا بحدة: عايزه يمد ايده عليكي واسكتله؟! حتى لو عرف إنك حكتيلي مش مهم، خلينا نلعب على المكشوف.
تنهدت ببطء، وقالت بعقلانية: سليم، لازم تفهم حاجة، إحنا مش بنمنعك خوف على رشدي، لكن خوف عليك أنت، أنا مش هسمحلك تقتل أخوك، وتكون قابيل في الحكاية دي بعد ماكنت هابيل.
أضافت وعيناها ممتلئتان بظلام بارد: ثانيا هو لازم يدفع ثمن إللي عمله، بس وهو عايش، موته هيكون راحة.
نظرت بعيدا لثواني، وكأنها ترى نفسها القديمة أمامها، ثم قالت بصوت متحشرج قليلا: رشدي لازم يعيش كل يوم خايف... ومطارد... ومستني المصيبة تقع فوق دماغه في أي لحظة..
عادت تنظر له وأكملت بوعيد: لازم يعيش اللى أنا عشته، ويبقى مش قادر ينام مرتاح، وكل صوت يخضه، وكل حركة ترعبه، وكل ثانية يحس إن النهاية قربت..
نظر إليها بصمت، بينما تابعت بهدوء خطر: أنت إللي علمتني إن إللي عايز يوجع حد بيوجعه من نقطه ضعفه، وأنا هعمل ده مع رشدي هخليه يعيش خايف ومرعوب ومش عارف أنا ناوية له على ايه..
نظرت داخل عينه وهي تشير نحوه بعينين غامت بزرقة خطرة: وزي ما كان بيوجعك بيا، دلوقتي أنا هوجعه بمي..
ابتسمت ابتسامة باردة بتشفي: أصلك مشفتوش من شويه كان مرعوب مني أزاى.
ثم رفعت يدها وأشارت إلى قلبها، وهي تقول بنظرة مليئة بالغل والكره: أنا هقتله من هنا... هقتله من حبه، ورعبه من فقدان مي، هخليه يختل توازنه زي ماعمل فيك، لحد ماينهار بنفسه ويحكي كل حاجة.
وأكملت بصوت مختنق بالغضب والوجع: لازم يعرف يعني إيه؟! يبقى عندك حتة من روحك مهددة في كل ثانية! لازم يدوق الخوف والوجع إللي حطنا فيه سنين، وحياته تدمر، زى مادمر حياتنا...
كان سليم يستمع إليها بصمت، يعرفها جيدا،يعرف ذلك الهدوء المخيف الذي تصل إليه حين تنكسر، الهدوء الذي يسبق دائما شيئا خطيرا.
فقد رأى هذا الوجه منها من قبل، ويعلم جيدا أنها بارعة في اللعب على الضغط النفسي، وجعل الطرف الآخر ينهار ببطء دون أن تمسه.
لكن رغم ذلك، كان خائفا عليها أن تدفع نفسها إلى دائرة أخطر مما تتخيل، فرشدي لم يعد شخصا يمكن توقعه، وكلما شعر أن الأمور تفلت من يده يصبح أكثر تهورا ووحشية.
هز رأسه رافضا: لا طبعا إنتِ ملكيش دعوة، ومش هتدخلي في اللعبة دى.
رفعت عينيها إليه قالت باعتراض: لا هدخل، وهنتقم من اللي هددني بأهلي، لازم أدفعه ثمن تدمير حياتنا وإنه عيشني سنين مرعوبة..
أجابها معترضا: إنتِ فكراني لسه هستنى؟ أنا أصلا اللى كان مسكتني عنه إنه مكانش في إيدي ادله قويه اوريها لمراته علشان تصدقني، لكن حاليا بقي في ايدى حاجات تخليها مش طايقه تبص في وشه تاني، هطلع اراجع الكاميرات واخد الجزء اللى اعتدى عليكي فيه، وهوريها بعينها حقيقته القذرة.
أومأت: ماشي بس أديني يومين علشان خاطري.
هز رأسه بعدم اقتناع: مفيش يومين، أنا دلوقتي هطلع اجمع كل حاجه واوريهالها وانتقم منه.
اقتربت أكثر وهي تنظر له برجاء: سليم أسمعني، أديني يومين بس أشفي غليلي، وبعدها قول لمي إللي إنت عايزه، علشان خاطري متحرمنيش إني انتقم منه.
ظل ينظر إليها للحظات بعدم اقتناع، بينما تابعت هي بصوت منخفض: رشدي لازم يدفع الثمن، مش بس بمعرفة مي، معرفت مي دي هتبقى نهاية وبداية حساب جديد، بس أنا عايزاه يعيش شوية في خوف إنه يخسرها، أو إنها تعرف حقيقته زي ماعيشك وعيشني.
أمسكت يده وأضافت برجاء موجوع: لو سمحت يا سليم، أنت قبل كده قولتلي إن أي عقاب أنا عايزاه هتعملهولي، وده إللي أنا عايزاه، مش أكتر من يومين.
صمت طويلا وكان هناك حربا تدور داخله، قبل أن يزفر أخيرا ويهز رأسه بإجهاد: ماشي يا ماسة، معاكي لحد آخر الأسبوع ده، مش أكتر..
ابتسمت بخفة وهي تومئ: ماشي، مش أكتر.
أشار إليها بتحذير: ومتعمليش أي حاجة غير لما تقوليلي.
هزت رأسها سريعا: متقلقش.
ثم فجأة، تبدلت ملامحه، وقال بمشاكسة: وبعدين، تعالي هنا هو إحنا ليه مبنتكلمش بطريقتنا؟ ليه مصرين نستخدم مفردات حد تاني؟
عقدت حاجببها بعدم فهم، فأكمل موضحا: يعني "هتبقى نهاية وبداية حساب جديد" وعايز تقتل حد أقتله من نقطة ضعفه" مش هتبطلي تقلديني وتاخدي كلامي...
لفت ذراعيها حول رقبته بمشاكسة: أنا أتكلم براحتي، مش أنا وإنت واحد يا كراميلتي، وبعدين أنا تربيتك يا حبيبي فلازم أتكلم زيك.
ابتسم وأحاط خصرها بذراعه وهو يقول بهدوء دافئ: أكيد يا روح كراملتك، قطعة السكر تعمل إللي هي عايزاه...
نظر إليها طويلا ثم قال بصدق: بس أنا مش عايزك تفقدي نفسك يا ماسة ممكن؟ عايزك تفضلي توب أبيض زي ما إنتِ.
تبسمت بهدوء: زي ماسليم ميقدرش يفقد نفسه بوجود ماسة، ماسة كمان متقدرش تفقد نفسها بوجود سليم، لإني متأكدة لو بعدت عن الطريق إنت هترجعني.
ساد الصمت بينهما للحظات، تبادلا خلالها النظرات، ثم اقترب سليم ووضع قبلة عميقة على شفتيها طالت وكأنهما يحاولان الهروب من كل شيء حولهما من خلالها.
ضمت نفسها إليه بعشق واضح، قبل أن تبتعد وهي تبتسم: أنا حاسة إن إحنا فعلا المفروض نطلع فوق زي مامكي قال.
ابتسم بخبث وهو يقترب منها مجددا: أنا بقول كده برضوا، أنا أصلا ليا عندك حاجة مخدتهاش من الصبح، هاخدها دلوقتي.
تبسمت بخفة، ثم تشابكت أصابعهما معا وتحركا نحو غرفتهما.
وأثتاء صعودهم على الدرج قالت بمزاح: بس إنت دشملت رشدي يا سلوملوم عاش..
وفجأة تركت يده وقفزت كالأطفال على ظهره، ولفت ساقيها حول خصره، ابتسم بخفوت: بتعملي إيه يا مجنونة؟! حد يشوفنا... أنزلي.
ضحكت بخفة وهي تشدد ذراعيها حول عنقه: محدش هيشوفنا، كلهم بيكلموا نفسهم دلوقتي.
ثم طبعت قبلة على خده وهي تدفعه بمرح: يلا أطلع... أطلع.
هز رأسه بيأس وهو يضحك رغما عنه، وبدأ يصعد بها الدرج، بينما ضحكاتها الخافتة تملأ المكان، وكأنهما يحاولان سرقة لحظة صغيرة من السعادة وسط كل مايحيط بهما من فوضى وألم.
ولم ينتبها إلي الخادمه التي وقفت في أحد الأركان تشاهد مايحدث بتعجب.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
سياره رشدي
ظل يقود سيارته بلا وجه محدده، وعلامات الضرب ظاهره على وجهه بوضوح، بينما الغضب يشتعل داخله بصورة مرعبة.
صورة ماسة لم تفارق خياله لحظه: نظراتها، تهديدها، ابتسامتها المستفزة وهي تخبره أنها أصبحت تمسك بزمام اللعبة، ولأول مرة منذ سنوات شعر بالخوف الحقيقي، فكان دائما يظن أن لا شيء يمكن أن يهزه، ففي السابق لم يكن لديه نقطة ضعف تستغل ضده، لكن الآن الأمر مختلف تماما.
تذكر كيف لعبت عليه بطريقتها، وجعلته يرى أنها قادرة على تغير الموازين بكلمة واحدة، حتى في أكثر اوقاتهما خلافا، مازالت تملك القدرة على تحريكه، وكأنها تمسك بخيط خفي لا يراه غيرها، وتعرف تماما كيف تشده وقتما أرادت.
قبض على المقود بقوة حتى برزت عروق يديه، ضربه بعنف وهو يجز على أسنانه، وظل يقود بلا وجهه محدده، حتي انتبه لنفسه يقف أمام منزل إسعاد!
نظر للمنزل أمامه بعدم استيعاب، لا يعرف متى اتخذ هذا الطريق ولا لماذا جاء إلى هنا، كل مايعرفه أنه فجأة وجد نفسه واقفا أمام منزلها.
ظل صامتا للحظات، ثم انتبه أنه جاء لأول مرة من غير أي تأمين، أمال رأسه على المقود وأغمض عينيه للحظة طويلة، يشعر بضيق يخنقه من الداخل.
ثم رفع عينيه نحو المنزل مرة أخرى، وشيء داخله دفعه للنزول، كأن هذا المكان الوحيد الذي قد يمنحه لحظة هدوء وسط كل هذا الجنون.
طرق الباب.
وبعد قليل فتحت إسعاد، ونظرت إليه بتعجب: رشدي؟
سألها بهدوء: نمتي؟
ردت وهي تفسح له الطريق: لا يا ابني، اتفضل.
دخل بخطوات هادئة: كنت قريب فقولت أعدي...
قالت بقلق: رحمة قالتلي إن عندكم مشاكل كبيرة أوي وإن مصنع عندكم ولع.
تنهد بتأكيد: فعلا.
هزت رأسه بحزن: ربنا يسترها عليكم.
ثم ركزت في ملامحه: مال وشك؟
رد باختصار: مشكلة كده..
ثم سألها: فين جنة؟
أجابت: لسه يدوب نايمة، مش بتبطل شقاوة.
أومأ برأسه: طب أنا هدخلها.
ثم تحرك نحو الغرفة دون انتظار،فتح الباب بهدوء، وأضاء النور قليلا.
فوجدها نائمة تحتضن عروستها ببراءة، وملامحها هادئة، بعيدة تماما عن كل مايحدث في الخارج.
توقف يتأملها للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يجلس أمامها، وأخذ يمرر عينه على ملامحها الطفولية وكأنها ترياق الحياة.
هز رأسه باستغراب: أنا مش فاهم إيه إللي جابني هنا؟ بس كل إللي عارفه إني عايز أبصلك كده، وأسكت.
مد يديه وبدأ يمررهما على وجهها وشعرها بهدوء، بعد قليل بدأت جفونها تتحرك ببطء، فتوسعت ابتسامته أكثر وهو يراقب ملامحها تستيقظ أمامه.
فتحت عينيها أخيرا، وما إن وقع بصرها عليه حتى ابتسمت سريعا ونهضت بنعاس وهي تقول بفرحة: رشدي، إنت هنا حقيقي ولا أنا جوة حلم؟
تبسم لها وهو يمسك يديها: لا، أنا بجد إنتِ مش جوة حلم.
ضحكت بسعادة: الله يارشدي، إنت جيت علشان أنا وحشتك؟
أومأ بتأكيد: آه وحشتيني أوى.
ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، اندفعت تعانقه، وهي تقول بحب طفولي: أنا بحبك خالص يارشدي، أنت كمان وحشتني قد البحر وسمكاته.
ابتسم لها بحنان، لكنها انتبهت فجأة للكدمات بوجهه، فتغيرت ملامحها وهي تنظر إليه بقلق: إيه إللي في وشك ده؟ مين ضربك؟ قولي وأنا أضربهولك!
زم شفتيه: اتخانقت.
عقدت حاجبيها: اتخانقت مع مين؟
تنهد بخفوت قبل أن يجيب: اتخانقت مع جوز ماسة، أنا وهو ضربنا بعض.
أزداد ضيقها وهي تقول بغضب طفولي: جوز ماسة ده وحش خالص! أنا لما أشوفه هضربه علشان بيزعقلك وبيزعق لماسة، أنا بكرهه.
تساءل بإهتمام: قوليلي عاملة إيه في الحضانة؟ ولا لسة مروحتيش؟
هزت رأسها بالنفي وهي تشير نحو رقبتها: لا لسه مروحتش؛ علشان الواوا إللي هنا.
سألها بقلق: إنتِ لسة تعبانة؟
ابتسمت بتفسير: لا، أنا بقيت كويسة، وقولت لرحمة توديني الحضانة بكرة علشان العيال صحابي وحشوني وهيعملوا حفلة.
ثم أكملت بحماس طفولي: وبعدين قالوا هيروحوا رحلة، وتيتة ورحمة قالوا لا علشان إنتِ لسه صغنونة، وكمان كنت لسة عيانة، قومت زعلت منهم ساعة وساعة وساعة.
حاول كتم ابتسامته، متسائلا بمشاكسه: ليه زعلانة منهم ساعة وساعة وساعة؟ فين يوم ويوم ويوم؟
ضحكت وهي تهز كتفيها: لا أنا بحب تيتة ورحمة، مش بحب أزعل منهم يوم ويوم ويوم، هو ساعة وساعة وساعة بس.
ثم اقتربت منه برجاء: رشدي، وديني الرحلة زي إللي راحوها! هما راحوا جنينة الحيوانات وشافوا الإليفنت، والمانكي
ابتسم وهو يراقب لمعان عينيها: عايزة تروحي تشوفي الإليفنت؟
هزت رأسها سريعا بحماس: أممم!
ضحك بخفوت ثم مال نحوها: أنا أصلا كنت جاي أقولك إن عندي ليكي مفاجأة حلوة.
اتسعت عيناها وهي تتمسك بذراعه: إيه هي يا رشدي؟
ردبحماس: أنا هاخدك ونسافر بعيد.
اتسعت عيناها بفرحة وهي تعتدل في جلستها بسرعة: بجد؟ هنروح لبابا وماما؟
هز رأسه بهدوء: لا هنروح مكان تاني، وهما هييجولنا بعدين.
شهقت بسعادة وهي تصفق: الله! فرحانة أوي هناخد مي ورحمة وتيتا وماسة معانا؟
رفع حاجبه بخفة وهو يبتسم: طب مي ورحمة وتيتا وفهمناها، إنما ماسة ليه؟
ابتسمت بحب طفولي وقالت بعفوية: علشان عسولة، وكمان بتعمل طيارات حلوة، أنا حبيتها، بس مش ناخد جوزها الرخم ده إللي زعلك وزعلها.
ضحك بخفوت اوما براسة: ماشي، يلا نامي الوقت اتأخر..
تمددت وهي تشد يده وتتمسك بها: طب أحكيلي حدوتة.
ابتسم لها بحنان ثم عدل الغطاء عليها: حاضر، هحكيلك حدوتة ست الحسن إللي كانت خدامة واتجوزت الأمير.
وبالفعل قص عليها حتى غفت طبع قبلة علي جبينها وغادر.
عاد إلي القصر في ساعة متأخرة ولكن بملامح أهدأ وكأن الدقائق التي قضاها مع جنته الصغيره أعادت إليه توازنه، أو ربما لأنها ذكرته أنه مازال بيده ورقه رابحه!
دخل الغرفة بهدوء، فوجد مي نائمة بملامح مرهقة، وكأن الحزن لم يتركها حتى وهي غائبة عن الوعي.
وقف يتأملها لثواني طويلة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق شديد قبل أن يبدأ في خلع ملابسه.
اتجه نحو الدرج، أخرج منه جزءا من المخدرات التي أخفاها، ثم دخل الحمام.
فور دخوله بدأ يستنشق منها، ثم أخذ حماما سريعا وعاد إلى الفراش واستلقى بجانبها بصمت، قبل أن يغلق عينيه أخيرا.
أما عند مصطفى
فكانت آلاء ماتزال منهارة، وترفض الطعام والكلام، ولكن مصطفي أجبرها علي تناول القليل من الطعام، وفي النهاية، لم تهرب من وجعها إلا بالنوم.
بينما كانت سلوى على الجانب الآخر، مستلقية فوق فراشها وعيناها معلقتان بالسقف، تستعيد ماحدث طوال اليوم بتفاصيله، ورغم كل شيء كانت تشعر بسعادة خفية تتسلل إلى داخلها، مقتنعة أن ماحدث سيقربها من مكي مرة أخرى، وأن المسافة التي ابتعدت بينهما بدأت تضيق أخيرا.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
في صباح يوم جديد،
قصر الراوي،9ص.
استيقظ القصر بأكمله على صرخات صافيناز.
لم تكن مجرد صرخات عابرة، بل كانت تركض في الممرات بحالة هستيرية، وعماد يركض خلفها محاولا الإمساك بها وتهدئتها.
خرج الجميع من غرفهم بفزع، بعضهم يدلك عينيه بنعاس، وآخرون وقفوا عند الدرابزينات في الطوابق الثلاثة يراقبون مايحدث بصدمة.
أمسكها عماد أخيرا، محاولا تهدئتها: أهدي، أهدي يا صافيناز، مفيش حد هنا.
هزت رأسها بعنف ودموعها تنهمر: لا... لا... كانوا عايزين ياخدوني، كانوا عايزين يقطعولي هدومي تاني! أبعدهم ياعماد أبعدهم، خليهم يبعدو عني..
ابتعدت وهي تصرخ: أبعدوا عني.
مسح على كتفها بهدوء: يا حبيبتي بصي حواليكي إحنا في القصر، مفيش حد هنا غيرنا..
نظرت حولها بتشتت تحاول استيعاب المكان، قبل أن تنهار فجأة بالبكاء وتلقي بنفسها داخل أحضانه.
تنهد ثم حملها بين ذراعيه ودخل بها إلى غرفتهما من جديد، بينما ظل الجميع واقفين للحظات في صمت ثقيل، قبل أن يعود كل منهم إلى غرفته وكأن شيئا لم يكن.
عند رشدي ومي...
دخل رشدي الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، بينما وقفت مي أمام المرآة تخلع طرحتها، وهي تقول بحزن: بجد صعبانة عليا أوي.
رد بهدوء: هتبقى كويسة.
التفتت إليه، لكن عينيها اتسعتا بصدمة فور أن وقعت على آثار الضرب في وجهه، فاقتربت بسرعة تتساءل بصدمه: إيه ده؟! إيه إللي في وشك ده؟
رفع يده يلمس الكدمة بتوتر: اتخانقت مع سليم.
عقدت حاجبيها بندهاش: اتخانقتوا ليه؟
تنهد وهو يبعد نظره عنها: كان عايز يضرب ماسة تاني، وأنا دافعت عنها، قالي بتدافع عنها ليه؟! كلمة منه على كلمة مني، ضربنا بعض..
ردت بمزاح ساخر: هو أنت كده ضربته؟
ضحك بخفة رغم الألم: ما أنتِ عارفة بقى الفترة دي جسمي مش متوازن، مكنتش قادر عليه، كان عامل زي الثور الهايج... ربنا يهدّه.
تنهدت بضيق وهي تهز رأسها: أنا بدأت أتضايق منه أوي، ماسة طيبة ومتستاهلش تتجوز واحد بالأخلاق دي، بص أنا مش هقولك متتدخلش، بس متقفش في وشه بالشكل ده تاني ياحبيبي.
أجابها بطيبه ووداعه مصتنعه: أومال أعمل إيه؟ أسيبه يضربها؟
ربتت على خده بحنان: لا طبعا ياحبيبي إنت عندك حق، معلش اتحمل هتاخد ثواب، لحد ما ربنا يثبت إنها مظلومة، حسبنا الله ونعم الوكيل في إللي ظلمها..
هز رأسه، وقربها منه قليلا وهو يقول بنبرة أهدأ: طب بعيدا عن ماسة وسليم، متزعليش مني على إللي حصل امبارح، أنا بس كنت متعصب، مش عارف مالي الفترة دي، بتعصب بسرعة، حقك عليا.
ابتسمت له، ومسحت على كتفه برفق: أنا مش زعلانة منك، هدحل اغسل وشي علشان افوق، وانت اطلبلنا الفطار.
هز رأسه بهدوء: ماشي.
وبالفعل تحركت هي إلى المرحاض بين ظل رشدي ينظر أمامه وهو يحمد الله علي أن الامر مر علي خير.
عند منى وطه...
كانت هناك حقيبة كبيرة فوق الفراش، بينما تقف إحدى الخادمات ترتب الملابس بداخلها بعناية.
أمر طه الخادمة بالإنجليزية: ملسيا، بليز أخرجي الآن.
أومأت بطاعة وخرجت وأغلقت الباب خلفها، لتقترب منى متسائلة: خرجتها ليه؟خلينا نخلص إحنا عندنا طيارة بعد ساعتين.
أجابها بتوتر: عايز أفهم، إللي بيحصل مع صافيناز ده إيه؟
نظرت له بتعجب: مشوفتش الأخبار امبارح؟ طبيعي مش قادرة تتحمل إللي حصلها.
تنهد وهو يجلس على طرف الفراش: أنا مش عارف إحنا هنسافر إزاي؟! وهنقولهم إيه؟
ردت بهدوء: مش هنقول لحد حاجه، هنمشي وبس.
ثم أكملت بضيق: أنا تعبانة ومش هستنى هنا يوم زيادة، كفاية إنك إمبارح روحت جبتلي مخدرات، أنا مش هبقى مدمنة، ولا هخلي رشدي ينتصر ويحقق إللي عايزه.
تساءل بتوتر: طب ولما نرجع؟
هزت كتفيها بلا مبالاة: نبقى نقولهم أي حاجة، أصلا محدش مركز معانا ولا هيحس بغيابنا.
رفع حاجبه باستغراب: متنسيش إني ماسك الإدارة المالية وإحنا دلوقتي في كارثة.
ضحكت بسخرية مريرة: على أساس إن حد أصلا سأل عليك إمبارح؟ يلا يا طه خلي الخدامة تكمل، وأنا هلبس.
ثم أضافت وهي تميل عليه وتضع يدها على كتفه: هما دلوقتي مش شايفين غير سليم وبس.
اومأ برأسه بصمت، فهي محقة.
عند سليم وماسة.
دخلا الغرفة، بابتسامة هادئة ترتسم على وجههما.
نظر سليم إلى الساعة ثم قال بتعب: الله يسامحها صحتني بدري، شكلها هتروح مستشفي المجانين قريب.
تبسمت بشماتة: تستاهل، عقبال عماد.
تمدد فوق الفراش بإرهاق: قريب لا تقلقي.
نظرت له باستغراب: إنت هتنام؟
رد بهدوء وعينيه مغمضتان: آه لسه بدري.
اقتربت منه وهي تعقد ذراعيها: أنت مش المفروض تروح المجموعة وتبين إنك موجود، وكمان المفروض تزور باباك تشوف حالته وصلت لايه، مش علشانه بس علشان خاطر ربنا.
فتح عينيه ونظر لها مبتسما: ماشي، بس أنام شوية الأول، علشان أنا فاصل بعدين اقوم اعملك اللي عايزة.
ثم مد يده وشدها نحوه، فصرخت بدلال وهي تقع داخل أحضانه.
ضحك بخفة وهو يضمها إليه: نامي إنتِ كمان ساعتين.
تبسمت بلطف، وضعت قبلة على خده وذهبا في ثبات عميق.
عند صافيناز وعماد.
كانت صافيناز منهارة تماما، تجلس على الفراش، تبكي وجسدها ينتفض، بينما جلس عماد بجانبها يمسح على كتفها بهدوء، ثم ناولها كوب الماء وبعض الأقراص: خدي دول.
أخذتهم بيدين مرتعشتين، ثم احتست الماء بصعوبة وهي تهمس بصوت متقطع: أنا هفضل كده لحد إمتى ياعماد؟ أنا بجد مبقتش عارفة أنام.
رد بعملية: ياصافيناز، إللي إنتِ اتعرضتيله مش حاجة بسيطة، وإللي بيحصلك دلوقتي طبيعي، مفيش ست تتحمل إللي حصل ده بسهولة؟ بس صدقيني، يومين وهتبقي أحسن، إنتِ قوية، إنتِ صافيناز الراوي.
هزت رأسها بيأس وهمست: أنا لازم أشوف الناس كلها بتكدب إللي بيتكتب ده، لازم.
قال فورا: أكيد ده هيحصل، متقلقيش الموضوع ده عندي.
دموعها انهمرت مجددا بحرقة، ثم مدت يدها نحو علبة السجائر فوق الكومود، وأخرجت سيجارة بسرعة، أشعلتها وبدأت تدخنها بارتعاش واضح.
راقبها للحظات ثم قال بهدوء: صافيناز الموضوع هيعدي، وكأنه محصلش صدقيني، طول ما إحنا مع بعض محدش يقدر يكسرك.
هزت رأسها ببطء، ثم سألته بصوت خافت: طب عملت إيه في موضوع القضية؟
أجاب: كلمت المحامي، وهما أخدوا العينات النهاردة، وهيبعتوها للطب الشرعي، ونستنى النتيجة.
رفعت عينيها إليه بخوف: وأفرض طلعت صح؟
عقد حاجبيه: تطلع صح إزاي؟ هو إنتِ بتعملي حاجة غلط؟
هزت رأسها سريعا: لا طبعا، بس واضح إن في حد كبير ورا الموضوع ده، حد يقدر يخلي أي نتيجة تطلع زي ماهو عايز.
صمت للحظة، ثم قال بحزم: حتى لو ده حصل العيلة مش هتسكت، ولا أنا، ساعتها نجيب أي حد يشيل القضية مكانك وتتقفل، محلولة يا صافي، هي دي أول مرة يعني؟
شهقت بخفوت وهي تتمتم: بس سمعتي اتدمرت...
اقترب منها أكثر وقال بجدية: مفيش الكلام ده، الناس بتنسى أسرع مما تتخيلي، إنتِ بس ارتاحي، وأنا كمان ساعتين هطلع في برنامج مع رشدي وهننهي الكلام الفارغ ده كله.
ثم سحب السيجارة من بين أصابعها: كفاية سجاير دلوقتي مش وقتها خالص.
أطفأها، ثم ساعدها أن تتمدد على الفراش، بينما بدأت مفعول الأقراص يظهر عليها تدريجيا.
ظل يمسح على رأسها بصمت، وهي ترتجف بين الحين والآخر، كأنها ما زالت تعيش كل ماحدث من جديد.
❤️____________بقلمي_ليلةعادل
((بعد وقت ))
دخل ياسين القصر وإلى جواره لوجين، والإرهاق ظاهرا على ملامحها بعد السفر الطويل.
تقدمت إحدى الخادمات بسرعة وهي تبتسم باحترام: حمد لله على السلامة يا ياسين بيه.
أومأ لها بإبتسامة: الله يسلمك يا أماني، ماما وإخواتي فين؟
ردت بسرعة: كلهم موجودين في أوضهم يا بيه وصحيوا.
هز رأسه بتفهم، ثم أشار نحو الحقائب: طيب خلي حد يطلع الشنط فوق..
تحرك بعدها نحو الدرج، ثم ألتفت إلى لوجين التي كانت تتأمل المكان بصمت منذ دخولها: تعالي يا حببتي.
صعدا السلالم معا
جناح فايزة وعزت.
جلست فايزة على الفراش متمددة بإرهاق، بينما الخادمة تضع صينية الفطور أمامها بهدوء.
في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل ياسين يقول بلهفه: ماما ألف سلامة عليكي..
اقترب منها وانحنى يقبل رأسها، ثم سأل بقلق: إيه إللي حصل؟
بينما قالت لوجين بإحترام: ألف سلامة عليكي يا هانم.
أومأت بخفة: الله يسلمك.
ثم التفتت إلى الخادمة: تهاني، سيبينا لوحدنا.
أومأت: حاضر يا هانم.
وضعت الأطباق بسرعة، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
وما إن اختفت حتى رفعت فايزة نظرها إلى ياسين: أكيد عرفت اللى حصل من الأخبار.
جلس أمامها على الفراش: أيوة، بس إزاي كل ده حصل؟ ومين وراه؟
تنهدت بتعب: معرفش، بس إحنا في مصيبة يا ياسين، مصيبة بكل المقاييس.
قال بجدية: متقلقيش، أنا رجعت وهساعد سليم لحد مانوصل للي ورا كل ده، وهندفعوا التمن، بابا عامل إيه دلوقتي؟
أجابته بهدوء: في المستشفى، تعبان جدا.
عقد حاجبيه: وموضوع صافيناز؟ أنا لسة مش فاهمه.
أغمضت عينيها لثواني قبل أن تقول: متهمة في قضية غش وفساد تجاري، قالوا المصنع بتاعها بيطلع مستحضرات تجميل غير صالحة لاستخدام، أما الكلام القذر إللي اتقال عنها فده ملفق طبعا؛ لأنها لما ترحلت على النيابة كانت مع بنات مش كويسة.
اشتدت ملامحه بغضب: إزاي أصلا توصل للحجز والنيابة؟! كل ده حصل أزاي؟ وسليم كان فين؟
أجابته باستهجان: سليم كان غرقان في موضوع أنفجار المصنع، افتكر إن عماد ورشدي هيعرفوا يحلوا، بس للأسف أعتمد على شوية فشلة.
أخذ نفسا عميقا ثم قال بحزم: متقلقيش، أنا جيت، ومش هسيب سليم لوحده، وأوعدك بعد ساعة واحدة موضوع صافيناز ده هيكون أنتهى.
ألتفت ياسين إلى لوجين: لوجين أنا هروح أشوف سليم وبعدها أشوف الدنيا فيها إيه، خليكي معاها.
أومأت لوجين: أوكيه.
لكن فايزة اعترضت: لا، أنا مش عايزة حد معايا، أنا كويسة.
اقتربت لوجين بلطف: أنا مش تعبانة، خليني معاكي يمكن تحتاجي حاجه.
رفعت راسها بحسم: أنا قولت لا.
فهم ياسين أن والدته لا تحب أن تشعر بعجزها، فقال: خلاص يا لوجين سيبي الهانم براحتها.
اقتربت منها لوجين بلطف: طب يا هانم، أنا في الأوضة لو احتجتي أي حاجة كلميني، بعد إذنك.
خرجت لوجين مع ياسين، وأثناء سيرهما في الممر قالت بهدوء: اترتاح الأول يا حبيبي، شكلك مرهق.
هز رأسه سريعا: مينفعش، لازم أشوف سليم دلوقتي، وبعدها أشوف هعمل إيه؟؟ وبعدين عايز أشوف نالا، وحشتني.
أومأت بصمت، وصعدا الدرج معا قبل أن يفترقا؛ اتجهت هي إلى غرفتها، بينما تحرك هو نحو جناح سليم.
وقف أمام الباب لثواني ثم طرقه.
وبعد لحظات، فتح سليم الباب، يبدو عليه أنه استيقظ منذ وقت قصير.
ما إن وقعت عينا سليم عليه حتي أتسعتا بتعجب، بينما قال ياسين برقي: صباح الخير... أنا صحيتك؟
هز رأسه سريعا: لا لا، أنا صاحي من شوية، إيه المفاجأة دي!
تعانقا سريعا، قبل أن يقول سليم معاتبا: جيت ليه؟ قولتلك متجيش.
أجابه بجدية: مجيش إزاي بعد كل إللي حصل؟ أنا كان لازم أجي من ساعة مشكلة الكوبري أصلا.
تنهد سليم، ثم قال بهدوء: طيب اطلع ارتاح دلوقتي وبعدين نبقي نتكلم.
هز ياسين رأسه: لا أنا مش عايز ارتاح، أنا عايز أفهم مين ورا كل إللي بيحصل ده؟
مرر يده على وجهه بإرهاق: لسه موصلتش لحاجة، وبحاول على قد ماقدر ألم الدنيا، الموضوع أكبر من إننا نتكلم فيه وإحنا واقفين على الباب كده.
أخذ ياسين نفسا عميقا ثم قال: طيب، أنا هطمن على نالا الأول، وبعدها هطلع للباشا أشوفه، وبعدين نتجمع ونفكر هنعمل إيه.
أومأ برأسه، فتحرك ياسين مبتعدا وهو غارق في التفكير.
بينما أغلق سليم الباب خلفه، في تلك اللحظة خرجت ماسة من الحمام وهي تجفف شعرها بالمنشفة: كنت بتكلم مين؟
ألتفت لها: ياسين رجع من السفر.
أومأت بهدوء: طبيعي.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول وهو يتحرك ناحية الدريسنج: بقولك إيه، خليهم يحضروا الفطار على ماخد شاور، مش عايز اتاخر.
أجابته وهي تتجه للهاتف: حاضر.
على إتجاه آخر.
تحرك ياسين نحو الجيست هاوس وهو يتحدث في الهاتف بعصبية: أنا عايز مصر كلها تصحى على خبر واحد، إن صافيناز الراوي بريئة من التهمة القذرة إللي مكتوبة عنها، وكل حاجة تتكتب بالشكل الصحيح، إن فيه اتهام تاني ولسه مفيش أي تأكيد، كلها مجرد أقاويل ... أسمع يا منتصر، إنت شغال معانا من زمان، وصدقني ساعة واحدة ولو ملقيتش الصحافة والسوشيال ميديا كلها متغرقة بخبر ينفي الاتهامات دي، اعتبر كل إعلاناتكم وشغلكم معانا انتهى ومش الشغل معانا بس، إنت عارف إحنا نقدر نعمل إيه كمان، أنا مش بهدد، أنا بس بفهمك إللي هيحصل.
ثم أغلق الخط وأكمل طريقه.
وقف أمام الباب وبدأ يطرق أكثر من مرة، لكن لم يجبه أحد.
عقد حاجبيه باستغراب، ثم رفع هاتفه مجددا وأتصل بهبة: أنتِ فين؟
جاءه صوتها من الطرف الآخر: في المجلة.
تساءل: والبنت فين؟
ردت بهدوء: عند ماما، أنا من ساعة الحفلة وأنا عند ماما، مقدرتش أتحمل إللي حصل، وخوفت بصراحة على البنت.
قال بحدة: إزاي معرفتيش؟؟.
ردت ببرود: مجتش مناسبة، وبعدين ده من أول مبارح مش بقالي شهر، طبيعي أخاف علي بنتي بعد اللى حصل.
رد بتفهم: طب أنا رجعت، وكل حاجة هتتحل، ومفيش أي خطر على البنت بلاش مبالغة، بعد ماتخلصي شغلك هاتي البنت وتعالي.
ردت بإصرار: إحنا محتاجين نتكلم الأول في الموضوع ده.
رد متعجبا: موضوع إيه يا هبة؟
أجابت بعقلانية: الوضع مبقاش آمن خالص، ومش عايزة بنتي تفضل وسط كل ده.
أغمض عينيه لثواني قبل أن يقول بنبرة أخطر: هبة، أنا عندي مليون حاجة فوق دماغي، ومش فاضي للجدال ده دلوقتي، ترجعي القصر، ولما أخلص اللي ورايا نتكلم براحتنا.
ردت بعناد: لا مش هرجع.
قال بحدة: بلاش استفزاز يا هبة، متخلنيش أبعت الحرس يجيبو البنت بطريقة مش هتعجبك، خلصي شغلك وتعالي، هستناكي..
أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها، ووقف للحظة يحاول تهدئة غضبه، قبل أن يتحرك نحو سيارته ويتجه إلى المستشفى عند عزت.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى،11ص.
استيقظ مصطفي وذهب ليطمئن علي عائشة أولا، فوجدها نائمة بجوار والدته.
بعدها اتجه إلى غرفة آلاء، طرق الباب، ففتحت له أنهار وهي تبتسم بتعب: صباح الخير يا ابني.
تساءل بلطف: صباح النور، آلاء صحيت ولا لسة نايمة؟
أجابت بهدوء: صحيت يا دكتور، أتفضل.
دخل فوجدها جالسة فوق الفراش، يبدو عليها الحزن والألم.
جلس أمامها وسألها بلطف: عاملة إيه النهاردة؟
أجابت بخوفت: الحمد لله.
اقتربت إنهار وهي تقول بقلق: دي تعبانة خالص يا ابني، ودراعها واجعها وصحيت على وجعه، خدت مسكنات كتير.
نظر إلى ذراعها المصابة بقلق: وريني كده.
لكنها أبعدت ذراعها: أنا كويسة، ماما بس بتبالغ.
لم يهتم لما فعلت، وأمسك الجبس يتفحصه بعناية: شكله أتحرك، أو فيه حاجة مش مظبوطة، أنا هكلم سليم يبعت دكتور عظام يفكه ويطمن عليكي.
هزت رأسها: متكلمش حد، أنا هبقى كويسة، وبعدين أنا مصممة أمشي.
نظر إليها بضيق: آلاء إحنا مش هنعيد نفس الكلام كل شوية، مش هتمشي من هنا.
أخرج هاتفه وأتصل بسليم.
كان سليم يجلس مع ماسة في الشرفة يتناولان الإفطار، أضاء هاتفه باسم مصطفي، فأجاب فورا: ، صباح الخير يا دكتور.
أجاب: صباح النور، صحيتك ولا إيه؟
ضحك بخفة: لا، أنا صاحي وبفطر كمان، أنت إيه الأخبار عندك؟ مدام آلاء و مودموزيل عائشة عاملين إيه؟
تبسم بهدوء: كويسين الحمد لله، بس لو سمحت يا سليم كنت محتاج دكتور عظام يطمن على آلاء ويفك الجبس، وفيه موضوع كمان محتاج أتكلم معاك فيه بخصوص محمود.
اعتدل في جلسته: تمام، أنا هعدي على المجموعة الأول، وبعدها هجيلك والدكتور هبعتهولك حالا.
رد بإمتنان: تمام، شكرا يا سليم تعبتك معايا.
أجاب: مفيش تعب ألف سلامة عليها.
أغلق مصطفى الهاتف، ثم نظر إلى آلاء بإبتسامة: خلاص شوية وسليم هييجي، والدكتور كمان، وخليتهم تحت يحضروا الفطار هنفطر سوا.
هزت رأسها برفض: أنا مش عايزه انزل تحت.
أجابها بلطف: آلاء أنا عارف إن ماما-
قاطعته: مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، من فضلك.
تنهد وهو يمرر يده على وجهه: ولا أنا عايز أتكلم فيه، بس إحنا مش هنفضل منهارين كدة وبعدين أنا جعان وعايز أفطر.
ردت باختصار: أفطر مع والدتك وأخواتك؟
رد بمزاح محبب: لا أنا عايزة أفطر مع الدكتورة آلاء ام راس ناشفه، هخلي سناء تطلعلنا الفطار هنا، وأضحكي بدل ماتعصب عليكي، أنا عصبي ورخم لعلمك، مكنتش عارف إنك نكدية كدة يا لولو..
خفضت عينيها للأسفل، وبدأت الدموع تتجمع داخل عينيها، وهبطت بصمت.
اقترب منها ومد يده يمسح دموعها بحنان: ليه بس الدموع دي؟ إنتِ كويسة، وده المهم، إللي حصل أنسيه إنتِ بخير، وعائشة بخير الحمد لله، لو فضلتي تفكري في إللي فات هتتعبي أكتر، زعلك مش هيغير حاجة، فكري في اللى جاي...
همست بإنكسار: حتى إللي جاي مش موجود يا دكتور أنا كان عندي أحلام، بس خلاص، بقت مشوهة.
هز رأسه سريعا: لا لا لا، لهجة اليأس دي بلاش، إنتِ هتبقي دكتورة كبيرة وهتحققي كل إللي نفسك فيه.
ثم أضاف بمزاح خفيف: أعتبري نفسك كنتي في فيلم أكشن وخلص..
ثم تابع بحكمة: متديش للوجع أكبر من حجمه علشان لو تمكن منك هيدمرك..
وأضاف محذرا هو يشير بيده: لو فضلتي مكشرة كده، هوصي دكتورة خديجة تجيبلك امتحان ميتحلش..
ضحكت رغما عنها، ومسحت دموعها بسرعة وهي تهز رأسها: إلا الباطنة يا دكتور والنبي، دي عقدتي في الكلية.
ابتسم بعدما لمح ضحكتها، ثم أشار لها بتحذير مصطنع: أيوة كده ستات مبتجيش غير بالعين الحمرا، لو رجعت لقيتك مكشرة، الأسبوع كله هيبقى مذاكرة وتسميع باطنة.
ابتسمت ابتسامه باهته: لا خلاص، أهو بضحك، والله بضحك.
ضحك بخفة وهو يتجه نحو الباب: كدة معقول.
ثم توقف قبل أن يخرج، ونظر إليها للحظة أطول، وكأنه يطمئن أنها هدأت فعلا، وقال بنبرة حنونة: هطمن عليهم تحت وجاي، مش هتأخر عليكي.
هزت رأسها بصمت، بينما خرج هو وأغلق الباب خلفه بهدوء.
إنهار بابتسامة دافئة: ربنا يسعده، ماشاء الله عليه، تسلم تربيته
مسحت على ركبتها بحنان وهي تجلس أمامها: أنا عارفة إن إللي حصل كبير بس خلاص بقى وأمه كان غصب عنها روقي.
هزت رأسها بهدوء: حاضر يا ماما حاضر.
عند ماسة وسليم.
انتهيا من تناول فطورهما، فتوقفت ماسه وهي تقول: هلبس بسرعه علشان اجي معاك.
أجابها باستنكار: تيجي معايا فين؟
اجابته: أجي أطمن على شوشو وآلاء، وكمان عايزه اروح لماما بقالي يومين نفسي اكل من اللمون المخلل بتاعها.
هز رأسه: مش هينفع يا ماسة.
تنهدت بضيق: مش هينفع ليه؟ مش أنت سليم الراوي الجامد؟ إللي محدش يقدر عليه؟ إللي أجمد من العفريت بتاع مصباح علاء الدين! فين بقى الكلام ده؟
أجابها بإبتسامة ماكرة: أنا كام مرة أقولك إني مبسخنش...
تبسمت وهي تشير له بإصبعها: وأنا كام مرة أقولك إني مبسخنكش؟ ده استفهام مش أكتر..
أجابها موضحا: هبقي اوديكي يوم تانى، أنا يومي طويل ولسه هعدى علي المجموعه الأول، وكمان الوضع عند مصطفي ممكن ميبقاش مناسب لمرواحك دلوقتي.
عقدت ذراعها أمام صدرها، وعبس وجهها بعد الاقتناع، فابتسم وانحني يطبع قبله على خدها: هاخدك معايا المره الجايه قولت، فكي التكشيرة دى بقي، هجيبلك لاين بالكاتشب وأنا جاي.
لم تسطع منع ابتسامتها وقالت: وهمبورجر.
وضع قبله علي خدها الآخر: وهمبورجر، خلاص مش زعلانه!
هزت رأسها بابتسامه: لا خلاص عفوت عنك.
ثم تساءلت: هتعمل إيه مع ياسين؟ هتحطه تحت المراقبة هو كمان؟
أجاب بهدوء: مفيش حد فوق المراقبة، بصراحة أنا مبقتش بثق في حد مهما كان مين، إنتِ ومكي بس إللي عارفين كل حاجة وبثق فيكم، حتى عشري ميعرفش أي حاجة بتحصل غير وقتها مش قلة ثقة فيه بس احتياط، وعرفان كمان ميعرفش الا أجزاء معينة وبرضوا وقتها، والحراس اللى عند مصطفي بردوا واقفين حماية بس محدش فيهم يعرف الصورة كاملة.
هزت رأسها بتفهم: علشان كده معتمد على التسجيلات والمكالمات أكتر من إنك تحط مراقبات شخصية؟
أومأ بتأكيد: بالظبط، لو كنت بثق فعلا، كنت حطيت رجالة تراقب كل واحد فيهم، بس أنا مش ضامن مين ممكن يبيعني في أي لحظة.
مالت برأسها وهي تراقبه للحظات: واضح إنك خلاص حاطط احتمالات لكل الناس إنهم يطلعوا خاينين
تنهد ببطء مرير: أنا واثق إني ياسين زيه زي فريدة، بس موضوع إن لوجين شغلتني قبل كده في المجموعه علشان رشدي يستفرد بيكي ويهددك قالقني، خصوصا إنه محكاليش؟! فعايز أشوف رد فعله لما يعرف اللى حصل وأشوف هيتصرف ازاى؟! إللي حصل علمني إن أقرب الناس ممكن يبقوا أخطر ناس، وأنا مش مستعد أغلط نفس الغلطة مرتين.
ابتسمت وهي تمسك يديه: عموما إللي بتعمله صح في الوقت الحالي، إحنا تقريبا عرفنا كل حاجة، المهم دلوقتي لوجين اتعامل معاها زي مي؟ بنفس الطريقة والكلام؟
اومأ بإيجاب: امم، لحد ماشوف هعمل إيه مع ياسين.
ثم نظر الي ساعته: أنا يا دوب أمشي، علشان متأخرش علي مصطفي.
هزت رأسها: ماشي ومتنساش تعدي على الباشا والهانم، تطمن عليهم، علشان خاطر ربنا.
قبل يدها بخفة: حاضر.
وبالفعل توجه الى فايزة وأطمئن عليها بشكل سريع رغم أنه يفعل ذلك من خلف قلبه ثم تحرك نحو المشفي.
المستشفى،12ص.
وصل ياسين، وأتجه بخطوات سريعه إلى غرفة العناية المركزة.
وقف أمام الزجاج للحظات، عينيه ثابتة على عزت وهو نائم موصل بالمحاليل والأجهزة، ملامحه كانت مرهقة، لكن مستقرة نسبيا، ظل واقفا يتأمله لثواني، ثم تحرك نحو الطبيب، وسأله عن حالته.
أجابه الطبيب بهدوء: الحالة بدأت تتحسن تدريجيا، لكن الجلطة أثرت على عضلة القلب بشكل واضح، محتاجين نتابع بدقة، وغالبا خلال يومين أو تلاتة ممكن يتحول لغرفة عادية، وساعتها ممكن نحتاج تدخل جراحي أو دعامه، هنحدد لما الحاله تستقر أكتر، ويفضل ميتقالوش أي أخبار تقلقه، حالته النفسية مش مستقرة وأي ضغط ممكن يأثر عليه، والأفضل الزيارات تكون مستمرة، هو بيسأل عنكم علطول بس للأسف مفيش حد بييجي.
هز ياسين رأسه بتفهم، ثم ذهب لعزت وجلس بجانبه، أمسك يده برفق: حمدلله على سلامتك يا باشا.
فتح عينيه بصعوبة، ونظر اليه: إنت رجعت إمتى؟
ابتسم بهدوء: من شوية، جيتلك علطول عشان أطمن عليك، الدكتور قال إنك ممكن تتنقل أوضة عادية قريب، وإنك في تحسن.
نظر له بصمت لحظة، ثم قال: متعرفش إخواتك عملوا إيه في موضوع المصنع؟
رد بسرعة يحاول إبعاده عن أي توتر: من فضلك يا بابا، متفكرش في الشغل دلوقتي أهم حاجة صحتك.
قال بضجر: أنا عايز أخرج من هنا.
ياسين بهدوء: نطمن عليك وبعدين هتخرج وتعلم كل واحد فكر يمسك الأدب.
في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل سليم بابتسامة هادئة: حمدلله على سلامتك يا باشا.
رفع عينيه بنظرة جانبية: أخيرا افتكرت إن ليك أب.
رد بهدوء: أنا جيت قبل كده، بس حضرتك كنت نايم.
نظر له باهتمام: إنت أحسن النهارده؟
اومأ وسأله مباشرة: وصلت للي عمل كده؟
رد بثقة هادئة: لسه، بس هوصله إن شاء الله، مش واثق في سليم ولا إيه يا باشا؟
تنهد بتعب واضح: مش بثق غير فيك.
عند مصطفى...
جلس مصطفى مع آلاء وأنهار يتناولون الإفطار سويا، وهو يحاول مشاكسه آلاء وجعلها تتناول الطعام.
نظر لها برفعة حاجب: لو مكلتيش إنتِ عارفة هعمل إيه؟!
نظرت له: باكل أهو.
رفع حاجبه وهو ينظر للشوكة المتوقفة في يدها: دي اسمها باكل؟ ده العصفورة بتاكل أكتر منك.
ابتسمت رغما عنها، بينما قالت أنهار: هي أكلتها طول عمرها كدة.
وبعد قليل، وصل الطبيب الذي أرسله سليم، وبدأ بالكشف على ذراعها، فك الجبس القديم واطمأن عليها.
سأله مصطفى بقلق: يعني هي كويسة؟
أجابه بهدوء: الحمد لله، الكسر بقى مستقر، الوجع بسبب إنها حركت إيدها غلط، هنمشي شوية على العلاج الطبيعي والتمارين، ومسألة وقت وهتبقى كويسة.
وبدأ يشرح لهم بعض التمارين البسيطة، بينما كان مصطفى يركز معه بدقة حتى فهم الطريقة الصحيحة لمساعدتها.
علي اتجاه آخر بالحديقة.
كانت نبيلة تجلس مع إيهاب وعائشة، والضيق واضح علي ملامحها.
قالت بضجر: أنا مش عارفة البنت دي عاملاله إيه!
نظرت لها عائشة بضيق: يا ماما حرام عليكي، آلاء أكتر واحدة اتأذت في الموضوع ده كله.
عقدت حاجبيها: اتأذت في ايه؟
تنهد إيهاب قبل أن يقول: يا ماما أخوها كان باعت ستات يعملولها كشف عذرية، وكمان جوزها عرفي لراجل عجوز من غير ماتعرف.
شهقت نبيلة بصدمة: إيه؟!
بدأ إيهاب يروي لها ماحدث، بينما تغيرت ملامحها تدريجيا، وظهر التأثر بوضوح على وجهها.
وبعدما انتهى، قالت بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيه أخ يعمل في أخته كده؟
ثم تنهدت وهي تهز رأسها: يمكن فعلا كنت قاسية عليها شوية، بس غصب عني إنت بنتي وتوجعيني.
عائشة بتفهم: محدش قال غير كدة، بس وحياتي عندك أطلعي طيبي خاطرها بكلمتين، البنت تعبانة أوي، ولو هي بنت مش كويسة مكنتش جت وفدتني بنفسها.
إيهاب بتتأيد: فعلا كانت كبرت دماغها، لكن إللي عملته يأكد إنها انسانة محترمة.
أومأت نبيلة بتأثر: حاضر هطلعلها، حرام والله إللي حصلها، صعبت عليا.
قصر الراوي1مساء.
خرجت ماسة من غرفتها بعد أن انتهت من وضع القليل من المكياج الذي يظهر آثار الضرب المعتادة فوق وجهها، ثم اتجهت نحو غرفة لوجين.
طرقت الباب بخفة، وما إن فتحته لوجين حتى اتسعت ابتسامتها فور رؤيتها: ماسة تعالي.
ضموا بعضهما بترحاب.
ماسة: حمد لله على السلامة؟
لوجين: الله يسلمك يا روحي.
تحركت ماسة الداخل وهي تقول: عاملة إيه
تنهدت لوجين وهي تغلق الباب خلفها: زهقانة جدا، قاعدة لوحدي من ساعة ما جيت.
ضحكت ماسة وهي تتحرك داخل الغرفة: لحقتي تزهقي، دى إنتِ لسة جاية من كام ساعة.
جلست لوجين فوق الأريكة وهي تقول بعفوية: برضو، أنا مش متعودة على الوحدة، علطول مع ماما ونغم، أو بشتغل.
ثم فجأة ضيقت عينيها وهي تركز بوجه ماسة: إيه إللي في وشك ده؟
لوحت بيدها: موضوع كبير، ابقي احكيهولك بعدين.
ثم غيرت الحديث: بقولك إيه، تيجي ننادي مي وننزل نقعد مع بعض في الجنينة؟ أكيد لسة متعرفش إنكم رجعتوا.
أومأت لوجين بحماس: يلا بينا.
وبالفعل خرجتا معا، واتجهتا نحو غرفة مي.
طرقت ماسة الباب، وبعد لحظات فتحت مي، وما إن رأت لوجين حتى شهقت بسعادة: جيجي!
اندفعت تعانقها بقوة، بينما ضحكت لوجين وهي تضمها: وحشتيني أوي.
ابتسمت ماسة وهي تراقبهما: طب سيبوا بعض شوية أعرف أسلم حتى.
ضحكت مي وهي تسحبهم للداخل: أدخلوا.
هزت لوجين رأسها: ندخل فين، هنفضل قاعدين في الأوض؟ تعالي ننزل في الجنينه تحت.
ضحكت مي: عندك حق.
ثم ألتفتت لماسة: على فكرة رشدي قالي إن سليم اتخانق معاه علشانك إمبارح.
عقدت ماسة حاجبها باستغراب مصطنع: علشاني أنا؟ مين قال كده؟ ده سليم إمبارح كان لطيف معايا جدا.
وفي تلك اللحظة خرج رشدي من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة، لكن ما إن وقعت عيناه على ماسة حتى تبدلت ملامحه.
وجه نظره للوجين وحاول أن يبدو طبيعيا: حمد لله على السلامة يا قطة ياشيرازي، جيتوا إمتى؟
أجابته بإبتسامة: النهارده الصبح، وياسين راح يطمن على عزت باشا.
أومأ برأسه: كويس.
لكن مي عقدت حاجبيها وهي تنظر له: رشدي مش إنت قولت إنك اتخانقت مع سليم امبارح بسبب ماسة؟
شعر بالتوتر، وأبتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر بطرف عينه نحو ماسة، بينما قابلته هي بإبتسامة خبيثة وكأنها تعرف جيدا من أين تضربه.
ثم قالت فجأة وكأنها تذكرت شيئا: هو إنتوا بعد ماسبتكم امبارح ضربتوا بعض فعلا؟
مرر يده على وجهه سريعا محاولا التماسك: آآآه... آه شدينا مع بعض؛ لأنه متضايق إني بتدخل.
رفعت حاجبها بخفة ثم قالت بنبرة هادئة تحمل معنى أبعد من كلماتها: معلش بقى يا رشدي، طول ما إنت بتقف في ضهري، استحمل إللي هيحصلك من سليم..
توقفت لحظة، ثم ابتسمت وهي تضيف: أصل الدفاع عن الحق بيتعب أحيانا.
ثبتت عينيها داخل عينيه للحظات، وكأنها تخبره، بأن هذا ماستذيقه إياه في الأيام القادمة.
أما مي فضحكت بعفوية وهي تقول: حبيبي بس يتعافي ويرجع الجيم تاني، وهياخدلك حقك..
ثم اقتربت من رشدي بدلال: حبيبي، إحنا هننزل نقعد في الجنينة تحت شويه، تيجي تقعد معانا؟
أجابها سريعا وكأنه يريد إنهاء الحديث: لا عندي برنامج علشان موضوع صافيناز.
أومأت بتفهم، وتحركت مع وماسة ولوجين إلى الأسفل، بينما ظل رشدي واقفا مكانه للحظة يتابع ماسة بعينين ممتلئتين بالضجر.
الحديقة
جلسوا الفتيات بالقرب من النافورة الكبيرة، بينما وضعت الخادمة العصائر أمامهن.
لوجين بستهجان: بجد إللي حصل ده كله مرعب.
لوحت مي بيدها سريعا: لا بلاش نتكلم في الحاجات الوحشة دي، نفسي نخرج ونفصل شوية.
ضحكت لوجين باستنكار: نخرج إيه بس؟ إحنا أول مانزلنا المطار الصحافة كانت مستنيانا، معرفش عرفوا إزاي.
تنهدت مي بضيق: فعلا، رشدي قالي كده، ومنعني أخرج أصلا، طب أحكيلنا عن شهر العسل، كان عامل إيه؟
ابتسمت لوجين بحماس: انبسطنا جدا بصراحة.
ضحكت ماسة وهي ترتشف العصير: إنتِ الوحيدة إللي انبسطتي الفترة دي بصراحه، إحنا عشنا شهر ولا في الأفلام الاكشن
عقدت لوجين حاجبيها: هو مش موضوع الانفجار ده من كام يوم بس؟
هزت ماسة رأسها: أيوة..
ثم أشارت نحو مي بمشاكسة: بس أصل الهانم قررت تعالج رشدي من الإدمان، فقلبت حياتها أكشن شوية.
اتسعت عينا لوجين: هو قالك!!
نظرت لها مي بصدمه: هو إنتِ كمان كنتي عارفة؟
أومأت لوجين: آه، ياسين كان حكالي بس بجد إللي عملتيه ده جامد أوي يا مي، ده رشدي كان مرعوب تسيبيه، كويس أنك ادتيله فرصة.
ابتسمت مي ابتسامه باهته، بينما قالت ماسة محاولة أن تزرع بداخلها أي شرارة: والله أنا أكتر واحدة عارفة رشدي كان عامل إزاي زمان، علشان كنت بشتغل عندهم، وكان علطول بييجي المزرعة.
ضحكت بخبث، وتابعت: ده كان عامل رعب للبنات وقتها.
تسألت مي باستغراب: كان عاملهم رعب ليه؟
في تلك اللحظة، لمحت ماسة رشدي يقترب من بعيد، فرفعت عينيها نحوه، وقالت بهدوء متعمد: أصلك متعرفش رشدي زمان كان ممكن يعمل إيه عشان يوصل للي هو عايزه.
تباطأت خطوات رشدي عند سماع كلماتها، بينما أعادت مي سؤالها باستغراب: تقصدي إيه؟
ابتسمت ماسة ابتسامة خبيثة وهي تهز كتفيها: ولا حاجة، قصدي إنه كان فظيع ومش متعود حد يقوله لا، يعني مثلا كان عندنا بنت خدامة اسمها صفاء فضل يعاكسها علشان كانت حلوة، بس مكانتش مدياله أي أهتمام، راح دخل أوضتها وهي نايمة لوحدها في مره و..
اتسعت عينا رشدي رعبا، وكاد أن يقاطعها، ولكنها تابعت بهدوء وكأنها تحكي موقفا عاديا: صرخ في وشها البت اتفزعت، وكل ده علشان، تعمله ورق عنب ههههه.
قهقهت الفتايات عاليا، وقالت مي من بين ضحكاتها: يانهار أبيض! هو رشدي كان فظيع للدرجه دى، الحمدلله إنه اتغير.
تنهد رشدي بحدة وضغط على أسنانه، بينما نظرت له ماسة بابتسامه متوعده، وكأنها تقول "هو إنت لسة شوفت حاجة..
ثم تابعت بنبرة أهدأ لكنها مليئة بالتلميحات: أكيد طبعا كويس انه اتغير، الإنسان ممكن يتغير خصوصا لما يبقى عنده حاجة يخاف يخسرها، علشان كده رشدي محكالكيش عن ماضيه، تلاقيه خايف تزعلي، المهم إنه أتغير..
مي بعقلانية: بس فيه حاجات مينفعش تستخبى.
لوجين بتأييد: مظبوط.
كان رشدي مازال متوقفا خلفهم، ونيران التوتر تأكله من الداخل، بينما لم تنتبه الفتاتان لوجوده بسبب طريقة جلوسهما...
أما ماسة، فكانت تجلس في مواجهته مباشرة، تراه جيدا وتراقب كل تغير يظهر على ملامحه.
وشعرت في تلك اللحظة أن الوقت قد حان لتدخله اللعبة أخيرا.
فرفعت صوتها قليلا وقالت بنبرة هادئة مليئة بالتلميحات: صح خصوصا الحاجات إللي فيها أذى لغيرك أو ظلم حد، مش كده يا رشدي؟
ابتلع ريقه واقترب، وقال متوترا: أنا مش فاهم إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ابتسمت بهدوء بارد: قصدي إن لو حد عارف إن فيه شخص مظلوم وساكت يبقى مشارك في الظلم حتى لو معملش حاجة، مش كده؟ ووقتها ميستهلش الفرصة
ثم أضافت وكأنها تحكي قصة: فاكرة واحدة في المزرعة اتهموها بالسرقة ظلم، وكان فيه حد عارف الحقيقة وساكت، والبنت اتعذبت وقتها بسبب ده.
مي بانزعاج: لا طبعا ده غلط إللي يعرف حق ويسكت عنه يبقى ظالم..
ظل رشدي يحدق في ماسة بغيظ للحظه، ثم قال محاولا إنهاء الموقف: أنا ماشي يا مي.
نظرت له بلطف: ماشي يا حبيبي، خد بالك من نفسك.
أومأ بإيجاب، ثم تحرك مبتعدا وهو يضغط على أسنانه بضيق، بينما كان التوتر ينهش صدره، لا يعرف ماذا يفعل معها..
إن طلب من مي ألا تجلس معها سيثير الشكوك بداخلها، وإن تركها هكذا ستظل ماسة تلعب على أعصابه وتلوح له بأنها قادرة على قلب كل شيء ضده في أي لحظة.
أما ماسة، فكانت تراقب ابتعاده بطرف عينها بابتسامة مليئة بالانتصار.
بينما قالت مي بحماس: جوجا أحكيلنا عملتي إيه في الهاني مون؟
أومأت لوجين: ماشي.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
الفيلا التي يمكث بها مصطفى4مساء.
بعد حديث إيهاب وعائشة معها، شعرت نبيلة أنها ربما قست على آلاء أكثر مما يجب، خاصة بعد كل مامرت به وانهيارها بالأمس، لذلك قررت أن تتحدث معها.
انتظرت حتى رحل الطبيب، ثم صعدت، طرقت الباب ودخلت، لتجد مصطفى لايزال يجلس معهم.
توقف مصطفى بتوتر فور رؤيتها، يخشي أن تصيبها بكلماتها مره أخري وكاد أن يتحدث، ولكن سبقته نبيلة وقالت بهدوء: عاملة إيه دلوقتي يا آلاء؟
رفعت عينيها نحوها بتوتر: الحمد لله.
سألتها وهي تقترب: الدكتور قال إيه؟
أجاب مصطفى: فك الجبس الحمد لله، وهتبدأ علاج طبيعي.
أومأت، ثم رفعت يدها تمسح فوق رأس آلاء بحنان خفيف: حمد لله على سلامتك يا بنتي، ومتزعليش مني لو كنت قسيت عليكي شوية، أكيد إنتِ فاهمة اللى أنا كنت فيه...
نظرت لها باستغراب، بينما تابعت نبيلة: لما تخلفي هتعرفي يعني إيه قلب الأم لما يخاف على عياله.
تدخلت أنهار بسرعة: هي عارفة يا حاجة، وإحنا مش زعلانين منك والله.
تنهدت نبيلة: الحمد لله إن البنات رجعوا بخير، أسيبكم بقى..
ثم التفتت إلى مصطفى: تعالى يا مصطفى.
أومأ وخرج معها، وأثناء سيرهما بالممر قالت: بقولك إيه، إحنا هنمشي بقى.
نظر لها باستغراب: ليه يا ماما؟ خليكم شوية.
هزت رأسها: لا يا ابني، نروح نقعد في بيتنا أحسن.
ابتسم بهدوء: خليكي هنا يومين تغيروا جو وبعدين أبقي أمشي، كمان استني لما نشوف سليم هيعمل إيه مع محمود والدنيا هتقف على إيه.
صمتت لحظة ثم قالت: طيب.
قبل مصطفى رأسها بإمتنان: شكرا يا أمي إنك جبرتي بخاطرها.
تنهدت وقالت: جبرت بخاطرها علشان حسيت بيها، البنت باين عليها طيبة وغلبانة، والدنيا جاية عليها زيادة، منه الله أخوها.
في الأسفل
وصل سليم بعد أن ذهب إلي المجموعه أولا وجلس بها لبعض الوقت دون أن يكلف نفسه عناء فعل أي شيء، فقط مجرد حضور ظاهري، ثم أتجه إلي مصطفي.
دخل بسيارته إلى الداخل، ليستقبله الحراس، هبط مكي أولا، ثم فتح الباب الخلفي لسليم.
وأثناء تحركهما في الحديقة، سأل سليم أحد الحراس: دكتور مصطفى فين؟
أجابه سريعا: كلهم جوة ياباشا.
أومأ برأسه وتحرك للداخل.
وأثناء دخوله لمح إيهاب وعائشه يجلسون في الحديقه، فاقترب منهم وقال بأدب: مساء الخير.
التفت إليه وردوا: مساء النور.
نظر سليم إلى عائشة: أخبارك ايه يا مودموزيل عائشة؟
ابتسمت عائشة: الحمد لله، بخير.
ثم نهضت تقول: مصطفي مع آلاء فوق، ثانيه أناديه.
كادت أن تتحرك ولكن لمحت مصطفي ونبيلة يدخلون من باب الجنينه فقالت: طب كويس، أهو مصطفي نزل أهو.
تقدم مصطفي بابتسامه ما إن لمح سليم: حمدالله علي السلامه أزيك عامل ايه؟
اومأت برأسه: تمام الحمد لله، أنت أخبارك إيه.
قاطعتهم نبيلة: طب ماتقعدوا، هنفضل واقفين؟
جلس سليم، بينما نظرت نبيلة إلى مكي: واقف ليه يا ابني؟ ماتقعد.
ابتسم باحترام: لا يا حاجة، هستنى بره.
عائشة بسرعة: طب ماتقعد معانا.
مكي باقتضاب: مينفعش ..
تدخل سليم بحسم خفيف: أقعد يا مكي وخلاص.
جلس مكي أخيرا، بينما سألته عائشة باهتمام: إنت عامل إيه؟ فيه أصابات ولا حاجة؟
هز رأسه: لا الحمد لله، أنا كويس.
قالت بإبتسامة وهي تنظر للجميع: انا مش قادرة أقولكم يا جماعة استاذ مكي عمل إيه معانا إمبارح، حقيقي مش عارفة أشكرك إزاي؟!
مكي بتهذب: ده شغلي، مفيش أي شكر، المهم تبقي كويسة.
زمت شفتيها: أنا الحمد لله كويسة، خايفة شوية بس من حوار خروجي ده بس أكيد هعديه
مكي يطمئنها: متقلقيش هيبقى فيه حراس معاكي في كل خطوة، وهما فاهمين شغلهم كويس جدا
لو محتاجه اي حاجة كلميني.
أومأت بابتسامة
تسال سليم: مدام الاء اخبارها؟
زم مصطفي شفتيه: للاسف تعبانه، مش قادره تتخطى اللي حصل.
سليم بتعقل: الأفضل دكتور نفسي يشوفها، أنا أعرف دكتور كويس جدا ممكن اكلمه يتابع معاها.
أومأ مصطفى: لو احتجناه هقولك.
نبيلة بعتاب محبب: مجبتش ماسه معاك ليه؟ الوحشه دي اللي نسيتنا.
ابتسمت سليم: والله ابدا، كانت عايزه تيجي فعلا بس أنا اللى قولتلها خليكي مرة تانيه اكون مظبط الدنيا، طبعا انتم عارفين ان في كنترول شويه في موضوع خروجها، عشان ظاهريا المفروض احنا مفيش بينا تعامل
إيهاب بشوق مطبن: المهم انها بخير، وحاول المره الجايه تجيبها معاك.
اوما: اكيد باذن الله
نظر مصطفى إلى سليم بتردد قبل أن يقول: سليم... كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم، وعارف إني تقلت عليك جدا الفترة دي، بس بصراحة حاسس إن محدش هيعرف يحل الموضوع ده غيرك.
نظر له بجدية: لو قولت كده تاني هزعل منك بجد، قول إللي عندك من غير أي مقدمات.
تنهد: آلاء بتقول إن محمود جوزها لشاهين.
عقد سليم حاجبيه: إزاي يعني؟! هي مش متجوزاك رسمي والبيانات بتبان على السيستم.
مصطفى بضيق: جوزها عرفي.
هزت نبيلة رأسها باستهجان: أنا عمري ماشوفت حد بالحقارة دي، منه الله.
توقف سليم فورا: خلاص، نروحله وننهي الموضوع ده، متقلقش أمره سهل بإذن الله.
مصطفى بسرعة: طب هغير هدومي وجايلك.
وبالفعل صعد مصطفى وإيهاب لتبديل ملابسهما، هبطا بعد قليل وتحرك الثلاثة معا نحو المخزن.
قصر الراوي4م.
مي باقتراح: بقولكم إيه؟ ماتيجوا نطلع نطمن على فايزة هانم، أنا مشوفتهاش من ساعة مارجعت.
قالت لوجين: أنا وياسين طلعنالها أول ماوصلنا، بس رفضت إني اقعد معاها.
أضافت مي: وأنا كمان حاولت أدخلها امبارح، وفريدة قالت إنها مش عايزة تقابل حد، بس تعالوا نجرب تاني، يمكن توافق المرة دي.
هزت ماسة رأسها سريعا: لا اطلعوا إنتوا، إنتوا عارفين إن مفيش بينا أي ود.
مي بلوم: ماسة، مهما كانت بتعمل معاكي، زيارة المريض صدقه.
تنهدت ماسة وقالت: ما أنا زورتها امبارح وطردتني وشتمتني، روحوا وأنا هستناكم هنا.
اوما بايجاب وتحركا..
غرفة فايزة.
طرقوا الباب ودخلوا، ليجدوا فايزة تجلس أمام المرآة تضع لمسات خفيفة من المكياج، وكأن شيئا لم يحدث.
رأتهما في المرآة، فتساءلت بهدوء: فيه حاجة؟
ابتسمت مي بلطف: كنا جاين نطمن على حضرتك، أنا بعتذر إني مجيتش قبل كده، بس كل مرة كانوا بيقولولي إن حضرتك مش عايزة تشوفي حد أو نايمة.
أومأت فايزة: ده حقيقي، أنا فعلا مش عايزة أشوف حد.
لوجين بهدوء: إحنا حابيين نقعد مع حضرتك شوية.
رفعت حاجبيها متعجبة: وتقعدوا معايا ليه؟
مي بتوضيح: يمكن حضرتك محتاجة حاجة أو..
قطعتها بعنطظتها المعتاه: أنا مش محتاجة حاجه من حد، أنا كويسة واقدر اعمل كل حاجه بنفسي.
لاحظت مي حقيبتها: حضرتك خارجة؟
اومأت بتأكيد: آه، رايحة لعزت.
ابتسمت لوجين: طب ممكن نيجي معاكي؟
نظرت إليهما باستغراب: وتيجوا معايا ليه؟
مي بتوضيح: علشان متبقيش لوحدك، ونطمن كمان على الباشا.
وقفت وأمسكت حقيبتها، وقالت بثبات واضح: الزيارات ممنوعه لعزت حاليا، وبالنسبة لي، أنا كويسة ومش محتاجة حد.
ثم رفعت رأسها بثبات: أنا لسه فايزة هانم رستم آغا ومفيش حاجة تقدر تهزني، والنظرة أللي أنا شايفاها في عينيكم دي أرجو إني أنا مشوفهاش مرة ثانية علشان مزعلش منكم.
ابتسمت مي بإعجاب حقيقي: انا نفسي أتعلم منك القوة دي، حضرتك قدرتي تتخطي إللي حصل بسرعة
فايزة بعنطظة: هتتعلميها مع الوقت يا مي.
ثم تحركت نحو الباب: بعد إذنكم.
وبعد خروجها تبادلت الفتاتان النظرات وخرجوا خلفها.
لوجين بإعجاب: شخصيتها قوية اوي.
ضحكت مي: طبيعي، هي موصلتش لكل إللي وصلتله من فراغ.
هبطوا مره اخرى، فوجدوا ماسه مازالت في مكانها، وما إن رأتهم تساءلت باستغراب: جيتوا بسرعه ليه؟
أجابتها مي ضاحكه: اطردنا.
ضحكت ماسة: قولتلكم، أنا قديمه ومجربه.
ضحكوا الثلاثه وجلسوا معا مره أخري، ولكن تعالي فجأة رنين هاتف مي باسم " دكتور علي" فستأذنت منهم أن تجيب وتحركت مبتعده قليلا.
مي بابتسامه: علي، إزيك؟
أجاب: الحمد لله، إزيكم أنتم عاملين ايه؟ وصلتوا لحد فين؟
تنهدت براحة: والله يا علي الأمور تمام الحمد لله، أحسن بكتير مما توقعنا، مطلعش الموضوع بالشكل الأوفر اللى وصفتهولى، طلعتوا بتأفوروا إنتوا والافلام.
قال بجدية: بنأفور أزاي؟ معلش يا مي فهميني أكتر.
ردت ببساطة وهي تطمئن نفسها قبله: مفيش يا سيدي، أنا قسمت الجرعات زى ماقولتلي، أول يومين كان علطول تعبان ومصدع وبيرجع كتير وعصبي أوى، وحالته كانت الصراحة صعبة، لكن بعد كدة الدنيا بدأت تبقى أفضل الحمد لله، والترجيع خف كتير والصداع أختفى.
تساءل باستغراب: يعني هو فضل أول يومين بس بيرجع وتعبان، وبعد كده خلاص؟
أجابت: أمم، بس لسة فيه عصبية، بس أقل من الأول.
تساءل لكي يفهم أكثر: يعني متصرفش بعنف، ولا حاول يتحايل عليكي عشان تديه زيادة؟
اومأت بنفي: لا، هو كلمني فعلا إن الجرعات قليلة اووى، بس أنا اقنعته إن دى المناسب لحالته.
تساءل متعحبا: وهو قعد وتقبل كلامك عادى؟
ردت بعفوية: آه، بس طلب مني اسيبله الجرعه في الحمام عشان مكسوف ياخدها قدامي، فبقيت بسيبهاله وهو ياخدها وقت ما هو عايز.
أجاب بإدراك وتفكير: غلط طبعا إنك متبقيش محدده وقت للجرعه، بس برضو حتي لو، استحاله يكون بالشكل اللى بتوصفيه ده!! أنت متأكده إنه مش بياخد من وراكي؟
هزت رأسها بثقه: لا طبعا، أنا بعد الأكياس كل يوم وعددهم مظبوط وبالترتيب!
تساءل بحيرة: طب أزاى؟ دى حاجه غريبه أوى؟ طب يمكن يكون خرج من وراكي!
أجابته ببساطه: يخرج من ورايا أزاى مش فاهمه؟ مهو فعلا بيخرج وبيروح شغله، أنا مش قافله عليه يعني! خصوصا إن عندهم مشكلة كبيرة في الشغل الفترة دى.
ساد الصمت للحظة قبل أن يقول بصدمة: يعني أنتِ سيباه ياخد الجرعة من غير مواعيد محددة، وكمان بيخرج لوحده عادى؟ ومبسوطه إن الأعراض اختفت؟!
عقدت حاجبيها بتعجب: المفروض اني مفرحش إنه بقي كويس؟!
أجابها بانفعال: طبعا متفرحيش، يا نهار أبيض يا مي إنتِ مدركة إنتِ عملتي إيه؟ إنتِ حرفيا حطيتي العلاج في إيده وقولتيله أتصرف، أكيد مليون في الميه اشتري وبياخد من وراكي.
توترت ملامحها، وقالت: لا رشدي استحاله يعمل كده، هو أصلا نفسه يتعالج.
أجابها بجدية صادمة: لو فعلا بياخد الجرعات بانتظام، كان لازم يبقى فيه أعراض انسحاب واضحة، خصوصا في أول ١٠ أيام زي ماقولتلك قبل كدة، لكن إللي إنتِ بتحكيه ده... مش منطقي يا مي..
بدأ قلبها يدق بعنف وهي تسمعه يكمل: المدمن وقت الانسحاب بيبقى مستعد يعمل أي حاجة علشان الجرعة، فلو رشدي هادي بالشكل اللى بتوصفيه ده، فده مش تعافي، ده معناه إن فيه حاجة مستخبية عنك.
هزت رأسها بعنف ترفض التصديق: لا... مستحيل، هو قالي إنه كان بيعالج نفسه قبل الجواز ونجح يقلل الجرعه، وكان بياخد جرعة واحدة صغيرة في اليوم.
أجابها بجدية: متضحكيش على نفسك يا مي، رشدي بياخد من وراكي، ودي حاجة طبيعية ومتوقعة أنا قولتلك قبل كده مفيش مدمن هيروين بيتعالج في البيت وهو متساب كده عادي، لازم مصحة.
بهتت ملامحها، وقالت بارتعاش: طب أقفل يا علي، وأنا هشوف الموضوع ده.
اغلقت الهاتف بيد مرتعشه، وظلت تنظر أمامها للحظات بصدمة، كأن عقلها يرفض استيعاب ماسمعه.
ثم عادت إليهم وهي تقول بصوت مهتز: معلش يا بنات أنا تعبت ومحتاجه اطلع ارتاح شوية.
سألتها لوجين بقلق: مالك؟ نطلبلك دكتور؟
هزت رأسها: لا أنا هرتاح شويه وهبقي كويسه.
تركتهم وغادرت بخطوات ثقيله، بينما نظرت الاثنتان لها بتعجب من تغيرها المفاجىء.
ماسه بتعجب: هي مالها؟
مدت لوجين شفتيها: مش عارفه، يمكن سمعت في المكالمه حاجه زعلتها، سبيها علي راحتها وبعدين نبقي نطمن عليها.
اومأت موافق وعادتا لجلستهما مره أخري.
بينما صعدت مي إلي غرفتها وأخذت تفتشها بجنون، فتشت تحت السرير، وأسفل المرتبة، وخلف المرايا، وداخل الأدراج.
هي تعرفه جيدا، تعرف أن لديه عشرات المخابئ.
قلبت الملابس بعصبية، وأخرجت كل شيء من مكانه، حتى وصلت إلى درج الشرابات.
توقفت يدها فجأة.
في زاوية صغيرة هناك حينما وقعت عيناها علي كيس ممتلئ بالمسحوق الأبيض، تجمعت الدموع في عينيها بحرقة، وبدأت تبكي بوجع حقيقي علي أملها الذي كانت تتمسك به بكل قوتها وأنهار في لحظة..
كانت تظن أن رشدي قد يفعل أي شيء، إلا أن يكذب عليها في هذا الأمر تحديدا، لكنه فعلها.
مسحت دموعها بعنف وهي تفكر أن تتصل به وتواجهه، لكن في آخر لحظة تراجعت.
لا، هي لن تواجهه، ستفعل شيئا آخر تماما، شيئا لم يتوقعه رشدي أبدا
مجموعة الراوي،4مساء
جلس ياسين خلف مكتبه، وأمامه عدد كبير من الملفات، يقرأها بتركيز ويجري بعض الاتصالات، بينما كانت الصدمة والاندهاش يملآن ملامحه مع كل ملف يقرأه.
فكلما تعمق في الأوراق، اكتشف حجم الكارثة: خسائر فادحه، ومشروعات متوقفة، وعقود أُلغيت، ومساهمون انسحبوا من المجموعة والأغرب من ذلك كله... أنه لم يري أي محاولات حقيقة لإصلاح أي شيء؟!
التقط هاتف المكتب وقال: أيوه يا نور، سليم بيه في مكتبه؟
أجابته باحترام: لا يا فندم، مشي من شوية.
عقد بين حاجبيه متعجبا: طب قالك رايح فين؟
أجابته: لا
قال: طب تعالي عندى يا نور.
اغلق الهاتف، وعاد يستند بظهره إلى المقعد، وعيناه معلقتان بالأوراق أمامه.
بعد لحظات، دوى طرق خفيف على الباب: ادخلي.
دخلت نور وهي تقول باحترام: مساء الخير يا فندم، حمد الله على السلا-
قاطعها وهو يتساءل مباشرة: أنا محتاج افهم إيه اللي بيحصل ده يا نور؟
ردت باستغراب: خير يا فندم؟
رفع أحد الملفات أمامها: كل دى خساير وشغل متعطل؟! وإزاي معظم المساهمين انسحبوا؟! محدش كلمهم؟ محدش حاول يحتوي الأزمة؟
أجابته موضحه: يافندم، في فرق من اكبر المهندسين والمديرين بيحاولوا على قد مايقدروا يحلوها؟! بس للأسف في غياب كامل من رؤساء مجلس الإدارة، فبالتالي مفيش أي توجيهات فعليه.
هز رأسه بضيق: هو لازم حد يمشيكم؟ متعرفوش تشتغلوا لوحدكم؟
ردت بتوضيح: لا يافندم، بس في قرارات لازم تتاخد فورا، وحلول لازم تعتمد من الإدارة العليا، ومحدش بيجي من يوم الإنفجار.
عقد حاجبيه: أزاي محدش بيجي؟
أجابت بصدق: من وقت الانفجار، محدش تابع بشكل مباشر، ولا حد من إخوات حضرتك بييجي، ودي أول مرة سليم بيه ييجي من وقت الانفجار؟ وقعدو نص ساعة ومشي.
اعتدل ياسين في جلسته باستغراب: اول مرة؟!
اومات برأسها وتابعت: أيوة، وإحنا حاولنا نتواصل معاه كتير لكن للأسف مبيردش، ومستر يزيد ومدام منيرة والأستاذ زكريا حاولوا يمشوا المجموعة بسياسة المتابعة المعتادة، لكن حجم المصيبة أكبر من مسؤليتهم بكتير، لازم حد من أصحاب القرار يكون موجود، بس محدش بيجي..
ساد الصمت للحظات، ارتسمت فيها الصدمة بوضوح على وجه ياسين.
أومأ لها أخيرا: تمام يا نور... تقدري تتفضلي.
أومأت: تحت أمرك يا فندم.
وغادرت المكتب.
أما ياسين فظل ينظر إلى الملفات بشرود..
فسليم الذي يعرفه لا يستسلم للهزيمه، وكان سيعمل علي قدم وساق حتي يعيد للمجموعه توازنها من جديد، فلماذا لم يفعل شيئا؟
أمسك هاتفه وأجري عدة اتصالات، عله يفهم مايحدث خلف الكواليس لكن الإجابات التي تلقاها كانت متشابهة.
"منعرفش .. سليم متواصلش معانا، ولا طلب مننا أي تدخل، ولا حتى سأل عن الموضوع."
ومع كل إجابة... كانت صدمته تكبر أكثر، حتى أدرك أخيرا الحقيقة التي لم تخطر بباله.
سليم... ترك المجموعة تسقط عمدا.
ولأول مرة يشعر أن ماخدث لم يكن إهمالا، بل كان قرارا متعمدا..!؟
استووووب.
ياسين شك في سليم؟ تفتكروا إيه إللى هيحصل؟