
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الرابع والثلاثون 34 ج 3 بقلم ليله عادل
المخزن،6م.
دخل مصطفي يتقدمه سليم، وخلفهما مكي وإيهاب وعدد من الحراس.
كان المكان هادئا بشكل مخيف، بينما وقف محمود مربوطا في أحد الأعمدة، وحوله حارسان يراقبانه بصمت.
ما إن رفع عينه ورآهم حتى صرخ بعصبية: فكوني ومشوني من هنا! إنتوا عايزين مني إيه؟! ماخدتوا البت خلاص!
اقترب منه سليم ببطء، وقال بهدوء مرعب: صوتك عالي ليه؟ أنا مبحبش الصوت العالي.
ابتلع ريقه، وحاول التماسك: مش أخدتوا آلاء؟ خلاص، إللي بيني وبينكم الحكومة، تحكم بنا، وتجيبلي حقي.
ابتسم سليم بسخرية: حكومة؟ إحنا لو دخلنا الشرطة، أول حاجة هتتقال إنك مجوز أختك عرفي وهي متجوزة بالفعل، وساعتها أنت إللي هتتحبس.
توتر لحظه، ولكن رد بعناد: أنا مجوزها على سنة الله ورسوله، إنما جوازها من الدكتور ده هو إللي غلط!
مد سليم وجهه بلا الاهتمام: أنا مش جاي أجادلك، النقاش مع واحد زيك مضيعة وقت.
ثم سأله مباشرة: اسمه إيه إللي إنت جوزتهاله؟
رد بتوتر: شاهين.
سليم بأختصار: ساكن فين؟
تردد: إنت عايز منه إيه؟ كلامك معايا أنا.
سليم بشدة: أخلص، أنا مش هعيد كلامي مرتين..
أضاف وهو يفتح ذراعيه، وكأنه يطلعه أين هو وماذا سيحدث معه: ولا تحب المعاملة تبقى بطريقة ثانية؟
نظر محمود حوله، وابتلع ريقه بخوف: ما هو...
حدجه سليم بنظرة جعلته يصمت فورا، ثم قال بسرعة والخوف بدأ يتسلل لصوته: في المرج، أأنزل المرج واسأل عن ورشه الحج شاهين، وألف مين يدلك..
ألتفت سليم إلى مكي: روح هاتهولي.
أومأ مكي وتحرك فورا للخارج.
أما محمود فنظر نحوهم بتوتر: أنا مش فاهم إيه مشكلتكم؟! ليه فاكرين الجوازة دي غلط؟
سليم بإقتضاب: أنا قولتلك إني مش هجادل مع واحد جاهل زيك، المهم دلوقتي إننا ننقذ آلاء منكم وبس.
مدينة الإنتاج الإعلامي،6م.
خرج رشدي وعماد من أحد الاستوديوهات، والانزعاج يسيطر علي ملامحهما، فكل منهما يحمل في قلبه شيء لآخر، وحاولا قدر الامكان السيطرة علي مشاعرهما طوال فترة البرنامج.
نظر عماد إليه بابتسامه ساخرة: كنت ممثل هايل جوه يارشدي.
نظر اليه بطرف عينه دون رد، فتابع عماد محاولا فتح مجال للحديث: مين اللي نشر الأخبار بتاعت الصبح؟ انت؟!
أجابه بلامبالاه: مش مهم مين نشرها، المهم إن الموضوع انتهي، وأتمنى تكون اتعلمتوا من اللي حصل، وتبطلوا أفكاركم القذرة، اديكوا دقتوا من نفس الكأس.
ضيق عماد عينه: أنت ليك يد في اللى حصل يا رشدي؟
أجابه بسخرية: ليه، أنت فاكرني وسخ زيك؟ مكدبش عليك أنا أه شمتان، بس أكيد مش هعمل كده في أختي يعني! في الآخر اللي هيمسها هيمسني.
نظر إليه عماد بتدقيق، وتساءل: أنت ليه قلبت عليا فجأة؟ إحنا كان بينا سنين طويلة، شغل ومصالح، إيه اللي حصل؟
نظر إليه بازدراء: اللي حصل إني اكتشفت حقيقتك متأخر، طول عمرك وسخ، بس كنت شاطر وبتتلون وبتقنعني إن مصلحتنا واحده، علشان كده كنت ماشي وراك، بس لا يا عماد أنت وسخ ومستعد تعمل أي حاجه علشان مصلحتك أنت وبس، وبعد اللى عملته معايا اللي بينا بقى دم، أنا لسه مأخدتش حق اللي عملته مع مراتي!
عماد بهدوء: طب ماتيجي نفض الحرب اللى بينا دى ونرجع حبايب تاني من غير ضرب في الظهر، إحنا في الأول والآخر غرضنا واحد!
ضحك بسخرية: عايز تستغلني تاني يا ثعلوب؟ توء، كان زمان وجبر..
اقترب أكثر واضاف بثقه غير محسوبة: انت لسه مشوفتش مني حاجة، واللي جاي أكبر بكتير مما خيالك يصورلك، هرجعك لحجمك الطبيعي تاني ياعماد، مجرد واحد شغال عندنا، ملوش كلمه ولا حد بيعمله اعتبار، فمن النهارده أنت هتسمع الأوامر وتنفذ وبس.
تصلبت ملامح عماد، بينما أكمل رشدي بتهديد ذات معني: وإلا أنت عارف أنا ممكن أعمل إيه كويس!؟والحربوءة دلوقتي بقت هوب هوب يعني مش هتاخد فيك ساعتين سجن.
اطلق ضحكة ساخرة وهو ينظر إليه من أعلي لأسفل، ثم ارتدى نظارته الشمسيه بثقه واستقل سيارته وغادر، بينما بقي عماد يراقب ابتعاد سيارته وهو يغلي من الداخل ظننا منه أن رشدي يهدده بالفيديو الذي معه.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالا، وحينما أتاه الرد قال بغضب: كل ده منفذتش ليه؟ أنا قولت إني عايز الموضوع يخلص بسرعة.
أتاه صوت تمساح: يا باشا هو أنا لحقت، أنت لسه مديني التمام امبارح! وبعدين متقلقش سكته طلعت سهله وقريب هتسمع الخبر اللى مستنيه.
أغلق الهاتف، ثم رفع عينيه إلى الطريق وهمس: أنت اللى اخترت يا رشدي! أنا اديتك الفرصه وانت مستغلتهاش، الله يرحمك بقي..متأكد أن البشرية هتبعتلي جواب شكر.
مجموعه الراوي،6م.
شعر ياسين بالارهاق بعد أن قضي ساعات طويلة في العمل محاولا إنقاذ مايمكن إنقاذه، تأوه بارهاق وهو يعود بظهره علي المقعد وقرر أن يغادر ويكمل غدا.
هبط واستقل سيارته متجها للقصر، وأثناء قيادته أجرى اتصالا بلوجين: ألو، إيه يا حياتي، عاملة إيه؟ هبة ونالا رجعوا؟
اتاه صوتها بالرفض، فهز رأسه بضيق، وأغلق الخط وهو يجز على أسنانه، ثم ضغط على البنزين متجها إلي فيلا عائلة هبة.
وبمرور بعض الوقت.
دخل الفيلا بعد أن فتحت له الخادمة، فوجد زيدان وسامية يجلسان في الهول.
ابتسمت سامية فور رؤيته: ياسين؟ حمد لله على السلامة.
أجابها بتهذب: الله يسلمك ياطنط.
ثم أضاف مباشرة: بعد إذنكم، أنا عايز نالا.
تبادلت سامية وزيدان النظرات، ثم قالت للخادمة: بلغي هبة هانم إن ياسين بيه وصل.
أومأت الخادمة وتحركت للأعلى.
وبعد دقائق هبطت هبة وهي تمسك بيد نالا وفور أن وقعت عينا الصغيرة عليه، تركت يد هبه وركضت نحوه: بابي!
انحنى وحملها بين ذراعيه: حببتي، وحشتيني أوي.
لفت ذراعيها حول عنقه: إنت كمان وحشتني، أنا زعلانة منك.
ابتسم وهو يقبل رأسها: ليه بس؟
قالت بزعل: علشان سبتني كتير.
تنهد بخفة: معلش ياقلبي كنت مسافر، بس خلاص رجعت، وجبتلك حاجات حلوة كمان.
اتسعت عيناها بسعادة: بجد؟
اومأ بابتسامة: طبعا بجد، يلا بينا نروح القصر علشان اوريكي جبتلك ايه؟
هزت رأسها بحماس: ماشي.
تقدمت هبة خطوة: ياسين، لو سمحت أنا محتاجة أتكلم معاك.
رفع عينيه إليها أخيرا: أتكلمي معايا زي ما إنتِ عايزة، بس هناك، مش هنا.
تدخل زيدان محاولا تهدئة الموقف: ياسين، خلينا نتفاهم بهدوء، الأسلوب ده ميصحش.
نظر إليه باحترام: أنا مغلطتش في حد ياعمي، لو عايزين تتكلموا، القصر مفتوح ليكم في أي وقت، تشرفونا..
ثم نظر إلى نالا: لكن دلوقتي أنا محتاج أقعد مع بنتي علشان وحشتني.. قولي لمامي باي يا نونو.
لوحت بيدها الصغيرة: باي يا مامي.
حاولت هبة الاعتراض: ياسين، ده مش أسلوب...
لكنه قاطعها بهدوء دون أن يلتفت لها: مش قدام البنت يا هبة، قولت لو عايزه تتكلمي هسمعك هناك...
قال كلماته، وغادر وهو يداعب ابنته، تاركا خلفه توترا أثقل من أي خلاف.
المخزن،7م.
كانوا ينتظرون عودة مكي، وما إن دخل بمفرده حتى عقد سليم حاجبيه باستغراب: أمال فين شاهين؟
أجاب وهو يقترب: سألت عليه، قالوا إنه مسافر يجيب بضاعه.
تساءل: معرفتش هيرجع إمتى؟
أجابه: قالوا كمان يومين، سبت حد هناك أول مايرجع هيجيبه على هنا.
هز رأسه بتفكير، ثم نظر إلى مصطفى: إيه يا مصطفى؟ نستنى ولا نجيبه من المكان اللي هو فيه؟
تنهد مصطفى: اللي تشوفه يا سليم.
ظل صامتا لثواني قبل أن يقول: أنا رأي نستني اما يرجع، يومين مش كتير، وكده كده الحيوان ده معانا هنا.
كان محمود يتابعهم بوجه متوتر، لكنه انتفض بغضب فور سماع كلماته الآخيرة: وأنا هفضل مربوط كده؟
أجابه ببرود: أه، هتفضل مربوط لحد ماتتعلم الأدب.
جز علي أسنانه بغضب، ولم يجرؤ على الرد، بينما استدار سليم نحو الخارج، فتبعوه جميعا.
توقف عند المدخل، وقال لأحد الحراس: فكوه كمان ساعة ودخلوه اوضه التأديب، يتحطله أكل وشرب ويتفك عالحمام، محدش يمد إيده عليه بس ميشوفش الشمس، وميشوفش حتى إيده فيها إيه.
ابتلع محمود ريقه بخوف، بينما أومأ الحارس: اوامرك يا باشا.
تحركوا بعدها إلي الخارج، بينما ظل محمود واقفا ينظر أمامه بوجه شاحب، وقد أدرك أن الأيام القادمة لن تكون هينة ابدا.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،7م.
دخل ياسين يحمل نالا بين ذراعيه، فوجد ماسة ولوجين جالستان في الحديقه.
اتسعت عينا لوجين بسعادة: نالا!
ثم فتحت ذراعيها: وحشتيني أوي.
لكن الصغيرة تمسكت برقبة والدها أكثر، وخبأت وجهها في كتفه.
لوجين باستغراب: مالك يا حبيبتي؟
لم ترد نالا.
فنظرت إلى ياسين: هي مالها؟
هز كتفيه: مش عارف.
ثم نظرلها: مالك يا قلب بابي؟ جوجا موحشتكيش؟
لكنها لم تجب.
تنهد، ونظر إلى ماسة: إزيك يا ماسة؟
تبسمت: الحمد لله، حمد لله على السلامة.
رد: الله يسلمك، هو سليم جوه؟
اجابته: لا، خرج من الصبح ولسه مرجعش.
هز رأسه باقتضاب: طب عن إذنك.
تحرك مبتعدا، فقالت لوجين: طب هطلع أنا بقي، ونتقابل على العشاء.
أومأت برأسها، وبقيت وحدها للحظات تنظر حولها بملل، ثم عادت إلى غرفتها هي الأخري.
جناح ياسين ولوجين...
دخلت لوجين لتجد ياسين جالسا على الفراش يداعب نالا ويحاول إضحاكها.
اقتربت باتسامة: تعالى بقى قوليلي مالك؟ زعلانة مني ولا إيه؟
لكن نالا انكمشت في أحضان والدها.
نظر اليها ياسين باستغراب: مالك يا روحي؟ إنتِ زعلانة من لوجين؟
تمتمت: أنا عايزة مامي.
ياسين: مامي جاية.
رفعت رأسها: لا، عايزاها دلوقتي.
نظرت اليه لوجين وتساءلت: أنت أخدتها بالعافية؟
هز رأسه: والله لا، جت معايا بمزاجها.
تنهدت: طب كلم هبة يمكن تهدى.
أومأ وأخرج هاتفه وأجرى اتصال فيديو.
ظهرت هبة على الشاشة وهي تقود سيارتها.
قال ياسين مسرعا: إزيك يا مامي، اتأخرتي ليه؟
أمسكت نالا الهاتف سريعا: مامي، إنتِ فين؟
ابتسمت هبة: جاية في الطريق ياحبيبتي.
ابتسمت أخيرا: طب بسرعة، أنا مستنياكي.
أغلقت المكالمة.
فنظر لها ياسين: شوفتي؟ أهي جاية.
بينما قالت لوجين: تيجي أوريكي أنا جبتلك إيه؟
ردت برخامة: لما مامي تيجي، بابي تعالى نروح أوضتي.
ابتسم وهو يحملها: ماشي يا قلب بابي.
لوجين: طب أنا هفضي الشنط وأرتب الحاجات، خليك إنت معاها.
اومأ لها، وخرج متجها إلى غرفتها.
الفيلا التي يمكث بها مصطفي،8م.
كان الجميع يجلسون في الهول.
آلاء بحزن: يعني إحنا لسه هنستنى يومين لحد مايرجع؟
اومأ سليم: أه بس متقلقيش، اعتبري الموضوع دى خلصان.
تساءلت أنهار بقلق: طب ومحمود؟
سليم بهدوء: سايبه في المخزن يتربي لحد مانحل المشكلة.
قالت بترجي: والنبي يا ابني، متأذهوش.
نظر لها بجدية وحنو: أنا عارف إنه أبنك وإنك خايفة عليه، واطمني أنا مش هعمله حاجة، أنا بس هأدبه علي تصرفاته، متقلقيش ياهانم أنا عندى نسخه منه في البيت وعارف أزاى اقوم سلوكه كويس.
مصطفى محاولا طمأنتها: متخافيش ياحاجة هو كويس.
نظر سليم في الساعة وهو يهم بالوقوف: طب أنا همشي، والموضوع عندي متقلقوش.
اومأ الجميع، وغادر سليم بينما نظر مصطفي لآلاء باهتمام: متخافيش من حاجه، أنا مش هيهدي لي بال الا لما الموضوع ده يخلص.
تبسمت بخجل: متأكدة.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي،8م.
وصلت هبة واتجهت إلى غرفة نالا مباشرة.
وفور أن رأتها الصغيرة، اتسعت ابتسامتها وركضت نحوها بسعادة: مامي!
انحنت وحملتها بين ذراعيها، تقبل وجنتيها عدة مرات، فضحكت نالا وتشبثت بعنقها: وحشتيني.
هبة بابتسامة: إنتِ كمان وحشتيني يا قلبي.
أنزلتها برفق وأضافت: روحي اقعدي مع دادا شوية، علي ما أتكلم مع بابي.
عقدت حاجبيها باعتراض: بس أنا عايزة ألعب مع بابي.
اقترب ياسين وربت على رأسها بحنان: ومين قال إني مش هلعب معاكي؟ مش هتأخر عليكي، وعد.
فكرت للحظة ثم هزت رأسها وذهبت تكمل لعبها مع الخادمة.
بينما تحرك ياسين وهبة نحو الصالون وجلسوا مقابل بعضهم.
ساد الصمت لثواني، قبل أن تقطعه هبة: نالا مش هينفع تفضل هنا يا ياسين.
تسأل ببرود: ليه؟
أخذت نفسا عميقا: لأن جو القصر مش مستقر، كل يوم مشكلة شكل؛ الانفجار، واللي حصل مع صافيناز، ومصايب تانية، أنا مش عايزة بنتي تكبر وسط ده كله.
زفر بهدوء وهو يسند ظهره للخلف: البنت مش حاسة بحاجة من كل ده يا هبة.
هزت رأسها معترضة: حتى لو مش حاسة دلوقتي، الجو نفسه غلط، البنت محتاجة تعيش في مكان هادي ونضيف.
أجابها بهدوء: إنتِ مديه الموضوع أكبر من حجمه، اللي حصل لصافيناز بلاغات كيدية واتقفلت، والانفجار ده حاجة بتحصل مع أكبر رجال الأعمال، مش معنى كده إن الدنيا انتهت.
ظلت تنظر إليه لثواني، قبل أن تقول بحدة: المشكلة إنك بقيت متعود على الخطر لدرجة إنك شايفه طبيعي، انما أنا لا، أنا خايفه علي بنتي ونفسيتها.
رفع عينيه إليها، وقال بحدة: أنتِ مش هتخافي علي بنتي أكتر مني ياهبة، لو كنتي خايفه عليها بجد مكنتيش نشرتي الكلام الزبالة اللى اتقال عن عمتها في المجلة عندك، أنا لسه محاسبتكيش علي ده بالمناسبة.
حاولت التبرير: هو أنا لوحدي اللى نشرت؟ وبعدين الشغل حاجه وعلاقتنا حاجه تانيه..
ياسين بجمود: لما يبقي الكلام يمس عمة بنتك يبقي الاتنين حاجه واحده.
رمقها من أعلي لأسفل: وبعدين أنا بتناقش مع مين!! اللى تقتل ولادها قبل كده بدم بارد استني منها اي حاجه.
قاطعته بحدة: مسمهاش قتلتهم، اسمها رحمتهم من المصير اللى مستنيهم، وإنهم يعيشوا وسط كل القرف دى زى اختهم.
اومأ ساخرا: انت رحمتيهم فعلا، بس مش المصير اللى مستنيهم زى مابتقولي، انت رحمتيهم أن يكون ليهم أم زيك.
توقف واضاف بحزم: بنتي مش هتعيش بعيد عني، عايزه تبقي جمبها يا أهلا وسهلا، مش عايزه انتِ حره.
كاد أن يغادر فوقفت وقالت بجمود: طب أنا في الجست هاوس، ابعتلي البنت مع الدادا.
لم يلتفت اليها وأكمل صعوده: لا، البنت هتبات معايا النهارده.
وبمرور بعض الوقت.
عاد سليم، وجلس مع ماسة يتناولان العشاء، ثم انتقلا إلى الشرفة وجلسا معا يحتسيان العصير ويتبادلان الأحاديث في أجواء لطيفه.
تسالت باهتمام: هتعمل إيه مع اللي اسمه شاهين ده؟
أجابها بهدوء: هستناه يرجع وهقطع الورق اللى معاه وانهي الموضوع.
تنهدت بتأثر: مش عارفة آلاء دي هتلاقيها منين ولا منين، مسكينه أوى بجد.
أجابها بمزاح: متقلقيش عليها، دكتور مصطفي ناصر الفتايات الضعيفات معاها، أنت متأكده إنه تخصص باطنه مش ستات؟
ضحكت وضربته في كتفه: بطل بقي، والله مصطفي إنسان جدع وربنا هيجازيه خير.
ثم نظرت له بابتسامه حالمه: وبعدين مش يمكن ربنا حطهم في طريق بعض علشان يحبوا بعض ويبقوا عوض لبعض، أنا متعاملتش معاها قبل كده بس حاسه أنها هتبقي لايقه عليه والله.
هز رأسه بيأس: أنت مفيش فايده فيكي يا ماسة، خليكي عايشه في جو الأفلام بتاعك ده.
ربعت يديها بثقه: بكرة تشوف وتقول ماسة كان عندها بعد نظر.
ثم أشارت باصبعها: قولتلك قبل كده متستصغرنيشي يا سليم.
قرصها من أنفها بدلع: مقدرش استصغرك يا قطعه السكر.
ثم سأل: عملتي إيه في يومك النهارده؟
هزت كتفيها: ولا حاجة، قعدت مع مي ولوجين، ورخمت على رشدي شوية، فاتك منظره يا سليم وهو عامل شبه الكتكوت المبلول وخايف مني، صحيح أنت شوفت القلم اللى ادتهوله امبارح، والكلام اللى قولتهوله في الهول بعد ماضربته؟!
هز رأسه بإيجاب، وأمسك يدها يقبلها: اممم، قطعه السكر بقت جامده وبتعرف تاخد حقها.
نظرت إليه بشقاوة: عندك شك؟
لوح بيديه: لا، أنا مجرب وعارف.
ضحك معا، وقالت بتوعد: ولسه، ده أنا هخليه يمشي يكلم نفسه في الشارع.
هز رأسه ضاحكا: وقع تحت إيد اللى مبترحمش.
انفجر بالضحك معا مره أخري.
صمت قليلا بعد أن هدأت ضحكاتهم، ثم تساءل بحيرة: بس كان يقصد إيه بأنهم 6 مش 5؟
ردت ببساطه: أكيد قصده عليك.
مد وجهه بعدم اقتناع: معتقدش!
تساءلت بحيره: أومال يقصد مين؟
مال برأسه بشرود وتفكير: معرفش، بس أكيد هنعرف!
صمتت لحظه، قبل أن تنظر له بتوتر: لا يكون قصده علي عيلة مصطفي؟! ولا يكون عرف إن مصطفي لسه عايش.
هز رأسه: هيعرف منين؟ وبعدين معتقدش يقصد عيلة مصطفي، وحتى لو يقصدهم، أنا حاطط عليهم حراسه، مش هيقدر يعملهم حاجه.
أسندت رأسها على كتفه: ربنا يستر.
صمتت لحظه ثم ابتسمت بخفة: بس تعرف، كانت وحشاني القعدة دي.
ابتسم هو الآخر: أنتِ كمان وحشتيني، بقالي فترة مشغول في مليون حاجة، نخلص كل دى بس وهاخدك ونسافر سنة عسل جديدة.
رفعت رأسها بعيون تلمع بالسعاده: وعد؟
ضحك بخفة: وعد.
ثم جذبها إليه مرة أخري لتستمر جلستهما الهادئة.
علي اتجاه آخر.
جلست مي في الشرفه تنتظر عودته والأفكار تتصارع في رأسها، بعد أن رتبت الغرفة كما كانت وكأن شيء لم يكن.
لمحت سيارته تدخل من البوابة، فقامت ووضعت المخدر في الحمام كعادتها حتي لا يشك في شيء، وذهبت إلي الفراش تدعي النوم.
بعد دقائق دخل رشدي فوجد الغرفه ساكنه، ومي تغفو بهدوء.
تنهد ودخل ليأخذ حمامه، ففتحت عينيها ونظرت للباب بغيظ وتوعد.
وبعد قليل لمحت باب الحمام يفتح، فعادت تمثل النوم من جديد، لتري ماذا سيفعل، ولكنه فاجأها باستلقاءه بجوارها، وذهابه في النوم سريعا وكأنه يهرب به من شيء يؤرقه!
ما إن شعرت بانتظام انفاسه، فتحت عينيها ونظرت له بشرود، وهي تتذكر حديث علي وخداعه لها، شيء بداخلها كان ينكسر، وشيء آخر كان يشتعل غضبا، ولكنها قررت تأجيل المواجه للغد.
♥️__________بقلمي_ليلةعادل
الفيلا التي يمكث بها مصطفي،6ص.
استيقظت آلاء تشعر ببعض التقلصات في معدتها، يبدو أن عادتها الشهرية قررت تعكير صفوها اليوم، فبالرغم من تناولها لقرص مسكن في الفجر الي أن الألم لم يهدأ.
جلست علي الفراش بألم، والتقت إسدالها وهبطت لأسفل، كان الهدوء يعم المكان، والجميع نائمون.
دخلت المطبخ واشعلت الكاتل، ثم جلست علي المقعد تنتظر غليان الماء، وهي تتكئ علي المنضدة وتضع يدها علي معدتها بألم.
في تلك اللحظة دخل مصطفى وحينما انتبه لها، عقد حاجبيه باستغراب: آلاء؟! إيه اللي صحاكي دلوقتي؟
أجابته بخفوت: كنت محتاجة أشرب حاجة دافية، إنت كمان صاحي ليه؟
أجابها وهو يلتقط كوب ويجهزه: مجاليش نوم، قولت أعمل كوباية شاي، وأحاول أتابع اللي حصل اليومين اللي فاتوا عند سليم، حاسس إني قصرت معاه أوي.
انتهي مما يفعل وجلس مقابلها، فانتبه لملامحها المتعبة وسألها بقلق: مالك فيه ايه؟
ثم نظر إلي يدها الموضوعه علي معدتها: مالها بطنك؟
اعتدلت تهز رأسها باحراج: مفيش، شكلي خدت برد في معدتي.
نهض يقول بسرعة: طب تعالي أكشف عليكي.
اتسعت عيناها بتوتر: لالالا، ملوش لزوم، أنا هشرب النعناع وهبقي كويسة.
قال بحزم: النعناع مش علاج يا آلاء، لو عندك برد فعلا يبقي فيه ميكروب لازمله علاج.
وضع ظهر كفه على جبينها ثم على خدها: معندكيش حرارة الحمد لله، تعالي أكشف عليكي.
هزت رأسها: أنا كويسة والله مش مستاهله.
نظر لها بغيظ: انتِ عنيده ليه؟ ما تخليني اشوفك ليكون عندك التهاب معوي ولا حاجه.
ابتلعت ريقها، وقالت بثبات: متقلقش والله، أنا عارفه نفسي، هشرب كوباية النعناع وهبقي كويسة.
ثم نهضت الي الكاتل لتأخذ مشروبها وتفر من هذا الموقف المحرج، بينما عقد مصطفي حاجبيه بعدم رضا من عنادها، لكنه انتبه لبطىء حركتها، وتذكر أن عائشه تكون هكذا عندما تواتيها عادتها الشهرية!
ضربت الذكري ذهنه فاتسعت عيناه بادراك، وابتسم بخبث مقررا مشاكستها: طب ما تقولي يا لولو إنك ركبتي الزحليقه.
رددت باستغراب: زحليقه!
اومأ: آه، عائشه مسمياها كده.
عقدت حاجبيها: هي إيه دى؟
غمز لها: زحليقه كل شهر.
اتسعت عيناها، وخفضت رأسها بخجل، بينما ضحك هو عاليا: عادى يا آلاء أنا زى جوزك يعني.
تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها من هذا الموقف المحرج، بينما توقف هو عن الضحك، ونظر لعدم قدرتها علي الوقوف باشفاق، وقال بحنو: بطنك تعباكي أوى؟
رفعت عيناها الدامعه: أه، وجعاني أوى، والوجع مش راضي يهدى خالص، خدت مسكن ومفيش فايده.
ربت علي كتفها بحنو: طب أطلعي ارتاحي وأنا هعملك نعناع، وهتبقي كويسة.
كادت أن تعترض، ولكنه سبقها بإشارة حازمه: ولا كلمه، علي الأوضة يلا.
تبتسمت رغم تعبها وصعدت.
وبعد قليل صعد يحمل صنية موضوع عليها كوبين واربه في يد، واليد الأخري يحمل الابتوب الخاص به.
جلس علي الفراش واعطاها كوب النعناع، فاخذته وبدأت ترتشف منه حتى انهته.
اخذ الكوب واعطاها الأربه: حطي دى علي مكان الألم، وأنا هشغلك قرآن حاولى تركزي معاه لحد ماتنامي، أنا هفضل قاعد جمبك علشان لو احتاجتي حاجه.
ردت باحراج: ملوش لزوم تعطل حضرتك.
قاطعها مازحا، وهو يفتح الاب ويمسك بكوب الشاي: حضرتي مش هيتعطل، أنا هقعد اراجع التسجيلات زى ماقولتلك، نامي يا لولو وبطلي مناهده.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وهي تنظر إليه بامتنان، وشعرت بدقة خفية تنبض في صدرها فجأة، كأنها رد فعل غير محسوب على كل هذا الحنان الذي يحيطها به.
قصر الراوي،9ص.
استيقظ رشدي كعادته، ألتفت نحوها أولا ليتأكد أنها مازالت نائمة، ثم تحرك بهدوء، وهنا فتحت عينيها يبدو أنها كانت مستيقظه وتصنعت النوم.
اتجه نحو الدرج وفتحه بسرعة، ولكنه تجمد بصدمة عندما لم يجد الكيس!
بدأ يفتش بعصبية، يفتح الأدراج واحدا تلو الآخر، وأنفاسه تعلو تدريجيا، حتى تحول بحثه إلى جنون حقيقي.
توقفت بعيدا تراقبه للحظات، قبل أن تقول بهدوء مخيف: بتدور على إيه يا رشدي؟!
ألتفت إليها بتوتر، يبحث في عقله عن أى كذبه يقولها، لكنها فاجأته برفع الكيس أمامه: بتدور على ده؟
اتسعت عيناه بصدمة: عرفتي منين؟!
نظرت له بوجع وغضب: مشكلتك إني عرفت منين؟! مش إنك خدعتني وكذبت عليا؟ ليه يارشدي؟ ليه مصر تكمل في الطريق ده؟
مرر يده في شعره بتوتر وقال محاولا تبرير الأمر: أنا الفترة دي تعبان، ومش في حالتي الطبيعية، أنتِ شايفة إللي بيحصل حوالينا، وبعدين أنا مباخدش كمية كبيرة، دي نسبة بسيطة فوق الجرعة إللي بتديهالي، قولتلك كذا مرة إنها مش كفاية.
هزت رأسها: طبيعي متكونش كفاية، علشان أنت بتتعالج! جسمك أصلا المفروض يبعد عن القرف ده.
تنهد بضيق وعينه على الكيس بين يدها: ماشي، نبقى نشوف الكلام ده بعدين، هاتي إللي في إيدك دلوقتي.
مد يده ليأخذه، فسحبت يدها بعيدا: لا طبعا مش هتاخده؟ أنا هرميه.
اتسعت عيناه بغضب: ترمي ايه؟! إنتِ مجنونة؟ هاتي يا مي متعصبنيش!
هزت رأسها برفض وهي تتراجع: مش هديك حاجة، ومش هتخرج من هنا إلا علي المصحة، أصلا إحنا كنا غلطانين من الأول، الدكتور قال إن كل إللي كنا بنعمله غلط، لازم الجرعات تبقى بمواعيد ثابتة وكميات محددة، ومش هتخرج تاني يارشدي.
أخذ نفسا مهتزا وهو يحاول السيطرة على أعصابه: ماشي يا مي، بس مش الفترة دي، أنا مخنوق وتعبان وعندي حوارات كتير فوق دماغي.
ردت بعينين دامعتين: يارشدي إنت بتضيع نفسك، مادام اخدت القرار خليك قده..
اومأ بمهاودة: طيب، هاتي بس اللي في ايدك ده.
تنفست بغضب: كل اللى فارق معاك تاخد السم ده؟ طيب ..
ثم اندفعت نحو الحمام، فشهق وهو يجري خلفها: هتعملي إيه يامجنونه!
أمسك ذراعيها يحاول إبعادها، لكنها كانت قد انتهت والقت بمحتوي الكيس في المرحاض بالفعل.
صرخ فيها بغضب وعيناه تشتعلان: إيه إللي إنتِ عملتيه ده ؟! أزاي تعملي كدة؟
نظرت له بوجع: أنت اللي أزاي تعمل كدة؟ أنت ضحكت عليا وخدعتني!
اقتربت منه بحذر وأمسكت وجهه بين يديها تحاول إقناعه: رشدي يا حبيبي، لازم تبقى قوي، مفيش حاجة اسمها بكرة أو بعده، أنت وعدتني إنك هتبطل.
أغمض عينيه بألم وقال بصوت متعب: هبطل، والله هبطل، بس سيبيني أبطل بالطريقة إللي تريحني.
هزت رأسها بإصرار: أنت بتضحك على نفسك، محدش بيتعالج كده.
ضغط على رأسه بعصبية: أنتِ عايزة حد فايق يكلمك، وأنا دلوقتي دماغي هتنفجر ومش قادر..
وضعت يدها في جيبها، ثم اعطته الجرعة العلاجية التي وصفها الطبيب: اتفضل، خد دي مفيش غيرها، وأعمل حسابك، هتاخدها كل يوم في نفس الميعاد.
نظر لها لثواني طويلة بتردد، وعيناه معلقتان بالجرعة التي بيدها، فجزء بداخله لا يريد اخذها أمامها، لكنه أضعف من أن يحتمل ذلك العذاب الذي ينهش جسده.
أمسك يدها فجأة، قربها من وجهه، واستنشقها وكأنه يحاول تهدئة نفسه برائحتها، لكن ذلك لم يكن كافيا يريد المزيد.
فتح عينيه بتوتر: أنا عندي مشوار مهم ولازم أنزل.
نظرت له بهدوء غريب، بينما ذهب هو ليبدل ملابسه، ثم اتجه إلي الباب ولكن وجده مغلق.
استدار إليها بحدة: الباب ده مقفول ليه؟
ربعت يديها بثبات: أنا قولت مش هتخرج من هنا غير وأنت مبطل.
نظر لها بعدم تصديق: يعني ايه؟ هتحبسيني هنا وتمنعيني من الخروج؟!
اومأت بحدة: أيوة همنعك، طول ما مصر تأذي نفسك.
اقترب منها بعصبية: أنا مش فايق للعب العيال بتاعك ده، هاتي المفتاح.
هزت رأسها باصرار: مش هديهولك.
بدأ يكسر الأشياء حوله بعصبية مرعبة: فين المفتاح يا مي؟! متجننيش
هزت رأسها بعناد والدموع تملأ عينيها: مش هقولك.
أمسك ذراعها بقوة مؤلمة: فين المفتاح؟ مش هعيد كلامي تاني! أنطقي.
تألمت من قبضته، لكنها تمسكت بعنادها: مش هقولك.
دفعها بعيدا بعنف، واستمر بالبحث عنه كالمجنون.
كان يفتح الأدراج بعصبية ويقلب مابداخلها، بعثر كل شيء فوق التسريحة، وحتى سلة المهملات قلبها وهو يلهث بغضب وهياج، بينما وقفت هي تبكي بخوف ووجع وهي تراقبه ينهار أمامها بتلك الطريقة.
بعثر الغرفه بأكملها ولم يجد المفتاح، فاستدار إليها، بعينان ممتلئتان بسواد مرعب لم تره من قبل: هاتي المفتاح يا مي أنا مش عيل عشان تحبسيني.
قالا بصوت مبحوح والدموع تنهمر من عينيها: مش هديهولك.
ضغط علي اسنانه بعنف: لا، هتديهولي.
صرخت بإنهيار: لا! مش هديهولك! مش هستني لما اجيبك من الغرز بعد كده.
وفي لحظه مباغته لم تتوقعها، هبطت صفعه قوية علي وجهها.
شهقت بصدمة، وهي تنظر له بعدم استيعاب، وكأن عقلها رفض تصديق ماحدث.
أما هو فتنفس بعنف، وكأنه لم يستوعب هو الآخر ما فعله، لكن انهياره كان أقوى من ندمه، وفي اللحظة التالية دفعها على الفراش، وبدأ يفتشها بعصبية وهي تحاول إبعاده عنها، حتى وجد المفتاح أخيرا.
انتزعه منها بعنف وأتجه نحو الباب، لكنها ركضت خلفه محاولة منعه: مش هسيبك تخرج!
دفعها بقوة فسقطت على الأرض، وهو يصيح بانفعال: أوعي بقى!
ثم خرج تاركا إياها على الأرض تبكي بانهيار، لا تعلم كيف تتعامل مع كل ذلك الوجع الذي أثقل قلبها.
ضمت نفسها بذراعيها، وكلما تذكرت ماحدث أزداد بكاؤها أكثر؛ لم تكن الصفعة أكثر ما آلمها، بل كل ما سبقها من خيبات ومتاعب تراكمت فوق روحها دون رحمة.
منذ زواجها وهي تواجه أزمة تلو الأخرى، وكلما ظنت أن الحياة ستمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، باغتتها بمصيبة جديدة.
شعرت أنها استنزفت تماما، ولم تعد تملك القوة لتحمل المزيد أو لإنقاذه من نفسه.
ولأول مرة، بدأ يقين مؤلم يتسلل إلى قلبها "ربما يكون الرحيل هو الخيار الوحيد المتبقي" فالبقاء وسط كل هذا القدر من الألم لن يؤدي إلا إلى تحطمها هي الأخري.
على اتجاه آخر.
قاد رشدي سيارته بجنون، والطرق تكاد تختفي أمام عينيه من شدة الغضب، اشتعل رأسه بكل ما حدث: كلماتها، وبكائها، ونظرة الصدمة التي رآها في عينيها بعد أن صفعها.
لكن رغم ذلك، كان هناك شيء أقوى من الندم يلتهمه، ضغط على المقود بعنف، ورأسه يكاد ينفجر من كم الضغوط التي يمر بها مؤخرا؛ فما تفعله به ماسة والضغط الذي يعيشه كل يوم، جعل الجرعات البسيطة لم تعد كافيه لجسده كما كانت، صار يطلب المزيد دون أن يشعر أنه بهذا يغرق أكثر.
أخرج هاتفه بعصبية وأتصل بأحدهم: أنتوا فين؟
جاءته الإجابة: بايتين عند يسري من إمبارح، عاملين حفلة بمناسبة جواز تمارا ويسري.
اومأ: طب أنا جاي.
ألقى الهاتف بجانبه، وضغط على دواسة البنزين أكثر، لتنطلق السيارة بسرعة مخيفة وسط الطريق.
الجست هاوس،10ص.
جلست هبة بجوار ابنتها المنهمكة في الرسم، مررت أصابعها بين خصلاتها برفق وهو تقول: عملتي إيه امبارح مع بابي ولوجين يا نونو؟
رفعت رأسها وقالت: قعدت العب مع بابي وحكالي حدوتة، وفضل قاعد معايا لحد ما نمت.
تساءلت بخبث: ولوجين؟ عملتي معاها ايه؟ لعبتي معاها؟
هزت رأسها بخوف: لا، هي قعدت تكلمني بس مردتش عليها، خوفت تضربني زى ما قولتيلي.
ابتسمت برضا، واستمرت ببخ سمها: شاطرة يا حببتي، خدي بالك منها، هي هتقعد تعمل نفسها بتحبك عشان تاخدك من مامي، زي ما أخدت بابي مني.
عبست ملامح نالا: أنا بكرهها، عشان خلت بابي يعيش بعيد عننا، وبقى يعيش معاها.
هزت رأسها وأكملت بخوفت: وأنت كمان لو لعبتي واتكلمتي معاها حلو، هتاخدك مني وتعيشي معاها علطول، ومش هيبقى عندك مامي تاني.
اتسعت عينا نالا بخوف، وألقت بنفسها في حضن والدتها: لا يا مامي! أنا بحبك، لوجين دي وحشة.
ضمتها هبة إليها: أنا كمان بحبك أوى يا روحي، عايزاكي كل ماتشوفي بابي تقوليله إنك عايزه تعيشي مع مامي في بيت جدو زيدان، وإنك مش عايزة تروحي عندها.
أومأت برأسها: حاضر يا مامي.
احتضنت والدتها أكثر، بينما شعرت هبة بالارتياح بعدما غرست خوفا جديدا داخل قلب طفلتها الصغيرة.
أحد الأحياء الراقية،10ص.
صف رشدي سيارته، واستقل المصعد، وهو لا يزال تحت تأثير غضبه وتشتته الذهني.
طرق الباب، وما إن انفتح حتي استقبله أصدقاؤه بحفاوة وضجيج.
كانت الشقة مليئة بالشباب والفتيات، موسيقى عالية، ضحكات، وأجواء صاخبة لا تهدأ.
تمارا بابتسامه: متوقعتش إنك جي، لما شوفت الرساله اللى بعتهالك امبارح وطنشت.
ابتسم، واقترب يقبلها من خدها: وأنا اقدر مجيش الحفله بتاعتك أنت ويسري!
ضحكت: لا طبعا مينفعش، دى أنت رشروش ملك الحفلات.
جلسوا معا، والضحكات تتعالى في أرجاء الشقة، بينما كان رشدي يحاول الهروب من كل مايطارده، ولو لساعات قليلة.
نظر ليسري وقال بمزاح: الحظ لعبها معاك يا يسور، واتجوزت موزة الشلة.
ضحك أحد الشباب ساخرا: يسري طول عمره كسبان، جواز وشغل مع أبوه، الوحيد إللي حياته ماشيه صح فينا.
يسري بتفاخر: علشان إنتوا كل حاجة عندكم مستعجلة، محدش فيكم بيعرف ياخد الدنيا بالراحة.
نظر اليه رشدي بتمعن: تعرف ياض يا يسري، كل ماشوفك بفتكر سليم، ببقى نفسي أقوم أضربك..
يسري بسخرية: يعم اتنيل بوشك المتشلفط دى، مراتك ضرباك ولا إيه؟
أنفجر الجميع ضاحكين، بينما قال رشدي: خفة، فكك مني.
ثم التفت إلى أحد أصدقائه: أتش، معاك اصطباحة؟
أخرج الآخر كيسا صغيرا وقذفه له، فأخذه سريعا وقربه من أنفه للحظة، وأغمض عينيه محاولا إسكات الصداع الذي ينهش رأسه.
أرتفع صوت الموسيقى أكثر، وتحولت الأجواء إلى صخب مبالغ؛ رقص، وضحكات عالية، وخمر، ومخدرات، وكأن الجميع يحاول دفن شيء ما بداخله.
كان رشدي وسط كل ذلك، يضحك ويرقص ويغني بحماس، وكأنه عاد سنوات إلى الوراء، ناسيا كل شيء خلفه.
لكن من يراقب عينيه جيدا، سيدرك بسهولة أن سعادته لم تكن حقيقية بل مجرد محاولة يائسة للهروب.
في تلك الأثناء، خرجت نورهان من أحد الغرفه ترتدي فستان يفضح أكثر ممايستر.
جلست بعيدا تمسك كأسها دون أن توجه له حديث، فقط جلست تنظر اليه بعينين تحمل أنوثة حارقة وكأنها تعرف ماذا تفعل.
وما إن لمحها رشدي حتى ابتسم وتحرك نحوها: نونو، وحشتيني أوي أوي أوي.
مال عليها ووضع قبلة على خدها، ثم جلس بجانبها.
رفعت حاجبها بسخرية ناعمة: من إمتى الكلام؟! ما أنت بقالك فترة عايش دور المخلص الوفي؟ لو وحشتك كنت سألت؟!
ضحك بخفة: هو أنا لحقت؟ أنا مبقاليش شهر متجوز.
نظرت له بمكر: بس برضوا، لو نونو وحشتك، كنت تسأل عليها مش تختفي كده! وبعدين أنا عرفت إنك سهرت مع الشلة من فترة ومتصلش بيا.
أجابها بعدم اهتمام: كانت سهرة عادية، وبعدين إنتِ بتغيري من حاجة زي دى؟ إيش جاب لجاب؟
ضيقت عينيها وهي تميل نحوه: يعني إيه؟
اقترب منها أكثر وهو يبتسم بخبث: يعني الشلة حاجة، وإنتِ حاجة تانية خالص.
مالت برأسها: يا سلام؟ وإيه بقى الحاجة التانية دي؟
غمز لها، وقال بنبرة شهوانية وعينه على مفاتنها: الحاجة إللي مهما الواحد لف ودار، يلاقي نفسه لسه فاكرها، وكل مايشوفك أعصابه تروح، مش فاهم فيكي إيه، بس بتشدي، عاملة زي الشطة والنار..
اطلقت ضحكه أنثوية عالية: أمممم، طب خد بالك لألسعك.
ثم نظرت له بنظرات حارقة: ولا لسعتي موحشتكش؟
اومأ بنظرات ذات معنى وعينه لا ترتفع عن شفتيها: هي وحشتني بعقل!
رفعت حاجبها بعدم تصديق، فابتسم بمكر: مش مصدقة ولا إيه؟
نظرت له بطرف عينيها دون رد، فمال نحوها أكثر وهو يقول بخبث: طب تعالي جوة وأنا أثبتلك.
ضحكت بخفة وهي تسأله: هتثبتلي إيه؟
اقترب أكثر وهمس: اللسعة بتاعتك وحشتني قد ايه..
ثم سحبها إلي إحدى الغرف.
دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، فارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل الكثير من الإثارة والثقة، بينما قابلها هو بنظرة مشتعلة، وكأن كل مابداخله من توتر وغضب تحول فجأة إلى اندفاع أعمى.
بدأ يخلع قميصه دون أن يرفع عينيه عنها، ثم اقترب منها ببطء، قبل أن يطبع على شفتيها قبلة قوية ومشتعلة.
اصطدم ظهرها بالحائط، بينما كان يضمها إليه بعنف ولهفة، وكأنه يحاول نسيان العالم بأثره في تلك اللحظة.
أما هي فكانت تبتسم بين أنفاسها المتقطعة، تستمتع بذلك الجنون الذي يسيطر عليه.
وبدءا يتحركا إلى الفراش ووووو
في الخارج، كانت الموسيقى ماتزال مرتفعة، والضحكات تملأ المكان، بينما داخل تلك الغرفة كان رشدي يحاول الهروب من نفسه بأي طريقة ممكنة.
بعد وقت...
جلس نصف متكئ، يدخن سيجارته بشرود، والغطاء الأبيض يغطي جزءا من جسده، بينما كانت نورهان بجواره تتأمله بصمت.
سألته بابتسامة: مالك يارشروش؟ مكنتش في المود.
ألتفت لها باستغراب: يعني إيه مكنتش في المود؟
ضحكت وهي تمرر أصابعها على كتفه: يعني مش رشدي إللي أعرفه.
تنهد بضيق وأعاد رأسه للخلف: طهقان يا نورهان، كل حاجة فوق دماغي، مشاكل من كل ناحية.
هزت كتفها بلا اهتمام: وإيه الجديد؟ أنت طول عمرك كده.
ظل صامتا للحظات، ثم قال بصوت منخفض متعب:
المرة دي مختلفة، كنت بحاول أبطل وفشلت، فشلت زي مابفشل في كل حاجة.
أخذ نفسا طويلا من سيجارته، وأكمل بمرارة: هما عندهم حق أنا فعلا إنسان فاشل، وعمري ماهبقى زي سليم.
مالت عليه، وأخذت السيجارة من بين أصابعه، ثم سحبت منها نفسا قبل أن تنفث الدخان بعيدا: دي مشكلتك يارشدي، إنك دايما بتحاول تبقى شبه سليم، مش شبه نفسك! سليم عاش حياته بطريقته، حط لنفسه هدف وفضل يجري وراه لحد ماحققه.
أعادت السيجارة إليه وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة: بطل تحاول تبقى زي سليم وأبقى زي نفسك يمكن تنجح.
ضحكت بسخرية: ويمكن تفشل! مش مشكلة، مش كل الناس مكتوبلها تبقى ناجحة ..
تنهدت وهي تنهض: إنت عندك حاجات كتير غيرك يتمناها؛ عندك زوجة بتحبك، وعندك عيلة، حتى لو بعاد عنك يكفي إنك لو وقعت في مصيبة، هيجروا عليك علشان أسمك منهم.
ابتسمت بمرارة وهي تلتقط فستانها: علي الأقل، مش هتبقى لوحدك زيي، أنا لو مت في يوم، محدش هيعرف غير لما ريحتي تطلع..
ربتت على كتفه: بلاش تفضل تبص للي ناقصك وتنسى إللي معاك علشان متلاقيش نفسك وحيد زي، طول ما إنت طماع ومش راضي عمرك ماهترتاح.
تركته واتجهت إلي الحمام، وهي تحمل فستانها وحقيبتها.
أغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وتوقفت أمام المرآة لثواني، قبل أن تخرج هاتفها بسرعة وتبدأ في كتابة رسالة على عجل: صورت الفيديو؟
لم يمر سوى لحظات حتى أتاها الرد: دقيقة وهيكون عندك.
وقفت تراقب الشاشة بترقب، وما إن وصلها الإشعار حتى فتحت الرسالة فورا.
ظهر الفيديو أمامها... هي ورشدي، في لحظة خاصة التُقطت لهما دون أن ينتبه.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة، وكأن الأمر جزءا من خطة تعرفها جيدا.
أعادت إرسال الفيديو إلى رقم آخر، ثم مسحت الرسائل بعناية من الاتجاهين، وكأنها لا تريد أن تترك خلفها أي أثر.
وحين انتهت، ألقت الهاتف جانبا، ثم فتحت المياه وبدأت تستحم بهدوء...
قصر الراوي،12ظ.
جلس مكي على المقعد المقابل للمكتب، بينما جلس سليم خلف مكتبه يتحدث معه بتركيز واضح، محاولا الهروب قليلا من دوامة المشاكل التي تحاصرهم.
سليم وهو يقلب بعض الملفات أمامه: عايز اركز في شغلي شوية، مش عايز انشغالي بالانتقام يضيعلي الشغل اللى قعدت ابنى فيه سنين.
تسأل مكي: طب إنت عايز إيه؟ أتابع مع جوزيف؟
تنهد وأجاب: لازم نتابع أنا وأنت معاه عشان لما أخرج من كل إللي إحنا فيه ده، يبقى عندي حاجة أعيش بيها، بقالي فترة مهمل شغلي ودي حاجة مش كويسة، كمان بفكر يبقى عندي خط إنتاج للمجوهرات وهسميها "مجوهرات الماسة" كدة كدة أنا ليا نسبة في أكتر من منجم للذهب والأحجار، وعارف بجيبهم منين، محتاج أعمل شركة بعيد عن المجموعة وبعيد كمان عن المكتب بتاع أمريكا لازم يكونلي مقر هنا.
هز مكي رأسه: حلو، شوف أنت عايز تعمل ايه وأنا معاك.
أخذا يتبادلنا الحديث حول العمل ومايحتاجونه لتأسيس الشركه الجديدة، وأثناء حديثهما وصل إشعار إلى هاتف مكي.
خفض نظره إلى الشاشة، وفتح الرسالة بهدوء، لكن ما إن ظهر الفيديو أمامه حتى ابتسم ابتسامة تحمل معنى خبيث.
لاحظ سليم تغير ملامحه، فضيق عينيه وتساءل: في ايه؟
مد مكي يده بالهاتف، فأخذه منه، وما إن شاهد بداية الفيديو حتى تجمدت ملامحه للحظة، وقال بابتسامه: يابن الايه يا مكي، عملتها ازى؟
أسند ظهره إلى المقعد وقال بثقة: مش طلبت مني قبل كده سلط واحده على رشدي وناخدله فيديو +18؟
ظلت عين سليم معلقه علي الشاشة، بينما أكمل مكي: أنا عارف إن ليه شلة قديمة مبيغيرهاش، فيهم واحدة معينة داخلة مزاجه اسمها نورهان، نفس البنت إللي اتصورت معاه قبل خطوبته بيوم.
رفع سليم عينيه ببطء، بينما تابع مكي ببرود: اتكلمت معاها، وبصراحة مكانتش صعبة خالص، طلع رخيص أوى عندها باعته بشقة في مشروع العالمين.
سليم بإستنكار: مين دي إللي رخيص، إنت عارف الشقة هناك بكام؟ مش أقل من15مليون.
ضحك مكي بخفة: أهو كل واحد وله تمنه يا سليم، بيتهيألي فيديو زى ده تمنه أغلى من 15مليون، واحسن بكتير من الصور اللي معاك.
ظل ينظر إلى الشاشة للحظات، ثم قال: بصراحة؟ آه.
أغلق الفيديو، وأسند ظهره إلى المقعد: نضيفه بقى على إللي معانا، أعمل حسابك النهاردة هنقعد أنا وإنت وعرفان، علشان نفرز الصور والتسجيلات ونحدد المهم منهم، نويت النهاردة أقول لمي كل حاجة، واخليه يوم أسود عليه...
تعالي صوت طرق الباب، تلاه إدخال ماسة رأسها وهي تقول بمشاكسه: بتعملوا إيه؟
رفع عينيه إليها وأجاب بهدوء: بنتكلم في شغلي، عايزة أعمل مجموعة خاصة بيا؟!
نظرت اليهما بمزاح: ومش خايفين حد يسمعكم وتتقفشوا؟
أجابها بثقة: أكيد واخدين احتياطاتنا، وبعدين محدش هنا غير الهانم ومي.
دخلت واغلقت الباب: عموما فيه حاجة مهمه حصلت لازم تعرفها.
عقد حاجبيه وتبادلا النظرات مع مكي لحظه، فتحركت ماسة وجلست علي المقعد المقابل لمكي، وضغطت هي علي زر في هاتفها، فصدح صوت الشجار الذي دار بين مي ورشدي في الصباح.
ظلوا يستمعون لما حدث بتعبيرات وجه مختلفه، وبعد انتهاء التسجيل ساد الصمت لثواني، قبل أن تقطعه ماسة بجمود: على قد ما مي صعبانة عليا، بس أمي كانت دايما تقولي "إللي يصعب عليكي يفقرك"
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة واسعة: حلو أوي ده، جت في وقتها فعلا.
هزت رأسها وضغطت علي البث المباشر، لتظهر فيه مي مرتدية ملابسها وتتحرك داخل الغرفة بهدوء مكسور، وهي تجهز حقيبة ملابسها.
مال برأسه وهو يتابع الشاشة بإهتمام: شكلها هتمشي.
مدت شفتيها بسخط: طبيعي، واحدة مكانها هتعمل إيه غير كده؟
ظل يتابع الشاشة للحظات، قبل أن يقول ببرود محسوب: يبقى نبدأ من دلوقتي، مش لازم نستنى عرفان.
ثم أكمل وعيناه مثبتتان على الشاشة: مي لازم تعرف كل حاجة قبل ماتمشي من هنا، مادام بتحضر شنطتها ومستنية، يبقى أكيد هتواجهه وتمشي.
مدت شفتيها: معتقدش هتقعد!
قال بعدم اكتراث: مش مهم، مشيت ولا قعدت، كده ولا كده هتعرف.
ارتسمت علي شفتيه ابتسامه مخيفه وهو يكمل: ولو إني اتمني تقعد، علشان تديله أمل ويبقي الوجع أكبر!
ثم نظر إلى ماسة بتركيز: أنا هعلمك شوية حاجات تعمليها، علشان تساعدينا، يلا خلونا نبدأ..
وبالفعل، بدأ الثلاثة العمل معا، بينما كانت نظراتهم توحي أن ما يحضر لهذه الليلة، سيغير أشياء كثيرة.
علي اتجاه آخر.
وقفت فايزة أمام المرأة تتجهز للخروج لزيارة عزت، وأثناء ذلك سمعت طرقا على الباب.
رفعت صوتها: ادخل.
دخلت إحدى الخادمات: صباح الخير يا هانم.
نظرت لها عبر المرآة ولم تبادلها التحية، فتقدمت الخادمة: في حاجة حصلت ياهانم، لازم حضرتك تعرفيها.
لم تلتفت لها وقالت بنفاذ صبر وهي تعدل حزام بذلتها: إيه هي يا مفيدة؟ خلصي بسرعة، مش فاضيله لك.
أجابتها بتوتر: أأص أأأصل شوفت ماسة هانم وسليم بيه بيهزروا مع بعض، وكانت لمؤخذا يعني بتدلع عليه.
التفت لها بصدمة فور سماع تلك الكلمات: أنتِ بتقولي إيه؟
ابتلعت ريقها وتابعت: والله يا هانم زى مابقولك كده، كانوا خارجين من المكتب امبارح بيضحكوا ويهزروا، حتي سليم بيه شالها على ضهره وطلع بيها الأوضة، هما مخدوش بالهم مني، بس أنا شوفتهم.
توترت ملامح فايزة، وتحركت عيناها بقلق، قبل تستعيد ثباتها وتمسك بحقيبتها وتخرج منها مبلغا من المال وهي تقول بابتسامه: برافو يا مفيدة، أنت كده مفيدة فعلا، خدى دول ولو شوفتي حاجة شبه كده تاني قوليلي فورا، فتحي عينك عليهم كويس.
التقطت مفيدة الفلوس بلهفه: من يد مانعدمها يا هانم، عنيا، اي حاجه هتحصل هقولك هوا.
ثم غادرت وهي تضم النقود الي صدرها بسعادة.
أما فايزة، فشعرت بتوتر شديد يتسلل إلى داخلها، فما سمعته الآن جعلها تشك أن يكون نفذ ماقاله في المستشفي، وبدأ بالبحث وراء حقيقة اختطافها بالفعل، وكان ذلك الاحتمال يمثل كارثه بالنسبة لها، خاصة في الأزمة التي يمرون بها الآن، فإن علم سليم شيء ستكون نهايتهم الحقيقيه!
الفيلا التي يمكث بها مصطفي.
استيقظت آلاء من نومها وقد شعرت ببعض التحسن بعد زول الألم، نظرت بجانبها فوجدت مصطفي لايزال علي جلسته بجوارها يتابع التسجيلات بتركيز.
نهضت بخجل: حضرتك لسه قاعد من ساعتها؟
انتبه لها، وقال بابتسامه: عامله ايه دلوقتي؟
اومأت بخجل: كويسه، تعبت حضرتك معايا.
أجابها بمشاكسه: هي إيه حضرتك اللى ماسكه لى فيها من الصبح دي؟ يعني خلصنا من دكتور دخلنا في حضرتك؟
لم تستطع الرد وظلت تهرب بنظراته منه، فتنهد بارهاق: عموما يا ستي حضرتي متعبش بسببك، حضرتي تعب من كمية التسجيلات المتراكمة عليا ومش راضيه تخلص.
رفعت رأسها سريعا: طب أنا ممكن أساعدك.
ابتسم لها: مش عايزه اتعبك.
هزت رأسها: مش تعب ولا حاجه، هات أكمل بدالك وارتاح شوية، أنا كمان استاذ سليم له جميله في رقبتي.
ضحك عاليا: آه لو سليم يعرف إنه بقي استاذ.
أطرقت برأسها خجلا مرة أخري، في حين ظل هو يتأملها بابتسامة دافئة، يجهل مصدرها، ويعجز عن فهم السر الذي يجعلها لا تزور شفتيه إلا في حضورها!
قصر الراوي،1ظ.
دخل رشدي الغرفة وأغلق الباب خلفه، فوجد مي تجلس على الفراش بهدوء غريب، وبجانبها حقيبتها، لكن أكثر ماصدمه لم يكن الحقيبة، بل ملامحها، فقد بدت كوردة مكسورة.
ضيق عينيه باستغراب وهو يشير للحقيبة: إيه الشنطة دي؟!
أخرجت نفسا عميقا، ثم وقفت أمامه، وقالت بهدوء متألم: أنا كان ممكن أمشي قبل ما تيجي، بس حسيت إني لازم أتكلم معاك الأول، وأقولك أنا ليه همشي.
أخذت نفسا مرتجفا، وتابعت بعينان تلمعان بالدموع: علشان متفتكرش إني سيبتك ومشيت، زي ما كل الناس بتسيبك وتمشي.
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها: أنا مكنتش عايزة ده، كنت عايزة أفضل جنبك وأحارب معاك لحد ما أخرجك من إللي أنت فيه، وكنت مستعدة أتحمل عصبيتك وتعبك، حتى لو هشوفك وإنت بتاخد القرف ده قدامي وأنا بموت من جوايا، بس كنت مستعدة أستحمل أي حاجة… إلا إني أشوف منك الضعف، وعدم الإرادة، وتكذب عليا..
تحركت عيناه قليلا، وابتلع غصته بصعوبة، وكأن كلماتها بدأت توقظ شيئا بداخله كان خامدا منذ ساعات، منذ أن غرق في غضبه وهروبه ومحاولاته البائسة للنسيان.
ظل ينظر إليها بصمت، بينما كانت هي تحدق فيه طويلا، وكأنها تحاول للمرة الأخيرة أن تجد الرجل الذي أحبته وسط كل هذا الضياع.
همست بمرارة موجوعة: أمال كنت بتقولي ليه أنا عايز أبطل؟
لم يستطع الحديث وكأن الكلمات هربت منه، بينما أخفضت عينيها وهي تهز رأسها بألم: كنت بقول مستحيل يكذب عليا، حتى لو غلط هيقول..
رفعت عينيها إليه بخذلان: بس أنت خبيت، وكدبت، ومثلت عليا...لتاني مرة!
هز رأسها والدموع تنهمر من عينيها: أنا مش همشي بمزاجي ولا كنت عايزة أمشي، بس همشي بسببك أنت يا رشدي، أنت إللي بتجبر الناس تمشي وتسيبك؛ لإن معندكش إرادة، ومبتحاولش كفاية، وأنا مش هفضل مع إنسان ضعيف زيك أول ما الدنيا تضربه، يجري لأي حاجة قديمة تدمره..
أغمضت عينيها للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مليئة بالخذلان: طبعا روحت شربت مع صحابك، مش كده؟
أكملت بسخرية موجوعة: وهتقولي ايه بقي المره دى؟ هتقولى "آخر مرة، وهحاول وخليكي معايا؟"
مسحت دموعها بحسم: بس لا أنت مبتتغيرش يارشدي، ومسبتليش أي اختيار تانى غير إني أمشي، علي الأقل علشان احافظ علي الذكريات الحلوة اللى مابينا ..
تنفس بعنف وقال بصوت متهدج يحاول إزاحة الذنب عن كاهله: وأنت شايفه إن أصح قرار تاخديه، إنك تسبيني وتمشي مع أول غلطة أقع فيها؟
صمت لحظه، ثم تابع بعصبية: أنا أصلا قولتلك إن طريقة العلاج دي مش عاجباني، وإنتِ مسمعتيش كلامي، فاضطريت أعمل كده، ولو بتحبيني بجد هتسامحيني وتفضلي معايا، لإنك عارفة كويس إني لما ضربتك بالقلم وزعقتلك مكنتش واعي ولا عارف أنا بعمل إيه، ولما روحت شربت كنت عايز أنسى إللي أنا عملته.
ردت عليه باستهجان: إنت واعي للي بتقوله؟ بجد مقتنع بكلامك ده؟ أوعى تفتكر إن القلم والزقة دول هما إللي وجعوني؟!
ابتلعت غصتها وتابعت بصوت مرتعش: أنا إللي وجعني بجد إني كنت متعشمة فيك، كنت بقول مستحيل تعمل كده، ومستحيل تكذب عليا..
شهقت باكية وهي تكمل: إنت كسرتني يا رشدي، وخذلت ثقتي فيك.
أخفضت رأسها وقالت بصوت مخنوق: وأنا بدور على المخدرات، كنت بتمنى ملاقيهاش، كنت بدعي يكون الدكتور بيبالغ، بس للأسف طلع صح..
اهتزت ملامحه وبدا التأثر واضحا في عينيه للحظات، قبل أن يقترب منها ويمسك يديها بسرعة، وكأنه يتمسك بآخر شيء يوشك على ضياعه: طب اديني فرصة كمان، صدقيني أنا معملتش كدة بمزاجي، فيه ضغوط كتير عليا الفترة دي، من يوم الحفلة وكل حاجة فوق رأسي...
ابتلع ريقه، وأكمل بتوتر: وبعدين أنا مكنتش باخد كمية كبيرة، دي كانت حاجة بسيطة.
ضغط على يديها أكثر وهو يحاول التبرير لنفسه: صدقيني كان غصب عني، أنا مكنتش قاصد أخدعك، اديني فرصه كمان..
سحبت يديها والتفت بجسدها وهي تقول بهدوء موجع: يا رشدي أنت هتفضل زى ما أنت، وأنا مش هعرف أعملك حاجه طول ما انت مش عايز تساعد نفسك.
أمسك يديها وجعلها تلتفت له وهو يقول بصدق: لا مش هفضل كده وهبطل، أنا أصلا كنت عايز أبطل من قبل ما نتجوز.
نظرت إلى عينيه المتوسلتين، فارتبك قلبها أكثر، ترددت للحظات، وكأن الكلمات عالقة في حلقها، ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت بخوفت متردد: يبقي تثبتلي!
عقد حاجبيه بعدم فهم، فتابعت بصوت حاسم: اثبتلي إنك فعلا عايز تتعالج، ووافق إنك تدخل مصحه.
هز رأسه سريعا: لا طبعا مش هينفع، قولتلك قبل كده، اسم العيلة و...
قاطعته بنبرة مرتفعه: أنت أهم من اسم العيلة!
ثم أشارت له بحزم: لازم تفهم إن ده الحل الوحيد ومش هرضى غير بيه، لو كنت فعلا عايز تحافظ على وجودى في حياتك!
جز على أسنانه: بلاش الأسلوب دى يا مي، أنت عارفه إني مش بحب لوي الدراع.
هزت رأسها بثبات: أنا مش بلوي دراعك؟ أنا ببلغك قراري وأنت عليك تختار.
اشاح بوجه وقال بخفوت: أنتِ عارفه إني بحبك ووجودك في حياتي مهم، بس مش هقدر، متصعبيهاش عليا..
امسكت وجهه بين يديها، وقالت وهي تركز النظر في عينيه: صدقني أنت اللى مصعبها علي نفسك، أنت قولتلي قبل كده نجرب، وأهو فشلنا، ده الحل الوحيد لو فعلا عايز تتعالج بجد.
نظر إليها دون رد، فتابعت تحاول فهمه: طب فهمني سبب رفضك؟ إيه إللى مخليك رافض المصحه كده؟ ومتقوليش اسم العيله.
اخفض رأسه وقال بصوت منخفض مرتبك: مش عايز ابقي لوحدى، العيلة مش هتوافق، ومحدش هيزورني، وهبقى لوحدي هناك...
بدأت أنفاسه تضطرب وهو يكمل بسرعة: أنتِ متعرفيش هما ممكن يعملوا فيا إيه، هيقتلوني بالبطيء.
قالت بحنان: لا طبعا أكيد هيبقى فيه زيارات، بس بعد فترة.
هز رأسه بعنف وهو يبتعد عنها: لا! هيمنعوا أي زيارات، هيخافوا حد يسرب الخبر، هيتعاملوا معايا علي إني وصمة عار لازم تتداري، هينسوني زى ما علطول ناسيني، حتي وأنا معاهم.
كان واضحا أنه يخشي الوحدة ويخاف أن يُنسى؛ فقد اعتاد أن يكون مهمشا لا يلتفت إليه أحد، لقد عاش بينهم لأعوام، لكنه لم يشعر يوما بأنه جزء حقيقي منهم، لذلك كان يخشى أن يمحي أثره بمجرد أن يبتعد، وكأنه لم يكن موجودا من الأساس.
تألمت من حديثه، وقالت بحنان: أنا مش هسيبك، هتلاقيني جنبك كل يوم لحد ماتمر من الأزمة دي.
هز رأسه بأسي: مش هيخلوني اشوفك، هيمنعوكي تزوريني، أنت متعرفيهمش أنا اللى عارفهم.
أمسك يدها، وقال بلهفه محاولا اقناعها: طب بصي، هقعد في الأوضة ومش هخرج منها زي ما إنتِ عايزة، بس بلاش مصحة، مش عايز أكون لوحدي.
هزت رأسها بحزم رغم دموعها: مش هينفع، قولتلك أنا هبقي معاك مستحيل حد يقدر يمنعني أنا مراتك.
تحرك مبتعدا وهو يهز رأسه بانهيار: إنتِ متعرفيهمش، هما أقوياء، يقدروا على كل حاجة، هبقي منفي هناك، وممكن يأذوكي وأنا مش هبقي موجود علشان احميكي.
راقبته للحظات، وشعرت أنه يهول الأمر، لكنها سايرته وقالت: طب خلاص نسافر.
رفع عينيه لها، فامسكت يده وقالت بإصرار: نسافر أي بلد تانية ونتعالج هناك من غير ما حد يعرف.
رأت عدم الاقتناع يلمع في عينيه، فهمست بوجع: رشدي إنت عايز تفضل معايا ولا لأ؟
رمش بعينه: أكيد طبعا.
أخذت نفسا عميقا، ثم قالت بصوت ثابت: تمام لو مروحتش مصحة، أنا همشي وهطلق، ومعنديش مشكلة أبقى مطلقة بعد شهر جواز، بس مستحيل أعيش مع واحد مش عايز يتعالج ولا يغير من نفسه، أنا آسفة يا رشدي دى مش قساوة مني، بس ده قراري ومش هرجع فيه.
رد بضيق مكتوم: قولتلك مبحبش الأسلوب دى.
ردت باستنكار: أنهي أسلوب؟ الأسلوب إللي بطلب فيه من جوزي يتعالج علشان نفسه وعلشاني، وعلشان ولادنا في المستقبل؟
أشارت له بإنفعال: أنت عاجبك حياتك كدة؟ مبسوط باللي أنت فيه ده؟
مرر يده في شعره بتوتر: هو أنا قولتلك لا؟ أنا وافقت، بس هنا.
ردت بحزم: لا، لازم مصحة.
ازدادت ملامحه اضطرابا وهمس بعينين تلمع بدموع: بلاش يا مي، مش عايز ابقى لوحدي ارجوكي.
لانت نظرتها، واقتربت منه أكثر: والله أنا هبقى جنبك، وهزوك علطول، ولو ينفع ابقي مقيمه معاك هعمل دى.
حاولت أن تبتسم وهي تقول بخفة: خلينا نسافر ونمشي، أنا أصلا مش مرتاحة هنا، وبعدين أنا عايزاك تعوضني عن شهر العسل إللي ضاع عليا ده.
ابتسمت رغم دموعها، وحاولت أن تضيف بعض المزاح لتخفف التوتر: أنا حاسة إني بقالي مية سنة متجوزة، مش شهر، ده شهر بصل مصنن مش عسل.
نظرت له بعتاب: واحدة غيري كانت مشيت بس أنا استنيت وكملت لإني بحبك، تمسكي بيك ده مش فارقلك؟
رقرقت عيناه بالدموع، وامسك يديها وهو يردد بلهفه: فارقلي… والله فارقلي، أنا كمان بحبك.
ابتلع غصته وقال وهو ينظر لها وكأنه يتمسك بالحياة من خلالها: ماشي يا مي، أنا موافق أدخل مصحه واتعالج علشانك، بس خليكي معايا متسبنيش.
قالت بصدق: أنا معاك ومستحيل أسيبك أبدا.
اندفعت تعانقه بقوة وفرحه، وكأنها بذلك العناق تخبره بأنها اختارت البقاء إلى جواره مهما حدث.
بادلها العناق بقوة، وغمره ندم ثقيل على كل ما اقترفه بحقها؛ من غضب، وقسوه، وأخطاء لا تُحصى.
تساءل في تعجب: كيف لا تزال قادرة على احتوائه بعد كل ذلك؟ وكيف ما زالت ترى فيه ما يستحق البقاء؟
شعر أنه لا يساوي شيئا أمام هذا القلب الذي لم يتعلم سوى العطاء!
تنفس بعمق، وابعدها عنه قليلا، ثم رفع يده على خدها، يمررها علي مكان صفعته برفق: أنا آسف، حقك علي.
ابتسمت ابتسامة بريئة مليئة بالحب: عارفه إنه غصب عنك، ومش زعلانة منك، بس هزعل بجد لو كدبت عليا وخدعتني تاني.
ابتسم ابتسامه باهته: مستحيل تكرر تاني.
جذبها إليه مرة أخرى، وقلبه يخفق بعنف داخل صدره، وكأن الحياة تهبه فرصة جديدة لم يكن يستحقها.
ابتعدت عنه أخيرا وهي تمسح دموعها وتقول بابتسامه: بما إنك وافقت بقي، يبقي يلا بينا نروح للدكتور علشان نسأله على مصحة كويسة.
تنهد: أنتِ عارفة إني مينفعش أظهر هناك.
رفعت احد حاحبيها بحزم: رشدي، لازم تيجي معايا وتتكلم مع الدكتور، وبعدين هو أصلا عارف كل حاجة، متكبرش الموضوع، والله دكتور محترم جدا وصاحبي، ومحدش هيعرف أي حاجة.
اجابها بمهاوة: ياستي حاضر هاجي، بس اصبري شوية.
هزت رأسها باصرار: لا، أنت أخدت القرار ولازم تكون قده، الإجراءات كلها هتاخد وقت، ولازم نشوف مصحه مناسبه ونقرر هنروح فين، خلينا نبدأ من دلوقتي.
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه بشك: ولا أنت كنت بتقول كده وخلاص علشان تسكتني؟
اجابها باستسلام: يستي لا اسكتك ايه، يلا بينا نروح.
ابتسمت واخذت حقيبه يدها، وما إن هم بالتحرك حتى أمسك يدها مجددا وأوقفها.
نظر إليها طويلا ثم قال بصوت مبحوح، معتذرا عن ذنوب كثيرة أثقلت قلبه ولم يستطع البوح بها: مي سامحيني، أنا آسف، وبجد أنا بحبك أوي، أنتِ حاجة كبيرة وعظيمة أوي في حياتي، أول مرة أحس إن الدنيا بتحبني علشان بعتتك ليا، ومستحيل اسمح اني أخسرك ابدا.
اتسعت ابتسامتها ونظرت له بعينين لامعتين، ثم تشابكت أصابعهما معا وتحركا نحو الخارج، وكل منهما يشعر أن الطريق القادم رغم صعوبته لن يكون مخيفا ما داما يسيران فيه معا.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
على إتجاه آخر.
كان سليم وماسة ومكي قد انتهوا من تجميع كل شيء، بينما كانت التسجيلات المباشرة ماتزال تعمل أمامهم، تنقل مايحدث بين رشدي ومي لحظة بلحظة.
تمتم مكي بتعجب: دي علي الله خالص وسامحته!! هتعمل ايه؟
أجابه سليم بهدوء بارد وعيناه مثبتتان على الشاشة: هعمل إيه يعني؟ هستنى لما يرجعوا وأقولها كل حاجة، بالعكس ده إللي كنت عايزه.
تنهدت ماسه بتأثر: مسكينه وطيبه أوى بجد، أنا أكتر واحدة حاسه بيها، أزاى بعد كل الفرص اللى بتديهاله دى يروح يخونها ويكسرها؟
امتعض وجهها: شخص زباله بجد، وميستحقش واحده زيها، دى ربنا هينجدها.
سليم بحكمة: هي اللى اختارت غلط من الأول، أنا أصلا استغربت ازاى وافقت بيه، دول فرق السما من الأرض!!
ردت ماسة: مش بيقولوا مراية الحب عامية!
هز رأسه: برضو، حتى لو انخدعت بيه في الأول، بس هي اختارت تقدمله تنازلات كتير من غير ما تشوف إشارة واحده إيجابيه تقولها إنه يستاهل.
هزت رأسها بتأثر: عندك حق، ربنا يصبرها.
في تلك اللحظة، فتح الباب فجأة، ودخل ياسين يقول: مساء الخير.
اغلقت ماسه هاتفها بسرعه قبل أن يري البث، وقالت بتمثيل محكم: في تهديد تاني؟ ولا أمشي.
رفع سليم عينيه إليها وقال بحدة: أطلعي على أوضتك.
تحركت فورا دون نقاش، بينما وقف مكي هو الآخر:
طب أنا بره، حمد الله على السلامة يا ياسين.
أجابه بهدوء: الله يسلمك.
غادر مكي وأغلق الباب خلفه، فتقدم ياسين وجلس أمام سليم مباشرة، وقال بتعب واضح: الدنيا بايظة خالص في المجموعه.
أجابه باختصار: دي حقيقة.
تنهد ياسين وأكمل: متوقعتش الاقي الدنيا ملخبطة كده، مش بس حوار صافيناز والانفجار وتعب الباشا والهانم، لا، أنا حاسس إن فيه حاجة أكبر بكتير.
اجابه سليم بضجر: أومال أنا اعمل ايه؟؟ دى أنا من ساعة إللي حصل وأنا مرتحتش لحظة، من المجموعة، للمصنع، للورش، للتدوير ورا اللى بيحصل، لحد ما خلاص مبقتش شايف قدامي، وكله شاري دماغه ومفيش حد يسد معايا.
عقد ياسين حاجبيه باستغراب، إذ كان يدرك جيدا أن سليم لم يذهب إلى المجموعة، ولم يبذل أي محاولة حقيقية للتواصل مع أحد كما يزعم!
لكنه فضل الصمت… وتساءل بهدوء مترقب: يعني أنت كلمت ناس وحاولت تشوف مين ورا إللي بيحصل؟
اومأ بتأكيد: أكيد.
تساءل: كلمت مين؟
أجاب بثقة: ماركو، وريمون، ومارلو، عشان اعرف لو حد من المافيا وراها، حتى الوزراء اتكلمت معاهم، بس لأسف موصلتش لحاجه.
ظل ياسين ينظر له لثواني، ثم قال بهدوء غريب: سليم، أنا كلمت كل الناس دي وعرفت إنك متكلمتش مع أي حد فيهم غير ماركو.
صمت لحظه، ثم أكمل وهو يراقب ملامحه: وعرفت كمان إنك مروحتش المجموعة ولا مرة، حتى المصنع روحت مرة واحدة بس علشان تشوف حجم الخسارة، حتى الصحفيين كانت مكالمة ملهاش لازمة.
عاد سليم بظهره للخلف، وظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه: كنت بتوقعني في الكلام يعني؟
هز رأسه نافيا: مقدرش أوقع سليم الراوي في الكلام، بس عايز أفهم؟! أنا لما روحت المجموعة قالوا إنك مبتجيش، ولما كلمت الناس برة فهمت إنك مكلمتش حد، هما مقالوهاش صريحة بس كانت باينة، هو فيه ايه يا سليم؟
تنهد وقال ببرود: تفتكر لو أي حد سأل عني، سهل يعرف اللي أنت عرفته ده، مش كده؟
اومأ بتأكيد: مظبوط، ودي أكتر حاجه مستغربها، إن حتى أصغر عامل لو سأل، هيعرف إنك لا بتروح ولا بتعمل حاجة!
مال سليم للأمام، وقال بابتسامة: وتفتكر أنا بالغباء ده يا ياسين؟!
رفع إصبعيه وأكمل بهدوء محسوب: عندى ليك إجابتين.
الإجابة الأولى… إني أقدر أقنعك إني بعمل كل حاجة في المتغطي، وإني مدي تعليمات للناس تقول اني مبظهرش علشان فيه حاجة عايز أوصلها؟! وبالمناسبة دى الكلام اللى هيتقال للباشا والهانم لما يرجعوا وهيقتنعوا بيه.
أما الإجابة التانية بقي... فعن السبب الحقيقي، وهي أبسط بكتير.
ضيق ياسين عينيه: إيه هي؟
نظر له مباشرة وقال بصراحة مرعبة: انا إللي بعمل كل ده!
اتسعت عينا ياسين: إيه؟!
ضحك بخفة وهو يمد يده نحو اللابتوب: زي ماسمعت، أنا كنت عامل الملخصات دي عشان أسمعها لمي، فيها حاجات تخص رشدي، وحاجات تخص العيلة، كنت ناوي أسمعها القصة كلها من البداية للنهاية، بس مفيش مشكلة اسمعك أنت كمان.
نظر له نظرة ثابتة وأضاف: أصلي عارف إني لو حكيتلك مش هتصدق، لكن بعد ما تسمع بودانك مش هيبقي عليك غير إنك تختار؟!
وبدأ يشغل التسجيلات أمامه.
أمام احد العمارات.
هبط رشدي ومي بعد أن انتهيا من زيارة الطبيب الذي رشح لهما أكثر من مصحة مناسبة.
كان الهدوء يغلف ملامح رشدي، ولأول مرة منذ فترة طويلة بدا متقبلا للأمر.
صعدا إلى السيارة، وقالت مي وهي تنظر إلى الأوراق بين يديها: أعتقد إن مصحة كندة دي كويسة.
أومأ برأسه: فعلا.
ابتسمت بخبث لطيف: خلاص، يبقى نحجز فيها، وكمان تعوضني عن شهر العسل اللي معشتش منه غير 3 أيام.
ضحك وهو يلتفت إليها: عنيا، بقولك إيه تعالي نغير جو شوية، هوديكي مكان هيعجبك أوى.
ابتسمت بحماس: ماشي.
وبالفعل، أدار المحرك وانطلقت السيارة تشق الطريق، ولكنهم لم ينتبها إلى السيارة التي كانت تتحرك خلفهما بهدوء، محافظة على مسافة كافية حتى لا تلفت انتباههما.
ومرور بعض الوقت توقفت سيارة رشدي أمام أحد المناطق المطله علي النيل، وهبطا معا وتحركا نحو الداخل.
كان المكان هادئا بشكل ساحر يطل علي النيل، وتحيط به أشجار كثيفة.
نظرت مي حولها بانبهار: الله المكان حلو أوي، أول مرة أعرف إن فيه في مصر أماكن بالجمال ده.
ابتسم وهو يراقب فرحتها، وهي تتحرك وسط الممرات المليئة بالأشجار المطلة على النيل.
سألها بهدوء: تحبي نقعد فين؟
أشارت بيدها لمقاعد حجريه قريب من المياه: تعالى نقعد هناك.
وبالفعل، تحركا وجلسا على المقاعد وسط الطبيعة الساحره، والنيل يمتد خلفهما بهدوء مريح للأعصاب.
نظر لابتسامتها الهادئة معلقا: المكان عجبك للدرجه دى؟
هز رأسها: أوى، أنا أصلا بحب الهدوء والأجواء دي، بس أنت مبتحبش الكلام ده.
هز كتفه بابتسامة: بمل منه، بس علشان عارف إنك مبتحبيش الأماكن إللي أنا بحبها، قولت أجيبك هنا.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تقطعه مي: جنة وحشتني اوووي، إيه رأيك ناخدها معانا؟
عقد حاجبيه: ناخدها معانا فين؟ مينفعش.
أسرعت تقول بحماس: مينفعش ليه، أنا هاخد بالي منها والله، والنبي يا رشدي علشان خاطري وافق.
هز رأسه بحسم: قولتلك مش هينفع يا مي، أنا محبش إنها تشوفني بالوضع ده، وانتِ كمان مش هتبقي مركزة، وكمان جدتها هنقولها ايه..؟
تنهدت باحباط: ماشي.
وعلي إتجاه آخر…
كان تمساح يقف أعلى مبنى بعيد، ممسكا ببندقية بثبات قاتل، وعيناه مركزتان عبر المنظار على رأس رشدي مباشرة، استقر إصبعه فوق الزناد وقد حسم أمره..
في الأسفل…
نظرت مي إليه بابتسامه: طب ما تقوم نروحلها، وحشتني أوى والله، وكل مرة تكلمني اقولها هجيلك وبعدين تحصل حاجه تعطلني.
اومأ برأسه: ماشي ناكل أي حاجه وبعدين نمشي.
صوب تمساح البندقية أكثر…ثم ضغط الزناد.
في اللحظة نفسها نهضت مي فجأة أمام رشدي تجذبه: لا، يلا نروح دلوق ____
لكنها لم تكمل.
اخترقت الرصاصة جسدها من الخلف، فاتسعت عينا رشدي بصدمة مرعبة وهو يرى الدماء تنفجر من جسدها: مييي!!
لكن تمساح لم ينتظر ثانية أخرى وأعاد التصويب فورا وأطلق الرصاصة الثانية.
فاستقرت في رشدي بقوة، ليسقط هو الآخر أرضا بعنف، بينما أختلطت صرخات الناس بصوت الرصاص والدم.
استوووب