
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم ليله عادل
{ أشد ما يهز الإنسان أن يدرك أنه ليس استثناء، وأن المصير الذي كان يراه يخص الآخرين وحدهم، صار جزءا من قصته.}
ليلةعادل ✍️🌹
الفصل الخامس والثلاثون♥️🤫
[بعنوان: ثمن مؤجل]
ملأ الذعر المكان، و تعالت الصرخات من كل اتجاه، البعض يغادر بخوف، والبعض الآخر يصرخ طلبا لإسعاف.
بينما كان رشدي لايزال يحتفظ بقدر ضئيل من الوعي، أنفاسه متقطعة، والدماء تنزف منه بغزارة، حاول رفع رأسه بصعوبة، وعيناه تبحثان عنها بلهفه وخوف، وحين وقعت عيناه عليها، شعر وكأن قلبه توقف عن العمل.
كانت ممددة بلا حراك، فاقدة للوعي تماما، والدماء تحيط بها.
ارتجفت شفتاه وهو يحاول منادتها، لكن صوته خرج كهمسات ضعيفة متكسرة: مي ..
مد ذراعه نحوها بصعوبة، محاولا الوصول إليها، لكن الحشود الذين تجمعوا حولهما، يصرخون ويحاولون إسعافهما، كانوا كالحائل بينهما.
انهمرت الدموع من عينيه بصمت، وهو يحدق بها بعجز كامل، حتي ازدادت الرؤية تشوشا أمامه، وأصوات الناس بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، بينما بقيت صورتها وحدها واضحة أمام عينيه، وسؤال واحد ظل يتردد في رأسه قبل أن يغيب عن الوعي هل مازالت مي على قيد الحياة؟ "
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي3م.
بدت الصدمه واضحه علي وجه ياسين عقب انتهاء التسجيلات، نظر لسليم بعدم استيعاب، وقال بتيه واضح: اللي سمعته ده هزار صح؟ ده مقلب! انت عامل فيا مقلب مش كده؟
تنهد تنهيدة طويلة ثم قال: كنت أتمنى، بس للأسف اللي سمعته حقيقي.
توقف أمامه يلوح بغضب وعدم استيعاب: حقيقة إيه يا سليم؟! ازاي الهانم والباشا يبقوا عارفين ويقبلوا بالجريمة دي ويشاركوا فيها كمان!!
تابع بضجر ممزوج باستغراب: يعني طول السنين دي كلها ماسة كانت متغيرة علشان كانت متهدد؟!! مش علشان أنت كنت شديد معاها زي ما كنا فاكرين؟!
أشار بيده بعصبية: كانوا شايفينك بتتدمر قدامهم كل يوم، ومكمليين!! عملت إيه ماسة عشان يعملوا فيها كده؟! ومكفاهمش اللي عملوه فيها طول السنين دى؟! كمان يلفقولها قضية بالقذارة دي؟!
تنهد بعنف وهو يمسح جبينه: أنا مش قادر أصدق، والله ماقادر أصدق ولا استوعب إنهم بالوحشية دي.
ظل سليم ينظر إليه بصمت للحظات، ثم نهض من مكانه وتحرك حتى وتوقف أمامه مباشرة: لأسف يا ياسين دي الحقيقة ولازم تصدقها، ودلوقتي عليك تختار هتكون معايا ولا معاهم؟
أجابه بمرارة: وياتري سؤالك ده ثقة فيا، ولا اختبار؟
أجابه دون تردد: لو مكنتش بثق فيك، مكنتش عرفتك حاجة من اللي سمعتها النهارده.
صمت للحظات ثم اجابه بخفوت: أنا مش قادر ولا عارف أستوعب أي حاجه يا سليم..
ثم أضاف بتردد: بس برضوا اللي أنت عملته...
عقد حاجبيه وقلب عينه مقاطعا: اللي أنا عملته إيه؟
هز رأسة سريعا:لامقصدش، أنا عارف إنهم ظلموك، وانت وعرفت توجعهم من أكتر مكان بيوجعهم
تابع بعقلانية بس موضوع صافيناز؟! هي اختنا وتمسنا في الآخر، كنت عملت كده في سارة؟مش الخنزير عماد طلع متجوزها.
ابتسم سليم بسخرية باردة: دول ليهم روقه لوحدهم، وبعدين الفكرة القذرة دي أصلا كانت فكرة أختك وجوزها، اختك الحقيرة هي اللى قلعت مراتي وصورتها وبعتتلي الصور، وكانت فخورة اووى باللى عملته، فكان لازم تدوق من نفس الكاس...
ثم تساءل بحسم: برضو مجاوبتنيش، اختارت تكون معايا ولا ضدي!؟
أخذ نفسا عميقا قبل أنا يقول: أكيد معاك يا سليم، أنا أصلا بدأت اشك انهم يكونوا عملوا حاجة مع هبة هي كمان.
رفع سليم عينيه إليه، فأكمل موضحا: أصل هبة اتغيرت فجأة برضو، أكيد عملولها حاجه..
مد سليم وجهه: معرفش يا ياسين، مفيش أي معلومة جت قصادي تخص هبة، بس كل شيء جايز، متنساش هبة كانت بترد على الهانم أزاي وفي الفترة الأخيرة كانت عايزك تطلقها.
أومأ ببطء: عندك حق، ممكن فعلا يكون حصل معاها حاجة، هسألها..
صمت لحظة ثم قال: صحيح حوار إنك زرعت ميكروفونات في أوضهم ده فكرة كويسة، المفروض تحط في كل الأماكن اللي بيقعدوا فيها كمان مش بس الأوض، خصوصا انهم كانوا بيهددوا ماسة في أوضتي أنا وهبة.
صمت سليم لحظه يفكر؛ كان بإمكانه أن يخبره بأمر الكاميرات والميكروفونات المنتشرة في كل مكان بالقصر، حتى داخل غرفته، لكنه آثر الصمت.
فعلى الرغم من حديثهما الطويل، ظل في داخله جزء صغير يرفض أن يمنحه ثقته كاملة، لذلك اكتفى بقول: فكرة كويسة، هزود المراقبة في كذا مكان فعلا.
ياسين مؤيدا: أعمل كده، حتى أوضتي أنا لوجين حط فيها لو محتاج؟! أنا كده كده بعد اللى سمعته دى استحاله اقعد هنا، هاخد لوجين وارجع فيلتي.
هز رأسه بخبث: مش مستاهله إني احط في اوضتك، كده كده انا وماسة مبقيناش نخبي حاجه عن بعض، وبعدين أنا مش عايزك تمشي، بالعكس، عايزك تفضل طبيعي جدا معاهم، واتعامل كأن مفيش حاجة حصلت.
أجابه باضطراب: أنا مش زيك يا سليم! مش هعرف اكون عادى بعد اللى سمعته، ولا هآمن لوجود لوجين ونالا هنا وسطيهم، ماممكن يعملوا فيهم حاجه.
سليم بثبات: محدش يقدر يعملهم حاجه، ولو عرفت إن فيه حاجه ممكن تضرهم أكيد هقولك، طب ما أنا سايب ماسة هنا أكيد مش مضحي بيها يعني!!
تنهد ياسين بثقل: ماشي ياسليم، هعملك اللى انت عايزه مع انى مش مقتنع، بس مش هقدر أسيبك لوحدك في ظرف زى ده!
ثم رفع عينيه إليه وتابع: بس أنا بجد عايزك تركب كاميرات في أوضة لوجين ونالا وانا هتابعهم علشان ابقي مطمن.
اومأ سليم: ماشي يا ياسين.
ثم تسأل: وبخصوص لوجين، ليه مجتش تقولى إن رشدي استغلها في المجموعه علشان يستفرد بماسة؟
ياسين بصدق: علشان كنت بدأت اشوفكم بتحاولوا تقربوا لبعض، محبتش أعمل مشاكل، بس متخيلتش الموضوع يوصل لكده.
نظر إليه سليم من اعلى لاسفل يحلل حديثه لوهلة وقبل ان يرد، دوى طرق سريع على الباب، ثم دخلت إحدى الخادمات على عجل، وملامح الذعر واضحة على وجهها، توقفت أمامهما تهلث وهي تقول: فففيه رقم اتصل من المستشفي وبيقول رشدي بيه، ومي هانم اتضرب عليهم نار.
بدت الصدمه واضحه علي ملامحهما، قبل أن يتقدم منها ياسين متسائلا: أنتِ بتقولى ايه، مستشفي إيه إللى كلمتك.
أجابته بتوتر: والنبي يا بيه نسيت اسمها، من ساعة ماقالوا الخبر وانا مش علي بعضي.
ياسين بعصبيه: أنتِ غبيه؟ يعني إيه نسيتي.
بينما تدخل سليم بهدوء: طب روحي انت دلوقتي.
هزت رأسها، واسرعت بالمغادرة، بينما حدق ياسين فيه بشم: سليم... أوعى تكون...
قاطعه بضيق حاد: اكيد مش هعمل كده! مش وقت إننا نشك في بعض دلوقتي، خلينا نشوف إيه اللي حصل الأول.
أومأ ياسين برأسه سريعا، وبالفعل غادر الاثنان وملامح القلق والصدمة تسيطر عليهما.
إحدى المستشفيات الخاصة،4م.
وصل سليم وياسين ومعهما مكي وعدد من الحراس، واتجهوا مباشرة إلى موظف الاستقبال يسألونه عنهما، فأخبرهم بأنهما لايزالان في غرفة العمليات، فتوجهوا إلى قاعة الانتظار.
التفت ياسين إلى مكي: مكي... ظبط الدنيا، ووزع الحراس في المكان، مش عايز اى صحفين هنا.
نظر مكي بطرف عينه الى سليم فأوما موافقا، تحرك مكي مبتعدا ينفذ ما أمر به، بينما نظر ياسين إلى سليم: هو إحنا مش المفروض نبلغ أهل مي؟
أومأ بتأكيد: طبعا لازم يعرفوا، أكيد الخبر بدأ ينتشر على السوشيال ميديا دلوقتي...
أخرج هاتفه وأضاف: معايا رقم أخوها، هكلمه.
وبالفعل أجرى الاتصال وأبلغ أسرتها بما حدث، فجاءه صوتهم المذعور من الطرف الآخر، وتتوالت عليه الأسئلة، لكنه لم يكن يملك إجابات كافية، أنهى المكالمة وعاد الصمت يسيطر على المكان من جديد.
مرت الدقائق ثقيلة كالساعات، حتى انفتح باب غرفة العمليات أخيرا.
خرج أحد الأطباء وهو ينزع القناع الطبي عن وجهه، نهض ياسين سريعا واتجه إليه، بينما تحرك سليم بخطوات أبطأ وأكثر تحفظا.
سأل بلهفة: خير يا دكتور؟
أجابه: رشدي بيه حاليا في غرفة الإفاقه، وإن شاء الله ممكن يفوق خلال ساعة، إصابته كانت أخف مما توقعنا الحمد لله.
تنفس ياسين الصعداء، ثم سأل: طب الإصابة إيه بالظبط يا دكتور؟
أجابه: الإصابة في الكتف الايسر، الرصاصة دخلت بعمق نسبيا ولأسف أثرت علي بعض الأعصاب، ولكن الحمد لله مفيش خطورة على حياته، ممكن بس يحصله ضعف في حركة الذراع، وده هيحتاج علاج طبيعي لفترة، لكن لسه بدري إننا نحكم بشكل نهائي، هنقدر نحدد حجم التأثر بصورة أدق بعد مايفوق ونستكمل الفحوصات اللازمة إن شاء الله.
لم يتأثر سليم بما سمع، وسأل مباشرة: ومدام مي؟
زم الطبيب شفتيه: للأسف لسه في العمليات، وحالتها صعبة، ادعولها.
ثم أومأ باعتذار قبل أن يغادر، وبقي سليم وياسين واقفين في الممر، يراقبون باب غرفة العمليات المغلق...
قصر الراوي4ونصف.
كانت ماسة تجلس في الغرفة تنتظر عودة سليم، لكن الوقت طال ولم يصعد إليها.
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم التقطت هاتفها واتصلت به.
جاءها صوته من الجهة الأخرى: إيه يا حبيبتي؟
سألته بقلق: إيه ياروحي؟ أنت طولت أوي كده مع ياسين ليه؟
أجابها: أنا مش في القصر.
اعتدلت في جلستها: أمال فين؟
أجابها: في المستشفى، رشدي ومي اتضرب عليهم نار.
اتسعت عيناها بصدمة ونهضت من مكانها دفعة واحدة: إيه؟! مين عمل كده؟
أضافت بلهفة: ومي عاملة إيه؟
أجابها بنبرة متأثرة: لسه في العمليات، أول ماعرف أي حاجة هكلمك.
أغمضت عينيها للحظة وهمست: ربنا يسترها عليها.
رد بتنييه: متخرجيش من الاوضه وخلي بالك من نفسك، أنا سايب عشري عندك، لو فيه حاجه كلميه، لحد مافهم الدنيا فيها ايه.
أومأت بتوتر: حاضر خد بالك من نفسك، وابقي طمني على مي.
انهت المكالمه، وظلت واقفة مكانها للحظات شاردة، وقلبها مثقل بالقلق والحزن.
لكنها انتفضت على صوت طرقات سريعة على الباب، فتساءلت بتوتر: مين؟!
انفتح الباب ودخلت لوجين على عجل، تمسك هاتفها بين يديها، بينما كانت عيناها ممتلئتين بالدموع: ماسة، شوفتي اللي حصل؟
تنهدت بحزن وأومأت برأسها: أيوة... عرفت.
وضعت لوجين يدها على فمها محاولة كتم دموعها:
أنا مش مصدقة والله، إحنا لسه كنا قاعدين مع بعض إمبارح.
تابعت بعدم استيعاب: أنا نمت امبارح ومكلمتهاش علشان كنت تعبانه من السفر، أصحى ألاقي كل ده حصل؟!
ربتت ماسة على كتفها برفق، وقالت بهدوء وهي تجلس على الأريكة: سبحان الله يا لوجين، الحياة ممكن تتقلب في ثانية.
صمتت لحظة، ثم تابعت بشرود موجوع: ثانية واحدة بس كفيلة إنها تغير حياة إنسان بالكامل، اساليني انا..
جلست لوجين بجوارها وهي تمسح دموعها: مين ممكن يعمل حاجة زي كده؟
هزت كتفيها: الله أعلم.
ثم نظرت إليها متسائلة: أنتِ عرفتي منين؟
نظرت إلى الهاتف بين يديها ثم أكملت: لقيت الخبر مالى السوشيال ميديا، كلمت ياسين اتأكد قالي إنه حقيقي فعلا وإنه في المستشفي.
أغمضت عينيها للحظة وهمست: يارب تكون بخير.
شعرت ماسة بغصة وهي تتخيل مي داخل غرفة العمليات، ثم قالت: يارب.
مسحت لوجين دموعها: إحنا لازم نروحلها.
هزت رأسها: أكيد هنروح اكيد.
المستشفى التي بها عزت،5م.
عزت ممددا على الفراش تبدو عليه علامات التعب، بينما كانت فايزة تجلس أمامه على أحد المقاعد، وإلى جوارها فريدة.
نظرت إليه فايزة بابتسامة: أنت النهارده أحسن من امبارح كتير... امبارح مكنتش قادر تتكلم.
تنهد بتعب: أنا أصلا عايز أمشي من هنا.
اعترضت فريدة: مفيش الكلام ده، لما الدكتور يأذن تبقى تمشي، وبعدين اعمل حسابك، بعد ماتخرج من المستشفى هتسافر سويسرا علطول، تغير جو وتعمل الفحوصات المطلوبة، علشان ناخد قرار العملية.
أومأت فايزة مؤيدة: ومتشغلش بالك بأي حاجة دلوقتي ياعزت، أهم حاجة صحتك.
هز رأسه بضيق: مشغلش بالي أزاى بس يافايزة، دي كارثة،5مليار ضاعوا في لحظة!
مرر يده على وجهه بتوتر: إنتِ عارفة يعني إيه 5مليار؟! لو معرفناش نلحق اللي بيحصل ونلم الموضوع المجموعة ممكن تعلن إفلاسها.
تنهدت وردت محاولة تهدئته: سليم موجود وبيتابع وبيحاول على قد مايقدر يحل المشكلة.
أغلق عينيه وقال بمرارة: سليم لوحده مش هيقدر يشيل كل ده.
تدخلت فريدة محاولة بث بعض الأمل: إن شاء الله الأزمة تعدي، المجموعة عدت بأزمات كتير قبل كده ووقفت على رجليها تاني.
اوما بمرارة: الفرق إن المرة دي الخسارة كبيرة أوي، وكأن كل حاجة بتقع فوق دماغنا مرة واحدة..
ثم تنهد بضيق وتساءل: أنا عايز أعرف طه وصافيناز فين؟ مشفتهمش غير مرة واحدة من ساعة مادخلت المستشفى.
رفعت فريدة كتفيها: طه سافر، واضح إن في حاجة كبيرة حصلت، أصل دخول منى بالشكل اللي كانت عليه في الحفلة مكانش طبيعي، ولما سألت تيم قالي إنها اتخانقت مع واحدة وضربوا بعض!!
ضحكت بسخرية: طبعا أنا مصدقتش، بس قولت ملناش دعوة، عندنا مصايبنا كفاية... أما صافيناز فمنهارة جدا من ساعه اللى حصلها، وخصوصا بعد ما المعمل الجنائي اثبت صحة الكلام اللى اتقال في التحقيقات.
عبست ملامح عزت: هما بعد اللى عملوه معاها ونزولها الحجز، لسه عايزين يكملوا تحقيقات معاها، هما نسيوا هي مين وبنت مين؟! هات الموبايل ده يا فريدة.
أعطته فريدة الهاتف، فشرع بإجراء مكالماته لإنهاء هذه القضيه، بينما أراحت فايزة جسدها علي المقعد وامسكت بهاتفها تتصفح الأخبار.
وفجأة تجمدت ملامحها واتسعت عيناها بصدمة: إيه ده؟!
فريدة: في إيه يامامي؟
أجابت بصوت مرتبك: مكتوب إن في هجوم مسلح على رشدي الراوي وزوجته، واتضرب عليهم نار.
انتفضت فريدة: إيه؟!
وأسرعت بسحب الهاتف من يدها لتقرأ الخبر بنفسها.
أنهي عزت مكالمته وقال بقلق: يعني إيه؟! هم كويسين ولا حصلهم إيه؟
أخذت فايزة الهاتف من فريدة، وطلبت رقم سليم بيد مرتعشه: معرفش، هكلم سليم واشوف.
وبعد لحظات جاءها صوته: أيوة ياهانم.
قالت بلهفة وذعر: إيه اللي حصل لرشدي ياسليم؟
أجابها بهدوء: متقلقيش، الرصاصة جت في دراعه، خرج من العمليات وفي أوضة الإفاقة دلوقتي.
توقفت أنفاسها للحظة: يعني رشدي كويس؟
أجاب بهدوء: امممم..
ثم صمت لحظة قبل أن يكمل: المشكلة في مي، لسه في العمليات وحالتها صعبه.
سألت بسرعة: إنتوا في أنهي مستشفى؟
أجابها باسم المستشفي، فنهضت من مكانها فورا: طيب أنا جاية لكم حالا.
أغلقت الهاتف وأخذت تجمع متعلقاتها، بينما تساءل عزت بقلق: سليم قالك إيه؟
أجابت بتوتر: أخد رصاصة في دراعه، وخرج من العمليات، بس مي حالتها صعبة ولسه في العمليات.
هزت فريدة رأسها بعدم استيعاب: اللي بيحصلنا ده مش طبيعي أبدا.
أمسكت حقيبتها ونهضت قائلة: فريدة، خليكي مع الباشا، وأنا هروح أطمن عليهم.
أومأت فريدة: حاضر يا مامي.
تحركت مسرعة نحو الخارج، بينما لحق بها عدد من الحراس.
وما إن خرجت من باب المستشفى حتى تفاجأت بعدد كبير من الصحفيين والمصورين المتجمعين بالخارج.
وفور رؤيتها اندفعوا نحوها بسرعة.
ـ هل عند حضرتك أي معلومات عن حالت رشدي بيه؟
ـ تفتكري إيه اللي حصل؟ ومين ممكن يكون وراء الحادث؟
ـ هل الموضوع له علاقة بالأزمة الأخيرة اللي حصلت للمجموعة؟
أحاط بها الحراس من كل جانب، بينما رفعت يدها وخبأت وجهها، وتحركت مسرعه نحو السيارة، فتح أحدهم الباب لها، فدخلت علي عجل، بينما استمرت أصوات الصحفيين تتعالى خلفها.
المستشفى...
سليم وياسين مايزالان واقفين أمام غرفة العمليات عندما انفتح باب المصعد بسرعة، واندفعت عائلة مي إلى الداخل، وعلامات الذعر والقلق تغمر ملامحهم.
تقدم والدها نحو سليم يهتف بانفعال: بنتي فين؟ حصلها ايه؟!
رفع سليم يده محاولا تهدئته: اهدى يا باشمهندس، من فضلك.
نظر إليه بغضب: أهدى أزاي؟!
تدخل حاتم بلهفة: مي فين؟
أجاب ياسين: هي لسه في العمليات.
شهق حازم بصدمة: عمليات؟!
أسرع سليم: متقلقوش، الدكتور قال إنهم بيتعاملوا مع الإصابة، وإن شاء الله هتبقى كويسة.
اختل توازن راشد فور سماع كلماته، وشعر وكأن عالمه أنهار فجأة، أسرع حاتم باسناده بلهفه: بابا أنت كويس؟
اجابه بصوت مرتعش ونظرات زائغه: هبقي كويس ازاى واختك بتروح مني!
اشفق عليه سليم، فاسنده من الجانب الآخر، واجلسه علي أحد المقاعد وهو يردد: متقولش كده، إن شاء الله هتبقي كويسه.
ثم نظر نحو احد الحراس: هات ميه بسرعه.
اقترب حاتم من والده يحاول مواسته والدموع تلمع في عينيه: ادعيلها يا بابا، ربنا يقومها بالسلامه.
رفع راشد عينه مناجيا: يارب، احفظلي بنتي وردهالي سالمه يارب.
ثم نظر إلى سليم بعينين مشتعلتين بالخوف والغضب، وقال بصوت مبحوح: لو بنتي حصل لها حاجة، والله ماهسامح أي حد كان السبب.
نظر له سليم دون رد بينما ربت حازم، على كتفه: إن شاء الله هتبقى كويسة.
ظل راشد يلهث من شدة القلق، وعيناه لا تفارقان باب غرفة العمليات.
تساءل حاتم: أومال فين رشدي؟
أجابه ياسين: في أوضة الإفاقة، شوية وهيفوق، الإصابة كانت في دراعه.
تدخل راشد بقلق أشد: أمال بنتي اتصابت فين؟
ياسين بصوت منخفض: للأسف معندناش معلومات كاملة عن حالتها لحد دلوقتي.
تبادل ياسين وسليم نظرة صامتة، وكأن كل منهما يحمل ثقل اللحظة بطريقته.
ثم قال ياسين بعد لحظة: أنا هروح أطمن على رشدي.
أومأ سليم برأسه.
وبالفعل، تحرك ياسين مبتعدا نحو غرفة الإفاقة، حيث كان رشدي مايزال نائما تحت تأثير البنج.
بعد دقائق عاد مجددا، ليلتحق بسليم، ووقفا معا في الممر في انتظار خروج الأطباء وإعلان أي جديد عن حالة مي.
اثناء ذلك اقترب مكي من سليم بخطوات سريعة: أنا ظبطت كل حاجة خلاص، بس للاسف الخبر انتشر بالفعل.
ابتعد سليم معه قليلا عن التجمع: مش فارق معايا دلوقتي أي حاجة، أنا كل اللي يهمني أطمن على مي بس لأني حقيقي بعزها
أومأ مكي: أن شاء الله تقوم منها بخير، هي ملهاش ذنب في بلاوي رشدي.
سليم بجدية: عايزك تعرف مين ورا الموضوع ده، راجع الكاميرات، وحاول توصل لأي معلومة.
أومأ بتفكير: معتقدش انها هتخرج بره عماد أو منى؟ بسبب مشاكل رشدي معاهم الفترة الاخيرة
رد بعقلانية هادئة: أنا كمان مش مستبعدهم، بس خلينا نشتغل بهدوء ونشوف الحقيقة الأول، روح أنت دلوقتي وابدأ في اللي قولتلك عليه.
هز رأسه بإيجاب دون تردد، ثم تحرك مبتعدا لتنفيذ ماطلب منه.
وأثناء ذلك، اقترب أحد الضباط يرتدي الزي الميداني، وبرفقته اثنان من أفراد الشرطة بملابس ميدانية أيضا.
توقف أمامهم وقال بجدية: مساء الخير، المقدم ايوب الفيومي كنت عايز أخد منكم كلمتين بس.
أجابه سليم: أنا سليم الراوي اخو رشدي.
أومأ الضابط برأسه:طبعا حضرتك غني عن التعريف.
تابع سليم بتهذب: رشدي لسه مفاقش، والظروف زي ماحضرتك شايف متسمحش بأي إجراءات قانونية دلوقتي، لما يقوم بالسلامة ويبقى كويس، وقتها حضرتك تاخد أقواله وتسأله على اللي أنت عايزه.
صمت المقدم للحظات يفكر، ثم قال: طب حضراتكم شاكين في حد معين؟ خصوصا إن بحسب المعلومات الأولية، العائلة اتعرضت لأكتر من حادث خلال الفترة الأخيرة.
تنهد وأجاب: إحنا لينا أعداء كتير، أكيد حضرتك عارف مين هي عيلة الراوي، لكن للأسف معنديش اسم معين أقدر أبلغ حضرتك بيه دلوقتي.
أومأ بتفهم: تمام، إحنا هنفتح المحضر ونبدأ التحريات، وإن شاء الله بكرة هاجي آخد أقوال رشدي بيه.
ثم استأذن وتحرك مبتعدا.
في تلك اللحظة...
وصلت فايزة وخلفها عدد من الحراس، ما إن وقعت عيناها على سليم حتى أسرعت نحوه بقلق: إيه اللي حصل ياسليم؟!
ثم تابعت بغضب: وشوقي والحراس كانوا فين؟!
أجابها ياسين موضحا: ما أنتِ عارفة يا ماما، رشدي أغلب الوقت بيخرج من غير حراسة.
وضعت يدها على رأسها بعدم استيعاب: أنا مش متصورة إننا بنعيش نفس الحادثة مرة تانية، أنا عايزة أشوفه.
سليم بهدوء: هو نايم دلوقتي، استني لما يصحى.
هزت رأسها بإصرار: لا لازم أشوفه، محتاجه اطمن عليه.
ياسين بلطف: طيب تعالي معايا.
وبالفعل اصطحبها إلى غرفة الإفاقة.
دخلت فايزة بهدوء، تنظر إلى رشدي الممدد على الفراش، والمحاليـل معلقة بجواره، ووجهه شاحب من شدة الإرهاق، توقفت للحظات تنظر إليه بحزن.
ثم اقتربت منه ببطء، ومدت يدها تمسح على شعره بحنان أمومي، لو كان رآه وهو في كامل وعيه، لما صدق أن ذلك الحب الذي أفنى عمره باحثا عنه بينهم كان موجودا بالفعل. لكنهم أحبوه على نحو خاطئ؛ حتى أورثوه شعورا مريرا بأنه غير مرغوب فيه، وأن مكانه في قلوبهم لم يكن يوما كما تمني.
انحنت تقبل خده، ثم رفعت جسدها ونظرت إلى ياسين: الدكتور قال إيه؟
تنهد قبل أن يجيب: إصابة بسيطة، دي مش أول مرة يعني رشدي يتضرب بالنار!
أومأت بتوتر: بس المرة دي مختلفة، التوقيت نفسه يخوف، وشكل الحادثة وأسلوبها فكروني بحادثة سليم.
أومأ بتفهم، وربت على كتفها قائلا: متخافيش، رشدي هيقوم منها، وهنوصل للي عملها، وهيدفع التمن. خلينا نستنى بره.
أومأت برأسها، ونظرت مرة أخرى نحو رشدي، ثم استدارت وغادرت الغرفة بهدوء.
تسالت وهي تتحرك في الممر ومازالت تأثير الصدمة: مين ممكن يعمل كده يا ياسين؟
تنهد وهو يهز رأسه: معرفش، حتى سليم نفسه مش قادر يوصل لإجابة.
قبضت على حقيبتها بقوة وقالت بغضب ممزوج بالخوف: اللي عمل كده لازم يدفع التمن... لازم.
نظر إليها بصمت، لكنه لم يجد أي إجابة يقولها.
عادت إليهم مرة أخري، وجلست معهم في الاستراحة المجاورة لغرفة العمليات، ينتظرون أي أخبار عن مي التي طال مكوثها في العمليات دون أي إشارة مطمئنه.
فيلا عائلة ماسة،5م.
جلس مجاهد وسعدية وسلوي معا، يحتسون الشاي ويتناقشون في أمور عدة غير عابئين بما يحدث في الخارج.
قاطع جلستهم دخول عمار وهو يتسأل بقلق: شفتوا اللي حصل؟
نظرت له سلوي: فيه إيه يا عمار؟! خضتنا!
اقترب يقول بتوتر: بيقولوا اضرب نار علي رشدي ومراته.
شهقت سعديه، وضربت صدرها بصدمه: يلهوي! واختك جرلها حاجه؟
هز رأسه: معرفش، الاخبار المنتشرة عن رشدي ومراته بس.
أمسكت بيد سلوي وهي تهتف بعجل: اتصلي باختك بسرعة نطمن عليها.
أومأت برأسها وأخرجت الهاتف بسرعة، ثم أجرت الاتصال وفتحت الميكروفون
ساد الصمت في المكان، والجميع ينظر إليها مترقبا.
وبعد لحظات أتاهم صوت ماسة: ألو؟
اعتدلت سعدية في جلستها وقالت بسرعة ولهفة: ماسة بنتي؟! إيه اللي حصل؟ إنتِ كويسة انتِ وجوزك؟
ابتسمت ماسة، رغم توترها: أيوه يا ماما كويسين متقلقيش.
تنهدت براحه: الحمد لله يا حبيبتي أمال إيه اللي عمالين نسمعه ده؟
تنهدت ماسة: والله يا ماما معرفش تفاصيل، سليم في المستشفى ولسه مرجعش.
مجاهد بقلق: المهم إنتِ بخير يا بنتي؟
ردت بهدوء: ايوه الحمد لله، ولما سليم يفضى شوية هخليه يجيبني أزوركم، وحشتوني اووى.
تسأل عمار بتردد: قوليلي ياماسة، هو سليم له علاقة باللي حصل ده؟
ردت سريعا: لا طبعا، سليم تاب من زمان، ومستحيل يعمل حاجة زي اكيد دي حاجة تخص رشدي.
أطلقت سعدية زفرة طويلة: ربنا هو العدل يا بنتي، اللي بيزرع حاجة بيحصدها
عقدت ماسة حاجبيها: يا ماما حرام نشمت في حد، مي متستاهلش اللي حصلها.
سعدية بنبرة أهدأ: لا يا حبيبتي، أنا مش قصدي مراته، ربنا يقومها بالسلامة ويطمن قلب أهلها عليها، انا اقصد الزفت الثاني اللي ربنا ينتقم منه..
تنهدت ماسة: المهم يا ماما خلوا بالكم من نفسكم، ومتخرجوش الفترة دي كتير، لحد مانعرف الدنيا فيها ايه.
تبادل الجميع النظرات.
اعتدل مجاهد في جلسته وقال بحزم: متقلقيش. محدش هيخرج لوحده ولا هيتحرك إلا للضرورة.
بينما تسألت سلوي بقلق: أنتِ حاسة إن في خطر علينا؟
صمتت لثواني، قبل أن تجيب: معرفش، بس اللي حصل غريب ومش مطمئن.
شعرت سعدية بانقباض في قلبها: بس إوعي تغيبي علينا كده، كلمينا كل يوم وطمنينا عليكي أنتِ وجوزك، ربنا يحميكم يا بنتى ويبعد عنكم أي شر.
ابتسمت ماسة بحنان: حاضر يا ماما، وانتم كمان كلموني أى وقت، التليفون معايا على طول.
سعدية: ماشي يا حبيبتي، سلام.
أغلقوا المكالمة، وخيم الصمت علي المكان، بينما بقي القلق مسيطرا ملامحهم رغم اطمئنانهم عليها.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى،5م.
جلس مصطفي أمام آلاء، يساعدها في عمل التمارين لذراعها المصاب، بينما كانت هي تجلس بالإسدال، تتابع حركاته بصمت.
مصطفى وهو يحرك ذراعها برفق: معلش، الحركة دي ممكن توجع شوية.
انكمشت ملامحها قليلا من الألم: لا عادي.
رفع حاجبه ساخرا: عادي إيه؟ وشك بيقول غير كده.
فابتسمت بخجل وأشاحت بنظرها بعيدا، فأكمل التمرين بهدوء، وبعد دقائق سحب يده للخلف وهو يقول: بس كده.
ثم نظر إليها متفحصا: عاملة إيه دلوقتي؟
حركت كتفها بحذر: الحمد لله.
ابتسم: إن شاء الله مرة على مرة هتبقي أحسن.
بادلته الابتسامة: إن شاء الله.
نهض من مكانه: ماتيجي ننزل نقعد تحت شوية؟
اختفت ابتسامتها فورا: لا، خليني هنا.
تسأل متعجبا: ليه؟
قالت بهدوء: هقعد مع ماما لما تصحى.
مصطفي بجدية: آلاء، مامتك نايمة ومش هتصحى دلوقتي، وانتِ بقالك كام يوم حابسة نفسك في الأوضة، لا أكل مع الناس، ولا قعدة، ولا حتى نزلتي الجنينة! أنتِ لسه زعلانه من ماما؟
هزت رأسها سريعا: لا والله ابدا.
اقترب منها: أومال ايه؟ مالك؟
صمتت ثواني قبل أن تخفض رأسها: بصراحه مش قادرة أبص في وشهم بعد اللى حصل!
عقد حاجبيه: مش فاهم؟
تابعت بصوت مبحوح والدموع تتجمع في عينها: علشان كلهم عرفوا اللي حصلي.
جلس امامها مره اخري متسائلا: وإيه هو اللى حصلك؟
نظرت له بخجل وهي تبتلع ريقها: أنت فاهم قصدي كويس.
تصنع عدم الفهم: لا والله مش فاهم.
اشاحت بوجهها: دكتور مصطفى بلاش.
مال عليها، ومد يده نحو وجهها يجبرها على النظر إليه، قائلا بهدوء عاقل: أنتِ متخيلة إن الناس كلها قاعدة تبصلك وتفكر في اللي حصل؟!
هز رأسه وتابع: محدش بيفكر كده يا آلاء، وكل اللي حواليكي زعلانين وخايفين عليكي وبس.
ارتجفت شفتاها: قصدك بيشفقوا عليكي!
أجابها بجدية: اسمها رحمه وإحساس بالمظلوم مش شفقة!
أجابته بنبرة مهتزة: متضغطش عليا، والله ماهقدر، أنا حاسه إن كل ما أبص في وش حد هفتكر كل اللي حصل، حتى انت.
لانت ملامحه، وامسك يدها بابتسامة: إنتِ معملتيش حاجة غلط علشان تتحرجي وتستخبي من الناس، وصدقيني اللي انتِ حساه ده وهم واهمة نفسك بيه؛ لأنك حساسة.
نهض يجذبها: تعالي ننزل دلوقتي وأنتِ هتشوفي بنفسك إن الكل هيتعامل معاكي عادي جدا واكثر من العادي كمان.
هزت رأسها: مش عايزة..
نادها بغلظه: الاء!
رفعت رأسها له فوجدته يبتسم: يلا يا لولو، كفاية حبس في الأوضة خلينا نستمتع بجمال الجنينة وقت غروب قبل منرجع الخرسانه تاني.
ابتسمت رغما عنها، وبعد لحظة تردد، قامت وتحركت معه إلى الخارج.
في الحديقة.
كانت نبيلة وعائشة وإيهاب يجلسون معا، يتناولون بعض المشروبات في أجواء هادئة.
نبيلة وهي تنظر حولها بإعجاب: والله العز حلو يا ولاد؛ تصحوا كل يوم مفيش دوشة، ولا بياعين بينادوا، ولا زحمة زرع وخضرة، وكمان ناس تخدمكم.
ابتسم إيهاب قائلا: شكل القعدة هنا عجبتك.
أومأت بتاكيد: أكيد عجبتني، هو في حد يكره الراحة؟
مدت وجهها، وتابعت باستنكار: بس عارفين، والله كل حاجة تغور، المهم الواحد يحس بالأمان ويبقي باله مرتاح، بعد ماسمعت حكاية سليم واللي عملوا فيه اهلة، واللي وهو دلوقتي بيعمله فيهم، الواحد يحمد ربنا على اللي هو فيه، تغور الفلوس اللى تخلي الناس تاكل في بعض زى الديابه كده..
عائشة بتاكيد: صح، بس برضو الإنسان لو عاش في مستوى زي اللي إحنا فيه دلوقتي مش حاجة وحشة يعني.
نبيلة بحكمه: ما إحنا ندعي ربنا يغنينا بحلاله، وميغيرش قلوبنا علي بعض..
في تلك اللحظة اقترب مصطفى برفقته آلاء، يقول بابتسامة: مساء الخير.
الجميع: مساء النور.
نظر الى نبيلة ودعابها: إيه يا ست الكل، هتعيشي في الجنينه ولا ايه؟! أنا شايفك من الصبح هنا
ردت بإبتسامة: القعدة هنا ترد الروح، تعالي يا آلاء اقعدي جنبي.
تعجبت الاء من الجملة ، ترددت للحظة، ثم أومأت برأسها وجلست بجوارها.
تساءلت نبيلة: الحاجة فين؟
الاء: ماما نايمة، العلاج بيخليها تنام.
أومات: ربنا يشفيها ويعافيها يارب.
ثم ربتت على كتف آلاء بحنان: عاملة إيه دلوقتي؟
نظرت إليها آلاء باستغراب واضح، فهي لم تعتد منها هذا القدر من اللين والاهتمام. ظلت تحدق بها للحظه وكأنها تتأكد أن الكلمات موجهة إليها بالفعل، ثم أجابت بهدوء: الحمد لله... أحسن شوية.
وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت عائشة بصدمة: الحقوا!
التفت الجميع إليها: في إيه؟
رفعت الهاتف بيد مرتجفة: رشدي اتضرب بالنار هو ومراته!
انتفض مصطفى من مكانه: إيه؟!
أخذ الهاتف منها بسرعة وبدأ يقرأ الخبر بنفسه.
نبيلة بقلق: في إيه يا مصطفى؟
مصطفى وهو يقرأ: مكتوب إن اصيب رشدي الراوي وزوجته، بأحد الطلقات المجهولة في مكان علي النيل، واتنقلوا المستشفى وحالتهم خطيرة.
شهقت آلاء وهي تضع يدها على فمها.
نبيله رافضه للفكر: مستحيل يكون سليم عمل كده في اخوه.
أما إيهاب فقال بصدمة: اتصل بسليم نفهم منه الحقيقة.
أومأ مصطفى وهو يخرج هاتفه: معاك حق.
ضغط على رقم سليم وانتظر لثواني قبل أن يأتيه الرد.
سليم: أيوة يا مصطفى.
مصطفى بقلق: الخبر اللي نازل ده حقيقي؟
تنهد سليم: للأسف حقيقي.
اتسعت أعين الجميع وهم يتابعون حديثه.
مصطفى: هما عاملين إيه دلوقتي؟
سليم: رشدي إصابته في الكتف وخرج من العمليات، إنما مي لسه في العمليات وحالتها أصعب شوية.
مصطفى بتأثر: ربنا يستر، ويقومها بالسلامه، طمني أول مايبقى في جديد.
سليم: أكيد.
تسال: طب الموضوع يكون في خطى عليك انت وماسة
رد بتأكيد:لا ماتقلقش.
صمت مصطفى للحظه ثم تسأل: سليم هو اللي حصل ده انت..
قاطعه سريعا: أكيد مش هعمل كده معلش مش هعرف اتكلم..دلوقت سلام
أنهى المكالمة.
التفت إليه ايهاب بلهفة: قالك إيه؟
مصطفى: رشدي إصابته في الكتف، لكن مراته لسه في العمليات هو مش عارف يتكلم اوي هكلمه تاني.
نبيلة بدعاء ربنا يسترها ععلهم..
_______________بقلمي_ليلةعادل
المستشفي6م.
رشدي نائما على الفراش، جسده مازال مثقلا بآثار البنج والجروح، معلق على محاليل وذراعه الآخر ملفوف بشاش أثر الرصاص.
بعد قليل بدا جفناه يرتشعان قليلا، وكأن وعيه بدأ يعود ببطء، تمتم بصوت خافت متعب متقطع: مي...
فتح عينيه بصعوبة، ونظر حوله بتشوش، غرفة بيضاء أجهزة طبية، ولا أحد بجواره.
عقد حاجبيه ونهض بصعوبة، متجاهلا الألم الذي اجتاح جسده.
تمتمت: مي... إنتِ فين!
في تلك اللحظة دخلت إحدى الممرضات، وما إن رأته مستيقظا حتى اتسعت عيناها بابتسامة: حمد لله على سلامتك يارشدي بيه، ثانية واحدة بس هبلغ الدكتور.
نظر إليها بعينين مرهقتين تسأل بثقل: مي فين؟ مراتي فين؟
ترددت لحظه ثم قالت: استنى بس يافندم، هبلغ الدكتور وأرجع لحضرتك.
لكنه لم يستمع اليها، وحاول النهوض ليبحث عنها بنفسه، فاسرعت الممرضه نحوه تحاول إعادته للفراش: لا لا، حضرتك مينفعش تقوم.
نظر لها متسائلا: مراتي فين؟!
ردت بهدوء: مدام مي في العمليات وإن شاء الله هتبقى كويسة، بس لازم حضرتك تفضل مكانك علشان الجرح...
تجمد للحظة وكأن كلمة "العمليات" نزلت عليه كالصاعقة، دفع الغطاء عنه بعصبية: أنا لازم أشوفها.
حاولت منعه وهو يحاول أن ينتزع أسلاك المحلول من يده: يافندم مينفعش، كده غلط، حضرتك لازم ترتاح.
دفع يدها عنه بعنف وهو يقول باضطراب: ابعدي عني، أنا عايز أشوف مراتي، فكي الزفت ده!
الممرضة بقلق: يافندم حضرتك نزفت كتير، استنى الدكتور بس.
نظر إليها بضجر: اسمعي الكلام ومتعصبنيش.
وفي تلك اللحظة دخل الطبيب بعد أن استمع الى أصواتهم.
نظر إلى المشهد باستغراب: في إيه يا ميار؟
أشارت إلى رشدي قائلة: يادكتور مش راضي يهدى وعايز يخرج.
اقترب الطبيب منه بهدوء: رشدي بيه، إحنا محتاجين نطمن عليك الأول.
هز رأسه بعناد: أنا كويس، خليها تفك المحلول ده.
نظر إليه لثواني، ثم أومأ برأسه: فكهوله.
نظرت إليه بدهشة: بس يادكتور...
قال بحزم: اسمعي الكلام.
وبالفعل بدأت تفك المحلول من يده وما إن انتهت حتى نهض رشدي فورا.
ترنح قليلا من شدة التعب، استند على موخرة الفراش لوهلة، لكنه تجاهل الأمر وتحرك نحو الباب.
ناداه الطبيب: رشدي بيه!
لكن كلماته لم تصل إليه، كان هناك شيء واحد فقط يشغل عقله (مي)
خرج إلى الممر بخطوات غير متزنه، متجاهلا الألم الذي ينهش جسده، حتى وصل إلى قسم العمليات.
هناك كان الجميع مجتمعين.
انتفض ياسين وفايزة ما إن رأوه، واسرعوا نحوه بسرعة.
فايزه وهي تسنده: إنت إيه اللي قومك من السرير وانت تعبان؟ ارجع مكانك!
لكنه لم يهتم، وسأله مباشرة بنبرة تخرج بصعوبه: مي فين؟ حصلها ايه؟
أشار ياسين نحو غرفة العمليات المغلقة: لسه جوة، ارجع انت بس اوضتك وأنا هبقي اطمنك.
نظر إليه بوجه شاحب وعينين مرهقتين: أنا كويس، مفيش حاجة.
فايزه باعتراض: مفيش حاجة أزاى؟ أنت مش شايف شكلك؟
رفعت يدها ومسحت على خده بحنان أمومي واضح، بينما امتلأت عيناها بالدموع: ألف سلامة عليك، إنت متعرفش أنا خوفت عليك قد إيه أول ماسمعت الخبر، عزت كمان كان هيموت من القلق عليك، لازم تكلمه وتطمنه بنفسك.
ثم ربتت على كتفه السليم محاولة منحه بعض الطمأنينة: ومتقلقش على مي، إن شاء الله هتكون كويسة.
ظل صامتا، وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات، وكأن كل ماحوله لم يعد موجودا، بينما كانت أصابعه ترتجف من شدة التوتر والخوف.
حازم بهدوء وهو يشير إلى المقعد: حمد لله على سلامتك يارشدي، تعالي اقعد.
لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة، التقت عيناه بعيني راشد الذي لم يرَ فيه زوج ابنته، بل الرجل الذي أوصلها إلى هذا المصير؛ فابنته الوحيدة تصارع منذ ساعات بين الحياة والموت بسببه.
نهض من مقعده فجأة، واندفع نحوه كالإعصار، قابضا على ياقة ثوبه بعنف، وقد طغى عليه غضبه وعجزه: بنتى جوه بسببك، والله لو حصلها حاجه لأقتلك.
تأوه رشدي من الألم، لكنه لم يحاول إبعاده، ظل واقفا يرمقه بعينين ممتلئتين بالقهر والدموع والانكسار..
ولأول مرة، لم يكن رشدي الذي نعرفه؛ الرجل العنيد الوقح، الذي يرد الصاع صاعين، بل كان رجلا مكسورا، مهزوما، ضائعا.
أسرع الجميع للفصل بينها الا سليم، ظل واقفا مكانه يشاهد ما يحدث بصمت ثقيل.
أمسك ياسين براشد محاولا إبعاده: ياعمي كده مينفعش!
تدخل حاتم هو الآخر: يا بابا سيبه، هو ذنبه ايه، ماهو اتضرب بالنار زيها؟!
صاح: ذنبه ايه؟ ماهو السبب!
أضاف حازم محاولا تهدئة الموقف: عشان خاطر مي يا بابا اهدى.
فايزة باستهجان مهيمن: بشمهندس راشد! اللي بتعمله ده مش مقبول، مش بنتك بس اللي بتدفع التمن، ابني كمان اتضرب بالرصاص، فلو سمحت سيبه واتمالك أعصابك بدل ما أضطر أتدخل بنفسي تدخل أكيد مش هيعجبك.
تدخل ياسين مسرعا: ماما من فضلك، ملوش لازمه الكلام ده.
ثم نظر الى راشد: من فضلك يابشمهندس كفاية.
استطاع أبناءه جذبه بعيدا، فجلس على أحد المقاعد يلهث من شدة الغضب، مرر يده المرتعشة على وجهه مرددا بحرقة: بنتي بس تقوم بالسلامة، واطمن عليها بس..
رفع رأسه نحو رشدي وعيناه مشتعلة بالألم: ووقتها اي حد كان السبب هيتحاسب.
نظرت له فايزه من طرف عينيها قالت بقوة: أكيد اللى اتجرأ يعمل كده في رشدي الراوي، لازم يتحاسب.
تبادل الجميع النظرات في الصمت.
أما رشدي، فظل واقفا في مكانه، مسندا ظهره إلى الحائط، مطأطئ الرأس، بينما انحدرت الدموع من عينيه في صمت، بدا وكأن الصدمة قد نزعت منه كل شيء: قوته، وغضبه، وكبرياءه، وحتى قدرته على الرد.
كل ما كان يراه أمامه هو باب غرفة العمليات المغلق، وكل مايسمعه داخل رأسه صوت مي وهي تناديه للمرة الأخيرة قبل سقوطها أمامه.
اقتربت منه فايزة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، نظرت إليه بعين الأم الحنونه، مدت يدها وربتت على كتفه بحنان وهي تقول: رشدي... تعالى ياحبيبي.
لم يرفع رأسه، فأمسكت بيده برفق وأكملت بهيمنه: تعالى اقعد واستريح شوية، متقلقش أنت وسط إخواتك وعيلتك اللي هتفضل سندك وحمايتك وأمانك، وهتجيبلك حقك وحق مراتك.
ضغطت على يده بحنان: متحملش نفسك فوق طاقتها دلوقتي...
تحرك معها أخيرا وكأنه يسير بلا وعي، جلس علي أحد المقاعد، فجلست إلى جواره وأخذت تربت على كتفه بين الحين والآخر محاولة تهدئته.
لكنه لم يكن منتبها لشيء، لا لكلماتها، ولا لاهتمامها، وكأن روحه تعلقت خلف ذلك الباب
وبعد وقت، فتح الباب وخرج الطبيب، وملامحه لا تحمل بشارة.
اندفع الجميع نحوه بلهفه، وتساءل راشد بصوت اب مكسور خائف: بنتي عاملة إيه يا دكتور طمني؟!
سحب الطبيب نفسا ثقيلا قائلا بحزن: إحنا عملنا اللى نقدر عليه لكن لأسف.. فقدنا الجنين.
ساد صمت ثقيل كأن المكان كله توقف عن التنفس للحظة.
بينما أكمل الطبيب: حاولنا بكل الطرق نحافظ عليه، لكن الإصابة كانت في مكان حساس والنزيف كان شديد، دلوقتي أهم حاجة إن حالة مدام مي تستقر، هي هتتنقل الرعاية ولو ال24ساعه الجايين عدو علي خير، يبقى عدينا مرحلة الخطر، ادعولها.
قال كلماته وغادر المكان، فخيم الصمت لثواني طويلة، كأن الصدمة ألقت بثقلها على الجميع دفعة واحدة وهم يحاولون استيعاب ما سمعوه!
تقي بتعجب: جنين ايه؟! هي كانت حامل؟!
التفتت الأنظار نحو رشدي منتظرين منه إجابه، أما هو فبقي واقفا مكانه كأنه لم يسمع السؤال أصلا.
عيناه تتحركان ببطء وملامحه تتفكك شيئا فشيئا، يحاول استعاب ماسمعه
تحركت شفتاه أخيرا وهمس بصوت مكسور بالكاد يسمع: أنا معرفش.
حاتم باستغراب: يعني إيه متعرفش؟
رفع عينيه نحوه ببطء، والصدمة واضحة في كل تفصيلة من وجهه، وقال بصوت مختنق: يعني ولا انا ولا هي كان عندنا خبر بالحمل ده.
خفض رشدي رأسه، وهو يمرر يده المرتجفة علي وجهه، افلتت من شفتيه ضحكة قصيرة باهتة أشبه بالبكاء، وهو يحاول استيعاب الأمر!
مي كانت تحمل طفلا منه بداخلها؟! طفل لم يعرف بوجوده إلا حينما رحل!
شعر بثقل خانق يجثم صدره، فأغمض عينيه بقوة، وانفلتت دمعة أخرى من بين جفنيه.
بينما كان الجميع غارقا في صدمتهم... وقف سليم على بعد خطوات يراقب المشهد بصمت.
لم يكن يشعر بالشفقة على رشدي، لكن شيئا مابداخله اهتز لأجل مي، ولأجل ذلك الطفل الذي رحل قبل أن يرى النور.
يعرف هذا الشعور جيدا يعرف معنى أن تقف عاجزا أمام امرأة تحبها وهي تنزف، ومعنى أن تفقد طفلا قبل أن تبدأ معه الحياة.
رفع رشدي عينيه، فالتقت عيناه بعيني سليم، تجمد للحظة وكأنه لا يرى سليم... بل يرى شبح جريمتة، يرى الرجل الذي أذاقه الويلات، وحطم حياته، وها هو الآن يعيش نفس المصير الذي عاشه سليم يوما.
رصاص، دماء، زوجة بين الحياة والموت، وطفل رحل دون أن يملك القدرة على إنقاذه.
اختنق رشدي بالنظرة ولم يستطع احتمالها أكثر، فأدار وجهه سريعا.
وفي هذه الأثناء انفتح باب العمليات مره أخري وخرج المسعفين يدفعون الترولي، التى سكنت مي عليه شاحبه بلا حراك.
التف الجميع حولها بلهفه يحاولون طمئة قلوبهم أنها بخير، وتبعوهم حتى وصلوا إلي غرفة الرعايه.
وقف الجميع بالخارج أمام الزجاج، ينظرون إلى مي الممدة على الفراش وأصوات الأجهزة المنتظمة هي الشيء الوحيد الذي يؤكد لهم أنها مازالت على قيد الحياة.
وقف والدها واشقائها يبكون بصمت، بينما وقف رشدي ينظر إليها نظرة اعتذار وندم، ارتجفت شفتاه وهو يحدق فيها، وكأن آلاف الذكريات تمر أمام عينيه دفعة واحدة.
ضحكتها، شجارها معه، عنادها، خوفها، وكل مرة أبكاها فيها، وكل مرة كسر خاطرها، وظن أنها ستبقى مهما فعل.
انهمرت الدموع على وجهه بلا مقاومة، ولأول مرة بكي رشدي بصدق وعجز كامل، الرجل الذي أوجع كثيرين دون أن يهتز، وظن طويلا أن الألم لا يمكن أن يصل إليه، ها هو الآن يتذوقه قطرة قطرة، كما أذاقه لغيره يوما.
ظل واقفا أمام الزجاج لا يحرك عينيه عنها، ثم استدار نحو الطبيب الذي أتي ليطمئن علي حالتها: عايز أشوفها.
هز رأسه برفض: ممنوع حاليا، حالتها حرجة.
قال برجاء ضعيف: دقيقة واحدة... بس أشوفها، ارجوك.
زم وجهه بأسف: آسف يارشدي بيه ده لمصلحتها نعدي ال24ساعه دول بس، ووقتها تقدر تشوفها.
أغلق رشدي عينيه بألم وهو يعود بنظره إليها خلف الزجاج، لم يقل شئ فقط ظل واقفا هناك كأن روحه محتجزة داخل تلك الغرفة معها.
على اتجاه آخر في الممر...
كان سليم متوقفا في الخارج وإلى جواره ياسين.، وفايزه تجلس على المقعد بمسافه معقوله
تحتسي القهوه.
نظر سليم إلى ساعته ثم زفر بضيق: بقولك إيه، أنا همشي، قعدتنا ملهاش لازمه، جاي معايا ولا هتستني!
أومأ موافقا: اها جاي معاك، بس استني هبلغ رشدي الأول.
لم يستطع منع نفسه من السؤال: إزاي لسه واقف معاه بالشكل ده بعد كل اللي عرفته؟
أجابه بعقلانية: ده أخويا يا سليم، ومضروب بالنار، و...
قاطعه بإشارة حاسمه من يده: مسألتش عشان تديني مبررات، اعمل اللي يريحك.
ثم أضاف ببرود: أنا كمان اتأثرت عشان مي، ومنكرش اني خايف عليها وزعلان عشانها، لكن ده عمره ماهيخليني أوقف اللي بعمله أو أنسى اللي حصل.
قال كلماته، ثم استدار وتحرك نحو فايزة بينما توجهها ياسين الى رشدي.
توقف سليم أمام فايزة متسال: أنا همشي، هتيجي معايا ولا هتقعدي؟
أومأت باعتراض: هقعد شوية أطمن علي رشدي، وبعدين همشي.
ثم نظرت إليه بجدية وأكملت: سليم، إنت لازم تعرف مين اللي بيعمل كل ده، الموضوع مبقاش يحتمل أي اهمال، المسألة بتكبر، وأنا مش هسمح إني أخسركم في المعركة دي.
أجابها بهدوء: مسيره هيتعرف، هيروح مننا فين؟
ثم تابع متعجبا: وبعدين رشدي كويس، مش مستاهل كل الخوف بتاعك ده، أول مره اعرف إنك بتخافي يا هانم!
ردت عليه باستنكار: مش عايزني أخاف عليه أزاى يا سليم!
امتلأت عيناها بالدموع، وتابعت: أنا أول ماقرأت الخبر افتكرت الحادثه بتاعتك و
قاطعها بضيق فهو لا يحبذ تذكر ذلك الموضوع: من فضلك، مش عايز أتكلم في الموضوع ده نهائي.
نظر إلى ساعته وأضاف: أنا همشي، محتاج أرتاح شوية، اليوم بكرة طويل، بعد إذنك ياهانم.
تحرك مبتعدا، بينما ظلت فايزة تراقبه بعينين دامعتين حتى اختفى من أمامها.
بينما خرج ياسين من باب الرعاية، واقترب منها يقول: أنا قولت لرشدي إننا هنمشي، انا تعبان ومرتحتش من امبارح وحضرتك كمان لسه تعبانه.
أومأت برفض: روح أنت، أنا هقعد شوية معاه.
تنهد ياسين وجلس القرفصاء أمامها، قائلا بنبرة حنونه: قعادك هنا ملوش لازمة، ارتاحي النهارده، وتعالي بكرة اقعدي معاه زي ما إنتِ عايزة، وهو كويس، دي اصابه في كتفه يعني يا ماما.
نظرت نحوه وتسألت: هو مش هيروح معانا؟
هز رأسه نافيا وهو يتوقف: معتقدش، مستحيل يسيب مي دلوقتي، أنتِ شوفتيه عامل ازاى وهو واقف قدام أوضة الرعاية
أومأت بتفهم، ثم أضافت وهي تنهض ببطء: طب هدخل اسلم عليه واجيلك.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،10م.
دخل سليم الجناح، والتعب واضحا على ملامحه.
ما إن رأته ماسة حتى نهضت بسرعة تتساءل بلهفه وحزن: سليم! إيه اللي حصل؟ ومي عاملة إيه دلوقتي؟
أشار لها بيده أن تتمهل قليلا: استني بس...
جلس على الأريكة، وفك أول أزرار قميصه، ثم تناول كوب الماء الموضوع أمامه وارتشف منه عدة جرعات
قال بهدوء: مفيش جديد، زي ماقولتلك في التليفون، حد ضرب عليهم نار، رشدي كويس، لكن مي للاسف دخلت رعاية.
أتسعت عينها بخزن: يا نهار أبيض طب مين اللي عمل كده؟
هز رأسه: لسه محدش عارف.
تسالت باهتمام: طب الدكتور قال ايه عن مي؟
تنهد بتعب: قال لو عدينا ال24ساعه دول علي خير، يبقي عدت مرحله الخطر.
زمت شفتيها بحزن: ياروحي.
ساد الصمت للحظات، كأن الكلمة علقت في حلقه سليم، شد فكه بقوة، وخفض بصره لثواني طويلة، قبل أن ترتجف زاوية شفتيه ارتجافة خفيفة وهو يقول بخفوت: كانت حامل...
اتسعت عينها، بينما تابع: للاسف خسرت الجنين.
شهقت ووضعت يدها على فمها، وامتلأت عيناها بالدموع: يا حبيبتي، زعلتني اوي، دي زي بتحب الاطفال وكان نفسها تخلف ورشدي كان مخليها تأجل...
تنهد وهو يمرر يده على وجهه بنبرة مرتجفه: والله زعلت عليها جدا.
هزت رأسها بحزن بعينين تلمع بدموع: وأنا كمان، مي متستاهلش أي حاجة من اللي بتحصل فيها، مش عشان جوزها راجل مجرم وقذر تدفع هي التمن...
صمتت قليلا ثم أكملت وهي تقضم وجهها: هقولك على حاجة، لما عرفت خبر الحادثة وقريت الأخبار، حسيت بالخجل من نفسي.
رفع عينيه إليها متعجبا: ليه؟
تنهدت وهي تقضم وجهها بحزن اكبر وانزعاج: عشان كنت بحاول أوجعه من خلالها، كنت عايزة أوصلها حاجات وأحركها ضده وأخلي حياته جحيم، مش عشان أنقذها منه، لا عشان أنتقم منه واعيشه اللي عمله فيك وفيا زي متفقنا.
صمتت لحظة ثم أكملت: بس بعد اللي حصل، فهمت إن مي ضحية زينا، ذنبها الوحيد إنها حبت واحد ميستهالهاش، لو كنت كملت في اللي بفكر فيه كنت هبقى زيه بالظبط، بتشطر على أضعف طرف في القصة، كنت هتحول لواحده شيطانه وأنا مش واخده بالي...
ظل ينظر إليها للحظات بصمت، بينما تابعت بحكمه: يمكن اللي حصل كان رسالة!
تسأل: رسالة لمين؟
تابعت بنبرة ضعيفه: ليا... وليك... ولرشدي.
رفع حاجبيه باستغراب، فأكملت على ذات الوتيرة: رسالة ليا اني مكملش في الفكره المجرمه والشيطانيه اللي انا كنت بفكر فيها، ورسالة ليك إنك تبعد عن أي حاجة تخليك تفقد ضميرك وانسانيتك وانت بتنتقم، ولرشدي يمكن يفهم أخيرا إن أفعاله بيدفع تمنها الناس اللى حبهم.
هز رأسه موافقا: المهم دلوقتي إنها تقوم بالسلامة..
ثم غير الموضوع، وهو يضع يده على بطنه: بقولك إيه، أنا جعان أوى، ووحشني أوى أكل من أيدك.
ضحكت رغم حزنها ضحكت: بس كدة من عيوني.
همت بالتحرك لكنه امسك يديها: رايحه فين؟! اكيد مش هتعملي دلوقتي، خليها بكره، انت بس اطلبي العشا، اي حاجه خفيفه نأكلها
أومأت: حاضر
نهضت وهي تمسك الهاتف بين يديها ثم قالت بانزعاج: انا مش عارفه في ايه؟! الدنيا فجاه اتقلبت، حوار شاهين وآلاء ومصطفى من ناحية، واللي حصل لرشدي ومي من ناحية تانية، حاسة الدنيا متلخبطة خالص من يوم الحفلة وكل يوم فيلم اكشن.
تمدد على الأريكة وأغمض عينيه بارهاق: ولا متلخبطة ولا حاجة، هي كلها حصلت في وقت واحد بس، بعدين موضوع شاهين ده تافه أصلا مش مستاهل.
طلبت الطعام، وجلست بجواره، فوضع رأسه على ساقيها مستندا إلى بطنها.
أخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعره برفق، رفع عينيه إليها وقال بابتسامة صغيرة: أنا مش برتاح غير هنا... في وطني.
ابتسمت بحب وانحنت تقبل جبينه: وأنا كمان.
وبعد قليل وصل الطعام، فتناولا العشاء معا في هدوء افتقداه لكن الهدوء لم يدم طويلا...
رن هاتف سليم التقطه ونظر إلى الشاشة ثم أجاب: أيوة يا مكي.
جاءه صوت مكي سريعا: أنا وصلت لحاجة مهمة جدا.
نهض فورا: طيب تعالى القصر حالا.
أغلق الهاتف ونظر إلى ماسة: مكي وصل لمعلومات.
اتسعت عيناها: فعلا؟
اوما: أيوة.
ماسة: الحمدلله كمل اكلك طيب..
امسكت الشوكه وقدمتها له، تبسم وهو يتناولها ثم وضع قبله على يدها..
بعد نحو ساعة وصل مكي.
استقبله سليم بنفسه، ثم تحركا معا إلى إحدى الغرف الجانبية في الطابق العلوي.
وقبل أن يدخل أغلق الباب خلفه، وأوصى عشري بالمراقبه.
استدار إلى مكي مباشرة وقال بجدية: عرفت مين اللي عملها؟!
فتح مكي الهاتف من إحدى الزوايا وأظهر له مقطع الفيديو.
ظهر به تمساح يصعد إلى إحدى السيارات، التي انطلقت به مرسعه وكأن بها أحد بانتظاره.
سليم بانزعاج: مفيش حاجة باينة من شكله.
أجابه بتعقل: أيوه، بس رقم العربية باين.
زفر سليم وابتعد يلوح بيده باختناق: أكيد لوحة جايبينها من أي عربية مسروقة أو خرده، الموضوع مقفول.
هز مكي رأسه معترضا: مش مقفول، أنا كلمت عرفان علطول واشتغلنا سوا طول اليوم علي خط سير العربيه في الكاميرات.
سأله باهتمام: ووصلتوا لحاجه؟
اومأ برأسه: مش بالظبط، بس هو فضل ماشي بالعربيه لحد ما وقف في حته معينه، وبعدين سابها ونزل، وشوية جه حد اخدها.
هز رأسه: وبعدين؟ مين الحد دى وصلتوله؟
اوما بتأكيد: أه جبناه، كان وشه باين في الكاميرا وعرفنا نوصله بسهوله، طلع واد ميكانيكي كان مأجر منه العربيه ببطاقه مضروبه ومفهمه إنها بتاعة جوز اخته.
زفر باختناق وتساءل: طب الواد التانى بعد ماساب العربيه متابعتوش وصل لفين من الكاميرات؟
اومأ مؤكدا: طبعا تابعنا، ودوخنا وراه، فضل يلف كتير لحد ما دخل في حته عشوائيات كده مفيهاش كاميرات، حاولنا نشوف الطريق من بعدها لقيناها بتطلع علي كذا طريق، يعني إحنا قدامنا احتمالين، يا يكون موجود في المنطقه دى، ودى آخر نقطه وصلها، يا هيدخل يغير جوه ويخرج منها، وساعتها هيبقي صعب نرصده تانى لأننا منعرفش شكله.
زفر سليم باختناق: إحنا بنلف في دايرة مقفوله يا مكي!
اوما باعتراض: مش مقفوله ولا حاجه، هو واضح إنه بيشتغل لوحده علشان كده عمال يغلط كتير، عرفان بعت رجالته في المنطقه اللى انقطعت فيها الكاميرات علشان يحاول يطلع باى معلومه عنه، وكمان الواد الميكانيكي شاف وشه بس ميعرفش اسمه، وعرفان شغال معاه، فاستني ونشوف هيوصل لايه.
اوما برأسه أخيرا: ماشي يا مكي تابع معاه، وفتح عينك في التسجيلات الفترة دى، خصوصا مع عماد.
أومأ مكي بالإيجاب ثم سأله بعد لحظة: رشدي عامل إيه؟ هو ومي؟
تنهد سليم: إصابة في الكتف، لكن مي اللى حالتها صعبه لأسف.
صمت للحظة قبل أن يضيف بصوت أخفض: عارف، وأنا واقف هناك افتكرت الحادثة بتاعتي.
شرد بنظراته بعيدا وتابع بنبرة محشرجه: نفس الإحساس، ونفس التفاصيل تقريبا، رغم كل السنين دي، أنا لسه متخطتش اليوم ده
ابتلع غصة مؤلمة وواصل بعينين تلمع بدموع: لحد دلوقتي عايش في اللحظة اللي شوفت فيها ماسة بتطعن وأنا مش قادر أساعدها، واللحظة اللي خسرت فيها بنتي، انا مستحيل انسى او اتخطي اليوم ده...
قبض على يده بقوة بعينين غامت بسواد: غير لما أوصل للي عمل كده وأقتله بإيدي.
نظر له بتأثر، واقترب يربت على كتفه بصمت لا يعلم ماذا يقول، ولا يملك كلمات كافيه لمواساته.
على اتجاه آخر.
دخل ياسين الغرفة، فنهضت لوجين فور رؤيته تتساءل بلهفة: طمني يا ياسين، مي عاملة إيه؟
خلع سترته وألقى بها على المقعد ثم جلس بإرهاق: الحمد لله، خرجت من العملية، بس لسه في الرعاية.
أطلقت زفرة طويلة وهي تضع يدها على صدرها: الحمد لله، والله أنا مش قادرة أستوعب اللي بيحصل ده كله.
أغمض عينيه للحظة ومسح وجهه بكفيه: لوجين، من فضلك، أنا مش قادر اتكلم دلوقتي في أي حاجة.
اقتربت منه بقلق: مالك؟
رفع عينيه إليها وقد بدا عليه التعب بوضوح: حصلت حاجات كتير النهارده أكتر مما تتخيلي، واللي عرفته كان فوق احتمالي بجد.
جلست على يد المقعد، تربت على كتفه بحنان: شكلك شايل حاجة أكبر من موضوع رشدي نفسه.
ضحك بسخرية مريرة: لو تعرفي بس...
ثم هز رأسه وأكمل: بس مش دلوقتي، أنا محتاج أرتاح شوية.
احتضنته وربتت على ظهره: طب تعالى ارتاح، وأنا هطلب العشا.
ابتعد عنها قليلا ثم سأل: نالا فين؟
زمت شفتيها: عند هبة، خدتها الصبح ومن ساعتها مرجعتش، وأنا بصراحة مخرجتش من الجناح غير لما قعدت مع ماسة شوية...
أومأ برأسه نهض: تمام، هروح أطمن عليها وأرجع، اطلبي الأكل على ما أجي.
توقفت وتحرك خطوتين، ثم توقف فجأة والتفت إليها: لوجين... بقولك إيه.
لوجين: نعم؟
نظر إليها بجدية غير معتادة: لو حصل أي حاجة معاكي، أي حاجة، متخبيش عني.
عقدت حاجبيها باستغراب: حاجة زي إيه؟
رفع كتفه: أي حاجة، لو أي حد ضايقك أو عملك حاجه، تيجي تقوليلي فورا.
حدقت فيه باستغراب أكبر: إنت بتخوفني ليه يا ياسين، فيه ايه؟
اقترب منها وأمسك يدها: مش قصدي أخوفك، بس عايزك تعرفي إنك مش لوحدك، وأي حاجة تسمعيها أو تعرفيها، اسأليني عنها مباشرة ووعد اني هقولك الحقيقة.
لوجين: طب ما تفهمني في إيه؟
تنهد ببطء: في حاجات كتير لازم تعرفيها، وحاجات كنت ناوي أقولها من زمان.
تساءلت بتعجب: زي إيه؟
صمت ثواني ثم قال: حاجة تخص شغلنا زمان.
هزت راسها بعدم فهم: مش فهمه حاجة؟!
ابتسم لها ابتسامة مرهقة ومسح على خدها: بكره نتكلم.
ردت بقلق: كده مش هعرف أنام.
تبسم ومسح على خدها: متخافيش مفيش حاجة، يلا اطلبي الأكل، وأنا هروح أطمن على نالا وأرجع.
هزت رأسها موافقة، بينما غادر هو متجها إلى الجست هاوس، وقلبه مثقل بما لم يعد قادرا على حمله وحده.
الجست هاوس.
جلست هبة في الريسبشن تقرأ مجلة وتستمع إلى موسيقى كلاسيكية هادئة، بينما كانت نالا ممددة على الأريكة بجوارها، تضع رأسها فوق قدميها.
بعد قليل تعالي طرق الباب، فذهبت الخادمه لتفتح.
دخل ياسين، وتسألت الخادمة بالإنجليزية: تحب تشرب حاجه؟
اومأ برفض: لا، شكرا، روحي أنتِ.
اتجهت عيناه نحو نالا النائمة، فاقترب منها، وانحنى يقبل رأسها: وحشتني أوي، كنت عايز أشوفها.
هبة: لو كنت جيت بدري شوية كنت لحقتها قبل ماتنام.
اومأ برأسه، ثم اعتدل في وقفته: مش مشكله هبقي اجيلها الصبح، المهم كنت عايز أتكلم معاكي شوية يا هبة.
هبة: خير؟
أشار برأسه نحو الخارج: تعالي نتكلم برة.
أومأت بالموافقة، ونادت للخدامه تعطيها نالا لتضعها بفراشها، ثم خرجت معه إلي الحديقة.
تساءلت: مي ورشدي عاملين إيه؟
تنهد: رشدي كويس الحمد لله، مي هي إللي حالتها صعبة شوية.
ردت بهدوء: ربنا يقومها بالسلامة، عرفت دلوقتي ليه كنت بقولك إن إحنا في خطر؟
نظر لها بجدية حاسمة: الخطر بره القصر يا هبة، لكن طول ما أنتِ هنا محدش يقدر يقربلك.
صمت يبتسم بتهكم فور تذكر ما سمعه من سليم، قبل أن يأخذ نفسا عميقا ويتساءل: بقولك يا هبة، زمان قبل الطلاق وقبل مانبعد عن بعض، أنتِ اتغيرتي معايا فجأة، التغيرات دي كان سببها إيه؟ يعني إحنا كنا بنحب بعض ومتفاهمين، ليه وصلنا لهنا؟ كان فيه حاجة؟!
عقدت حاجبيها: حاجه ايه؟ وإيه إللي فكرك بالكلام ده دلوقتي؟
أجابها: عايز أسألك سؤال، وتجاوبيني بصراحة.
أومأت: اتفضل.
نظر إليها مطولا قبل أن يقول: حد هددك؟
اتسعت عيناها بدهشة قبل أن تضحك بسخرية: يهددني؟ لا طبعا محدش يقدر يعمل معايا.
ثم تساءلت بتعجب: بس أنت ليه بتسأل السؤال ده؟
اشاح بنظره بعيدا: كنت بفكر، يمكن التغير المفاجئ ده مكانش منك، أو حصلت حاجه وأنا معرفهاش، خصوصا إن علاقتك أنتِ والهانم الفترة الأخيرة كانت سيئة جدا.
تبسمت بسخرية ساخطة: أنا عمري ماخوفت من حد يا ياسين وأنت عارف ده كويس، وإذا كنت متحملة الوضع ده، فعلشان مش عايزه بنتي تعيش وسط مشاكل وصراعات أكبر منها.
هزت رأسها وأكملت: لكن لو حد فكر يهددني أو يضغط عليا، صدقني هعرف اوقفه عند حده فورا.
صمتت لحظة قبل أن تتابع بهدوء: وإللي حصل بينا كان نهاية طبيعية جدا للوضع إللي وصلناله، إحنا فعلا كنا شبه بعض زمان، لكن مع الوقت كل واحد فينا بقى شخص مختلف، عنده أفكاره وطموحاته وطريقه الخاصه، إحنا اتجوزنا وإحنا صغيرين أوي ويمكن دي كانت غلطة، بس الإنسان بيتعلم من أخطائه وينضج مع الوقت.
نظرت إليه مباشرة وقالت بثبات: فأطمن، محدش من عندك عملي حاجة، ومحدش أصلا يقدر يعملي حاجه..
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه: فعلا، أنا غبي إني أسأل سؤال زي ده، أصل هخاف علي مين برضو؟ أنت يتخاف منك مش عليكي يا هبة.
عقدت ذراعيها بغرور: كويس إنك عارف.
أخرح نفسا طويلا: المهم حاولى تقللي خروجك من القصر الفترة دي، لحد مانعرف مين ورا إللي حصل.
اومأت بصمت، فتابع بتنييه: ولو حصل أي حاجة مهما كانت صغيرة، تيجي تقوليلي فورا.
زفرت بملل: حاضر يا ياسين، اى أوامر تانيه؟
هز رأسه: لا خشي للبنت.
مرت ساعات الليل بهدوء واستسلم الجميع للراحة بعد يوم طويل ومرهق.
لكن رشدي كان حاله مختلف تماما...
مر عليه الليل طويلا، ولم يغمض له جفن، رغم الألم الذي كان ينهش جسده، والجرح الذي مازال ينزف داخله قبل خارجه، لم يغادر مكانه ولو للحظة.
ظل جالسا أمام الزجاج، يراقب مي المستلقية بلا حراك بين الأجهزة، وعيناه معلقتان بها وكأنه يخشي إختفائها إن اشاح نظره عنهما لحظة واحدة.
كان يعد الدقائق والثواني ببطء مؤلم، ينتظر مرور الساعات ال24ساعة التي أخبره الطبيب عنها، ويتمسك بأمل واحد فقط... "أن تنجو"
في صباح يوم جديد بالقصر.
كان سليم يسبح باحترافية داخل المسبح، بينما جلست ماسة على أحد المقاعد القريبة ترتدي فستانا بسيطا، وبجوارها كوب من العصير.
وفجأة رن هاتف سليم، فنظرت إليه قائلة: سليم مصطفي بيرن..
بدأ يسبح نحوها، بينما ردت هي: إيه يا دكتور، عامل إيه؟
أجابها: الحمد لله يا ماسة، إنتِ عاملة إيه؟
ردت: الحمد لله، كويسة.
سألها: سليم فين؟
ردت بهدوء: جنبي أهو، قولي، آلاء وعائشة عاملين إيه؟
أجاب بعجل: الحمد لله كويسين، اديني سليم عايزه في حاجه مهمه.
عقدت حاجبها، وناولت الهاتف لسليم الذي جلس يجفف وجهه بجانبها: إيه يا دكتور أخبارك إيه؟
جاءه الصوت جادا: تمام، فيه حاجة كبيرة حصلت.
عقد حاجبيه:حاجة ايه؟
أجابه بقلق: أعتقد انتوا اتكشفتوا..
اعتدل في جلسه يتساءل بجدية: اتكشفنا ازاى؟
انتبهت ماسة للكلمه، بينما تابع مصطفي مفسرا: وأنا بشوف التسجيلات لقيت واحدة خدامة اسمها مفيدة، بتقول لوالدتك إنها شافتك أنت وماسة مع بعض، هبعتلك التسجيل حالا.
أغلق المكالمة، فنظرت له ماسة بتوتر: فيه إيه يا سليم؟!
أبتلع ريقه: مش فاهم استنى بس.
وبعد لحظات وصل التسجيل، فاستمعا إليه معا،تسعت عينا ماسة بصدمة، ووضعت يدها على فمها:يا نهار أسود...
ثم قالت بندم بعينين دمعتين: أنا آسفة يا سليم، بجد. أنا السبب.
تراجعت خطوة للخلف وهي تهز رأسها:أنا غبية مش عارفة إزاي سمحت بده يحصل.
نظر إليها باستغراب: بتقولي كده ليه؟
بأختناق وغضب من نفسها: عشان أنا السبب في إللي حصل لو ماكنتش هزرت معاك على السلم ماكنش كل ده حصل أنا حقيقي أسفة.
أمسك يديها وأوقفها أمامه:ماسة، ماتقوليش على نفسك كده. إنتِ ماعملتيش حاجة.
بشعور بذنب: بس والدتك عرفت إننا كويسين مع بعض.
ابتسم ابتسامة هادئة وهو يسمح على خدها: وإيه المشكلة؟ بالعكس، دلوقتي أكيد بقت خايفة، خايفة أكون عرفت الحقيقة أو بدأت أصدقك.
نظرت باستغراب: يعني الخطة مافشلتش؟
اومأ لها بذكاء لا، بالعكس،ممكن تكون خدمتنا أكتر مما نتخيل.
نظرت إليه بتردد: إزاي؟
اومأ هو يمد وجهه بعدم معرفة: لسه مش مرتب كل حاجة في دماغي، لكن متأكد إن إللي حصل ده نقدر نستغله لصالحنا..
أكمل هو يعود بخصلات شعرها للخلف: وبعدين، إنتِ فاكرة إني ماكنتش عامل حساب إن حد يشوفنا؟ أنا حاسب لكل خطوة..
احتضنها مطمئنًا: طول ما أنا موجود، مافيش حاجة تخوفك.
ثم رفع هاتفه واتصل بأحد رجاله: يا مكي، عارف مفيدة؟
تابع بنبرة لها معنى: وديها على اوضه التأديب خليك مستني، وأنا جايلك بعد شوية.
تسالت بقلق: هتعمل إيه؟
نظر إليها مبتسما: سيبيها عليا.
ثم لاحظ ملامحها المنكمشه فقال: إيه الوش المكشر ده؟ وخايفة ليه كده؟
وقبل أن ترد، حملها فجأة. شهقت: سليم! بلاش جنان هايشوفونا.. بلاش جنان
وضحك وهو يتجه نحو المسبح: أيوه، مجنون.
وفي اللحظة التالية قفز بها إلى الماء، صرخت وهي تضحك: إنت مجنون فعلًا!
اقترب منها وهو يضحك بثقة: بطلي خوف مافيش حاجة باظط مش واثقه في جوزك..
تبسمت بثقة وأومأت بإيجاب، اقترب منها سليم، ثم ضم وجهها بين كفيه برفق، وأخذ يلاعب أنفه بأنفها وهو يقول بابتسامة: يبقى خلاص يا ماستي الحلوة.
ظلت تنظر إليه بعينيها اللامعتين، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.
فمال نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها، ثم جذبها إلى حضنه، يضمها إليه بقوة وكأنه يريد أن يبدد ماتبقى داخلها من خوف وقلق.
وظلت بين ذراعيه تستمد منه ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعد تجده إلا معه.
على اتجاة اخر.
وقف عماد في الشرفة يدخن سيجارته بتوتر، ويحاول الاتصال بتمساح، لكن هاتفه كان مغلقا،ضغط على فكه بضيق، ثم التفت للخلف يتأكد أن صافيناز مازالت نائمة تحت تأثير المهدئات،ثم أخرج محفظته، وفتح بطانتها الداخلية بحذر، وسحب منها شريحة هاتف مخفية، أخرج هاتفا آخر، أدخل الشريحة فيه وانتظر قليلا حتى التقط الشبكة، بعدها تحرك إلى أبعد نقطة في الشرفة وضغط على أحد الأرقام، وما إن جاءه الرد حتى قال بصوت منخفض: أيوه يا سارة.
جاءه صوتها يحمل القلق: إيه يا عماد؟ كل ده؟ قلقت عليك.
زفر بضيق: أعمل إيه؟ كنت مستنيها تنام والدنيا تهدى شوية عشان أعرف أكلمك.
تساءلت بقلق: طب إيه الأخبار عندك؟
أجاب بضجر: لأسف قام منها، عامل زى القطط بسبع ارواح، والزفت التاني اللى اسمه تمساح قفل تليفونه من ساعتها، ومش عارف اوصله.
تساءلت: طب وهتعمل ايه، هتحاول تخلص علي رشدي تانى؟
هز رأسه سريعا: أكيد مش هغامر دلوقتي، الحراس مترشقه في كل شبر في المستشفي وعيونهم مفتحه.
تسألت: أومال عايز تمساح ليه تانى؟!
اجابها بنبرة قاتمه: لازم اخلص منه، لأنه الشاهد الوحيد عليا وشافني، يعني لو وصلوله قبلي أنا كده انتهيت.
ردت بسخرية متهكمه: إنت غبي بصراحة، يعني حد قالك تروح بنفسك؟
عماد بانفعال: مكانش قدامي حل غير ده، الوسيط رفض يتدخل.
زفرت بضيق: خلاص ياعماد خليك وراه، أكيد هيظهر، مش هيفضل مختفي يعني، وبعدين هو مش له لسه فلوس معاك؟
تنهد قائلا: آه.
قالت ببعض الاطمئنان: يبقي اكيد هيظهر يطالب بيها، ساعتها بقي خلص عليه.
زفر باختناق: مش عارف يا سارة، أنا عايز أخلص من كل ده، حاسس ان الموضوع كل مدى بيكبر وبيسوء..
أجابته بهدوء: ولا بيكبر ولا حاجه يا عماد، أنت بس اللى قلقان بزياده، تمساح طالما انت مش عارف توصله يبقي هما مش هيوصلوله قبلك، أنت سابق بخطوة، ركز بس معاهم وشوف بيتحركوا ازاى علشان تبقي متابع.
تنهد بتوتر: أكيد هعمل كده، لحد ما اشوف اخرتها مع الزفت التانى.
أغلق معها وظل واقفا مكانه، يشعر بالتوتر ينهش أعصابه.
أعاد الاتصال بتمساح مره اخري، فوجد الهاتف لا يزال مغلقا، فضغط على أسنانه بغضب، وشعر لأول مره منذ سنوات، أن الأمر بدأ يخرج عن سيطرته.
باقي الفصل بكرة
تفتكرو عماد هيعمل ايه