
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الخامس والثلاثون 35 ج 2 بقلم ليله عادل
المستشفي،11ص
اقترب الطبيب ومعه عدد من الممرضات، فانتفض رشدي واقفا فور رؤيتهم.
دخلوا إلى غرفة العناية، وبدأوا بفحص الأجهزة والمؤشرات الحيوية، بينما ظل رشدي واقفا خلف الزجاج، يتابعهم، مرت دقائق بدت له دهرا كاملا قبل أن يرفع الطبيب رأسه وينظر إليه بابتسامة.
تجمد رشدي لثانية، وهبطت دمعة حارة من عينه بإبتسامة صغيرة، فقد فهم الرسالة.
خرج الطبيب بعد دقائق، فتقدم إليه رشدي بسرعة، والإرهاق ظاهرا عليه بشدة، وكأنه لم يعرف النوم منذ أيام، تسأل بلهفة: مي عاملة إيه يا دكتور؟
ابتسم: الحمد لله، مدام مي عدت مرحلة الخطر.
نهض راشد على الصوت وتساءل بلهفة: بجد يا دكتور؟ بنتي بقت كويسه؟
اومأ وتابع بعمليه: ايوه، لكن طبعا هتفضل تحت الملاحظة في العناية خلال الأيام الجاية.
سأله رشدي بخوف: ليه، هي مش خلاص بقت كويسه؟
هز رأسه بهدوء: هي عدت مرحلة الخطر اه، لكن لسه متعافتش، فالأفضل حاليا إنها تفضل نايمه بالأدوية اللى بتاخدها، لحد ماعلامتها الحيوية تستقر أكتر، الإصابة بتاعتها مكانتش سهله ابدا، والمهم إنها عدت الخطر.
راشد بقلق: طب هتفضل قد إيه على الوضع ده؟!
أجاب: علي حسب استجابتها للعلاج.
رشدي بصوت خافت: أنا عايز أشوفها.
رفع حاجبيه مبتسما: مش مكفيك إنك واقف قدام الإزاز من إمبارح؟
لم يبتسم، بل كرر بصوت مكسور: عايز أدخلها جوة.
اومأ بالموافقة: ماشي هخليك تشوفها، بس تروح مع الممرضه الأول تغير علي الجرح بتاعك وتلبس لبس التعقيم.
كاد أن يعترض ولكن قاطعه الطبيب بحزم: مفيش اعتراض، انت من امبارح رافض اي تدخل، ومينفعش تدخلها وجرحك مش متعقم، أنت عايز تأذيها؟
هز رأسه بضعف، بينما قال راشد: طب أنا ينفع ادخلها يادكتور؟
نظر إلى راشد: هتدخلوا أنتم الاتنين تشوفها، 5 دقايق بس، وطبعا ممنوع التلامس.
أومأ الاثنان بسرعة.
بينما كان قلب رشدي يخفق بعنف، فبعد ساعات طويلة من العجز والانتظار، سيصبح أخيرا على بعد خطوات منها.
التفت إلى راشد وقال بصوت خافت: أتفضل أنت يا عمي الأول.
نظر إليه راشد للحظات، ثم تحرك دون أن يرد، وبعد أن ارتدى ملابس التعقيم، دخل إلى غرفة العناية.
وقف بجوار ابنته يتأملها في صمت والدموع تلمع في عينه، فابنته الوحيده مستلقية بين الأجهزة، ساكنة على غير عادتها، شعر وكأن شيئا ينتزع قلبه ببطء.
رفع يده نحوها وكاد أن يلمسها ليطمئن قلبه أنها بخير، لكنه تذكر تعليمات الطبيب فتراجع واكتفى بالنظر إليها.
انحدرت دموعه رغما عنه وهو يهمس: قومي يابنتي متوجعيش قلبي عليكي، أنتِ مش عارفه أنا قلبي بيتقطع ازاى وأنا شايفك بالمنظر دى، يارتنى كنت موت قبل ماشوفك كده.
لم يستطع تمالك نفسه، وانفجر في البكاء حتى مر الوقت المحدد له و أضطر للخروج.
خرج وعيناه حمراوان من البكاء، بينما كان رشدي قد انتهى من ارتداء ملابس التعقيم.
نظر إليه راشد للحظة، ثم أشاح وجهه بعيدا دون أن يقول شيئا، أما رشدي فتحرك نحو الداخل بخطوات بطيئة مثقلة بالذنب والخوف.
وفور أن وقعت عيناه عليها، توقف مكانه، كأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة.
هبطت دمعة حارة من عينه، واقترب أكثر حتى أصبح بجوارها.
وقف ينظر إليها لثواني، عاجزا عن الكلام، بينما كانت عيناه تبوحان بكل شيء؛ من ذنب وقهر وندم.
خرج صوته أخيرا مكسورا على غير عادته: أنا آسف، آسف على كل حاجة عملتها معاكي، أنا السبب...أنا اللى كنت مقصود مش أنتِ، أنا إللي كنت المفروض ابقي مكانك هنا على السرير مش أنتِ، أنا إللي أستحق العقاب والوجع ده كله..
واصل بقهر مرير: كان نفسي العقاب يجي في أي حاجه، بس مش فيكي...
أبتلع غصة حادة وهو يطالع وجهها، بينما هبطت دموعه: أنا أذيتك كتير، وكذبت عليكي، وكسرتك أكتر من مرة، وأنتِ كل مرة كنتي بتسامحيني وتديني فرصة جديدة، فرصة ميستحقهاش واحد زي، كنت فاكر اني كدة شاطر، بس أنا كنت قذر لإني كنت بستغل ملاك زيك.
مسح دموعه وتابع بمرارة: ده أنا حتي مش عارف أطلب منك تسامحيني على إيه ولا على إيه؟! على خيانتي؟ ولا كدبي؟ ولا عصبيتي؟ ولا عالماضي القذر اللى بتدفعي تمنه دلوقت!
صمت لحظة يلتقط انفاسه، ثم تابع بنبرة مرتعشة: أنا كنت فاكر إن الحساب لو جه هيجي فيا أنا، مكنتش متخيل أبدا إنه هيعدي عليكي إنتِ كمان، ودوقت من نفس الكاس وعشت نفس الإحساس بالظبط..
ابتلع غصته وتابع بقهر: ابننا مات يا مي، مات من قبل حتى مانعرف إنه موجود، أنا معرفتش أحميه ولا أحميكي، ولا عرفت أبقى الراجل إللي يستحق واحده زيك...
أغمض عينيه للحظة طويلة، ثم فتحهما مجددا: خليكي قوية زى ما أنت قوية علطول وارجعي، أنا لسه عندي كلام كتير أوي لازم أقوله، وحاجات أكتر لازم أصلحها.
سقطت دمعة أخرى من عينه وهو يهمس: أرجعي بس، وأقسملك إني هقضي باقي عمري كله بحاول أصلح إللي عملته...
واصل بنبرة مريرة من بين دموعه: هصلي بجد، ومش هكدب عليكي وأقول إني بصلي وأنا مبصليش، وهتعالج وهروح المصحة زى ما أنتِ عايزة، ومش هشرب تاني، ولا هخونك تاني ابدا، هقطع علاقتي بكل البنات إللي أعرفها ومش هعمل الحاجات إللي بتزعلك مني تاني، هحب الحاجات إللي بتحبيها، وهروح الأماكن إللي نفسك تروحيها، وهسافر بيكي أي مكان نفسك تشوفيه.
أصبح صوته أكثر توسل وندم: هبدأ من جديد، وهكون رشدي إللي مي نفسها فيه، وحاربت علشان تكون معاه، بس أرجعي فتحي عينك وريحي قلبي إللي عمره ماحس بالمشاعر دي قبل كدة..
تنهد بصعوبة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلا عليه: أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده، أحس إني ممكن أخسر كل حاجة مرة واحدة...
تابع بتوسل: أرجعي علشان أعرف أطلب منك السماح وأنتِ سامعاني، وأصلح إللي كسرته بإيدي، يمكن أعرف أبص في عينك من غير ما أكره نفسي لإني عارف إن الدنيا بتخلص ذنوبي فيكي..
صمت لثواني طويلة، ثم نظر لها بابتسامه من بين دموعه: أول مره احس إني بحبك أوى كده، يمكن أول مرة أقولها وأنا فاهم معناها بجد، وأول مرة أخاف أوي كده إني أقولهالك ومتقدريش تسمعيها..
أخذ يبكي بحرقة للحظات، وكأن كل ماحبسه داخله خرج دفعة واحدة.
فتح الباب بهدوء، ودخلت إحدى الممرضات تقول برفق: لو سمحت يافندم، كفاية كده.
أومأ برأسه دون أن يلتفت إليها، ورفع يده سريعا يمسح دموعه، وقال بصوت محشرج: حاضر.
ركز النظر نحو مي، وظل ينظر إليها ثواني طويلة، وكأنه يحاول حفظ ملامحها في قلبه، ثم همس: أنا هفضل جنبك هنا، مش همشي ولا هسيبك لحظه لحد ماتفتحي عينك واطمن عليكي.
ابتلع غصته بصعوبة ثم أكمل: وصدقيني مش هسكت غير لما أجيبلك حقك إللي عمل كده، هدفع التمن حتي لو هيكلفني عمري كله، مش مهم، المهم أنتِ ترجعي.
مسح دموعه للمرة الأخيرة، ثم استدار وغادر الغرفة سريعا قبل أن تنهار مقاومته من جديد.
في الخارج... كان راشد واقفا أمام الزجاج، بالطبع لم يسمع شيئا مما قيل بالداخل، لكنه رأى دموعه، ورأى الانكسار الذي لم يراه يوما في ذلك الرجل.
وفور خروجه، اقترب منه، وقال بصوت أهدأ من السابق: متزعلش مني يارشدي على إللي حصل إمبارح، أنت أكيد فاهم أنا كنت عامل كده ليه.
رفع إليه عيناه المحمرتين من البكاء، وقال: أنا مش زعلان من حضرتك يا عمي، حضرتك ليك حق تعمل أكتر من كده، بس صدقني أنا مش ههدى غير لما أجيب حقها، بس أطمن عليها الأول.
نظر إليه طويلا قبل أن يسأل: مين ممكن يكون عمل كده؟
هز رأسه ببطء: معرفش، بس إللي أعرفه إن أنا المقصود مش هي.
تنهد راشد: يمكن الناس إللي فجروا المصنع؟ أو حد من أعدائكم عايز يتخلص منك، زي ماحصل مع أخوك زمان.
اغمض عيناه لحظه، ومر شريط طويل أمام عينه.
فما حدث لسليم لم يكن تخطيط من الأعداء، بل كان هو من رسم الخطه بنفسه، ووضع سلاحه في وجه السائق وأجبره على صدم سيارة أخيه، وحتي حينما ظهر المجهولون الذين اطلقوا عليه الرصاص وطعنوا ماسة، وقف يشاهد دون رحمة.
مرت المشاهد أمام عينيه تباعا، وكأن الماضي عاد يطالبه بثمن كل ما اقترفته يداه.
فتح عينيه أخيرا وقال بصوت خافت: مش عارف يا عمي، خليني أطمن عليها الأول، وبعدين أبقى أشوف.
هز رأسه: طب أرتاح شوية، أنت من إمبارح منمتش، كمان عشان دراعك..
نظر رشدي عبر الزجاج إلى مي، وقال بإصرار موجع: مش هرتاح غير لما تبقى كويسة.
ربت راشد على ظهره بصمت ووقف الاثنان جنبا إلى جنب يجمعهما الخوف والدعاء والنظرة المعلقة خلف ذلك الزجاج على فتاة تصارع الموت بينما ينتظر الجميع عودتها.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،11ص.
في إحدى الغرف البعيدة داخل الحديقه، كانت غرفة عادية تبدو كمخزن قديم، تتكدس فيه الأثاثات والأغراض.
وقفت مفيدة في منتصف الغرفة، وإلى جوارها مكي وثلاثة حراس، ظلت تنظر حولها بعدم فهم، وقلبها ينقبض شيئا فشيئا وهي تتساءل عن سبب وجودها هنا.
وبعد دقائق...
فتح الباب، ودخل سليم بهيبته المعتادة.
رفعت عينيها نحوه، فابتسم ابتسامة خفيفة: أتمنى مكونش اتأخرت.
سحب مقعدا وجلس أمامها خلف طاولة صغيرة غطاها الغبار، وظل الصمت مسيطرا على المكان.
صمت غريب، جعل مفيدة تشعر أن هناك شيئا خطيرا ينتظرها، لكنها لم تجرؤ على السؤال.
مرت لحظات طويلة، ثم قالت بتردد: خير يا سليم بيه؟ حضرتك عايزني في حاجة؟
ظل صامتا لثوان، ثم أخذ نفسا عميقا وأخرج مسدسه فاتسعت عيناها بخوف.
أما هو فبدأ بهدوء شديد يخرج خزنة المسدس، ثم أخرج عدة طلقات ووضعهم أمامها فوق الطاولة واحدة تلو الأخرى.
كانت حركاته هادئة بشكل مرعب، جلعت الخوف يتضخم بداخلها وهي تبتلع لعابها بخوف.
أمسك إحدى الرصاصات وقال: في لعبة اسمها الروليت الروسي، سمعتي عنها قبل كده؟
هزت رأسها بالنفي.
أكمل وهو يلف الرصاصة بين أصابعه: بتحطي رصاصة واحدة في المسدس، وتدوسي الزناد، وأنتِ وحظك يا تطلع يا متطلعش، بيقعدوا يلعبوا كده لحد ما واحد يموت والتاني يعيش.
ابتسم ابتسامة باردة: لعبة غبية أوي، عمري مافهمتها.
توقف لحظة، ثم رفع عينيه إليها: بس إيه رأيك نجربها سوا؟ يمكن اغير رأي واحبها.
تجمد الدم في عروقها.
رفع المسدس ببطء: يلا... نلعب؟
ضغط الزناد وأصدر صوت فارغ، فصرخت مفيدة وأهتز جسدها بالكامل.
أما سليم فانفجر ضاحكا: مالك؟ خوفتي ليه؟ أحنا بنلعب.
نظرت إليه برعب: حضرتك بتعمل كده ليه؟ أنا عملت إيه؟
أراح ظهره على المقعد وقال ببرود: بلعب يامفيدة، إيه مش عايزه تلعبي معايا؟!
ثم أشار إلى الرصاصات أمامه: لسه قدامنا كتير.
ازدردت ريقها بصعوبة، فاقترب منها قليلا وقال: بس بنسألي ليه، هو أنتِ عاملة حاجة غلط؟
هزت رأسها بسرعة: والله أبدا يا بيه، ده أنا عايشة من خيركم.
ابتسم ابتسامة خالية من المرح: عايشة من خيرنا؟
ثم مال للأمام: ولما أنتِ عايشه من خيرنا، ليه بقيتي عصفورة الفترة دى؟
ارتبكت: عصفورة؟!
اومأ بريبة: آه عصفورة.
هزت رأسها سريعا: أنا مقدرش أعم...
اتسعت عيناها وهو يشير بأصبعه: عيب يامفيدة، عيب تبقي ست كبيرة كده وكدابة.
بدأت الدموع تتجمع في عينيها: والله العظيم مش فاهمة حاجة.
توقف سليم وتحرك حتى توقف امامها، نظر إليها بصمت للحظات، يراقب ارتعاش يديها ونبض رقبتها السريع، ثم قال بصوت منخفض: عندك تلات عيال مش كده؟
شهقت، واومات برعب: ايو يا بيه...
تابع علي نفس ذات الوتيرة: وعندك أحفاد، صح؟
اومأت بنفس ذلك الرعب.
صمت لحظة، ثم أكمل: طب ما ايه رايك نجيبهم يلعبوا معانا، أكيد عمرهم مالعبوها قبل كده.
انحنت على ركبتيها وأمسكت قدمه: أبوس رجلك يا بيه، ملكش دعوة بعيالي.
رفع عينه بشراسته القديمة وقال كلمة واحدة: قومي.
ترجته بصوت مبحوح: حقك عليا يا بيه.
قال بأمر: قولت قومي.
أشار للحراس، فأمسكوا بها وأوقفوها، فقالت بتوسل وهي تضع يدها علي صدرها: خصيمك النبي يا بيه متأذيش عيالي..
نظر إليها ببرود: لو كنت عايز أذيهم مكنتش هستأذن، أنا بس حبيت اوريكي إيه إللي ممكن يحصل لو مجتيش معايا بالذوق.
أنهارت تبكي: والله هعمل كل إللي حضرتك عايزه.
هز رأسه: أنا عرفت إن كل إللي بيحصل في القصر بيروح لفايزة هانم.
رفعت رأسها ببطء: يا بيه...
واصل دون انقطاع: وعرفت إن إللي بيحصل بيني وبين ماسة كمان بيتنقل...
اشتد بكاؤها، أما هو فأكمل وهو يمد وجهه بلا مبالاة:
أنا كده كده مش فارق معايا إن حد يعرف إني قاعد مع مراتي..
توقف، ثم قال ببرود أخطر: لكن إللي يفرق معايا إني أحس إن فيه عين بتراقبني ولسان بينقل كلامي...
نظر لها مباشرة: دي اسمها قلة أمانة...ودي حاجه انا بكرها..
ثم أشار إلى عينيها وأذنيها ولسانها: عينك تبقى عمياء، وودنك متسمعش، ولسانك يبقى أخرس.
ارتجفت بقوة: حقك عليا يا بيه.
أشاح بيده بنبرة قاطعة: من النهاردة إللي هقولهولك هو إللي هيتقال.
اومأت بطاعة: حاضر.
تابع بتحذير: ولو فكرتي تنقلي كلمة واحدة، لفايزة هانم من إللي حصل دلوقتي...
ابتسم ابتسامة باردة: أنا هعرف ووقتها صدقيني مش هيبقى عندك فرصة حتى تندمي.
هزت رأسها بسرعة: حاضر يا بيه.
أشار نحو الباب: استني التعليمات، يلا أمشي.
تحركت مسرعة وكأنها تهرب من الموت، وما إن أغلق الباب خلفها حتى وضع سليم الرصاصه على الطاولة، في الحقيقة لم يكن قد وضع أي منها داخل مسدسه، لكنه قصد اللعب بعقلها لإخافتها.
اقترب منه مكي: دوست عليها جامد أوي.
أشعل سيجارة وأخذ نفسا طويلا: كان لازم، علشان تخاف وتحط لسانها جوه بوقها.
سأله مكي: وهتعمل إيه مع فايزه هانم؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة: هلعب معاها، بس بطريقتي.
على إتجاه آخر
جلس ياسين ولوجين في جناحهما، يحتسيان القهوة في هدوء بعد انتهائهما من تناول الفطور.
وضعت فنجانها وقالت بابتسامة خفيفة: مش هتقولي بقى كنت عايز تكلمني في ايه امبارح؟
تنهد ببطء: هقولك.
أخذ نفسا عميقا، وأراح ظهره على الأريكة: الحكاية بدأت من زمان.
التفتت إليه بأهتمام، أما هو فظل صامتا لثواني يجمع شتات نفسه، قبل أن يبدأ الحديث.
حكى لها كل شيء؛ عن حقيقة أعمال العائلة، وكيف لم تكن المجموعة سوى واجهة لسنوات طويلة، كما أخبرها عن التسجيلات التي سمعها، وعما فعلته عائلته مع ماسة.
كانت لوجين تستمع إليه وملامحها تزداد صدمة حتى انتهى أخيرا، وساد الصمت للحظات طويلة.
لوجين وهي تنظر إليه بعينين متسعتين: إيه اللي أنا سمعته ده؟ أنا دماغي مش قادرة تستوعب!
تنهد يمرر يده في شعره: ولا أنا.
لوجين بنبرة مهتزة: حقيقي سليم وماسة اتظلموا كتير أوي، ذنبهم إنهم حبوا بعض؟ إيه المشكلة لما تكون فقيرة؟ عمري ماتخيلت إن ممكن إخوات يعملوا في بعض كده؟
هبطت دموعها بتأثر، بينما كان هو ينظر إليها بصمت، يشعر باختناق يجثم على صدره.
ارتسم الازدراء على ملامح لوجين، وقالت من بين دموعها: سليم عنده حق يعمل اللى بيعمله وأكتر، وياريت لو يحرقلهم الفلوس إللي بسببها حرقوا قلبه هو وماسة سنين طويلة...
صمت لحظه، ثم عقدت حاجبيها بتساؤل: وبعدين أنت ليه مقولتليش حوار الآثار والسلاح دى قبل كده؟
اومأ بأسف: عارف إن كان المفروض أقولك على كل حاجة قبل مانتجوز، بس صدقيني أنا بطلت الشغل ده من زمان، من بعد جوازي من هبة بشويه، بس ده ميمنعش إني غلطت وكان لازم أقولك.
هزت رأسها: أنا مصدقاك يا ياسين.
رفع عينيه إليها فأكملت بهدوء: آه، كان نفسي أعرف منك من بدري، وكان نفسي تحكيلي بنفسك، لكن خلاص إللي حصل حصل..
أمسكت يديه وهي تكمل بإبتسامة: والحقيقة إللي قولتهالي دي مش هتغير أي حاجة مابينا؛ لإني بثق فيك ومتأكدة إنك بعدت عن كل ده، الإنسان بطبعه خطاء خصوصا لو الظروف هي إللي هيئتله ده، وللأسف الظروف كانت مهيئة ليك أنت وأخواتك، لأنكم اتولدتوا لقيتوا عيلتكم بتشتغل كده، بس أنت قوي يا ياسين إنك قدرت ترفض كل ده وتبعد عنه.
صمتت لحظة، وأضافت بعقلانية: وهبة من حقها تخاف، مش أي حد يقدر يسمع حاجة زي دي ويتقبلها بسهولة..
أومأ برأسه في صمت، فواصلت: بس إحنا دلوقتي مش بنتكلم عن هبة، ولا عن إللي حصل زمان، إحنا بنتكلم عن دلوقتي...
نظرت إليه مباشرة: أنت هتعمل إيه مع سليم؟
تنهد وهو يمد: مش عارف.
أخفض رأسه للحظة، ثم أكمل: أكيد مش هقف ضده..
صمت للحظة قبل أن يتابع بصوت مثقل: لكن في نفس الوقت، مش هقدر أقف أتفرج عليه وهو بيدمرهم، دول برضو أبويا وأمي وأخواتي.
زفر باختناق وهو يفرك جبهته: مش عارف اعمل ايه يا لوجين، حاسس إن دماغي فيها دوشه مش راضيه تهدي.
رفع عينيه إليها وقد بدا الصراع واضحا فيهما: قوليلي لو كنتي مكاني هتعملى ايه؟ لا قادر ألوم اخويا علي اللى بيعمله لأن اللى اتعمل فيه مش شوية، ولا قادر اشوفه بيقتلهم بأيده واقف اتفرج، قوليلي اعمل ايه؟!
حدقت فيه بنظرة هادئة عكس العاصفة التي تدور داخله: بص يا ياسين، الإمبراطورية دى كلها اتبنت على دم الناس ووجعهم، حتى لو فيها جزء حلال، فالجزء ده اختلط بالباقي لدرجة إنك بقيت مش قادر تفرق بينهم..
هزت رأسها وتابعت: علشان كده مش مستغربة إن سليم عايز يهدم كل ده، أصل هيحتاجها في ايه؟
عقد حاجبيه بتساؤل: تقصدي ايه؟
أشارت إلى نفسها ثم إليه: اقصد إننا نشتغل ونتعب ونبني إمبراطورية خاصة بينا.
ربتت على يده برفق: أنت عندك شركتك، نكبرها ونطورها، ونعيش منها بالحلال.
تساءل بتعجب: يعني أنتِ شايفة إني اسيب سليم يعمل اللى بيعمله واقف اتفرج؟
هزت رأسها بهدوء: لا، شايفة إنك تمنع الدم لو تقدر، لكن متحاولش تمنع الحق.
ظل صامتا لثواني يفكر في كلمتها، وقد بدأت ملامحه تلين قليلا، اومأ اخيرا: عندك حق، أنا مش هقف في وشه في أي حاجه عايز يعملها تخص المجموعه، إن شالله يهدها فوق دماغهم، أصلا مبقتش شايفها زى الأول...
شد فكه وأكمل بحزم: لكن مش هسمحله إنه يأذيهم، أو أشوف بيقتل فيهم واسكت، إلا الدم يا لوجين، إلا الدم..
مسحت على كتفه بدعم صامت، وتبادلا النظرات لثواني طويلة، قبل أن يلقي بنفسه بين أحضانها وكأنه يهرب داخلها من كل ما يثقل قلبه.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
مرت 3 أيام، لم يحدث فيهم جديد.
ظل رشدي مقيم في الاستراحة المقابلة للرعاية، يشاهدها من خلف الزجاج ليلا ونهارا، حتى يغلبه التعب فينام.
أما عائلة مي، فكانت تأتي وتذهب يوميا في معاد الزيارة.
عند لوجين، كانت نالا تتعامل معها بطريقة سيئة؛ لا تتحدث معها، وكلما حاولت الاقتراب منها، كانت ترد ببرود: "أنا عايزة أنام"، "أنا عايزة ألعب مع بابا"، ثم تبتعد عنها..
وبالطبع، لم تتوقف هبة عن بث السموم في عقل الطفلة، وإقناعها بأن لوجين سيئة، وأنها سبب ابتعاد والدها عنهما، وكانت تكرر عليها دائما "قولي لبابي أنا عايزة أرجع عند جدو زيدان"
وبالطبع لم يلاحظ ياسين تلك التغيرات لانشغاله في العمل علي شركته، والذهاب إلي المجموعة بشكل سوري كما اتفق مع سليم.
أما عماد، فكان اختفاء تمساح أكثر ما يثير جنونه، فظل يحاول الوصول إليه بشتي الطرق، كما أنه طلب من المحامي تجهيز الأوراق اللازمة لنقل كل ما تملك صافيناز إلى أولاده ليملك شيئا يأمن به نفسه إذا تأزم الأمر..
أما صافيناز، فكانت حالتها هي الأسوأ؛ فما زالت تستيقظ من نومها مذعورة، ولا تنام إلا تحت تأثير المهدئات، وكان واضحا أن هذه الأدوية تزيد من اضطرابتها النفسيه أكثر!
أما سليم وماسة، فظلت الأمور بينهما كما هي.
وفي المقابل، بدأت العلاقة بين آلاء ومصطفى تقترب أكثر من السابق، خصوصا أنه تولى جلسات العلاج الطبيعي الخاصة بها.
أما عائلة مصطفى، فظلت متواجدة معه في الفيلا.
ومحمود، ظل في المخزن كما هو.
بينما خرج عزت من الرعاية ودخل غرفة بعد ان استقرت حالتة
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
المرج،12ص.
دخل شاهين إلى الورشة كعادته.
كان رجل سليم يقف هناك في الجهة المقابلة من الشارع يراقب المكان من سيارته، وما إن رآه حتى أخرج هاتفه وأجرى اتصالا سريعا: أيوة يا باشا، العصفور وقع في المصيدة.
قصر الراوي
كان سليم وماسة يتناولان الإفطار في الحديقة الخارجية تحت البرجولة، وسط أجواء صباحية لطيفة.
وخلال ذلك اقترب مكي: صباح الخير.
رفع سليم: صباح النور، تعالي أفطر معانا.
هز رأسه نافيا: لا، فطرت مع الرجالة.
ثم تابع مباشرة: شاهين رجع.
ابتسم سليم بمرح: طب حلو، نعمله زيارة.
نهض من مكانه استعدادا للمغادرة، فنظرت إليه ماسة: طب كمل فطارك الأول.
ابتسم وانحنى يقبل رأسها بحنان: فطرت، كملي أنت يا عشقي.
ثم التفت إلي مكي: يلا بينا؟
اومأ له وتحرك الاثنان إلى الخارج.
وبمرور بعض الوقت.
كان شاهين يجلس خلف مكتبه يراجع بعض الأوراق بتركيز، وفجأة دخل سليم بهيبته المعتادة، وخلفه مكي وعدد من الحراس.
لم ينتبه إليه شاهين في البداية، لكنه رفع رأسه، علي حركه انتشار الحراس، وإخراجهم للعاملين في الورشه.
تجمد مكانه باستغراب، بينما تقدم سليم بابتسامه هادئة، وجلس على المقعد المقابل له براحة قائلا: قهوتي مظبوطة، عشان أنا بحب كل حاجة في حياتي تكون مظبوطة.
نظر له باستغراب أكبر: نعم.. أنت مين؟
أجابه بهدوء: أنا جايلك في كلمتين هقولهم ونخلص كل حاجة علطول.
عدل التمثال الصغير علي مكتبه مضيفا: كده احلي.
ثم نظر إليه وأصل بهيمنه: أنا كنت اقدر أبعت رجالتي يجيبوك لحد عندي، بس قولت بلاش ده راجل معلم كبير برضو ويعرف في الأصول، فقولت اجيلك بنفسي، مش بتقولوا برضو إن اللى بيجيلك بيجيب الحق عليك؟
نقر علي المكتب بأصابعه: يعني أنا كده ليا حق عندك.
هز شاهين رأسه: والله يا باشا أنا لسه برضو مش فاهم أنت عايز ايه؟
اعتدل سليم في جلسته وقال مباشرة: أنا جاي أخلص موضوع جوازك من آلاء.
تجمدت ملامحه لثواني، وادعي عدم الفهم: جواز إيه مش فاهم حاجة
أشار له سليم بأصبعه: تؤتؤتؤ، عيب يا جدو تكون راجل كبير وكداب.
ثم قلب عينيه فجأة: هتطلع الورق اللى معاك بالزوق، ولا اخلي رجالتي تطلعه منك بقلة الزوق.
نظر شاهين للرجاله، وابتلع ريقه بتوتر: آلاء مراتي، وأنا اتجوزتها بمعرفة أخوها.
هز سليم رأسه: لا مش مراتك، وأنت عارف كويس إن الجواز ده باطل.
تابع بسخرية: وبعدين مش عيب عليك يا جدو تتجوز واحدة قد أحفادك؟ قوم صلي وصوم وأعمل لآخرتك، أنت خلاص يومين وهنترحم عليك.
رفع نبرته فجأة: هات الورق.
اهتز شاهين علي صراخه وقال: الورقة مش معايا.
سليم بابتسامه بارده: بجد؟ هنشوف... مكي.
تحرك مكي فورا ناحية المكتب وأخذ مفتاح الخزنة، فانتفض شاهين يصيح: أنت بتعمل إيه أنت وهو، أوعى كده!
في اللحظة نفسها تقدم أحد الحراس وثبته من كتفه بقوة: أقعد مكانك...
فتح مكي الخزنة وبدأ يقلب في الأوراق الموجودة داخلها، حتى أخرج ملفا قديما: لقيتها يا سليم... أهي.
أخذ الأوراق منه ونظر إليها، ثم رفع عينيه نحو شاهين: يعني مزور وعينك ذايغة وكمان كذاب!
قلب الصفحات ثم ضحك بسخرية: ضحكت على محمود ب50ألف؟
شاهين باستهجان: أنا مضربتوش علي إيده.
هز سليم رأسه موافقا: عندك حق، مهو حقير زيك.
وفجأة أخرج ولاعة من جيبه وأشعل طرف الأوراق، شهق شاهين واتسعت عيناه: أنت بتعمل ايه؟ إحنا محل خشب!
نظر له سليم بلا مبالاة: إيه المشكلة؟ أهو بنمرنك لنار جهنم إللي هتولع فيها.
شاهين بتوتر والنار تلتهم الأوراق ببطء: طب كفاية كده، وطفيها.
لكن سليم ظل ممسكا بالأوراق حتى أحترقت بالكامل تقريبا، وكأنه يتعمد أن يريه أن مايملكه لم يعد له قيمة.
القي أخر جزء من الأوراق علي الأرض وضغط عليه بحذائة حتي تبدد تماما، ثم رفع نظره اليه قائلا بتحذير خطر: هقولك كلمتين تحفظهم كويس، آلاء ومحمود تمسح من ذاكرتك خالص، وانسي إنك قابلت ناس بالاسم دي.
أخرج ظرفا سميكا وألقاه فوق المكتب: وإذا كان على ال50ألف جنيه...اهم.
ابتسم سليم ببرود وهو يربت على وجنته: علشان تعرف إني حقاني، ومش باكل حق حد.
ظل شاهين ينظر إليه بصمت، بينما التفت سليم ليغادر، وأشار لحراسه، فتبعوه جميعا للخارج.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى2م.
جلس مصطف في المكتب يتحدث مع سليم عبر الهاتف، وعلى وجهه ابتسامة واسعة: بجد؟
استمع للحظات، ثم قال بسعادة: ماشي، شكرا جدا يا سليم، والله مش عارف أشكرك أزي؟!
ضحك بخفة وهو ينهض: هقولها حالا.
أغلق الهاتف وخرج مسرعا ينادي علي آلاء، فأخبرته الخادمه أنها تجلس مع اسرته في الحديقه.
اومأ لها، وخرج مسرعا، يقول بصوت مرتفع: مبروك يا لولو.
التفتت إليه باستغراب: مبروك على إيه؟
اقترب يقول بمرح: خلاص موضوع شاهين والجواز انتهى.
نهضت تهتف بفرحه: أنت بتتكلم جد؟
وقف أمامها وقال بابتسامه: اه والله، سليم لسه قافل معايا حالا، وقالي إنه راحله وخلص كل حاجه وحرق الورق بتاع الجواز والوصولات اللى كان كاتبها محمود كمان.
وضعت يدها علي فمها بعدم تصديق ودموع الفرحه تلمع في عينيها: الحمد لله! والله مش مصدقه نفسي!
اومأ بمرح: مش مصدقه ليه يا بنتي، سليم الراوي بنفسه بيقولك إن شاهين اتمحي من ذاكرته إن فيه ناس اسمهم آلاء ومحمود عدوا عليه أصلا.
شعرت بسعادة كبيرة، وهي لا تصدق أن هذا الكابوس انتهي بالفعل، وفجأة، القت بنفسها بين أحضانه بتلقائية من فرط سعادتها، وهي تقول بصوت مرتجف: بجد شكرا، شكرا، مش عارفة أقولك إيه، أنت أنقذت حياتي.
اتسعت عيناه للحظه من الصدمة، لكنه سرعان مارفع ذراعيه وضمها إليه دون تفكير، لم يكن يعرف سبب ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحه وهي بين أحضانه، حتي هي احتاجها شعور دافئ لم تختبره من قبل.
انتبه الجميع ونظرا لهم باستغراب، مرت بضع ثواني في صمت، قبل أن تدرك فجأة مافعلته.
ابتلعت ريقها بتوتر، واتسعت عيناها من الخجل، ثم ابتعدت عنه بسرعة وكأنها أفاقت لتوها من غفلة.
أنزلت رأسها إلى الأرض، وعجزت عن النظر إليه، بينما احمر وجهها بشدة وهي تعبث بأصابعها في ارتباك، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها الآن من فرط إحراجها.
حاول مصطفى تغيير الموقف سريعا، فصفق بيديه قائلا: طب بمناسبة الخبر الحلو ده، هروح اعملكم عصير بموز باللبن.
قال كلماته وتحرك مسرعا، بينما جلست آلاء تشعر بالتوتر والخجل وهي تعبث بطرف طرحتها.
تابعت عائشة المشهد وهي تبتسم بخبث، ثم مالت علي نبيلة وهمست في أذنها: شكل ابنك طب يا نبيلة.
اختلست نبيلة نظرة نحو آلاء ثم قالت بابتسامه: طب أسكتي علشان أمها.
ضحكت عائشة وهي ترفع يديها باستسلام.
قصر الراوي،3ع.
جلست صافيناز على طرف الفراش، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين كأنها تبحث عن مخرج داخل رأسها.
بينما جلست فايزة أمامها، تمسك يديها بانزعاج: إيه إللي إنتِ فيه ده يا صافي؟! إيه المنظر ده؟ كأني شايفة واحدة مشوهة مش صافيناز!
ضغطت علي يدها، وتابعت بنبرة أكثر حدة: إنتِ أقوى من كده، إزاي تخلي موضوع عبيط زي ده يعمل فيكي كده؟ إخواتك حلوا الموضوع وكل حاجة انتهت، دي ماسة إللي اتعمل فيها أكتر منك بتروح وبتيجي ومفيش حاجة كسرتها، وإنتِ صافيناز الراوي بنت فايزة رستم آغا تبقى بالضعف ده!؟
رفعت عينيها بصعوبة، بنظرة مكسورة، ردت بصوت مهتز: بس هم ضربوني... وعايزين يقلعوني... كل الناس شافتني وأنا بتضرب... وملفوفة في الملاية، اتفضحت..
شدت على يديها أكثر: كل الكلام ده اتكذب! فوقي بقي
ارتجف جسدها فجأة، وابتعدت للخلف وهي تصرخ بخوف: سيبوني... أمشوا بقى!
تجمدت فايزة لحظة ثم سألتها بذهول: هم مين دول؟ مفيش حد هنا غيري!
كانت صافيناز تلتفت حولها بذعر، وكأنها ترى أشياء لا يراها أحد: عايزين مني ايه، ابعدووا...
اقتربت فايزة منها بسرعة، تحاول تهدئتها: مفيش حد يا صافي، فوقي بقى!
لكن صافيناز ظلت على ذعرها وهي تدفع يديها بعيدا عنها، وكأن كلمات فايزه لم تصل إلي عقلها قط.
في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل عماد يقول بنبرة رسمية: مساء الخير يا هانم.
التفتت إليه بسرعة، وقالت بعصبية: إنت إزاي سايب صافيناز توصل للمرحلة دي؟!
أجابها بهدوء: أعمل إيه طيب؟ أنا جبت دكتور وكشف عليها، وبتاخد علاجها، بس هي مش قادرة تنسى إللي حصل.
تنهد قليلا ثم أضاف بتمثيل: المشكلة إنها جت في وقت كل حاجة فيه بايظة، رشدي والمجموعة، حتي شغلها كله واقف.
ردت بحسم مهيمن: ملكش دخل بأي حاجة تانية، ركز في مراتك وبس.
ابتسم بتصنع: متقلقيش ياهانم، كل حاجة هتتحل، وأنا جنبها.
نهضت وأشارت له بنبرة حاسمة: خليها تاخد دواها في ميعاده، وراقبها كويس.
اومأ لها، فخرجت، وأُغلقت الباب خلفها بهدوء ثقيل.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقترب عماد ويجلس بجوارها على السرير، وقال بصوت منخفض: أنتِ كويسة ياصافي؟
رفعت عينيها إليه، ودموعها تنزل بصمت: مش عارفة أبقى كويسة ياعماد، بشوفهم في كل لحظة وهما بيضربوني ويقلعوني هدومي، وصوري في الجرايد مبتروحش من بالي، حساهم حواليا في كل لحظة...
مد يده نحوها، وابتسامته بدت مطمئنة في ظاهرها:
خدي بس الدوا ده وهتبقي كويسة.
ناولها الحبة، وصوته ظل هادئا: خدى يا حبيبتي ومتخافيش، أنا معاكي..
لكن ابتسامته تلك اللحظة كانت أهدأ من أن تطمئن، وأعمق من أن تفهم.
علي اتجاه آخر.
جلست ماسة ولوجين تحت البروجولة في الحديقة يتبادلون الأحاديث
تساءلت ماسة: أنتِ مروحتيش خالص عند مي؟
هزت رأسها: لا ياسين قالي ملهاش لازمة دلوقتي، نستنى لما تفوق الأول.
تنهدت ماسه هي الأخري: أنا كمان سليم قالي نفس الكلام، يا رب تفوق وتبقى كويسة.
ساد صمت قصير بينهما، لم يكسره سوى اقتراب نالا من الأرجوحة المجاورة، جلست عليها وبدأت تتأرجح وهي تضحك باستمتاع، كأنها تعلن فرحا لا يخص أحدا غيرها.
ابتسمت لوجين تلقائيا، ونهضت وتوجهت نحوها: تحبي ازوقهالك؟
رفعت نالا عينيها نحوها وقالت باقتضاب: لا بعرف ازوقها لوحدى.
ثم هبطت من الأرجوحة، وركضت مبتعده
نادتها ماسة: نالا، تعالي أقعدي معايا أنا وجوجا.
توقفت الطفله للحظة، ونظرت إليها بنظرة باردة، ثم قالت باقتضاب: لا.
ثم تابعت طريقها دون أن تضيف كلمة أخرى.
عقدت ماسه حاجبيها بدهشه: هي مالها؟
هزت لوجين كتفيها، وهي تعود مكانها: معرفش، حاسة إنها متغيرة معايا.
أمالت ماسة رأسها قليلا وقالت بتفكير: يمكن زعلانة إنك غبتي شهر، أعمليلها حاجة حلوة بتحبها، أو خرجيها خروجه حلوه يمكن ترجع زي الأول.
اومأت: هكلم ياسين، ونشوف.
أحد المطاعم الفاخرة،4ع
جلس سليم ومكي أمام بعضهما حول طاولة جانبية بعيدة عن الأنظار،
بينما كان سليم يمسك بين يده هاتف مكي، يشاهد المقطع الذي التقط لحديث عماد مع سارة بالشرفه.
ارتسمت على شفتي سليم نصف ابتسامة ساخرة: كنت متوقع إنه مش هيخرج برة عماد.
ثم وضع الهاتف على الطاولة: بس إيه كمية الخطوط إللي بيغيرها دي؟ ده سنترال متحرك.
ابتسم مكي بسخرية: لازم يعمل كده علشان محدش يرصده.
طرق سليم بأصابعه فوق الطاولة: الأرقام دي لازم تكون معانا يا مكي.
أجابه: وهنجيبها أزاي؟
زفر بضيق: معرفش، لما عرفان يجي هقوله يتصرف.
شرد بنظراته بعيدا قبل أن يضيف: المهم إننا مسكنا طرف خيط وعرفنا اسمه.
ثم ردد الحروف ببطء وكأنه يردد تعويذه: " تمساح "
في تلك اللحظة اقترب عرفان من الطاولة: مساء الخير، اتأخرت عليكم.
أشار له سليم: أقعد.
ما إن جلس حتى هم بالتحدث، لكن سليم أوقفه بإشارة من يده: استنى، قبل أي حاجة، أنا عايز ناس موثوق يبقوا ورا عماد 24ساعة، ميغبش عن عنهم لحظة واحدة...
أشاره بإصبعه وتابع بنبره ذات معني: ولو حصل غدر منهم، أنت المسئول قدامي.
أومأ عرفان بثقه: يا باشا رجالتي برقبتي، ومبيعرفوش أكتر من إللي المفروض يعرفوه.
سليم بهيمنه: حاجه كمان، أنا عايز الأرقام إللي عماد بيستخدمها كلها تكون عندي، ومقصدش الأرقام المباشره عايز الأرقام التانيه اللى بيستخدمها في الخفاء، وياريت لو تعرف تهكرلي تليفون ساره كمان.
هز عرفان رأسه: أيوه بس الموضوع ده ممكن يكون صعب شويه وهياخد وقت.
قطب سليم حاجبيه: يعني إيه صعب، هو أنا بتعامل مع تلميذ يا عرفان؟
صمت عرفان للحظة يفكر ثم قال: طب بص، هو فيه طريقه تهكير جديده، لسه جايه لنا من برا، حتي متوجدلهاش لحد الآن أجهزه حماية لسه، هخليلك التليفون بتاعه لايف معاك 24ساعه، حتى لو دخل الحمام تقدر شوفه مباشر.
ابتسم سليم باستحسان: أهو كده تعجبني يا عرفان.
ثم مال للأمام وتابع بجدية: تعمل الحوار دى النهاردة وتليفون عماد يبقى معايا.
أومأ عرفان: حاضر.
ثم غير الموضوع: المهم، بخصوص الولد إللي طلبتوا أوصلكم لطريقه، أنا عصرت الواد الميكانيكي لحد ما جاب أكبر درجه شبه ليه، وانحصر الشك في 5 عملت عنهم تحريات.
أخرج بعض الأوراق من جيبه وبدأ يبلغهم ما توصل إليه حتى وصل إلي اسم "رضا عبدالله علوان الشهير بتمساح."
تبادل سليم ومكي النظرات فور سماع اسمه، قبل أن يشير سليم بيده: هو ده!
اعتدل في جلسته وتابع بتركيز: براحه بقي وقولى عرفت إيه عنه؟!
اومأ عرفان: واد سوابق، عايش في المعصره ومتجوز ومخلف ولدين، اغلب شغله شمال، أنا شكيت فيه، لأنه مختفي من يوم الحادثه تقريبا، ومحدش عارفله طريق، بس هجيبه، هيروح مني فين.
بينما لمعت عينا مكي، واعتدل يتساءل: استنى بس، أنت قولت المنطقة اللى ساكن فيها اسمها إيه؟
أجابه: المعصرة.
رد: إللي في حلوان؟
اومأ: أيوة.
نظر مكي إلى سليم بسرعة: دي نفس المنطقه اللى كان ساكن فيها دغمش!
قطب سليم حاجبيه: دغمش مين؟
مكي مذكرا: دغمش يا سليم! الواد إللي كلمك قبل كده وقال إن عنده معلومة عن إللي عمل الحادثة، واتقتل بعدها في جنينة الحيوانات، نسيته؟
ساد الصمت للحظات ثم ألتفت سليم لعرفان مسرعا: تمساح ده لازم يجيلي حي، تجبهولي لو في بطن الحوت، بس حذاري تقولى إن جراله حاجه قبل ما تجبهولى.
أومأ عرفان فورا: حاضر، هوزع رجالتي في كل الأماكن اللى بيتردد فيها، واول ما يظهر هيبقي عندك
سليم بتنبيه: ركز جدا مع عماد، أنا متأكد إننا هنقدر نوصله من خلاله، لازم نبقي سابقين عماد بخطوه، أنا مش هسمح إن عماد يخلص عليه قبل ما نوصله، مفهوم؟
اومأ عرفان: مفهوم يا باشا.
ثم تابع بتحفظ: بس مش شرط علشان من نفس المنطقة يبقوا ليهم علاقة ببعض.
هز مكي رأسه: ممكن، لكن ممكن كمان يبقوا طرف خيط يوصلنا للحقيقة.
نظر سليم أمامه بشرود قائلا: نفذ اللى بقولك عليه يا عرفان وأنت ساكت.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
المشفى التي تمكث بها مي،4ع.
دخل رشدي الحمام، يأخذ جرعته المعتادة، ثم غسل وجهه طويلا وكأنه بذلك يمحو آثار ما أصبح عليه.
خرج بعدها ببطء، وتوقف أمام الزجاج الفاصل يتأمل مي الساكنه بلا حراك.
ظل واقفا يراقبها حتى جاءت الساعة المعتادة للزيارة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ثم تحرك مسرعا يرتدي الملابس الخاصه بالتعقيم، ودلف اليها بعد أن سمحت له الممرضة بالدخول.
جلس بجوارها، ومد يده يمسك بكفها البارد بين يديه وهمس: عاملة إيه النهاردة؟ أنا مستني اللحظة إللي هتفتحي فيها عينيكي وأشوفك كويسة..
خفض رأسه قليلا وهو يعبث بأصابعها برفق: أنا عارف إنك زعلانة مني، عارف إنك لو صحيتي دلوقتي أول حاجة هتعمليها إنك هتزعقيلي عشان لسه باخد المخدرات...
ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، ثم أكمل: بس والله بحاول على قد ما أقدر ماخدش، المشكلة إني مش قادر أتخيل حياتي من غيرك، مش قادر أعمل حاجة وأنتِ مش موجودة، مش هقدر أسيبك..
أدمعت عيناه وهو يحدق في وجهها الشاحب: أنا مستنيكي عشان نروح المصحة سوا، لقيت مكان كويس، ومش هروح غير وأنتِ معايا، هنبدأ من جديد أنا وأتتِ..
صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة مرتجفة: وهجيب جنة كمان معانا زى ما كنتي عايزه، هعملك كل إللي أنتِ عايزاه، ومش هزعق، ولا أعاند، ولا ههرب من العلاج تاني...
اقترب أكثر وهمس بصوت متحشرج: بس أفتحي عينيكي، أفتحيهم بس وشوفي بنفسك..
انزلقت دمعة على وجنته دون أن يشعر، وظل جالسا جانبها حتى انتهي موعد الزيارة
قصر الراوي،6م.
جلست ماسة بالقرب من حمام السباحة، تستمتع بنسيم الهواء تحت البرجولة، وتقرأ في أحد الكتب.
اقتربت منها فايزة، تقول بسخط: أنتِ ايه اللى مقعدك هنا؟
نظرت لها ماسة من طرف عينيها دون أن تجيب، وكأن وجود فايزة لا يتعدى كونه هواء عابرا.
أما فايزة فلم تحتمل تجاهلها، فضربت الطاولة الصغيرة بعنف: لما اكلمك ردي عليا.
رفعت ماسة عينيها ببرود: أفندم؟
فايزة بحدة: إيه إللي مقعدك هنا؟ أنتِ مش المفروض تقعدي في أوضتك؟
أغلقت ماسة الكتاب وقالت ببرود: والله أنا أقعد في المكان إللي أنا عايزاه، أنا قاعده في ملك جوزي.
اغتاظت فايزة، وجزت علي أسنانها: أنتِ نسيتي نفسك وبتردي عليا كمان يا حشرة، طب أنا هفكرك مين هي فايزه هانم.
رفعت يدها تنوي صفعها، ولكن ماسة امسكت يدها برد فعل سريع، ووقفت أمامها تقول بتحدي: تؤتؤتؤ، كده ازعل منك يا فايزه هانم، وأنا لما بزعل بقول كلام كتير ميصحش.
نزعت فايزه يدها بعنف، بعينين تحمل شرارا مخيفا: أنتِ بتهدديني يا حشرة أنتِ!
وقفت ماسة أمامها بثبات: أه بهددك.
ثم وضعت يدها على فمها بدهشه مصطنعه: هو أنا مقولتلكيش؟! مش سليم أخيرا صدق إن مراته حببته مظلومه، ودور ولقي حاجات تثبت برائتي، وهو كمان اللى سمحلى أنزل واقعد براحتي، ده حتى كان عايز ياخدني يفسحني بس أنا قولتله بطني وجعاني، خليها يوم تاني.
توترت ملامح فايزه لوهله، فهذا ما كانت تخشاه.
بينما تابعت ماسة بتشفي: تفتكري هيكون رد فعله ايه، لو حكيتله حاجه من اللى كانت بتحصل زمان، أصل خدى بالك سليم ذكي، يعني لو عرف حاجة من اللى حصلت زمان، هيبقي سهل عليه يربط زمان بدلوقتي، ويستنتج مين اللى كان السبب في موضوع القضيه.
نظرت لها بعينان مشتعلتان: متعادينيش يا ماسة، أنتِ مش قدي.
ماسه ببرود: أعلي مافي خيلك اركبيه...
ضحكت بسخرية وتابعت: بس أوعي تقعي من عليه لظهرك يتكسر، أنتِ ست كبيرة برضو ومش حمل الواقعه.
في تلك اللحظة اقترب سليم.
فنظرت إليه ماسة بمرح: أهو سليم جه، اسأليه بنفسك.
التفتت فايزة إليه فورا: أنت إزاي مخلي البنت دي قاعدة برة أوضتها؟
رفع حاجبه: واخليها في أوضتها ليه؟ سيبيها، أنا إللي سمحتلها.
أتسعت عيناها بتوتر: سمحتلها إزاي؟! إنت كنت بتتجنن لما تشوفها خارجة في الجنينة، إيه نسيت اللى عملته فيك؟
ماسة تغيظها: سليم، أنا هروح أتمرجح هناك، ماشي؟
أومأ برأسه، فتحركت عدة خطوات ثم التفتت إليهما وقالت بغيظ طفولي: خلص مع مامتك وابقي تعالي مرجحني.
كان سليم يمسك نفسه بصعوبة من الضحك على طريقتها الطفولية في إغاظة فايزة، أما فايزة فنظرت إليه بتوتر: إيه إللى أنا شيفاه ده يا سليم؟! أنت نسيت هي عملت ايه؟!
أجابها بهدوء: منستش، بس من ساعة إللي حصل لصافيناز وأنا شاكك إن فيه حد ورا كل ده، وبعد إللي حصل لرشدي بقيت متأكد إن فيه طرف تالت، المهم دورت ووصلت لحاجات كتير.
اتسعت عيناها، لكنها حاولت التماسك فقالت بتلعثم وهي تستند إلى الطاولة: وصلت... وصلت لإيه؟
ثبت نظره عليها، متعمدا الضغط عليها: عرفت إن فيه رسالة جتلها فعلا بتقول إني تعبان وفي المستشفى.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما تابع هو: آه الكاميرات مجابتش موضوع خطفها، بس هوصل، وهعرف كل حاجة...
صمت للحظة يعتمد اللعب بأعصابها: وبيني وبينك يا هانم، ماسة تربية إيديا، ومستحيل تخون.
قالت بسرعة: بس... بس هي قالت إنها بتحب إللي اسمه مصطفى.
زم شفتيه: الله يرحمه بقي، يمكن قالت كده علشان تغيظني، لكن واحدة تعرف إني عملت حادثة كبيرة وتخاف عليا وتروح المستشفى عشاني، تبقى مبتحبنيش؟ أكيد لا، أنا بدأت أقتنع بنسبة 90% إنها بريئة، وبدأت أمسك أول خيط اللى هيوصلني للحقيقة كلها، فسبيها يا هانم، وملكيش دعوة بيها تاني، خليها تعمل إللي هي عايزاه.
كان توترها يظهر بوضوع رغم محاولاتها اخفاؤه، قالت بعدم اتزان: آه... علشان كده بقيتوا كويسين وبتقعدوا مع بعض؟
اجابها ببساطة: أنتِ عارفة إني بحبها.
أومأت برأسها بصعوبة: أيوة... بتحبها..
صمتت للحظة، وحاولت تغير الحديث: سليم، إحنا لازم نقعد كلنا ونعرف المصايب دي نهايتها إيه ومين وراها، مش معقول بعد كل ده ولسه موصلناش.
أجابها: أمممم لا تقلقي، إللي اتجرأ يخطف مراتي ويعريها، أول ما أوصله هدفعه التمن هو وكل إللي معاه، بس بعد ما أستمتع شوية وهو بيتكشف قدامي، ده بقى تاري أنا الشخصي.
ثم ابتسم وقال: عن إذنك، هروح أقعد مع مراتي شوية.
تحرك مبتعدا بابتسامه واسعه، بينما كانت فايزة تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الخوف، فالأمور بدأت تنفلت بشكل مرعب.
أما سليم فاتجه نحو ماسة وجلس بجوارها على الأرجوحة ضاحكا: إيه العبط إللي إنتِ كنتي بتعمليه ده؟
ردت بابتسامه: ياسيدي، كنت بغيظها، وبعدين أنا لعلعت معاها قبل ماتيجي، بس أنت فاتك العرض وجيت متأخر.
ضحك عاليا: المره الجايه هجيب فشار، واحجز بدري.
وضعت كفها في كفه: اتفقنا.
ثم أضافت: يلا مرجحني.
نهض خلفها وبدأ يدفع الأرجوحة برفق، ومن بعيد، وقفت فايزة تراقب المشهد كله، والنار تأكلها من الداخل، قبل أن تستدير أخيرا وتتجه إلى داخل القصر
خلال أسبوعين.
ظلت ماسة تضايق فايزة بطريقتها كلما تقابلتا هذا ما كان يجعل فايزة تشعر بتوتر متزايد، خاصة بعدما علمت أن سليم يبحث في الأمر وقد وصل إلى أول طرف خيط.
وما زاد من ضيقها أنها لم تستطع طلب المساعدة من أحد؛ فالجميع كان منشغلا؛ عزت ما زال في المستشفى، وعماد مثل الانشغال بصافيناز التي انهارت تماما، كما أن المهدئات التي كان يعطيها لها عماد بدت وكأنها تزيد حالتها سوءا بدلا من أن تحسنها.
في المقابل، بدأت حالة عزت تشهد تحسنا طفيفا، وخضع لعمليه لتركيب دعامة في القلب بعد رفضه التام إجراء عملية جراحية كاملة، مصرا على الخروج في أسرع وقت ممكن.
وفي الوقت ذاته، بدأت العلاقة بين آلاء ومصطفى تقترب أكثر فأكثر، حتى بدأت نبيلة تتعامل معها بطريقة أفضل وتتقبل وجودها بينهم.
أما ماسة وسليم، فقد كانت علاقتهما تمر بأفضل مراحلها، خاصة في تعاونهما المستمر على إغاظة فايزة، أصبحا يقضيان وقت أطول معا، ويتعاملان بعفوية وراحة أمام الجميع، الأمر الذي لفت انتباه من حولهما.
أما نالا، فظلت تتعامل مع لوجين بالطريقة نفسها؛ تبتعد عنها وتتجنب الحديث معها، وهو ما كان يثير توتر لوجين وحيرتها بشدة.
أما مي، فكانت حالتها مستقرة نسبيا، لم يتركها رشدي لحظة، ظل بجوارها ينتظر استيقاظها، بدت ملامحه مرهقة، وذقنه طويلة وثقيلة تعكس ما عاشه من قلق وألم، بينما لم تفارق عيناه وجهها لحظة.
وظل الوضع كما هو عليه حتى جاء اليوم الذي استيقظت فيه مي.
كان الأطباء كعادتهم يقومون بفحصها وإعطائها الأدوية اللازمة، لكنهم انتبهوا هذه المرة إلى أن المؤشرات الحيوية أصبحت أفضل بشكل ملحوظ، بدأوا في استدعاء عدد من الأطباء الآخرين للتأكد من النتائج ومراجعة حالتها.
في الخارج، شعر الجميع بالقلق عندما لاحظوا الحركة غير المعتادة داخل العناية المركزة.
حازم بتوتر: في إيه؟
أجابته إحدى الممرضات وهي تسرع إلى الداخل: لو سمحتوا خليكوا مكانكم، مفيش حاجة.
دخل الطبيب مسرعا وبدأ يفحصها، بينما كانت أصابعها تتحرك قليلا وجفناها يرتجفان، وبعد دقائق أعطاها بعض الأدوية والحقن ثم خرج من الغرفة.
ظل الجميع واقفين أمام الزجاج، يتابعون ما يحدث بقلق دون أن يفهموا شيئا.
اقتربوا منه فور خروجه: في إيه يا دكتور؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه: الحمد لله، مي هانم حالتها استقرت بشكل كبير، علشان كده اديناها أدوية تساعدها تفوق، ودلوقتي بنجهزها عشان تتنقل أوضة عادية.
ما إن سمعوا كلماته حتى تبدلت ملامحهم بالكامل.
وضعت تقى يدها على فمها وهي تقول بفرحة: الحمد لله.
ورفع راشد يديه إلى السماء مرددا: الحمد لله، الحمد لله يا رب.
احتضن حاتم وحازم بعضهما بسعادة، أما رشدي فظل واقفا أمام الزجاج لا يتحرك.
هبطت دمعة ساخنة من عينه دون أن يشعر بها، وظلت عيناه معلقتين بها وكأنه يخشى أن تختفي إذا رمش.
تابع الطبيب قائلا: الحمد لله، الحالة دلوقتي مستقرة، بس لسه محتاجين نكون حذرين، ممنوع أي انفعالات أو أخبار سيئة، والأفضل إنها تفضل تحت الملاحظة شوية كمان.
هز رشدي رأسه بتوتر: يعني يا دكتور، حضرتك شايف إن حالتها لسه خطيرة؟
رد الطبيب بهدوء: أنا مقولتش كده، الحالة كويسة جدا، لكن محتاجة راحة، متنساش إنها اتعرضت لإصابة صعبة، وغير كده كمان حصل إجهاض، والجسم محتاج وقت عشان يتعافى بالكامل.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال رشدي بصوت منخفض: أنا مش هقولها على موضوع الإجهاض دلوقتي، هستنى لحد ما حالتها النفسية والجسدية تبقى أحسن، ياريت تبلغ كل الدكاترة والممرضات إن محدش يجيب سيرة الموضوع خالص قدامها.
أومأ الطبيب بتفهم: مفيش مشكلة، أهم حاجة دلوقتي إنها ترتاح.
تردد رشدي للحظة قبل أن يسأل: بس هي لسه مفاقتش، مفتحتش عينيها!
ابتسم الطبيب مطمئنا: ده طبيعي، الأدوية لسه مشتغلتش، ممكن تاخد من نص ساعة لساعة بالكتير وإن شاء الله هتفوق.
سأله راشد بسرعة: طب ينفع نقعد معاها لحد ما تقوم؟
اومأ الطبيب: مفيش مشكلة، لكن فرد واحد بس، وطبعا لازم يلبس الماسك ويلتزم بكل التعليمات.
أومأ راشد بامتنان: شكرا يا دكتور.
وبمرور بعض الوقت.
جلس راشد بجوارها، ممسكا بيدها بين يديه، وعيناه تلمعان بالدموع وهو يحمد الله في سره أنها عادت إليهم أخيرا.
أما البقيه، فظلوا يتابعون من خلف الزجاج ينتظرون اللحظة التي ستفتح فيها عينها بفارغ الصبر.
وبعد دقائق...
رفرفت أهدابها ببطء قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، فانتفض راشد من مكانه واقترب منها سريعا: حمد لله على السلامة يا بنتي، حمد لله على سلامتك، والله كنت هموت من الرعب عليكي.
أخذت تفتح عينيها وتغلقهما بصعوبة قبل أن تهمس: بابا... إيه اللي حصل؟
مسح على رأسها بحنان: مفيش حاجة يا حبيبتي، إنتِ كويسة، وهتبقي كويسة إن شاء الله.
نظرت حولها بتعب: أنا فين؟ آخر حاجة فاكرها إني كنت مع رشدي... وبعدها مش فاكرة حاجة.
ربت على يدها: متتعبيش نفسك بالتفكير دلوقتي، أنا هنادي الدكتور.
في الخارج، ما إن رأى إخوتها عينيها مفتوحتين حتى تهللت وجوههم من السعادة.
دخل الطبيب بالفعل وبدأ يفحصها مرة أخرى، ويتابع استجابتها وحركة عينيها ووعيها، ثم ابتسم قائلا: إحنا بقينا كويسين خالص الحمد لله، حمد لله على السلامة يا مي هانم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة: الله يسلمك.
سأل راشد بلهفة: إيه يا دكتور؟ شايف إيه؟
رد الطبيب مطمئنا: زي ما قولتلكم، الحالة مستقرة جدا، وهتتنقل جناح عادي، بس طبعا مش عايزين نرهقها بالكلام.
أومأ راشد برأسه قبل أن يقترب من مي: إخواتك هيموتوا من القلق عليكي، هخليهم يدخلوا يطمنوا عليكي، وأنا هرجع أقعد معاكي تاني مش هسيبك، وهبات معاكي النهارده عشان أشبع منك وأطمن قلبي عليكي.
ابتسمت له بتعب وهزت رأسها موافقة.
خرج راشد يخلع الكمامة: خشوا يا حبايبي اطمنوا على أختكم... بس واحد واحد.
نظر الإخوة إلى بعضهم، وقال حاتم: خش أنت الأول يا رشدي.
هز رشدي رأسه: روحوا إنتوا، هستنى أنا لآخر.
ربت حازم على كتفه: يا عم أدخل، دى أنت عينك ناقص تخرم الإزاز من القلق.
ابتسم رشدي ابتسامة باهتة.
وبعد لحظات وجد نفسه يتحرك نحو الباب.
دخل الغرفة بخطوات بطيئة، وكأن قدميه لا تحملانه.
كان يشعر بذنب هائل يجثم فوق صدره، فهو حتى الان لم يستطع مسامحه نفسه لانه السبب فيما أصابها.
رفعت مي عينيها إليه.
توقفت نظراتهما عند بعضهما لثواني طويلة، ثم أشارت له بعينيها أن يقترب.
جلس بجوارها بصمت، لا يعرف ماذا يقول، نظرت إليه، ومازحته بصوت ضعيف: هو أنا فضلت تعبانة كتير ولا إيه؟
ابتسم رغم الألم الذي بداخله: بتقولي كده ليه؟
رفعت حاجبها بتعب: أصل دقنك طولت اوي، إيه؟أشهرت إسلامك وبقيت الشيخ رشدي؟
خرجت منه ضحكة قصيرة رغما عنه: هي الرصاصة علمتك اللماضة ولا إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبها: مضحكنيش مش قادرة..
امساك يديها يقبلها: ضحكتك وحشتني قوي.
صمتت لحظة ثم سألته: إيه اللي حصل؟
مرر يده على شعرها برفق: مش عارف، كل اللي فاكره إني سمعت صوت الرصاص، وبعدها الدنيا كلها اتغيرت في لحظة، فتحت عينيا لقيتني هنا..
انخفض صوته أكثر: أنا آسف يا مي... والله آسف.
نظرت إليه باستغراب: آسف على إيه؟
أغمض عينيه للحظة: إني مقدرتش أحميكي، أنا السبب..
ثم تابع وعيناه تمتلئان بالغضب: بس أقسم بالله، هجيب حقك من اللي عمل كده أول ما أعرف مين هو.
رفعت يدها بصعوبة نحو كتفه: أنت كمان اتصبت؟
هز رأسه بلا مبالاة: مش مهم.
تسالت: أزاي مش مهم؟ انت كويس؟
ابتلع الغصة التي في حلقه: هبقى كويس لما نخرج من هنا، ياريت أنا اللي كنت مكانك.
ثم نظر إليها بعينين امتلأتا بالندم والألم: أنا مش قادر أسامح نفسي يا مي، انا اللي كنت مقصود مش أنتِ...
قالت بنبرة تخرج محشرجه وهي تنظر إليه: وأنت ذنبك إيه؟ متشيلش نفسك فوق طاقتها، اللي ربنا كاتبه للإنسان محدش بيهرب منه، المهم إننا كويسين.
ثم ابتسمت ابتسامة ضعيفة: ولسه سوا.
اهتزت شفتاه وهو يحاول السيطرة على دموعه: ومش هنبعد عن بعض أبدا، ولا ثانية واحدة.
مسح دموعه سريعا، ثم اقترب ووضع قبلة طويلة على جبينها: كنت خايف مشوفكيش تاني، كنت خايف تروح مني، أنا بحبك قوي يا مي.
توقفت أنفاسها للحظة وهي تنظر إليه.
أما هو فأكمل بصوت مبحوح: أول مرة أحس الكلمة طالعة من قلبي بالشكل ده، متعرفيش الأسبوعين دول عدوا عليا أزاي.
ابتلع غصته وتابع: كأنهم قتلوا رشدي القديم وخلقوا واحد جديد، صدقيني أنا هبقى رشدي مختلف تماما، من النهارده هبقى الشخص اللي يستحقك فعلا.
انحدرت دمعة من عينه: بس أوعي تسيبيني... أوعي تسيبيني تاني.
ابتسمت له برقة: لو كنت اعرف إن الضرب بالنار هيخليك رومانسي وبتقول كلام حلو كده، كنت خليتهم ضربوني بالنار من زمان.
تبسم بحب: بعد الشر عليكي، من هنا ورايح مش هقولك إلا كلام حلو بس، وهتعلم التلزيق وهبقى ملزق، بحبك، بحبك اوي..
رفعت يدها بصعوبة ومسحت دموعه بأطراف أصابعها.
فمال نحوها دون تفكير وضمها إلى صدره،لكنها تألمت فورا، فابتعد بسرعة: أنا آسف.
هزت رأسها برفض: قرب... وخليك جنبي، أنا عايزة أحضنك.
رفعت ذراعيها بصعوبة نحوه، فتقدم ببطء هذه المرة، وضمها بحذر شديد، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.
في الخارج، كان الجميع يتابعون المشهد من خلف الزجاج بابتسامات ودموع فرح.
ظل هكذا لدقائق طويلة، يحاول أن يشبع من قربها بعد أسبوعين كاملين من الخوف والانتظار، ثم ابتعد أخيرا وهو يتنهد: هخرج بقى عشان إخواتك عايزين يشوفوكي.
أومأت برأسها موافقة.
وبالفعل دخل إخوتها واحدا تلو الآخر، وكل منهم جلس معها قليلا قبل أن يخرج ليترك الفرصة لغيره.
وبعد فترة تم نقلها إلي جناح عادى، وجلس رشدي وراشد بجوارها.
دخلت الممرضة تحمل ملفا صغيرا: لو سمحتوا، إحنا محتاجين شوية هدوم وحاجات شخصية لمدام مي عشان نغيرلها، ونجهزها للإقامة هنا، بعدين اتفقنا شخص واحد بس اللى يفضل معاها.
رفع رشدي رأسه فورا: مفيش مشكلة، قولي إيه المطلوب وأنا هبعت حد يجيبه.
ناولته الممرضة ورقة: دي كل الحاجات اللي محتاجينها.
أخذ الورقة منها وغادرت، فنظر له راشد قائلا: خلاص يا رشدي، روح أنت هات الحاجات، أنا كده كده النهارده مش هسيب بنتي
هز رشدي رأسه: لا، هبعت حد يجيبهم.
قطبت مي حاجبيها بتعب: لا، روح إنت.
نظر إليها باستغراب: ليه؟
مي بخجل: مش عايزة حد من رجالتك يشوف حاجاتي الشخصية.
ابتسم رغما عنه: محدش هيشوف حاجة، ممكن أبعت حد من الخدم أو أبعت تقى.
تدخل راشد بحزم: تقى مشيت مع حازم وحاتم، روح إنت هات حاجة مراتك، وارتاح شوية وتعالي بكره.
كاد رشدي أن يعترض، فقاطعه راشد بجدية: أنت بقالك أسبوعين مروحتش ومش بتنام كويس، روح استحمى وغير هدومك واحلق دقنك وارتاح، مي الحمد لله بقت كويسة، وأنا النهارده هبات معاها.
اعترض رشدي فورا: مش هعرف أبات بعيد عنها.
قالت مي بصوت ضعيف: اسمع الكلام يا رشدي.
نظر إليها، فتابعت: روح ارتاح عشان خاطري، وتعالي بكره، أنا بقيت كويسة.
ثم ضحكت بخفوت وهي تنظر إلى لحيته الطويلة: وبعدين دقنك دي وحشة أوي...احلقها.
رفع حاجبه معترضا: هجيب ماكينة وأحلقها هنا.
ثم أضاف مدافعا عن نفسه: وبعدين متحسسنيش إني معفن، أنا كنت بستحمى كل يوم علي فكرة، دي عادة عندي من زمان أنتِ عارف.
ضحكت بخفة: عارفة... ريحة الصابون واصلالي والله.
فابتسم للمرة الأولى بصدق.
ثم أكملت وهي تنظر إلى وجهه المرهق: أنت محتاج ترتاح فعلا، وشك مرهق جدا، اسمع الكلام بقى وتعالي بكره، انا مش هقدر اشوفك نايم على الكنبه
تنهد وهو يمسك يدها: مش هينفع أسيبك، أنا ماصدقت إنك فتحتي عينك، مشبشعتش منك لسه.
رفع يدها يقبلها برفق: عايز أقعد أشبع منك شوية.
ابتسمت وهي تهز رأسها: ماشي يا سيدي، اقعد اشبع براحتك.
ثم ضيقت عينيها مازحة: وبعدها تقوم تنفذ الكلام وتروح ترتاح... مفهوم؟ رشدي ده اول طلب اطلبه منك بعد تعب، اسمع الكلام بقى..
نظر إليها طويلا، لا يريد رفض طلبها، لكنه لا يريد الإبتعاد عنها أيضا.
وقبل أن يتكلم، تدخل راشد بجدية: اسمع الكلام يا رشدي، أنت محتاج ترتاح، علشان تستعيد قوتك، مي هتحتاجك الفتره الجايه جنبها، هتحتاج راجل تتسند عليه، مش تلاقي نفسها مضطرة تسنده هو كمان.
ثم أشار إلى ذراعه المصابة: غير كده، إنت محتاج تطمن على دراعك، وتلتزم في علاجك، أنا شايف إنك مهمل في نفسك بشكل كبير.
خفض رشدي عينيه ولم يجد ما يرد به، كان يعلم أن راشد على حق.
فأومأ برأسه موافقا بعد تفكير طويل: حاضر.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه مي وهي تشعر بانتصارها الصغير.
وبالفعل جلس معها بعض الوقت، يتحدثان في أشياء بسيطة، وكأنه يحاول تعويض كل دقيقة ضاعت منهما خلال الأيام الماضية، كان يراقبها وهي تتكلم، وتبتسم، وتغمض عينيها من الإرهاق ثم تفتحهما من جديد، وكأنه لا يصدق حتى الآن أنها عادت إليه بالفعل!
وفي النهاية اضطر للمغادرة، انحنى عليها وقبل جبينها برفق: مش هتأخر عليكي.
ابتسمت له: هستناك.
غادر الغرفة وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يغلق الباب خلفه.
قصر الراوي2م.
كانت غرفة الموسيقى هادئة إلا من أنغام البيانو التي تملأ المكان، جلست فايزة أمام الآلة تعزف مقطوعة حزينة، بينما كانت ماسة تمر في الممر الخارجي، توقفت فجأة عندما وصل اللحن إلى أذنيها، فشدها الصوت لتتجه نحو الغرفة.
دفعت الباب ودخلت بهدوء، لتجد فايزة جالسة هناك، غارقة في عزفها، اقتربت منها ببطء، وظلت تنظر إليها طويلا في صمت، قبل أن تقول: ياريت تعزفي لحن الوداع الأخير، علشان نهايتكم اللي قربت.
توقفت أصابعها عن الحركة فوق المفاتيح وقالت بحدة: عايزة إيه يا ماسة؟ بقالك فترة فرحانه بنفسك أوى!
ابتسمت وهي تقترب: ومفرحش بنفسي ليه؟ جوزي صدقني، وقريب جدا هيكتشف لعبتكم القذرة، ومش بس كده، ربنا كمان انتقم لى وبنتك بتعيش نفس المصير اللي كنتوا بتحاولوا ترموني فيه.
اشتدت ملامح فايزة، بينما تابعت ماسه بتشفي: نهايتكم قربت يا فايزة هانم، استمتعي بالأيام اللي فاضلة، وافـرحي بالإمبراطورية دي شوية، عشان خلاص هتتهد.
ثم استدارت واتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت إليها ومنحتها ابتسامة واسعة زادت من اشتعال غضبها.
بقيت فايزة مكانها، تحدق في الفراغ بشرود، فماسة لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي يمكن السيطرة عليها أو إخافتها، بل أصبحت أكثر خطورة من أي وقت مضى.
وأدركت في تلك اللحظة أن التخلص منها لم يعد خيارا مؤجلا... بل ضرورة يجب أن تحدث قريبا.
قاطع شرودها دخول الخادمه تقول باحترام: فايزه هانم، الدكتور وصل عند صافيناز هانم فوق.
اومأت لها، ونهضت لتصعد.
في الأعلي.
كانت صافيناز في حالة لا تطاق، تصرخ وتبكي بعنف، بجسد مرتجف وكأنها تحارب شيئا غير مرئي داخل عقلها، وتقول بصوت مضطرب: عايزين يموتوني… ابعدوهم عني… متخالوهمش ياخدوني… ابعدوا عني!
كان الطبيب الذي أحضره عماد قد جهز حقنة مهدئ، بينما دخلت فايزة تراقب المشهد بقلق واضح، وعيناها لا تفهمان ما يحدث.
قالت بحدة ممزوجة بالخوف: خير يا دكتور، صافيناز يوم عن يوم حالتها بتسوء، إيه اللي بيحصل؟!
أخذ الطبيب نفسا عميقا وقال بهدوء مهني: هي محتاجة تدخل مصحة.
ارتفع صوت فايزة فورا: لا طبعا! مصحة إيه؟
الطبيب بثبات: ده الحل الوحيد يا هانم، هي عندها انهيار عصبي خطير، ورافضة تتخطى الصدمة اللي حصلتلها.
صاحت فايزة بعصبية: مش هينفع يا دكتور! مستحيل صافيناز الراوي تدخل مصحة نفسية مع المجانين!
تنهد الطبيب بأسف: أنا آسف يا هانم، بس حضرتك أرقى من كده بكتير، مش كل اللي بيخش المصحة مجانين.
قاطعته بعناد: لا! كل اللي بيخش المصحة مجانين! مش عيب إن الإنسان يروح لدكتور نفسي يتكلم معاه لو بيمر بأزمه، لكن يتحجز؟! لا ده مش مقبول!
رد بعمليه: لو مش هتدخل مصحة، يبقى لازم علاج مكثف هنا، ومهدئات أقوى، لأن للأسف ممكن في الفترة الجاية يبقى عندها أفكار انتحارية.
قاطعته بهيمنه: شوف شغلك من غير كلام كتير، ولو مش عارف تعالجها نجيب واحده غيرك.
قالت كلماتها وغادرت، بينما بقي عماد مع الطبيب يتبادلان نظرات غامضة، قبل أن يحقن الطبيب صافيناز بالمهدئ، فبدأ جسدها يهدأ تدريجيا وتغيب عن الوعي.
اقترب الطبيب من عماد وهمس بابتسامة خفيفة: كده تمام؟! اللي اتفقنا عليه اتقال.
اومأ عماد: تمام، حلو أوى.
قال الطبيب بصوت منخفض وهو يراقبها: علي فكره الأفضل أنك تجيبها عندى المصحه فعلا، هتبقى تحت إيدي، وأقدر أديها العلاج بانتظام، أنت جوزها وتقدر تعمل دى من غير الرجوع لحد.
قاطعه عماد: ملكش دعوة أنت، اكتب الحقن بس.
اومأ له واعطاها ورقه بأسماء الأدوية المطلوبه، ثم غادر، فنظر عماد إلى صافيناز الغارقة في النوم وقال بهمس بارد: سوري يا صافي… بس وقتك انتهى معايا، ولازم اوصلك فعلا لفكرة الإنتحار.
ثم أخرج هاتفه واجري اتصالا وقال بهدوء حاسم: عايزك تخلصلي الحاجات اللى طلبتها منك، والنهارده هاجي اخدهم.
وبمرور بعض الوقت
جلست ماسة في الـ«ليفينج روم» تشاهد التلفاز، لكن ملامح التعب كانت واضحة على وجهها، فمنذ أن استيقظت صباحا وهي تشعر بغثيان ودوار لا يفارقها.
كل بضع ثواني كانت ترفع يدها إلى فمها وكأنها تحاول كبح ذلك الشعور المزعج.
وفجأة اشتد الغثيان بصورة أكبر، فقامت سريعا تنوي الذهاب للحمام، ولكن الشعور كان أقوي من سرعتها علي الذهاب فوقفت تتقيأ في سلة القمامة.
علي اتجاه آخر
عاد رشدي إلي القصر أخيرا بملامح مرهقه، فاسبوعين كاملين لم يعرف فيهما للنوم طعم.
ورغم ذلك كان يريد البقاء بجوارها أكثر من أي شيء آخر، فشعوره بالذنب والخوف والحب الذي اكتشف حجمه الحقيقي خلال تلك الأيام جعله عاجزا عن الابتعاد عنها، لكنها هي من طلبت منه ذلك، ولأجلها فقط وافق.
تابع خطواته بثقل، ولكنه توقف فجأة عند سماع صوت تقيؤ يأتي من اللفينج روم.
عند ماسه.
شعرت أن قدماها أصبحت كالهلام ولا تستطيع حملها.
كادت أن تسقط ولكن يد رشدي اسندتها سريعا وهو يتسأل بإهتمام: ماسة... مالك؟
رفعت إليه عينيها الذابلتين وأجابت بإرهاق: ملكش دعوة.
أمسك ذراعها ليسندها وهو يقول: طب تعالي أقعدي.
جلست ببطء وأعادت رأسها إلى الخلف بتعب.
نهض قائلا: أرتاحي، وأنا هروح اجيبلك عصير يفوقك شوية.
وبالفعل تحرك مسرعا إلى الخارج، بينما ظلت كما هي، مغمضة العينين تحاول مقاومة الدوار.
عاد بعد دقائق ومعه كوب من العصير، ثم قدمه لها: خدي أشربي ده، وهتبقي أحسن.
فتحت عينيها بصعوبة ونظرت إليه من أعلى لأسفل، فابتسم ابتسامه باهته: يا ستي متخافيش، مش حاططلك فيه حاجة، أهو...
ارتشف منه قليلا أمامها، ثم مد الكوب إليها: يلا بطلي عند.
تمتمت بضيق: مش عايزة منك حاجة، وأبعد عني.
قرب الكوب منها أكثر وهو يقول بإصرار: أسمعي الكلام، ده هيفوقك.
لكن فور أن وصلتها رائحته شعرت بموجة غثيان أقوى من السابقة.
ابتعدت بسرعة وهي تقول: أوعى كده، ريحته وحشة.
ونهضت مسرعة، تتقيأ في سلة القمامة من جديد.
قرب العصير من أنفه، فوجد رائحته طبيعيه، فنظر لها بتعجب، ووقف يراقبها بقلق حتى انتهت، ثم تناول منديلا وناوله لها.
مسحت وجهها وجلست من جديد بإرهاق شديد، ظل يتابعها بعينيه للحظات، ثم قال مازحا محاولا كسر التوتر: إيه يا ست الحسن، أنتِ حامل ولا ايه؟ مبروك.
نظرت إليه من أعلى لأسفل بضجر، ثم أشاحت وجهها إلى الإتجاه الآخر، فهي في حالة لا تحتمل مزاحه وسخافاته.
لكن رشدي تابع هذه المرة بجدية: بكلمك بجد، أنتِ حامل؟ أصل دي أعراض حمل فعلا.
زفرت باختناق وهي تغمض عينيها: هحمل ازاي يعني؟ أنت نسيت إن سليم عنده مشكلة في الخلفة؟
تنهد بحيرة: مش عارف، يمكن خف.
ثم نظر اليها قائلا: عموما اتأكدي، ولو حامل فعلا، نصيحه مني بلاش حد يعرف لو عايزه تحافظي عليه.
نظرت له بسخرية: عايزه تفهمني أنك خايف عليا يا رشدي؟
مد وجهه، ونهض قائلا: احسبيها زى ما تحسبيها، بس أنا قولت انصحك بدل ما يحصل اخواته.
استدار ينوي المغادرة، بينما عقدت هي حاجبها وتمتمت: يحصل اخواته!!
نهضت رغم تعبها: استنى!
وقفت أمامه تتسأل باضطراب: تقصد إيه بإخواته؟ أنا كنت حامل في حور بس وقت الحادثة!
هز رأسه ببطء: عارف إنها كانت حور بس، بس أنا مقصدش الحادثه، أنا أقصد الحمل الأول لما كانتي لسه 16سنة...
شحب وجهها فجأة، بينما مال رشدي للأمام وهو يضيف بجدية: أوعي تكوني لسه مصدقة إنك سقطتي عشان سنك كان صغير والكلام الفارغ ده...
بدأ قلبها يخفق بعنف، نظر مباشرة إلى عينيها وقال دون تردد: إللي حصل وقتها إنهم سقطوكي عمد..
اتسعت عيناها بصدمة، فتابع: صافيناز كانت بتحطلك حبوب في العصير علشان تنزفي بالاتفاق مع الهانم، والدكتور كان متفق معاهم على كل حاجة.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وقالت نبرة مهتزة: أنت بتقول إيه؟!
خرج صوتها مرتجفا ومختنقا، أما رشدي فظل ينظر إليها بثبات: بقولك إللي حصل صافيناز وفايزة سقطوكي، وده إللي ممكن يحصل تاني لو طلعتي حامل.
استووووب...