رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والثلاثون 36 
بقلم ليله عادل



{بين الحقيقة والشك، سقط في بحر من الوجع، تتنازعه شكوك حينما تحولت إلى حقيقة خلفت كسورا لا تُشفى.
وصار يتسأل بقهر: هل من متسعٍ للرحمة؟ فالأيام أثقل من أن تُحتمل، والصدر لم يعد يتسع لكل هذا الانكسار، حتى صارت أنفاسه وجعًا لا ينتهي.}
ليلةعادل✍️❤️
  
            الفصل السادس الثلاثون 🤫♥️

            [بعنوان: ما خبأته السنوات]

حدقت فيه ماسة بعينين متسعتين، غير قادرة على استيعاب كلماته.

أول طفل لها أجهض عمدا...!

الطفل الذي ظلت سنوات تعتقد أنها فقدته لصغر سنها، فقدته عمدا..!!

امتلأت عيناها بالدموع، أشارت له بارتعاش: أنت بتلعب بأعصابي صح؟! بتنتقم مني زى ما عملت معاك؟؟

أجابها بثبات: هستفيد إيه لما اعمل معاكي كده!

ارتفعت يداها تلقائيا ألي فهما بصدمه: يعني هما إللي سقطوني أول مرة؟

أومأ برأسه: أيوة هما إللي سقطوكي.

ثم أضاف بعد لحظة: أنا عرفت بعدها، وحتى لو كنت عرفت قبلها معتقدش كان هيفرق معايا.

صمت قليلا، وكأن الكلمات تثقل حلقه: لكن المرة دي بصراحة مش عايزك تتأذي تاني..

خرجت منه ضحكة باهتة ممزوجة بالألم: يمكن علشان جربت نفس الإحساس لما عرفت إن مي كانت حامل وسقطت؟!

مد وجهه وهو يبلع ريقه بصعوبة: أحنا مكناش نعرف إنه موجود اصلا، واللحظه اللي عرفت إنه موجود فيها كانت نفس اللحظه اللي عرفت فيها إنه راح، حسيت ساعتها بإحساس وحش أوى..

اشار بيده بجدية وتابع: علشان كده بقولك، لو البطن دي شايلة طفل، خدي جوزك وأمشي.

هزت رأسها بعدم تصديق، بينما أكمل هو بإصرار: مش هيهنوكي عليه صدقيني، وأنا مش هبقى هنا علشان أحميكي، ولا عشان أعرف مخططاتهم وأقولك عليها.

نظرت له باستغراب لا تصدق أن تلك الكلمات تخرج منه، بينما واصل بنبرة منكسرة: أنا عارف إني ظلمتك، وليكي حق تعملي فيا إللي عملتيه... أنا مش زعلان منك..

رفع عينيه إليها وقال بصدق غريب: بس صدقيني يا ماسة أنا خايف عليكي، أنتِ أكتر واحدة اتداس عليها في القصر ده، وأكتر واحده دفعت التمن.

أشار إلى بطنها مضيف بتحذير حقيقي: فبلاش تدفعي التمن مرة تانية.

قال كلماته وغادر، تاركا ماسة في حالة من الصدمة، انهمرت دموعها بصمت وهي تحاول استيعاب ما سمعته.

نظرت حولها بتيه واضح كأنها لا تدرك أين هي، حاولت التنفس، لكنها لم تستطع فالهوا تجمد في صدرها كثلج البارد.

فقد خنقتها كلماته، فجلست ببطء على الأريكة، ووضعت يدها على فمها  بعينين متسعتين من الصدمه،  بدموع تهبط بلا توقف في صمت موجع.

كانت تصدق أنهم فعلوا بها ذلك... فهم فعلوا ما هو أسوأ بكثير؛  لذا لم يكن غريبا عليها أن يكونوا سبب إجهاضها أول مرة

لكن هذا الألم كان مختلفا، وأشد قسوة مما تحتمل.

فقد مرت سنوات طويلة حُرمت فيها من أن تصبح أما بسبب ذلك الإجهاض، سنوات كانت تتمنى فيها طفلا، تحلم بضحكة صغيرة تناديها "ماما"، لكن الحلم ظل بعيدا عنها وحين رزقت بطفلتها الثانية، حُرمت منها هي الأخرى وقتلت..

هم سبب كل شيء, دمروا حياتها مع سليم، سرقوا منها سنوات عمرها، وحرموا قلبها من أشياء كثيرة وسعادة كانت تستحقها.

أخذت تبكي أكثر فأكثر، قبل أن تخرج منها شهقة موجوعة لم تستطع كتمها

لم تعد قادرة على التفكير...ولا على اتخاذ أي قرار.
هل تذهب وتخبر سليم؟ 

تعلم جيدا أنه إن علم شيئا كهذا، فلن يمرره مرور الكرام.

سيقلب الدنيا رأسا على عقب.

شعرت بالحاجة للتحدث مع أحد، فقط لتخرج ذلك الوجع المختنق داخل صدرها.

نظرت حولها بعينين دامعتين، ثم بدأت تبحث عن هاتفها.

اتصلت بسلوى لكنها لم ترد.

حاولت الاتصال بوالدتها، ولم تجب هي الأخري

أغلقت عينيها للحظة وهي تقبض على الهاتف بقوة، تشعر بالاختناق يزداد داخلها وكأن وجع تلك السنوات، عاد دفعة واحدة ليطحن قلبها من جديد.

ظلت تحدق في شاشة الهاتف لثواني طويلة، تحاول أن تتذكر شخصا تستطيع التحدث معه.
شخصا تثق به، شخصا يستطيع توجيهها ونصحها.

وفجأة...تذكرت مكي.

رفعت الهاتف بسرعة، وضغطت على اسمه.
فور أن رد، قالت بصوت مختنق: مكي، إنت مع سليم ولا هنا؟

أجابها: لا، هنا، فيه حاجه؟

حاولت كتم دموعها: طب ممكن تيجي؟ أنا تحت في الليفنج.

أغلقت المكالمة وأخذت تنتظره وهي تبكي.

بعد قليل دخل، وما إن رآها على تلك الحالة حتى أسرع إليها وجلس بجانبها: في إيه يا ماسة؟ مالك؟ حد عملك حاجة؟

رفعت عينيها إليه ببطء، وبدأت تروى له ما قاله رشدي، كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة.

استمع إليها بصدمة، وما إن انتهت حتى سب بغضب: يا ولاد الكلب.. 

هزت رأسها بعنف قالت بصوت مكسور: أنا مخنوقة أوي يا مكي، بعد إللي حصل ده قعدت تلات سنين مش عارفة أخلف ولما الدكتور سمحلي، اكتشفت إن عندي مشاكل، وقعدت سنة كاملة على أدوية، الطفل ده كان ممكن يعيش، كان ممكن يبقى ابني أنا وسليم، الطفل إللي يمكن عمرنا مانعرف نجيبه تاني.

نظر إليها بحزن قائلا بعقلانية: ليه بتقولي كده؟ سليم حالته اتحسنت جدا، صحيح بقاله فترة مبيروحش المتابعة بسبب إللي حصل، لكن آخر راح الدكتور طمنه إن النسبه بدأت تعلي، كان قبل ماتفقدي الذاكره.

أومأت برأسها: أيوة، عارفة... هو حكالي. بس لسه مفيش حاجة مضمونة 100%، وبرضو الطفل ده كان موجود... وهما حرمونا منه.

أشار بيده برفق: أهدي يا ماسة الموضوع ده من سنين، عارف إنه مؤلم، بس لازم نفكر في إللي جاي، هنعمل إيه مع سليم؟

تنهدت تمسح دموعها: مش عارفة أقوله ولا لأ، حاسة لو قولتله هيتجنن.

هز رأسه سريعا مفسرا: سليم مينفعش يعرف دلوقتي فعلا، إحنا عرفنا نوصل لطرف خيط هيوصلنا للي عملكم الحادثه، وسليم لو عرف حاجة زي دي دلوقتي هيتصرف بتهور ويضيع كل حاجه، أنا عارف صاحبي كويس.

نظرت له بقلق: طب لو تابع الكاميرات وسمع؟

ابتسم ابتسامة صغيرة: أنا همسحها، وأمري لله.

اتسعت عيناها: سليم لو عرف هيبهدلك!

ضحك بخفة: ملكيش دعوة، أنا إللي هشيل الموضوع ده، وإنتِ خليكي طبيعية وكأن مفيش حاجة حصلت.

صمت للحظة، ثم نظر لها وقال بتمني: وبعدين، مش يمكن فعلا تكوني حامل؟

نظرت إليه بارهاق: إنت كمان هتقولي حامل!

هز رأسه بهدوء: وليه لأ؟ الأعراض اللى ظاهره عليكي بتقول كده، وسليم آخر تحليل عمله كانت النسبة عنده عالية.

خفضت عينيها وهمست: النسبه كانت عالية، بس مخفش!

صمتت للحظات، ثم تابعت بصوت مرتجف: أنا خايفة اتعشم يا مكي، خايفه اتعشم وتطلع كل أحلامي مجرد أوهام، ولو قولت لسليم حاجة زي دي، وهو كمان هيتعشم ويفرح أوى، ولو طلع مفيش حاجه، هيتوجع وهيتأثر.

توقفت تبتلع الغصة التي تكونت في حلقها ثم اضافت سليم موجوع جدا من الموضوع ده، إنت متعرفش مأثر فيه إزاي؟! لدرجة خايف يروح يعمل تحليل تاني تطلع النتيجة زي ما هي.

تنهد وقال بعقلانية: الخوف عمره ما عمل حاجة غير إنه وقف الناس مكانها، اكشفي وشوفي، مش هتخسري حاجه، ومش لازم يعرف، لو مفيش حمل يبقي خلاص مش هيعرف حاجه، ولو ربنا كرم وفيه، يبقى ألف مبروك.

ابتسم ومال للأمام: خلي عندك ثقه في ربنا وروحي اتأكدي.

عضت شفتها بتوتر: طب هخرج من هنا إزاي؟

رد مازحا: أنا اللى هقولك يعني يا ماسه؟ إيش حال إنك هربانه 3مرات منهم واحده مني أنا شخصيا.

ابتسمت بخفوت، فتابع ببساطه: يستي قوليله رايحة عند ماما أجيب شوية حاجات، وخدي سلوى معاكي، كده كده سليم بكرة هيبقى مشغول في معاينه الأرض علشان المجموعة إللي عايز يعملها، وهيبقى عنده ألف حاجة في دماغه، يعني هيبقى قدامك وقت وخدي عشري معاكي كمان.

رفعت عينيها إليه، وكانت نظراتها مازالت تحمل الكثير من الخوف والتردد.

مرت ثواني قبل أن تهز رأسها أخيرا ببطء: ماشي...

ثم أخذت نفسا عميقا وقالت: هروح أتأكد!

ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وهو يومئ برأسه.

أما ماسة فأعادت رأسها إلى الأريكة، لكن قلبها لم يهدأ.
كان ينبض بعنف بين الخوف والأمل،  الخوف من خيبة جديدة، والأمل من أن تكون للمرة الأولى منذ سنوات، على وشك سماع الخبر الذي انتظرته طويلا.

♥️______________بقلمي_ليلةعادل
في الجاليري6م

كانت سلوى جالسة خلف مكتبها داخل الورشة، منكبة على عملها بدقة، تفكك سلاسل صغيرة من الخرز وتعيد تركيبها في عقدٍ جديد، وكأنها تحاول أن تصنع من التفاصيل المبعثرة شيئًا كاملا، كان المكان حولها يعج بالحياة؛ زميلاتها يتحركن بين الطاولات، وأصوات الأدوات المعدنية الخفيفة تملأ الجو بإيقاعٍ ثابت.

اقتربت منها صديقتها منة بإبتسامة واسعة، وأنحنت قليلا لتلقي نظرة على مابين يديها، ثم قالت بحماس:
إيه يا سوسكا؟ حلو العقد إللي بتعمليه ده… ده عشان العرض الجديد؟

رفعت سلوى عينيها بابتسامة هادئة، وهي تكمل ربط الخيط في صمت، ثم أصدرت صوتًا خفيفًا:
آه… حلو.

ضحكت منة وقالت وهي تشير للعقد بإعجاب:
حلو جدا يا بنتي! إنتِ أصلا من المميزين هنا، ومستر سعيد طاير بيكي والله العظيم. أنا بفكر بصراحة إنك لازم تاخدي نسبة وتعملي شغلك لوحدك… هاتكوني من أقوى المصممين، وهاتتشهري بسرعة، خصوصًا إن عيلة جوز أختك من أشهر العائلات في تصنيع الذهب وبعدين إنتي بتعملي ديزاين شكله حلو أوي ومميز، ينفع كمان يتعمل منه الذهب في الألماس.

توقفت سلوى عن العمل للحظة، ثم قالت بهدوء يحمل شيئًا من الإصرار: أنا بصراحة مش بحب أستغل اسم أي حد أو أستفيد من مجهود حد سليم ساعدنا كتير. مش عايزة أي مساعدة أكتر من كده. أنا فعلًا بفكر أفتح حاجة لنفسي، بس بعد ما أخلص السنة دي في الكلية… وأبدأ بحاجة صغيرة كده على قدّي وهاتكوني معايا.

هزت منة رأسها بإعجاب، ثم مالت نحوها:
طيب… وإيه أخبار مكي؟

تغيّرت ملامح سلوى فورًا، وانخفضت نظراتها إلى العقد بين يديها، وقالت بصوتٍ خافت: لسة مش عايز يسمعني…

رفعت منة حاجبها بدهشة: هو إنتِ حتى حاولتي تكلميه؟ ولا خلاص؟

هزّت سلوى رأسها: لا… ما اتكلمناش من آخر مرة. أنا اشتغلت، وهو شكله كان مشغول جدًا. بس ساعات بكلمه، أسمع صوته بس… وأشغّل له أغنية كدة.

ضحكت منة بخفة وهي ترفع يدها: تشغّلي له أغنية؟! إيه شغل ابتدائي ده؟

ابتسمت سلوى ابتسامة صغيرة، وقالت بنبرة صادقة:
مش مهم ابتدائي ولا إعدادي… المهم إني حاسة بده، وهو أكيد حاسس بيا. المشكلة بس في ماما.

مالت منة للأمام بفضول: جابت لك عريس تاني؟ أقصد عاشر؟

ضحكت سلوى بخفة رغم ثقل الموضوع، ثم قالت:
"لا خالص… بس أنا كنت كلمتها وقولت لها إني عايزة أرجع لمكي بعد ما سبت طارق،. هي رحبت، بس أنا خايفة تفضل تزن عليّا لو الموضوع طول. ولو عرفت إنه رافض… هاتقول خلاص بقى.

رفعت منة حاجبها: هو إنتِ مش كلمتي مامته؟ كلميها تاني.

هزّت سلوى رأسها بسرعة: لا يا ستي… المرة إللي فاتت كان هةيتتجنن عليّا. ماينفعش أضغط أكتر من كده.

سكتت لحظة، ثم قالت منة وهي تنظر لها بجدية:
أنا بصراحة مش فاهمة… إنتوا ليه سيبتوا بعض أصلاً؟

انخفض صوت سلوى أكثر: فيه حاجات حصلت… مش هاينفع أقولها

تنهدت منة وقالت بهدوء: لو بيحبك بجد، هايسامح. لكن لو فضل على موقفه، يبقى عمره ما كان حب حقيقي.

سكتت سلوى للحظة طويلة، ثم أطلقت زفرة خفيفة وقالت وهي تعود لعملها: خلينا نكمّل شغلنا بقى، عاشان مستر سعيد ما يجيش يرفدنا. أنا محتاجة الفلوس الفترة دي بصراحة.

ابتسمت صديقتها وهي تعود لمكانها: يلا…

قصر الراوي،6م

جناح سليم وماسة

كانت ماسة تجلس على الفراش، متمددة وهي ترتدي قميصا منزليًا لطيفا، تنتظر عودة سليم لكن عقلها لم يكن هادئا أبدا.
منذ حديثها مع رشدي وهي لا تستطيع التوقف عن التفكير كلماته عن الحمل، وكلماته عن طفلها الأول...
وحديثه عن صافيناز.

كل شيء كان يدور داخل رأسها بلا توقف حتى شعرت بالاختناق، في تلك اللحظة أضاء هاتفها باسم والدتها.التقطته سريعا.

بنبرة متعبة: أيوة يا ماما، عاملة إيه؟

أجابتها: الحمد لله يا حبيبتي، كويسة إنتِ عاملة إيه؟

اومأت بضيق: الحمد لله: كلمتك من شوية، كنتِ فين..

اجابتها: كنت بصلي، وبعدها أكلت، في حاجة يا حبيبتي صوتك مش عاجبني..

وقبل أن تجيب...فُتح باب الجناح.

رفعت رأسها لتجد سليم يدخل بابتسامة واسعة، وفي يده باقة من الزهور تغيرت ملامحها فورا.

وأخفت كل ما كان يدور داخلها قالت بتمثيل: 
طب تعالي يا ماما، أقعدي معايا يومين، إنتِ وحشتيني.

اقترب سليم منها وهو يضع الباقة بجانبها قائلا بدلع: قطعة السكر وحشتيني.

ردت بإبتسامة: وانت كمان، بكلم ماما.

ابتسمت سعدية من الطرف الآخر: حمد لله على السلامة سلملي عليه.

أخذ سليم الهاتف منها للحظة وقال بابتسامة:
الله يسلمك يا طنط عامله ايه، أبقي تعالي

ضحكت سعدية: ان شاء الله.

أخذت ماسة الهاتف من سليم: سمعتي تعالي بقى.

اجابتها: حاضر هجيلك، يلا  اقفلي، روحي غدي جوزك  هكلمك تاني سلام..

وضعت ماسة الهاتف جانبها وحاولت أن تبدو طبيعية.

ثم نظرت إلى الباقة وقالت: الورد الحلو ده ليا؟

اوما وهو يناولها الباقة: طبعا أحلى قرنفل لأحلى قطعة سكر في الدنيا.

ثم انحنى وقبل خدها بخفة، رفعت ماسة عينيها إليه وظلت تنظر له لثوانٍ طويلة، في تلك اللحظة لم تكن تريد الحديث.

لم تكن تريد شرح مايدور داخلها، كل ما كانت تريده هو أن تشعر بالأمان، أن تشعر أنه موجود، أن تختبئ بحضنه، وفجأة اندفعت نحوه وألقت نفسها بين ذراعيه.

احتضنته بقوة شديدة حتى تفاجأ هو من رد فعلها،
دفنت وجهها في عنقه وشدت على قميصه بأصابع مرتجفة، وكأنها تحاول الاقتراب أكثر رغم أنها بين ذراعيه بالفعل.

كأنها تريد أن تصبح جزءًا منه، أن تختبئ داخله من كل ما يخيفها.

ضمها سليم فورا، ثم شدد ذراعيه حولها بحماية وهو يشعر بتوترها الواضح، كانت تتشبث به بقوة غير معتادة، قوة جعلته يدرك أن هناك شيئا يثقل قلبها.

مرر يده على ظهرها برفق تسأل بقلق: مالك يا حبيبتي؟

هزت رأسها بسرعة وهي مازالت مدفونة في حضنه،
حاولت السيطرة على تلك الدموع الحارقة التي تجمعت خلف عينيها

أخذت نفسًا عميقا، ثم ابتعدت قليلا قبل أن ترفع وجهها إليه: مافيش.

لم يقتنع.

وكان ذلك واضحًا في نظراته، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة وقالت: بس بحبك.

ارتخت ملامحه قليلا. فأكملت بصوت خافت: وعايزة أفضل قريبة منك... وأحضنك.

ابتسم سليم ومد يده يمسح على خدها بحنان،
ثم جذبها إليه من جديد.

فاستكانت بين ذراعيه وهي تغمض عينيها ولأول مرة منذ حديثها مع رشدي، شعرت أن الضجيج داخل رأسه، ونيران قلبها  هدئت ولو للحظات.

مال برأسه وهو يدقق النظر في ملامحها تلاشت ابتسامته قليلًا وهو يتأمل وجهها: تؤ فيكي حاجة حد ضيقك؟! 

هزت راسها مسرعه: لا خالص ماشفتش حد أصلا، أغلبية الوقت قاعدة هنا وبعدين نزلت الليفنج تحت  وبعدين طلعت قاعدت هنا.

اعتدل فورا وقال بقلق:طب يلا، أوديكي للدكتور.

هزت رأسها بسرعة: مش مستاهله، بص لو فضلت 
كدة لبكرة نبقى نروح.

نظر إليها بضجر من ولدنتها: إحنا مش كبرنا على حوار إننا بنخاف من الدكتور ده.

ابتسمت ابتسامة باهتة: ما أنا مش تعبانة للدرجة يعني، يمكن عشان مش بنام كويس، والحوارات إللي عندنا بقالها فترة، طبيعي أبقى مرهقة.

تنهد وهو يمرر يده على ساقها بحنان. معلش يا عشقي، كل حاجة هتبقى كويسة قريب.

هزت رأسها بصمت.

ثم سألت محاولة تغيير الموضوع: هو فعلا الباشا خرج من المستشفى... 

اومأ بإيجاب: اممم كمان شوية عايز يشوفنا كلنا مع بعض في الأوضة هيقعد في أوضة من الأوض إللي تحت... 

قلبت وجهها بضيق يعكس رفضها، تبسم وهو يحاول أقنعها، مسح على خدها بحنان: معلش، مضطرين نمثل قدامه شوية فعشان خاطري متضايقش، أنا كمان مش عايز أشوف ولا حد فيهم، بس مضطر عشان المسلسل اللي عملينه يتصدق، الباشا زكي جدا واللعب معاه مش سهل، مش زي الهانم خدي بالك.

تبسمت وهي تمسح على قدمه تنهدت: عشان خاطرك أتحمل النار حتى..

تنهد طويلا وأراح رأسه على ظهر السرير: عارف. يا عشقي..

ابتسم وهو يمرر يده بين خصلات شعرها وقال: عموما، هنزل نتعشى تحت النهاردة، ولا حابة تفضلي تتعشي هنا وحياتك كلها تبقى في الأوضة دي؟

رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه باعتراض مفسرة:على فكرة، أنا بتمشى، وبروح أوقات أوضة الموسيقى، وبخش المكتبة، وبلف زي النحلة الدايخة في القصر أنا ولوجين من كتر الزهق... أنا إللي بيخليني نتعشا هنا، إني مابحبش أشوفهم، مش هينفع أكل معاهم عيش وملح وأنا بلعب بيهم، ومخبيلهم في ظهرى خنجر، ماتربتش على كده ماتربتش أكون خاينة العيش والملح..

سكتت ماسة للحظة.

ثم فجأة رفعت رأسها وسألته:هو إنت قولتلي قبل كده إن صافيناز شالت الرحم؟

هز رأسه بالإيجاب: أيوه. ما إحنا سمعنا الكلام ده سوا.

تمتمت ماسة بشرود: سبحان الله... ربنا اخد حقي وانا معرفش 

نظر إليها مستفسرًا؟!  ثم أشاحت بوجهها قليلا وهي تقول: ربنا مارزقش أختك وحرمها من الخلفة عشان عارف إنها ماتستاهلش وعارف اللي عملته فيا.

ساد الصمت للحظات. نظر لها يحاول فهم ما وراء حديثها، فجاه تهز رأسها وكأنها تطرد تلك الأفكار،: مش عايزة أتكلم في الحوارات ده.

ثم رفعت باقة الورد وابتسمت ابتسامة صغيرة: أنا عايزة أستمتع بالورد الحلو إللي إنت جايبه.

ثم انحنت تقبل خده بخفة.

ثم مالت مرة أخرى وضمته وسندت رأسها على صدرة نظر لها لثواني يشعر أن هناك شئ بها 

يظهر خلف نظراتها الهاربه خلف كلماتها التي مهما حاولت الاختباء تسقط امامة.

اعتدل من جلسته ورفع ذقنها تسال: ماسة مالك؟! مش هقولك تاني؟!

هزت رأسها سريعًا: مافيش يا سليم حقيقي مافيش إرهاق.. وعايزة أفضل في حضنك كده وبس 

نظر إليها طويلا غير مقتنع: بس؟

أومأت برأسها؛ اها خليني في حضنك شوية، ممكن؟

تلينت ملامحه أكثر: ممكن طبعًا.

أسند رأسه وظهره إلى ظهر الفراش، ثم جذتبها بين أحضانها، ثم احاطها برفق حتى استقرت بين ذراعيه بالكامل ثم ووضع قبلة طويلة فوق رأسها.

بينما استكانت هي على صدره تستمع إلى دقات قلبه.

أما سليم...
فكان متاكدت أن هناك شيئا ما يثقل قلبها شيئًا أكبر من مجرد إرهاق أو يوم سيئ، لكنه لم يضغط عليها.
وأكتفى بضمها إليه أكثر.

في حين أغمضت ماسة عينيها بقوة، تحاول أن تمنع نفسها من البكاء لأنها للمرة الأولى منذ سنوات...
كانت تخاف من الأمل أكثر مما تخاف من الخيبة نفسها.

في أحد الغرف الصغيرة المجهولة على سطح منزلٍ ريفي قديم.7م

كان الصمت يخيّم على المكان إلا من صوت تلفازٍ صغيرٍ قديم يصدح بصوتٍ منخفض، وضوءٍ أصفر مرتجف ينسكب على الجدران المتشققة

كان “تمساح” جالسًا على كرسي خشبي مهترئ، مائلًا بجسده إلى الخلف، ساقاه ممدودتان على طاولة صغيرة غير مستقرة، يمسك بسيجارةٍ بين أصابعه، ويشرب كوب شايٍ بارد، بينما عينيه شاردتان في الشاشة، لكن ذهنه في مكانٍ آخر تمامًا.
كان التوتر يلتف حوله رغم محاولته إخفاءه… كمن يجلس فوق قنبلة لا يعرف متى تنفجر.
وفجأة…
ثلاث خبطات متتالية على الباب، بنغمةٍ محددة يعرفها جيدًا.

تجمد تمساح في مكانه للحظة، ثم نهض ببطء، يده تنزلق تلقائيًا نحو موضع سلاحٍ مخفي بجانبه.

اقترب من الباب بحذر، وإنحنى قليلا نحو الفتحة الصغيرة، ثم سأل بصوتٍ منخفض: مين؟

جاءه الرد سريعًا من الخارج: افتح يا عم… أنا.

تنهد تمساح بارتياحٍ خفيف، كأن الهواء عاد إلى صدره بعد انحباس، ثم فتح الباب قليلًا، قبل أن يوسّعه ليدخل الشاب بسرعة ويغلق الباب خلفه.

ما إن دخل حتى التفت إليه بحدة، وقال بلهجة غاضبة: إيه يا عم؟ مالك كده كل ما الباب يخبط هاتترعب كدة؟ وبعدين مش إحنا متفقين على خبطة معينة؟ يعني إللي جاي هايستأذن قبل مايدخل، هايدخل ويكسر الباب فوق دماغك.

ظل تمساح صامتًا لحظة، عينيه ما زالتا تراقبان الباب بحذر، ثم قال بهدوءٍ ثقيل: لازم أكون واخد احتياطي… الدنيا مش مضمونة.

تقدّم الشاب ووضع الأكياس على الطاولة، وقال وهو يهز رأسه: جبت لك أكل وشاي ودخان… يكفوك يومين تلاتة. بس قولي بقى… هاتفضل مستخبي كده لحد إمتى؟!

رفع تمساح عينيه إليه، وفي صوته توتر واضحة:
إنت فاكر الموضوع سهل؟ إللي داخلين معاه دول مش عيال، دول حيتان كبار. وأنا بالنسبة لهم بساريا

رد الشاب بسرعة، وقد بدا عليه الضيق: طب وبعدين؟ طول ما إنت مستخبي كده هاتفضل صغير، فات أسبوعين؟! خد باقي فلوسك وتنغنغ إنت وعيالك.

سكت تمساح لحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض:
أنا بلعب مع ناس لو غلطت غلطة واحدة… مش هتلاقيلي أثر.

اقترب الشاب منه قليلا وقال بنبرة حاسمة: أسمعني أتصل بيه وخلص، وخلي المقابلة في مكان زحمة، ميدان كبير، محطة مترو، أي مكان مليان ناس. لو فكر يغدر، هاتعرف تفلق ووقتها زعلوا بالتسجيل إللي معاك وأطلب الضعف.

ابتسم وهو يوميء برأسه: هو ده إللي هايحصل. المهم عايزك تروح لأم العيال عند أمها، تطمّنها وتديها قرشين، قولها إني لسه في سفريّة الشغل.
أومأ برأسه بصمت

♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

قصر الراوي 

جناح عزت وفايزة،7م

كان عزت ممددًا على الفراش، تبدو عليه آثار التعب والإرهاق، بينما ألتف الجميع حوله، عدا رشدي الذي لم يكن موجودا

فريدة بابتسامة سعيدة :حمد لله على سلامتك يا بابي.

ابتسم إبراهيم وهو يقترب: نورت قصرك يا باشا.

لوجين بعتاب لطيف: أنا كان نفسي أجيلك، بس الهانم قالت غير مسموح.

ابتسم عزت ابتسامة خافتة: أنا كويس.

ثم وقعت عيناه على صافيناز، فشعر بالحزن من ملامحها الشاحبة وعينيها التى تشبه الأموات: عاملة إيه يا صافي؟

رفعت عينيها التى تخلى من أى شيء، وقالت بصوت واهن: كويسة.

شعر عزت أن شيئًا ما ليس على ما يرام، فنظر إلى عماد: عماد… خد بالك منها.

أومأ عماد سريعا: دي في عيني يا باشا.

ثم نظر عزت حوله وسأل:فين رشدي أنا عرفت أنه رجع؟

أجابته فايزة بهدوء: إلهام قالتلي رجع تعبان من شويه ونام.

تسأل باهتمام، طب وصلتوا للي عملها  

أجابه سليم: لسه بس قريب؟!

نظر إليه عزت باهتمام: سليم، لازم تقعد معايا وتقولي وصلت لإيه

فريدة قاطعته بسرعة: الدكتور قال ترتاح يا بابي.

تنهد عزت بعناد:مشهرتاح غير لما أطمن على المجموعة.

ياسين بمهاودة: يومين بس وهانقعد معاك أنا وسليم.

في تلك اللحظة، كانت ماسة تقف بينهم، لكن شيئًا بداخلها كان يضيق أكثر فأكثر منذ حديثها مع رشدي، وهناك ثقل يجثم فوق قلبها وفجأة، وقعت عيناها على صافيناز ثم على فايزة.

فبدأت أنفاسها تتسارع دون إرادة منها، وشعرت بالاختناق شعرت بغضب جزت على اسنانها حتى كاد أن يسمع صريرها..

لاحظ سليم ذلك، فاقترب منها قليلا، حتى لا ينتبه احد احاط بذراعه حول ظهرها، قال للجميع: طب إيه… نسيب الباشا يرتاح.

أومأ الجميع بالموافقة وبالفعل، بدأ الجميع يتحركون نحو الخارج.

وبقيت فايزة وحدها مع عزت.

نظر عزت إلى الباب الذي خرجت منه صافيناز، وقال بقلق: صافي شكلها تعبان أوي.

ابتسمت فايزة مطمئنة: جبنالها دكتور النهاردة، هتبقى أحسن، إنت ارتاح وماتشغلش بالك بحاجة.

هز عزت رأسه، ثم أغلق عينيه بتعب.

أما في الخارج…

فكانت ماسة تقف مستندة إلى الحائط، واضعة يدها على صدرها تحاول ألتقاط أنفاسها.

بينما كانت صافيناز تمر بجوارها بوجه شاحب وعينين متعبتين، جزت ماسة على أسنانها، وتحركت خلفها وكأنها تنوي فعل شيء.

لكن يد سليم أوقفتها برفق، وهو ينظر إليها بإستغراب: عشقي… على فين؟

ابتلعت ريقها بتوتر، وأبعدت عينيها عن صافيناز:
مافيش… طالعة أوضتنا بس. هركب الأسانسير… مش قادرة.

أومأ برأسه، ثم أحاط خصرها بذراعه بحنان:يلا.

تحركا معًا نحو المصعد لكن ماسة كانت تنظر بطرف عينيها إلى صافيناز، التي كانت تسير أمامها بجانب عماد وهي تشعر بنيران تشتعل بداخلها، نيران تدمر كل ما يأتي أمامها، كانت تتمنى لو تستطيع الصراخ في وجههم، واقتلاع قلوبهم في يدها ثأرا لطفلها الذي قتلوه بدماء باردة، لكنها فضلت الصمت خوفا علي سليم من غضبه الذي يصعب السيطرة عليه.

أما عماد، فكان يسير بجوار صافيناز وهو يقول بهدوء: بقولك إيه… أنا هروح مشوار مهم.

أومأت صافيناز بصمت.

لم تعلق كانت وكأنها في عالم آخر، شاحبة، تائهة…منكسرة.

ثم تحركت نحو الدرج لتصعد إلى غرفتها، أشار عماد إلى أحد الخدم:وصلي الهانم لفوق

أومأت حاضر يا فندم.

واستدارت صافيناز تتحرك بخطوات بطيئة، بينما بقي عماد مكانه للحظات ثم تحرك مبتعدا خارج القصر.

في إتجاه آخر… عند ماسة وسليم

دخلت ماسة الجناح، وما زالت تشعر بالاختناق وثقل يطبق على صدرها.

اقترب منها سليم من الخلف، وأحاطها بذراعيه، ثم شدها إليه برفق وهمس: مالك يا حبيبتي؟

التفتت إليه بسرعة، وأجبرت نفسها على الابتسام:
مافيش… زي ماقولتلك مرهقة بس 

ضمها أكثر، وقبل رأسها بحنان: طب تعالي نرتاح شوية.

رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تلمع فيهما:
أنا بحبك أوي يا سليم.

ابتسم بحب، ومسح دموعها بإبهامه: وأنا كمان بحبك أوي… أكتر مما تتخيلي.

ارتمت بين ذراعيه بقوة، وكأنها تهرب من العالم كله إليه، ظل يضمها بحنان، بينما كانت تتمسك به أكثر.

ثم ابتعدت قليلًا، تنظر إليه بشوق وحزن، وكأنها تخشى أن تخسره.

ابتسم لها، ومرر يده على وجنتها: إيه النظرة دي؟

ابتسمت وسط دموعها: نفسي أفضل كده في حضنك… طول العمر.

ضمها مرة أخرى، وأسند رأسها إلى صدره: وطول العمر هتفضلي هنا… في حضني.

ظلت هكذا لدقائق وهو يمسح على شعرها من الخلف 
رفعت رأسها ونظرت له بتدقيق، فجأة وضعت شفتيها على شفتيه وقبلته قبلة عميقة وأخذا يتبادلون القبلات بعشق، ثم تحركا نحو الفراش و وو

في إتجاه آخر. عند لوجين وياسين

جلس ياسين ولوجين في غرفتهما بعدما بدلا ملابسهما، وكان الهدوء يسيطر على المكان.

تنهدت لوجين وهي تجلس بجواره:جو القصر بقى صعب أوي.

أومأ ياسين بتعب:مضطرين نتحمل.

سكتت قليلا، ثم قالت بتردد: بقولك إيه؟! فيه موضوع مهم بيحصل، بس ماكنتش حابة أقولك لإني عارفة إن دماغك مش متحملة بس لازم تعرف.

ألتفت إليها باهتمام:في إيه؟

تنهدت لوجين بحزن: نالا بقالها فترة متغيرة معايا، مش عارفة ليه؟! مش متقبلة مني أي كلام، وكل ماتشوفني تمشي وتجري! ما أعرفش فيه إيه؟!وبعدين حسيت إنها خايفة مني، مش مجرد زعل.

أومأ ياسين بتفهم: أنا فعلًا لاحظت ده من وقت مارجعنا، إنها متغيرة معاكي، بس الحاجات إللي حصلت وعرفتها خلت دماغي مش فيا.

أومأت بتفهم عقلاني: أنا مقدرة ده، بس لازم تفهم منها في إيه، أنا مش حابة أبدا إنها تكون واخدة مني موقف، ومش هقبل إني أبقى في نظرها زوجة أب.

ابتسم ياسين بخفة:إيه الكلام الكبير ده؟ دي نالا طفلة.

قالت بجدية: وعلشان طفلة، لازم ماتحسش أبدا، بالمفهوم ده، وتفهم إني مش جاية أخد مكان مامتها،

هز رأسه مبتسما: إنتِ مكبرة الموضوع، أكيد زعل أطفال عادي.

تنهدت وهي تنظر أمامها: أتمنى.

أمسك يدها بحنان: حبيبتي، بطلي حساسية شوية.

ابتسمت بخفوت: أنا بكرة هروح لماما؟

أومأ: ماشي… بس خدي الحراس معاك.

ابتسمت:  حاضر.

ثم ساد الصمت بينهما، بينما بقيت لوجين شاردة، وقلبها غير مطمئن، دون أن تعرف أن هناك شيئًا أكبر من مجرد زعل طفلة… شيئا تخفيه نالا في قلبها الصغير.

♥️____________بقلمي_ليلةعادل 

أحد الكافيهات التي تضم بارا خاصا،11م

جلس عماد في ركن بعيد، وأمامه أحد الرجال، وبينهما كأسين كان يمسك بين يديه عدة جوازات سفر، يقلب فيها واحدا تلو الآخر.

جواز له وجواز لسارة وجوازات بأسماء جديدة لأبنائه منها وأخرى لأولاده من صافيناز.

ابتسم الرجل الذي أمامه بفخر: شغل على نضيف أوي ماحدش هيشك في حاجة.

رفع عماد عينيه إليه: تمام.

لكن الرجل سأله باستغراب: بس ليه يا عماد بيه؟
يعني إيه لازمة الأسماء الجديدة والكنية الجديدة؟
إنت ممكن تسافر باسمك عادي.

تغيرت ملامح عماد، وقال بحدة: ماتسألش على حاجة مش اخدت فلوسك،  يلا أخلع من هنا.

أومأ الرجل برأسه سريعا، وتناول الكأس دفعة واحدة، ثم غادر.

أما عماد…فظل جالسا وحده لعدة دقائق، وبعد قليل دخلت سارة.

سحبت المقعد وجلست أمامه: استغربت أوي لما قولتلي نتقابل بره مش خايف حد يشوفنا؟

ابتسم عماد بسخرية: يشوفونا؟!ما أنا وإنتي أصحاب أي حد يشوفنا في مكان عام عادي المهم…أنا استلمت الباسبورات.

مد يده أسفل الطاولة وأعطاها إياها بطريقة خفية:
خليهم معاكي، قريب أوي هنسافر..

صمت للحظة ثم قال: فيه فكرة في دماغي، هانفذها بس مضطر أسافر بره علشانها،  هاقو لهم إني بحاول أظبط شغل صافيناز، بعد ما المستثمرين سحبت فلوسها، ونسبتها من الشركة، ولو الفكرة دي نفعت، هنبقى في أمان، الأمان.

نظرت إليه بقلق: وإيه الفكرة إللي في دماغك؟

ابتسم ابتسامة غامضة: هكلم تيمو.

عقدت حاجبيها: مين تيمو؟

أجاب مفسرا بيشيطانية: أخو إيريك، بس ده دماغه رايحة منه،حامي زي رشدي…مندفع وهيموت وينتقم من سليم وأي شغل سليم بيدخله بيدخل قصاده لسه مش قادر ينسى إللي حصل لأبوه ولو تيمو بقى معانا، إحنا كده خلاص ركبنا وماحدش هايقدر علينا.

شحب وجه سارة قالت بتوتر: أنا خايفة يا عماد، من رأيي نسيب كل حاجة، حتى لو هانعيش بأسماء مزورة، مش مهم، المهم نعيش مع بعض، علشان ولادنا…وعشان ولادك…أقصد…ولادك بالعشرة.

هز رأسه بعناد: لازم يبقى لينا ضهر.

ثم نظر حوله وقال بهدوء: يلا قومي أمشي كأنك شوفتيني وسلمتي عليا ومشيتي، وأقعدي في أي حتة، وأنا شوية وهمشي،  وهحاول أجيلك قبل ما أسافر.

تساءلت: طب قولي اللي اسمه تمساح ده ظهر؟!

جزع على اسنانه بضجر: لا عندي معاد مع الوسيط كمان ساعة، هسالة يمكن يعرف له طريق. 

أومأت سارة، ونهضت بهدوء، ثم ابتعدت عنه.

أما عماد، فظل جالسا ينظر أمامه بإبتسامة رضا
وكأنه يظن، أنه أخيرا أفلت وترك كل شيء خلفه.

لكن…في الطاولة المقابلة…كان رجل يجلس وحده
يضع قبعة منخفضة على رأسه يمسك فنجان قهوته بهدوء، كانت عيناه مثبتتين على عماد وفي أذنه سماعة صغيرة بينما كان عماد…لا يعلم أن خطواته كلها…كانت تراقب.

بعد وقت في قصر الراوي.

الصمت يعم المكان، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس الليل الهادئة ونبضات قلب ماسة المتسارعة وهي تتقلب فوق الفراش بجوار سليم، كانت كلمات رشدي ماتزال تدوي داخل رأسها كالمطرقة، تضرب بلا رحمة.

عيناها امتلأتا بالدموع الساخنة، والغضب يحترق في صدرها كجمر حتى كاد يخنقها..

نعم، مرت سنوات طويلة، تجاوزت تلك المرحلة منذ زمن..

لكن بمجرد أن علمت ما فعلوه صحوا بها وجع دفين

هي لا تبكي على الطفل نفسه بقدر ماتبكي على الحقيقة كلها، على أنهم سرقوا منها فرصة أن تكون أما، أن يكون لها طفل من سليم، طفل يحمل ملامحه وملامحها معا..

كلما فكرت في الأمر شعرت بأن النار تزداد اشتعالا داخلها.
بدا اسم صافيناز يضرب في عقلها استمع لها كممسوسة..
صافيناز...
صافيناز...
صافيناز...
من بين الجميع كانت هي أكثر من آذاها ربما أكثر حتى من فايزة ورشدي، قضية تمس شرفها قتلت احتمال أن تكون أم، وربما هناك الكثير

وفجأة...

شعرت وكأن شيئا يطبق على رقبتها، كأن حبلا يلتف حول عنقها ويشد بقوة، فنهضت من مكانها دفعة واحدة.

في اللحظة نفسها فتح سليم عينيه.

نظر إليها باستغراب: عشفي مالك؟ ؟

التفتت إليه بسرعة: مافيش يا سليم.

جلس جانبها ومسح على شعرها بحنان، ثم أشعل الأباجورة.

أخذ يتأمل وجهها للحظات: لا... فيه حاجة،  إنتِ مش عاجباني من بدري.

أجبرت نفسها على الابتسام. مافيش والله، أصلي عطشانة .

لم يرد، نظراته أوضحت أنه لا يصدق كلمة واحدة،
فهو يحفظها أكثر مما تحفظ هي نفسها.

مدت يدها وأخذت كوب الماء واحتست منه عدة رشفات ثم عادت إلى الفراش.

تأملها قليلا والشك يتآكل داخله تنهد ثم اقترب منها واستلقى خلفها.

لف ذراعه حول خصرها وسحبها إلى صدره، وقبل خدها قبلة خفيفة: طب نامي يا عشقي.

أغمض عينيه وكأنه استسلم للنوم.

أما هي، فكانت أبعد ماتكون، ظلت تحدق في الظلام.

الدقائق تمر ببطء شديد حتى خطرت في رأسها فكرة، فكرة جعلت قلبها ينبض بقوة رفعت رأسها بحذر شديد ونظرت إلى سليم.

وجدته مغمض العينين ويتنفس بهدوء انتظرت عدة ثوانٍ أخرى لتتأكد.

ثم بدأت ترفع ذراعه عنها ببطء شديد، ببطء يكاد لا يُرى.

حتى تحررت من بين ذراعيه، جلست على حافة الفراش.

ارتدت عباءتها المنزلية على عجل فوق قميصها ثم اتجهت نحو الباب.

فتحت الباب بحذر، وخرجت من الغرفة أُغلقت الباب خلفها بهدوء.

وفي اللحظة نفسها، فتح سليم عينيه فكان مستيقظا منذ البداية.

تنهد ببطء وهو ينظر إلى الباب المغلق ثم همس لنفسه بصوت خافت: كنت عارف إنك مخبية حاجة يا ماسة...

نهض من مكانه فورا، وعيناه متسعتان بالقلق، ثم اندفع خلفها بخطوات حذرة لا يسمع لها صوت.

كانت ماسة تتحرك في الممر بهدوء غريب، كأنها ليست على طبيعتها، الأجواء كانت مظلمة وثقيلة، وسليم يتبعها من مسافة، يراقب كل حركة منها محاولا فهم ما الذي تنوي فعله، وكلما التفتت حولها كان يختبئ سريعا حتى لا تشعر بوجوده.

صعدت الدرج حتى الطابق العلوي، واتجهت مباشرة نحو غرفة صافيناز. توقفت لحظة أمام الباب، ثم فتحته ببطء شديد.

كانت صافيناز نائمة بعمق، وحدها فعماد لم يأتي بعد، وقفت ماسة عند الطرف الآخر من الغرفة، تحدق فيها بصمت، وعيناها تشتعلان غضبا مشوشا، كأن لونها تغير من شدة الانفعال، ملامحها لم تكن ملامحها المعتادة، بل مزيج من الحقد والألم.

تمتمت بصوت منخفض، مكسور لكنه حاد: إنتي السبب... لازم أخلص عليكي... زي ماقتلتيني، إنتي دمرتي حياتي.

اندفعت نحو السرير بسرعة، أمسكت وسادة صغيرة، وهوت بها على وجه صافيناز بعنف. 

استيقظت الأخرى مفزوعة، تصرخ وتقاوم، تحاول دفع ماسة بعيدا وهي تلهث: إنتي اتجننتي؟! بتعملي إيه؟! بتعملي إيه؟! أبعدي عني!" ألحقوني

صرخت بصوت عالي ...

لكن ماسة كانت وكأنها في حالة انفصال تام عن الواقع، لا ترى ولا تسمع إلا صوت غضبها الداخلي استمرت بكل ما فيها من قوى في السيطرة على الوسادة..

نجحت صافيناز أن تدفعها للخلف بعنف لكن ماسة لم تتوقف عادت مره أخرى ووجهها يشتعل بغضب جعل ملامحها البريئة  تختفي

وواصلت محاولة السيطرة عليها وهي تردد بإنفعال: ليه عملتي فيا كدة؟ ليه؟! عملت فيكي ايه؟! هقتلك زي ما قتلتني.

كانت صافيناز تصرخ وتقاوم رغم ضعفها، بسبب تأثير المهدئات التي في جسدها جعل حركتها أبطأ وأثقل، وكأنها تقاتل وهي تغرق.

كل ذلك لم يستغرق سوى ثوانٍ، لكنها بدت كدهر كامل.

فجأة...أنفتح الباب بقوة.

دخل سليم مسرعا، وعيناه تتسعان من الصدمة: ماسة إنتي بتعملي إيه؟!

اندفع نحوها فورا، وأمسكها من ذراعها بعنف، محاولا إبعادها عن صافيناز. لكنها كانت تقاوم بشكل غير متزن، وكأنها لا تدرك من أمامها.

سحبها بقوة بعيدا، ثم دفعها للخلف وهو يلتقط أنفاسه بصوت حاد: ماسة بتعملي إيه؟!

رفعت عينيها في توتر واضح، نظراتها مازالت مضطربة، كأنها لم تخرج بعد من الصدمة. 

سحبها من ذراعها بقوة خارج الغرفة، صوته منخفض لكن حاد:يلا قدامي... أمشي من غير كلام.

ظلت تنظر له لثواني وصدرها يعلوا ويهبط

جذبها وهو يقول ببحه رجوليه: يلا

وكل ذلك كانت صافيناز تصرخ 

خرجت معه للخارج تسير خلفه بصمت، خطواتها سريعة لكنها غير مستقرة، وعيناها تجولان في المكان كأنها تحاول استيعاب ماحدث للتو. 
وكانها أخيرا عادت لطبيعتها..

كانت الممرات شبه مظلمة، بينما بدأت الحركة تدب في القصر شيئا فشيئا؛ أحدهم استيقظ، وآخر فتح باب غرفته، وهمسات متفرقة أخذت تتعالى تدريجيا
بينما صرخات صافيناز مازالت ترن في أرجاء القصر..

ألتفت سليم حوله بقلق، يراقب أي حركة قد تفضحهما، ثم أمسك بيدها سريعا وسحبها إلى إحدى الغرف القريبة، عبراها في عجلة، خرج منها من الباب الآخر وتجه نحو المصعد بخطوات سريعة.

دخلا إلى الداخل، فضغط الزر فورا، ثم قال بصوت خافت وحازم:ماتطلعيش صوت... فاهمة؟

هزت رأسها بصمت دون أن تنطق بكلمة، وما إن توقف المصعد حتى خرجا بسرعة إلى ممر جانبي أقل إضاءة

سار سليم عدة خطوات، ثم أوقفها فجأة عند إحدى الزوايا، وعيناه تتفحصان المكان بحذر شديد:
استني هنا... ماتتحركيش.

ألقى نظرة سريعة حوله مرة أخرى، فوقع بصره على ياسين الذي يركض من بعيد وخلفه لوجين
جز على أسنانه بضيق وهو يفكر في مخرج سريع، 

ثم لمح غرفة في نهاية الممر، أمسك بيد ماسة وسحبها إليها مسرعا، وأدخلها إلى الداخل قبل أن ينتبه إليهما أحد

سليم بصوت خافت وحازم: خليكي هنا... هرجعلك تاني.

أومأت له بصمت، بينما استدار هو وغادر الغرفة سريعا

ما إن أُغلق الباب خلفه حتى أسندت ماسة ظهرها إليه، ثم ضربت جبينها بكفها وهي تبكي في صمت، لا تعرف كيف ستخرج من هذه الورطة، ولا كيف ستواجه سليم بعد مافعلته.

كان صوت صافيناز يملئ المكان بفزع وهي تركض في الممر: ألحقوني! ألحقوني! ماسة عايزة تقتلني!

على الجانب الآخر، كان سليم يتحرك بسرعة حتى وصل إلى درابزين الدرج، محاولا أن يبدو وكأنه استيقظ للتو على الضجة.

كان الجميع قد خرجوا من غرفهم على أثر الصراخ، حتى الخدم تجمعوا في الممرات بوجوه مذعورة، 

صعد ياسين الدرج مسرعا، ولحق به عدد من الخدم، حتى وصلوا إلى صافيناز التي كانت تقف في منتصف الدرج بحالة من الهلع.

ياسين وهو يقترب: مالك يا صافي.

صافيناز بذعر: ماسة! ماسة كانت في أوضتي! كانت هاتموتني!

توقف ياسين اماهها وأمسك كتفيها محاولا تهدئتها: أهدي بس... أهدي وفهميني حصل إيه بالظبط.

لكنها كانت ترتجف بعنف، وعيناها متسعتين من الخوف قالت بنبرة متلعثمة:كنت نايمة... وفجأة لقيتها فوقي... كانت عايزة تقتلني!"

اقتربت فايزة بسرعة وهي تنظر إليها بعدم تصديق: إيه إللي بتقوليه ده يا صافيناز؟ أهدي بس...وواطي صوتك الباشا تعبان ونايم.

وفي تلك اللحظة وصل سليم إلى الممر، وتوقف أمامهم ببرود محسوب: في إيه؟! إيه الصويت ده؟

التفتت إليه الأنظار جميعا، فأشارت إليه صافيناز بسرعة وهي تلهث: مراتك! دخلت عليا الأوضة كانت عايزة تقتلني!

رفع سليم حاجبه باستغراب بارد، ثم نظر إليها نظرة ثابتة: مراتي نايمة في أوضتها.

اعترضت بصراخ: لا كانت معايا في الاوضه 

اجابها بنبرة حادة يملؤها الاستهجان: إنتِ بتقولي إيه؟ بلاش هبل وجنان.

صافيناز بإنفعال: أنا مش مجنونة! كانت هنا... وفي راجل طويل جه وخدها ومشاها!

أطلق سليم ضحكة ساخرة قصيرة: كمان راجل طويل؟ صافيناز، مراتي نايمة في حضني.

ثم هز رأسه بضيق: كده ماينفعش... شكل الحالة فعلا بتسوء. لازم تروحي مصحة هو جوزها فين؟!

قالت احد الخدامين: عماد بيه لسه مجاش.

صافيناز بعصبية وهي تكاد تبكي: والله كانت هنا! أنا مش مجنونة!

تقدمت لوجين خطوة للأمام وهي تعقد حاجبيها. طيب هاتقتلك ليه أصلا؟"

اجابتها دون وعي: علشان تنتقم مني.

هنا ثبت سليم عينيه عليها، وقد تغيرت ملامحه قليلا سألها بخبث: تنتقم منك؟ تنتقم ليه؟

وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، اندفعت فايزة نحوها بسرعة، وقد أدركت خطورة الموقف.

فايزة وهي تحتضنها: يلا معايا على أوضتك، كفاية كلام دلوقتي.

ثم التفتت إلى لوجين: لوجين، تعالي معانا لو سمحتي.

لوجين: حاضر.

وسحبتهما فايزة معها سريعا قبل أن تتفوه صافيناز بأي كلمة قد تكشف الحقيقة.

ساد الصمت للحظات، ثم اقترب ياسين من سليم وهو يراقب رحيلهن.

ياسين متسال: إللي بيحصل ده مش طبيعي. لازم موضوع المصحة ده يتحسم.

تنهد سليم بضيق: هنشوف الموضوع ده... لإن الهانم رافضة تماما خلينا نروح ننام .

والفعل بدأ الجميع يعودون إلى غرفهم، وعادت الممرات إلى هدوئها تدريجيًا.

        ****************

على إتجاهٍ آخر عند صافيناز

دخلت لوجين وفايزة وهما يسندان صافيناز التي كانت ما تزال تبكي بإنهيار، جسدها يرتجف وكأنها لا تقدر على الوقوف وحدها، وعيناها معلّقتان بخوفٍ لا يهدأ.

فايزة بسرعة وهي تحاول السيطرة على الموقف: خلاص يا لوجين، روحي إنتِ… بس لو سمحتي خلي حد من الخدامين يجهز لنا كوباية ليمون.

أومأت لوجين برأسها بإيجاب، ثم انسحبت بهدوء وأغلقت الباب خلفها.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تلتفت فايزة إلى صافيناز، وتبتعد خطوة وهي تقول بحدة مكبوتة: إيه إللي كنتِ هاتعمليه ده؟ للدرجة دي مش قادره تتحكمي على تصرفاتك؟! مش قادرة أستوعب! كنتِ رايحة تقولي لسليم إيه؟

رفعت صافيناز عينيها المليئتين بالدموع، وصوتها خرج متقطعًا: بقولك… هي كانت عايزة تقتلني.

هزت فايزة رأسها بنفاد صبر، واقتربت أكثر: ما كانتش عايزة تقتلك يا صافيناز… ماسة كانت نايمة جنب سليم، ومافيش حد كان موجود. أنا جاية من تحت، وشوفت الدنيا كانت هادية… أكيد إنتِ كنتِ بتتخيّلي.

ارتجف صوت صافيناز وهي تجلس على الأرض، وكأنها انهارت تمامًا: ليه… ليه ماحدش مصدقني؟

تنهدت فايزة، ثم قالت بحذر: علشان ببساطة… لو هي فعلا إللي عملتها كان سليم أول واحد هياخد باله، هو فين عماد؟

رفعت صافيناز رأسها بسرعة: مش عارفة.

جالت فايزة بنظرها في المكان، ثم وقعت عيناها على هاتف صافيناز. التقطته بسرعة، وأجرت أتصالًا.
جاء صوت عماد من الطرف الآخر ببرود: ألو

فايزة بشدة إنت فين يا عماد؟!

أجابها ؟ أنا في مشوار شغل مهم.

ردت بحدة: شغل الساعة 1 بالليل؟! عماد إنت لازم تيجي بسرعة… صافيناز صحيت وبتقول كلام غريب.

تساءل: كلام غريب إزاي؟

أجابت: بتقول إن ماسة كانت عايزة تقتلها.

أجابها ببرود: دي بتتوهم مش أول مرة. إللي بيحصل ده هلاوس، مش أكتر.

أشتد غضب فايزة: طب ما أنا عارفة إنها بتتوهم، بس ماينفعش تسيبها قدام سليم كده! لازم تبقى معاها وتسيطر عليها شوية! كانت هاتقول لسليم كل حاجة.

رد عماد ببرودٍ محسوب: أنا قولتلك قبل كده، محتاجة تروح مصحة.

ارتجف صوت فايزة وهي ترد: صافيناز الراوي مش هاتدخل مستشفى مجانين يا عماد! نص ساعة وتكون عندي… الباشا تعبان ومش ناقص يشوف الحالة دي.

ثم أغلقت المكالمة بقوة.

نظرت لها بهدوء: أنا هبعتلك إلهام تقعد معاكي، مش هاينفع أسيب الباشا لوحده، وإللي حصل ده ها اعتبره ما حصلش يا رب تكوني فايقة وفاهمة إللي أنا بقوله؟!

قالت كلماتها تلك وخرجت للخارج،  التفتت إلى صافيناز التي كانت ما تزال تبكي بصمت، وعينيها تتابعان الباب الذي خرجت منه فايزة، وكأنها فقدت آخر خيط أمان لها…

          ****************
على اتجاه اخر، عند سليم 

أما سليم دخل غرفته انتظر قليلا حتى يخلو المكان، ثم فتح الباب بحذر وألقى نظرة سريعة على الممر. وبعد أن تأكد أن الجميع عادوا إلى غرفهم، خرج مسرعا.

توجه مباشرة إلى الغرفة القديمة التي أخفى فيها ماسة.

كانت جالسة على حافة السرير، متوترة إلى حدٍ كبير، تضم يديها إلى بعضهما وهي تنتظر عودته.

ما إن دخل حتى قال باقتضاب: قومي.

نهضت فورا دون اعتراض.

تأكد مرة أخرى من خلو الممرات، ثم اصطحبها معه سريعا إلى جناحه.

وما إن أغلق الباب خلفهما حتى استدار إليها.

نظر إليها طويلا، وعيناه تحملان مزيجا من القلق والغضب وعدم الفهم، ثم قال بنبرة جادة: محتاج أفهم إيه إللي حصل بالظبط؟

توقفت أمامه، وعيناها زائغتان لا تعرف ماذا تقول أو كيف تبرر مافعلته بالطبع لم تكن تستطيع قول الحقيقة.

ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة متلعثمة قليلا:مافيش حاجة، افتكرت إللي عملته فيا.

ابتسم ابتسامة جانبية ساخرة، ثم رفع حاجبه وهو ينظر إليها: شايفاني غبي علشان تقوليلي حاجة زي دي والمطلوب أقتنع؟

تجمدت ملامحه فجأة، وأضاف بنبرة قاطعة لا تحتمل أي نقاش: جاوبي يا ماسة، صافيناز عملتلك إيه؟

توترت ملامحها وابتلعت ريقها، تحركت قليلا، ثم التفتت بجسدها بعيدا عن نظراته وهي تقول ساخرة تخفي خلفها توترها: هي أختك دي تعرف تعمل إيه دلوقتي؟ خلاص بقت عندها هلاوس.

اقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة، وملامحه ثابتة لا تكشف ما يدور بداخله: خلاص، بلاش دي! عرفتي إيه؟

رمشت عدة مرات ثم قالت محاولة التهرب: إيه إللي ممكن أكون عرفته يعني يا سليم؟ قولتلك مافيش حاجة، وبعدين هو أنا كل حاجة أعملها لازم أبررها؟

هز رأسه: آه يا ماسة، كل حاجة تعمليها لازم تبرريها

لانت نبرته وملامحه بعتاب محب: هو إحنا مش اتفقنا إننا مانخبيش عن بعض حاجة؟ ولا هانرجع نعيد نفس السيناريو الممل ده تاني؟ 

أمسك يدها وقال بهدوء: قولي يا ماسة إيه إللي حصل؟! فهميني مش هعمل حاجة هكون هادي يلا أنا سامعك 

صمتت للحظة يتبدلون فيها النظرات بصمت فهي تعرف إذا علم بذلك سينهار وهي تريد تحميه من نفسه 

تنهدت وهي تعيد شعرها إلى الخلف بتصميم: يا سليم، قولتلك افتكرت إللي عملته فيا، افتكرت كل حاجة، وإن حياتي ادمرت بسببها، فكنت بنتقم منها وبس.

سحب يديه من يدها، تجمدت ملامح مرة أخرى قائلا بنبرة لا تحمل النقاش: وأنا للمرة التانية بقولك يا ماسة، أوعي تستخفي بيا، أنا متأكد إن فيه حاجة حصلت.

تحركت مبتعدة عنه خطوة، محاولة الهروب من نظراته الثاقبة: وأنا بقولك مافيش حاجة، افتكرت إللي عملته فيا وبس.

ساد الصمت لثوانٍ.

شعر بوخزة، حزين حقيقية في صدره؛ ليس بسبب ما طحدث مع صافيناز، بل لأنها مازالت تخفي عنه أمورا وتصر على أن تبقيه خارج عالمها كلما اشتد الأمر.

أغمض عينيه للحظة ثم قال بهدوء بارد: ماشي يا ماسة براحتك.

رفع عينيه إليها وأكمل: بس أنا هعرف. ولما أعرف، هيبقى لينا كلام تاني خالص.

التفتت له: قولتلك-

رفع يده مقاطعًا إياها قبل أن تكمل بنبرة محشرجه حاسمه: مش عايز أسمع حاجة تاني، ولا عايز أشوفك وإنت بتكذبي عليا..

ثم نظر إليها مطولا، وكان الألم أوضح من الغضب الذي يملئ عينه: بجد زعلان منك أوي، لأنك لحد دلوقتي مش واثقة فيا، ولسه بتخافي، ولسه بتفتكري إنك لازم تشيلي كل حاجة لوحدك.

صمت لحظة ثم أضاف بصوت خافت: ودي أكتر حاجة بتوجعني.

تساءلت بتأثر: وإنت ليه مش مصدق؟

أجابها بصدق: علشان أنا عارف ماسة كويس.

اقترب خطوة وهو يشير إليها بإصبعه: إنتِ لما بتكذبي بتعملي كده، بتتهربي من عيني، وبتعيدي نفس الكلام أكتر من مرة، وبتحاولي تقفلي الموضوع بسرعة.

هز رأسه بخيبة أمل واضحة: خسارة يا ماسة، كنت فاكر إنك اتغيرتي.

اتسعت عيناها بصدمة قالت بنبرة محشرجه حزينه: يا سليم...

لكنه أكمل دون أن يمنحها فرصة للمقاطعة: طلعتي زي ما إنتِ، كل مايحصل حاجة تقفلي على نفسك وتخبّي..

ضيق عينيه وهو يراقب رد فعلها: بتحمي مين؟ فهميني.

صمت لحظة ثم أضاف بمرارة: مش إنتِ إللي قولتي قبل كده إن المظلوم ممكن يتحول ظالم لو انتقامة عماه؟ لو خلى الحقد والكره هما إللي يمتلكوه؟! مش قولتي ماسة هترجع سليم لو خرج عن طريقة
وسليم هيرجع ماسة لوخرجت عن طريقها طب ازاي وانتي لسه بتخبي؟!
تابع  برجاء: قولي، وانا اوعدك مش هعمل تصرف يخرجني عن طريقي، ولو خرجت رجعيني انتي؟!

نظرت له اللحظة فكرت في حديثه هل تقول هل تعترف لكنها تذكرت حديث مكي: سليم مش هاينفع يعرف دلوقتي..

أخرجت أنفاس ساخنة وهزت راسها بعند: وأنا مصرة إن مافيش حاجة دي مجرد تراكمات، تراكمات على كل إللي حصل بسببهم.

قضم وجهه يخذلان وأومأ برأسه ببطء: تمام.

قالها ببرود جعل قلبها ينقبض، ثم استدار متجها نحو الباب.

انتبهت لحركته سريعًا قالت بقلق: إنت رايح فين؟

توقف دون أن يلتفت إليها مباشرة: لما تقوليلي الحقيقة...
ثم استدار ونظر إليها بعينين امتلأتا بالألم:
ولما تثقي فيا، وتبطلي تخافي، ساعتها هبقى معاكي هنا في الأوضة..

تجمدت في مكانها، أما هو فأكمل بصوت هادئ لكنه حاسم: لكن طول ما إنتِ لسه مخبية عليّا، مش هايجمعنا المكان ده يا ماسة..

ابتلع غصته بصعوبة وواصل: مش هقبل بحضن، ولا بكلمة حب، ولا بأي قرب بينا وهو مبني على خوف وقلق وعدم ثقة.

شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها، فأسرعت نحوه وأمسكت ذراعه قبل أن يفتح الباب: إنت مكبر الموضوع على فكرة.

نظر إلى يدها المتمسكة به، ثم رفع عينيه إليها.
مكبر الموضوع؟

ابتسم بسخرية موجوعة: لا يا ماسة، إللي مكبر الموضوع مش أنا.

اقترب منها قليلا وهمس بصوت منخفض: إللي مكبر الموضوع البنت إللي بحبها، وإللي وعدتني إنها هتبقى سندي وأكون سندها، واقفة قدامي دلوقتي وبتبص في عيني وبتكدب.

سقطت كلماته عليها كصفعة: عارفة الوجع الحقيقي إيه؟

هز رأسه بأسى أضاف: بعد كل إللي حصل ومرينا بيه بتعيدي نفس الغلطة تاني..

ثم أبعد يدها برفق عن ذراعه وقال بحسم: عن إذنك 

هبطت دموعها فور أن استدار وابتعد عنها، فخرجت خلفه مسرعة قالت بصوت مرتجف: سليم... استنى بس.

لكنه لم يتوقف، ولم يلتفت إليها حتى، واصل السير بخطوات ثابتة حتى دخل غرفته القديمة.

لحقت به قبل أن يغلق الباب: إنت كده بتكبر الموضوع.

توقف عند العتبة والتفت إليها أخيرا، وكانت ملامحه جامدة على غير عادته: لا... مش بكبر الموضوع. أنا بحط للموضوع حد.

حاولت ان تتحدث: قولتلك لو فيه حاجة.

قاطعها فورا: وأنا قولتلك مش عايز أشوفك وإنتِ بتكدبي عليا..

ساد الصمت بينهما لثوانٍ مؤلمة، ثم أكمل بصوت أخفض، لكنه أشد وجعا: خلاص بقى، لما تحبي تقوليلي الحقيقة تعالي.

نظر إليها طويلا قبل أن يضيف: غير كده لأ، ويا ريت أعرفها منك قبل ماعرفها لوحدي يا ماسة..

ارتجفت شفتاها بينما أكمل: فكري في كلامي..

ثم أشار بيده نحو الممر: يلا.. أرجعي أوضتك.
وأغلق الباب في وجهها.

استند سليم بظهره إلى الباب من الداخل، وأغمض عينيه بقوة.

كانت عيناه تلمعان بالدموع رغم محاولته التماسك،
كان يظن أنها تغيرت، وأنها أصبحت أقوى من ماسة القديمة التي كانت تخفي عنه كل شيء وتتحمل وحدها،حتى يستغل الآخرون صمتها ويتلاعبوا بها، ظن أنها تعلمت أخيرًا أن تشاركه مخاوفها وأوجاعها، وأن تعتبره شريكا لها، لا مجرد شخص تحاول حمايته من الحقيقة، لكن ما حدث الليلة جعله يشعر أن كل تلك الجدران التي هدموها معا بدأت ترتفع بينهما من جديد.

أما ماسة، فظلت واقفة أمام الباب للحظات طويلة.
انحدرت دمعة ساخنة على خدها.

رفعت يدها ولمست الباب برفق، كأنها تحاول، الوصول إليه من خلاله.

ظلت مترددة، لا تعرف ماذا تفعل.

ثم شعرت باختناق شديد فضربت جبهتها بالباب بخفة، وأسندت رأسها إليه للحظة قبل أن تستدير عائدة إلى غرفتها بخطوات مثقلة.

دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها ثم ألقت بنفسها على الفراش وانفجرت بالبكاء.

ماسة بين شهقاتها: أعمل إيه يا سليم، أعمل إيه؟

أخفت وجهها في الوسادة وهي تبكي بحرقة: لو قولتلك الحقيقة الدنيا كلها هتولع.

ارتجف جسدها وهي تهمس بصوت مكسور:أنا بحميك... بحميك من نفسك..

أغمضت عينيها بقوة وانهمرت دموعها أكثر: والله العظيم بعمل كل ده عشانك إنت وبس.

بينما كان سليم في غرفته يتحرك بعصبية واضحة.
كان الغضب والحيرة ينهشان داخله.

ضغط على أسنانه بقوة، ثم توقف فجأة وكأن فكرة خطرت في رأسه.

أخرج زفيرا ساخنا، ثم اتجه مباشرة إلى غرفة ماسة.
فتحت عينيها عندما سمعت الباب يُفتح.

رفعت جسدها بسرعة ونظرت إليه بأمل، بينما تمسح دموعها نظر له بطرف عينه، تقدم نحو طاولة صغيرة بصمت.

أخذ حاسوبه المحمول وهاتفه من فوقه، حاولت أن تتحدث.

ماسة: سليم أنا-

لكنه رفع يده دون أن ينظر إليها إشارة واحدة فقط
إشارة واضحة تقول: لا أريد سماع أي كلمة.

ثم استدار وخرج، وأغلق الباب خلفه بهدوء هذه المرة ذلك الهدوء كان أقسى عليها من أي صراخ.

عاد إلى غرفته وجلس على الأريكة، فتح الحاسوب سريعا وبدأ يراجع تسجيلات كاميرات في جناحه هو وماسة.

كان مقتنعا أن شيئًا ما حدث شيئا جعلها تصل إلى هذه الحالة.

ظل يشاهد التسجيلات بدقة، لكنه لم يجد مايفسر مايحدث.

أمسك هاتفه وأتصل بمكي: مكي صاحي

أجابه: أيوه... 

رد: محتاجك تراجع التسجيلات معايا.

تساءل: تسجيلات إيه؟

أجابه: كل حاجة تخص ماسة، شوف لو حد كلمها أو قابلها أو حصل أي حاجة غريبة.

ساد الصمت لثوانٍ.

مكي بتصنع: بس أنا راجعتها من شوية، مافيش حاجة.

أغمض سليم عينيه وهو يفرك جبينه بإرهاق: معلش يا مكي... راجع تاني.

تنهد مكي: طيب.

ثم أضاف بعد لحظة بخبث: بص إنت راجع أوضة النوم والكاميرات إللي حواليها، وأنا همسك الهول والليفينج والجنينة.

سليم: ماشي.

أنهى المكالمة.

ثم عاد ينظر إلى شاشة الحاسوب من جديد.
وعقله لا يفكر إلا في سؤال واحد:
ما الحقيقة التي تخفيها ماسة بكل هذا الإصرار؟

اتصل مكي بماسة دخلت المرحاض وتحدثت هناك بعد أن أخبرها ان سليم يقوم بمتابعتها،  وأخبرها بكل ما حدث معه وما طلبه منه.

أما هي فلم تعد قادرة على التماسك أكثر من ذلك.
قصّت عليه ماحدث بينها وبين سليم، وكيف انتهى الأمر بينهما بهذه الطريقة.

حاول مكي تهدئتها قدر استطاعته: يا ماسة، أهدي بس، إنتِ عارفة سليم عامل إزاي؟! هو زعلان مش أكتر، ولما يعدي الليلة دي كل حاجة هاترجع زي الأول.

ماسة بصوت مبحوح من البكاء: أنا مش قادرة أشوفه بالمنظر ده يا مكي.

مكي بهدوء: بكرة إن شاء الله هاتتصالحوا، خصوصًا إنه راجع التسجيلات كلها ومش هايلاقي حاجة، ماتقلقيش.

أغلقت معه وهي لا تشعر بأي راحة كانت تعرف أن المشكلة لم تعد في التسجيلات المشكلة أصبحت في الثقة.

         ****************

مر الليل ثقيلا على الأثنين.

ماسة لم تستطع النوم وسليم كذلك، كلما أغلق عينيه تذكر نظراتها المرتبكة وهي تخفي عنه شيئا يعرف يقينا أنه موجود.

وكلما أغمضت هي عينيها، سمعت كلماته تتردد في رأسها: بجد زعلان منك، لإنك لسه مش واثقة فيا.

حتى أشرقت شمس اليوم التالي.

دخل سليم الغرفة، وجد ماسة جالسة على طرف الفراش، عيناها حمراوين ومتورمتين من كثرة البكاء.

رفعت رأسها نحوه فور دخوله نهضت واقتربت منه بخطوات مترددة.

ماسة بصوت خافت: ممكن بقى نتكلم يا سليم؟
لم يجبها.

اتجه إلى الدرسنج وبدأ يبدل ملابسه في صمت.
راقبته للحظات ثم قالت: مافيش حاجة، مش إنت راجعت الكاميرات بنفسك؟

استمر في تبديل ملابسه وكأنها لم تتحدث.
شعرت بوخزة مؤلمة داخل صدرها: على فكرة إللي إنت بتعمله ده ماينفعش.

لا رد. ولا حتى نظرةواحدة.

ابتلعت غصتها وقالت: طب نام شوية على الأقل. شكلك مانمتش من إمبارح.

ظل صامتا.

أنهى ارتداء ملابسه، ثم ألتقط هاتفه ومفاتيحه.
أتجه نحو الباب  نظرت إليه بصدمة.

ماسة:سليم...

توقف للحظة ظنت أنه سيلتفت إليها أخيرًا.
لكنه قال دون أن يدير وجهه: لما تكوني جاهزة تقولي الحقيقة، أبقي كلميني، علشان أنا مش هينفع معايا خالص الأسلوب ده.

ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه وقفت مكانها لثوانٍ.

تشعر أن الوجع يضغط على صدرها بقسوة ثم فجأة التفتت نحو الطاولة المجاورة أمسكت إحدى المزهرات الزجاجية، وبكل الغضب والقهر المتراكم داخلها، ألقتها بقوة على الأرض تحطمت المزهرية إلى عشرات القطع.

ماسة بصراخ مختنق: أعمل إيه بس؟!

إنهارت دموعها من جديد،  لو عرف الحقيقة هايدمر نفسه، ولو خبيتها هخسره!

سقطت جالسة على الأرض بين شظايا الزجاج.
وأخفت وجهها بين كفيها وهي تبكي بحرقة، عاجزة عن إيجاد مخرج من الدائرة التي تحاصرها من كل إتجاه.
            ****************
على إتجاه آخر 

هبط سليم إلى الأسفل ليجد مكي واقفا أمام السيارة في انتظاره. اقترب منه سريعا وسأله بلهفة:
وصلت لحاجة؟

هز رأسه بالنفي وقال: لا يا سليم، مافيش أي حاجة ماسة كانت قاعدة في الليفينج بتتفرج على أفلام، وبعدها طلعت أوضتها.

قطب سليم حاجبيه وسأله: ورشدي؟ رجع؟ دخل كلمها أو حصل أي حاجة بينهم وهي تحت؟

اومأ: لا خالص، رشدي طلع على أوضته على طول ومانزلش خالص، انا راجعت كل الكاميرات، حتى إللي في الممرات والأماكن الداخلية... بصيت على كل حاجة طبعًا ما عدا أوضتك.

تنهد ثم أكمل: بس كان فيه حاجة واحدة، ماسة دخلت للهانم في أوضة الموسيقى الصبح، ويبان إنها دخلت مخصوص تهددها، بعدها خرجت وقعدت شوية في الليفينج وبعدين طلعت أوضتها، غير كده، مافيش أي حاجة أنا بعتهولك.

أطرق سليم برأسه وهو يفكر: أنا شفت الفيديو إللي بعتهولي..

مرر يده في شعره بضيق وقال: مش عارف يا مكي، أنا متضايق جدًا. حاسس إني كل ما أتقدم خطوة معاها برجع ميت ألف خطوة لورا، بسبب خوفها، كل ما أفتكر إن الأمور بدأت تتحسن، يحصل حاجة ترجعنا لنقطة الصفر.

نظر إليه مكي باستغراب مصطنع: أنا مش فاهم إيه حصل.

تنهد سليم بعمق ثم قال: خلينا نمشي من هنا مش قادر أروح الاجتماع دلوقتي، خليه يتأجل شوية.. خلينا نروح نقعد في أي كافيه نشرب قهوة.

أومأ مكي موافقًا، ثم تحركا بالسيارة إلى أحد المقاهي القريبة

في أحد المقاهي، 10صباحا 
جلسا أمام بعضهما بعد دقائق، وما وضع الجرسون القهوة تحدث مكي

مكي بعقلانية: والله يا سليم، إللي إنت بتقوله ده غريب فعلا. ماسة مش هتعمل كده من فراغ، ممكن تكون تراكمات نفسية وخوف متراكم من إللي حصل قبل كده.

رفع سليم عينيه إليه بضيق: تراكمات إيه بس؟ إنت كمان هتقول تراكمات؟ بعد كل الشهور دي؟

ضحك مكي بسخرية خفيفة وقال: شهور إيه يا سليم؟ الموضوع كله ماكملش شهرين أصلًا. وبعدين متنساش إنها حاولت تقتل عماد قبل كده وهي في حالة إنهيار.

صمت لحظة ثم مال للأمام وقال باعتراض:: لا... فيه حاجة تانية، وأنا متأكد، لازم يكون حصل حاجة إحنا مش عارفينها، حاجة شافتها، سمعتها، أو عرفتها وخبتها، أنا عارف ماسة.

حك مكي رأسه بحيرة وقال: طب هي هتعمل كده ليه؟

صمت سليم لثوانٍ، ثم تنهد ببطء وهو يشيح بنظره بعيدا: عارفة اني لو عرفت، وقتها هولّع القصر ده كله باللي فيه.

اتسعت عينا مكي قبل أن يهز رأسه سريعا: طب كويس، يبقى خلّيها ساكتة أحسن، إحنا ماصدقنا إنك بطلت جنان وبدأت تفكر بعقلك.

ثم أشار إليه بإصبعه محذرا: أوعى تعمل أي تهور دلوقتي يا سليم، إحنا خلاص قربنا، قربنا نوصل لحاجات كتير، وأهمها مين إللي عمل الحادثة.

ظل سليم صامتًا، فتابع مكي بجدية أكبر: أي حركة متهورة منك دلوقتي هاتضيع كل إللي بنبنيه من شهور، إحنا محتاجين أدلة، مش غضب. ومحتاجين نعرف الحقيقة كاملة، مش جزء منها.

قبض سليم على فنجان القهوة بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه بينما تابع: أسمعني كويس... الانتقام سهل، لكن لو اتحركت قبل الوقت الصح ممكن المجرم الحقيقي يفلت من بين إيدينا.

رفع سليم عينيه إليه أخيرًا. تابع: والدفاع مش مطلوب منك دلوقتي، ولا إثبات إنك قوي. المطلوب إنك تصبر. أول ما نوصل للحقيقة ساعتها أعمل إللي إنت عايزه... لكن قبل كده، لأ.

زفر سليم ببطء، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يحاول كبح ذلك الغضب الذي كان يشتعل داخله، بينما ظل صوت مكي يتردد في رأسه: إحنا قربنا ماتضيعش كل حاجة في آخر الطريق.

رفع عينيه أخيرًا وقال بصوت منخفض: أكتر حاجة مخوفاني إن علاقتي بماسة ترجع تتدهور تاني، نرجع لنفس الدايرة إللي مش عايز أرجعلها أبدا.

تنهد وأكمل: أنا خايف أخسرها تاني يا مكي، 
اوما برفض: بس لا، انا المرة دي مركز، وعارف ومش هاسيب أي حاجة تضيعنا من بعض..

صمت لحظة ثم هز رأسه بضيق: أنا أصلا حاسس إني غلطت لما زعلتها ورحت نمت في أوضة تانية كان المفروض أحتويها، مش أسيبها لوحدها.

مكي: أهو بدأت تعترف.

ابتسم سليم ابتسامة باهتة مفسرا: زعلت منها، زعلت إنها لسه بتخاف، لسة سايبة شوية جبناء يلعبوا بمشاعرها ويخلوها تتوتر بالشكل ده، أنا عايزها تبقى قوية،  عايزها تعرف إن ماحدش يقدر يأذيها وأنا موجود.

ثم نهض من مكانه فجأة وهو يخرج هاتفه: هتصل بيها، ماكانش ينفع أغضب بالشكل ده، كان لازم أفضل جنبها وأحتويها لحد ماتتكلم، وهي هاتتكلم... دلوقتي أو بعدين..

نظر له مكي بصمت، بينما رفع الهاتف إلى أذنه، وبعد ثوانٍ جاءه الرد.

ماسة بصوت واهن: ألو؟

سليم بلهفه: ماسة.

ساد الصمت للحظة قائلا بعتاب محب: بصّي... أنا لسه زعلان، بس حقك عليا، لو كنت زودتها شوية، كان لازم أحتوي الموقف أكتر من إني أكبره...

سكت لحظة ثم تابع بصوت أكثر هدوءا: بس والله كنت واخد على خاطري منك، لإني بحبك. ومش عايزك ضعيفة، عايزك قوية..

شعرت ماسة بإنقباض في قلبها، لكنها ظلت صامتة واصل: فكري في كلامي، ولما أرجع أحكيلي إللي جواكي كله، ووعد مني... مش هعمل أي حاجة تزعلك...

ثم ابتسم رغم أنها لا تراه: وإنتِ عارفة إن وعد سليم مابيتكسرش.

خرج صوتها خافتًا: طب...

قاطعها بلطف:: مش عايز رد دلوقتي، خدي بالك من نفسك، ونامي شوية عارف إنك مانمتيش، أنا مش هاتأخر.

ثم أضاف بهدوء سلام يا عشقي.

وأغلق الخط.

ظل ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ قبل أن يعيده إلى جيبه ويعود إلى مكانه.

كان مكي يتابعه بابتسامة واسعة: والله ماعرفش اتعلمت النحنحة دي إمتى.

رفع سليم حاجبًا وهو يجلس: أسكت يا مكي.

ضحك مكي بصمت: طب ايه مش هنقوم عشان الاجتماع يا مغلبني .

اوما سليم برأسه: يلا 

نهض الأثنان من مكانهما وأتجها نحو الخارج، بينما كان سليم يشعر للمرة الأولى منذ ساعات أن شيئا من الثقل الذي كان فوق صدره قد خف قليلا، على أمل أن يجد ماسة مستعدة للحديث عندما يعود إليها.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة