رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والثلاثون 36 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والثلاثون 36 ج 2 
بقلم ليله عادل



على اتجاة اخر عند ماسة 

 كانت ماسة جالسة في غرفتها، تبتسم ابتسامة صغيرة لكن مثقلة بالوجع، بعد انتهاء مكالمتها مع سليم كأنها تحاول إخفاء شيء أكبر من قدرتها على الاحتمال 

بعد وقت، طرق باب الغرفة طرقا خفيفا، ثم دخلت سحر بعد أن أذنت لها ماسة.

كانت سحر تحمل بوكيه ورد جميل، اقتربت بهدوء وقالت: ماسة هانم، جالك الورد ده.

أومأت ماسة برأسها وأخذت البوكيه منها، لحظة صمت مرّت وهي تشم رائحته ببطء، كأنها تحاول تهدئة شيء مضطرب بداخلها. 

ثم مدت يدها وأخذت الكارت الصغير المعلق بين الزهور.

فتحت الكارت وقرأت:
"تشبهين الزهور في براءتها وجمالها،
تنحني لكِ القلوب احترامًا لتستنشق عبيركِ، كأنها تعترف أنكِ الأجمل بينها...
تملئين العالم بهجةً، وتتركين خلفكِ أثرًا لا يُنسى من رائحةٍ دافئة لا تشبه سواكِ.
ليت العالم يكون مثلكِ...
صغيرًا في صمته، عظيمًا في جماله،
يمنح من حوله حبًا وسعادة دون أن يطلب شيئًا.
كوني كما أنتِ دائمًا...
فأنتِ كفيلة بأن تجعلين الحياة أجمل بمجرد وجودكِ.
بحبك.
       سليم."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وضمت الورد مرة أخرى..

ماسة بهدوء: طب يا ماما سحر، شكراً.، روحي إنتي.

ترددت سحر قليلا، ثم سألتها بقلق: إنتِ كويسة يا ماسة؟

اومأت بسعادة:. لازم أبقي كويسة، أنا هنام خلاص.

اوما سحر ثم خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها، بينما بقيت ماسة وحدها، تضم بوكيه الورد إلى صدرها بقوة أكبر من اللازم.

خفضت نظرها للكارت مرة أخرى، وابتسامتها ارتجفت، وكأنها بين رغبتين متناقضتين، واحدة تريد أن تطمئن، وأخرى تعرف أن الطريق ما زال مليئًا بالخوف والشكوك التي لم تُحل بعد.

♥️______________بقلمي_ليلةعادل 

في الفيلا التي كان يمكث بها مصطفى،2م

جلس مصطفى وآلاء أمام بعضهما في غرفة المكتب، وهو يراجع معها دروسها ويسمع لها ما حفظته. وكلما أخطأت، كان يمسك المسطرة بمزاح ويقول: افتحي إيدك بقى!

فتضحك بخفة ودلال، بينما يكمل الشرح وكأن شيئًا لم يكن.

وكان كل منهما يختلس النظرات للآخر من أسفل عينيه، دون أن يلحظ أحدهما ما يدور داخل قلب الآخر.

أخذ مصطفى نفسا عميقا، ثم أغلق الكتاب تسالت بقلق: إيه رأيك؟ تفتكري هنجح؟

أومأ بيقين: طبعاً.

ابتسمت بتوتر: يا رب يا دكتور، أنا قلقانة اوي، ومش مصدقة إن الامتحانات خلاص الأسبوع الجاي.

ابتسم بثقة: متأكد إنك هاتنجحي وتطلعي من الأوائل كمان، وهتقولي: مصطفى قال.

ابتسمت بخجل، بينما أكمل هو بنبرة أكثر اهتماما: ماتقلقيش، أنا معاكي، هنعدي من كل حاجة سوا، قوليلي بس، دراعك دلوقتي بقى أحسن ولا لسة بيوجعك؟

رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء:  لا الحمد لله، وبصراحة العلاج الطبيعي خلاني أتحسن بسرعة.

سألها: طب تحبي ترتاحي شوية ولا نكمل؟

هزت رأسها بسرعة: لا يا دكتور، بالله عليك خلينا نكمل، أنا متوترة اوي

مال برأسه قليلًا وقال معترضا: دكتور إيه بقى؟ لا، إنتِ تقوليلي يا مصطفى وبس.

نظرت إليه بخجل شديد: مش هينفع.

رفع حاجبه مبتسما: هو إيه إللي مش هينفع؟ هتقوليلي يا مصطفى، ولو فضلتي تقوليلي يا دكتور، هقولك يا دكتورة آلاء… ودكتورة آلاء دي لايقة عليكي أوي، اصلا كلها كام شهر وتبقي دكتورة بجد.

ابتسمت بخجل: بس والله حضرتك…

قاطعها متظاهرا بالضيق: حضرتك كمان! خلصنا من دكتور تطلعيلي حضرتك؟ اسمي مصطفى، أسمعي الكلام يا آلاء. إنتِ بجد عنيدة غوي يا لولو، وأنا كنت فاكرك مطيعة وبتقولي حاضر ونعم.

ضحكت بخفة:  والله العظيم مش قصة عناد بس..

قلب عينه: مافيش بس.

تنهدت باستسلام وهي تبتسم: خلاص… حاضر يا مصطفى.

اتسعت ابتسامته بانتصار:  أيوة كدة. بقولك إيه، إيه رأيك نخرج نشرب حاجة ونذاكر في الجنينة؟ الجو حلو بره، وأنا هسمع شوية تسجيلات علشان من إمبارح مالحقتش، وبعدها أسمعلك وأعملك امتحان، اتفقنا؟

ابتسمت بحماس: اتفقنا.

ابتسم بمكر: يا مين؟

أحمر وجهها، ثم قالت بخجل: يا مصطفى.

ضحك بخفة: طب يلا بينا.

ثم خرجا معا إلى الحديقة، وكانت آلاء تسير بجواره، تختلس النظر إليه من طرف عينيها، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها.

أما قلبها فكان يدق بسرعة لم تعهدها من قبل.
ولأول مرة، شعرت أن وجوده بجوارها يطمئنها أكثر من أي شيء آخر… بينما كانت بذور حبٍ هادئ تنمو داخلها دون أن تنتبه، وكل ما تعرفه أنها أصبحت تبتسم كلما ناداها بأسمها… بصوته هو.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل 

قصر الراوي،2م

غرفة رشدي

خرج رشدي من الحمام مرتديا ملابس منزلية مريحة، بعد أن هذب لحيته وأخذ حماما دافئا، بعد أسبوعين كاملين من التعب والإرهاق، شعر أخيرا بشيء من الراحة.

توقف أمام المرآة، يدقق النظر في انعكاس وجهه، وملامحه الشاحبة، التجاعيد التي زادتها الأيام، وعيناه اللتان تحملان إرهاق سنوات.

وفجأة…

عادت إليه صورة الحادث، أغمض عينيه سريعا، وكأنه يهرب منها، لكن صورة أخرى اقتحمت عقله "ماسة" وحديثه معها، الكلمات التي خرجت منه دون تخطيط، ودون أن يعرف كيف قالها، لكنه، لم يندم، بل شعر ولأول مرة منذ سنوات، أنه فعل شيئا صحيحا.

زفر ببطء، والاختناق يملأ صدره، ثم تحرك إلى غرفة الملابس، بدل ملابسه، ثم اقترب من حقيبة سفر صغيرة، وبدأ يضع بداخلها بعض الملابس والأشياء الخاصة بمي.

وأثناء ذلك، سمع طرقا خفيفا على الباب: أتفضل.

خرج صوته عاليا دون أن يلتفت، بينما انفتح الباب بهدوء ودخلت فايزة بهيمنة اعتادت عليها، لكن وجهها كان متجهما، وعيناها تخفيان شيئا لا يمكن تفسيره.

توقفت عند عتبة الدريسنج تنظر إليه: قالولي إنك رجعت من إمبارح.

رد دون أن يلتفت: آه مي فاقت، ورجعت أخدلها حاجات محتاجاها.

تحرك مبتعدا وهو يحمل الحقيبة، ووضعها على الفراش، ثم اتجه نحو التسريحة وبدأ يفتح الأدراج، يخرج منها بعض الأشياء ويضعها داخل الحقيبة.

بينما تحركت فايزة خلفه، ثم توقفت عند الفراش، تنظر إليه باستغراب: ماكنتش متخيلة إنك عاطفي للدرجة دي تفضل قاعد جمب مراتك كل ده يا رشدي! الصراحة موقف غريب منك؟!

نظر لها بضيق: ليه هو رشدي ده ماعندوش إحساس؟ وإللي كانت مضروبة بالنار دي مش مراته!

ابتسمت بسخرية: لا… عنده إحساس، مافيش إنسان ماعندوش إحساس، بس إنت عندك أحاسيس من نوع تاني.

زفر بإختناق، وعاد يضع بقية الأشياء داخل الحقيبة: أنا مش فاضيلك، ودماغي مصدعة، فسيبيني في حالي وفكك مني.

قاطعته بحدة: لا مافيش وقت، إحنا لازم نتكلم، فيه حاجة مهمة حصلت، ولازم نتكلم فيها، أقعد يا رشدي وبطل أسلوبك الوقح ده.

جلست على الأريكة واضعة ساقا فوق الأخرى: يلا أقعد.

نظر إليها لثواني بإختناق، ثم اتجه نحو المقعد المقابل وجلس يقول بضيق: خير؟

قالت بهدوء: ماسة بقالها فترة بتهددني ..

وفور سماعه تلك الكلمات، ضحك بسخرية، لكنها أكملت: وصلت إنها وقفت قصاد عيني وهددتني.

هز كتفيه بلا مبالاة: طب وأنا مالي بكل ده؟

نظرت إليه بحدة: يعني إيه مالك؟ بقولك ماسة هددتني… وقالت لسليم.

رفع رأسه فجأة، ونظرة قلق ظهرت في عينيه: قالتله إيه؟

تبسمت ابتسامة جانبية: ماتقلقش، قالتله على موضوع خطفها.

تنهد براحة: طب ما هي قايلة له من زمان؟!

ابتسمت ابتسامة غريبة، وقالت بسخط: الجديد بقى، إنه صدق، ومش بس صدق، صدق ودور ووصل لأول خيط إللي لو أتجر هايجر وراه كل حاجة..

أجابها ساخرا: ماتقلقيش الباشا أكيد مقفل ورقه على المضمون.

حدقت فيه بصدمة: هو ده ردك؟

عقد حاجبيه متعجباً: امال عايزاني أقولك إيه؟! أصلا أنا مش فاهم، إنتِ بتقوليلي الكلام ده ليه؟

مالت عليه قليلا، وقالت بحسم: بقولك الكلام ده، علشان، إحنا لازم نحط أيدنا في أيد بعض، ونتخلص من البنت دي بسرعة، قبل سليم ما يوصل لأكتر من كدة.

ضحك عاليا حتى ملأت ضحكاته الغرفة، فنظرت إليه باستغراب: إيه البرود إللي إنت فيه ده؟ بتضحك؟

هز رأسه وهو يضحك بمرارة: أيوه بضحك.. بضحك لإنك لحد اللحظة دي، لسة حاطة ماسة في دماغك، ولسة بتحاولي تقتليها! قوليلي، حاولتي كام مرة تقتليها وفشلتي؟ كام مرة حاولتي تبوظي علاقتها بسليم وبرضو فشلتي! من وقت مادخلت القصر، وإنتِ وراها! وكل مرة بتفشلي، فخلاص بقى، فكك منها، وأقبلي بالأمر الواقع، إحنا خسرنا وماسة كسبت، ماسة وسليم مستحيل يفترقوا، وزي ماقولتلك الباشا أكيد مقفل ورقه كويس، استحالة يعرف حاجة أكتر من إللي عرفه..

هزت رأسها برفض عنيف: مافيش حاجة اسمها الباشا مقفل ورقه! سليم يتخاف منه، وهي كمان يتخاف منها، دى بتقف قدامي وبتهددني كل يوم إنها هاتحكيله إللى حصل زمان وواثقة إنه هايصدقها، إذا كان صدقها في موضوع خطفها بعد إللى شافه بعينه ووصله، واقف قصاد عيني قالي بحبها!!!

عادت بظهرها على المقعد وهي تشير له بإصبعها بهدوء حاد: إنت يمكن قلبك جامد كده عشان ماكنتش معانا المرة دي، بس أوعى تنسى إن كل إللي حصل زمان، إنت كنت جزء منه، ومش بس كده، ده إنت كمان إللي مخططله.

زفر ببطء، وقال بصوت ميت: صح، أنا كنت جزء منه، بس أنا دلوقتي عايز أبعد عن كل ده، ومش عايز يبقى ليا علاقة بأي حاجة، أنا هاخد مراتي وأسافر، وأبعد عن مشاكلكم وقرفكم، كفاية بقي..

صمت للحظة، وشرد في نقطة في الفراغ وتابع بأسي: يمكن لما أبعد عنكم أنجح إني أنضف نفسي، وأكون رشدي جديد يستحق يكون مع واحدة زي مي، رشدي أقف قصاده في المرايا أحبه وأحترامه مش أقرف منه ومن حياته.

ردت بنبرة مستخفة: من إمتى الكلام ده؟

رفع عينيه إليها، بنظرة مليئة بوجع لم تراها فيه من قبل: من اليوم إللي مراتي اتضربت فيه بالنار قدام عيني وماعرفتش أحميها، من اليوم إللي عشت فيه إللي عاشه سليم يوم الحادثة، وأنا شايف مراتي مرمية في العمليات بين الحياة والموت ومش عارف أعملها حاجة، من اليوم إللي فقدت فيه ابني قبل حتى ما أعرف إنه موجود.

انكسر صوته، لكنه أكمل: أنا مش فاهم! إنتِ إزاي بعد كل إللي حصلنا ده، لسه مكملة؟ كلنا عيشنا نفس إللي عاشه سليم وماسة بالظبط، وإنتِ لسة مكملة؟ لسه بتخططي؟ لسة بتفكري في قتلها؟! 

تنهد بإختناق، ثم أضاف بمرارة: لازم تصدقي وتقتنعي، إن حبهم كسب، ماسة الفلاحة كسبت يا فايزة هانم رستم آغا، أرفعي الرايا وسيبيها في حالها، كفاية إللي حصلها بسببنا وهي مالهاش ذنب..

مسح وجهه وهو يهز رأسه بإختناق: سيبيها في حالها، وسيبيني أنا كمان في حالي، أنا خلاص قررت أمشي بمجرد ما مي تخرج من المستشفي،  هاخدها وأسافر ومش راجع تاني... ففكك مني، وسيبيني أشوف أنا بعمل إيه علشان متأخرش علي مراتي.  

كانت تستمع إليه بصمت غريب، أما هو، فتوجه نحو الفراش يكمل تجهيز الحقيبة.

رسمت ابتسامة جانبية على شفتيها، نهضت وتوقفت خلفه، وقالت بهدوء بارد: أنا مش فاهمة بصراحة إيه الكلام الجديد والغريب إللي بتقوله ده يا رشدي؟! إللي يشوفك دلوقتي، مايشوفكش من كام سنة وإنت واقف قصادي نفس الوقفة دي، وبتقولي "عندي خطة جهنمية، هاتخلصنا من ماسة والبيبي

تجمدت يده فوق الحقيبة، بينما أكملت وهي تقترب منه: بلاش جو الإنسانية والضمير إللى صحي ده لإنه مش لايق عليك يا رشدي، كان فين ضميرك ده وإنت بترفع مسدسك وبتهدد السواق يضرب العربية وأخوك فيها ها؟ 

نظرت له من أعلي لأسفل وتابعت: حتي لما طلع علي أخوك العصابة الغريبة واتكاتروا عليه، وقفت تتفرج عليهم وهما بيموتوا من غير ما تتدخل أو تحاول تنقذه، كان فين ضميرك ده وقتها؟! 

التفت إليها يصيح بتبرير: مدخلتش علشان كانوا كتير، وكنت مصدوم معرفش جم منين، لكن علي الأقل كان عندى رحمه وطلبتلهم الاسعاف تنقذهم، لو كنتي مكاني كنتي وديتي سليم بس المستشفي، وسبتي ماسه تموت، طبعا ماهي متستحقش تعيش، ولو الجنين اللي في بطنها كان عاش،  أنا متاكد انك كنتي هتكملي عليه وتقتليه، عشان الايوج بتاعك ميسمحش إن فايزة هانم رستم اغا يكون لها أحفاد من ماسة الخادمه، زي ما سقطيها زمان كدة.. 

أجابت بصرامه قاطعه دون الشعور بأي ذنب: طبعا كنت هعمل كده! انا مستحيل اسمح يكون ليا احفاد من الحشرة دي، ولا إني اتساوى بسعدية ومجاهد الرعاع!! 

هز رأسه وكأن يقول بداخله " مفيش فايدة"

بينما ركزت هي النظر في عينه وواصلت بنبرة قاطعه: ومهما تحاول تقنع نفسك بالكلام الفارغ اللى بتقوله ده، هتفضل الحقيقه واحده، كل اللي حصل لماسة وسليم، من أول الحادثة لحد النهارده، كانت أفكارك أنت...

قاطعها بعنف، بعينان قاتمتان: ومباركتك! 

أضاف يذكرها: حتى لو كانت أفكاري، إنتِ وافقتي وباركتي! ومش بس كده، إنتِ كمان حاولتي تأذيها بعد ما خرجوا من الحادثة كويسين وأبنك فاق من الغيبوبة.

أشار لها بأصبعه بإتهام: قبل ماتلوميني علي أفكاري لومي نفسك؟ هو أنا اتربيت على إيه غير كده؟! غير الكره والحقد والغل؟! إنتوا إللي زرعتوا الكره جوايا ناحية سليم من وإحنا صغيرين!
دايما:
"سليم أحسن…"
"سليم أفضل…"
"سليم… سليم… سليم…"
كان لازم أطلع كده!

أشار إليها بغضب ومرار: وبعدين إنتِ بتحاسبيني على إيه؟! أخ قتل أخوه؟ شوفناها كتير! إخوات بيقتلوا بعض، وبيغيروا من بعض!

واصل بنبرة قاتمة وكأنه يذكرها بجريمتها: لكن عمرك شوفتي أم تقتل ابنها؟! وماتقوليش إنك ماكنتيش هاتقتليه! هو القتل بس إنك تدفنيه في التراب؟! لا… القتل إنك تموتيه بالحياة، وإنتِ عارفة كويس، إن إللي حصل لماسة، كان مموت سليم بالحياة، إنتِ بنفسك شوفتيه أتغير إزاي؟! وكان حزين، وموجوع، ومش متزن، عايش نص بني آدم...

صوته بدأ ينكسر: وده كان إللي أنا بعمله وشغال عليه، لإني كنت عارف الراجل لما بيحب بيبقى عامل إزاي؟! استغليت حبه لماسة علشان أدمره من كرهي وحقدي عليه.

رفع عينيه إليها، والدموع تلمع فيهما: إنتِ بقي دمرتي ابنك بإيدك، وكل مرة كان بيتوجع فيها، كنتي بتشوفيه وبتسكتي، ومكملة ومش عايزة ترحميه، جيتي في مره وقولتيلي كفاية سليم  بيموت وهو عايش؟ بالعكس كرهك لماسة عماكي، وكل يوم كنتي بتتفني معايا في آذاه، وبتدوسي على ماسة وعلى وجع سليم..

ضحك بوهن بسخرية: تخيلي أبنك المدلل عملتي فيه  كل ده؟! أومال أنا هايحصل فيا إيه لو قلبتي عليا..!!

اقترب منها، وعيناه تمتلئان بالقهر: أنا وحش ومجرم وأستاهل أي عقاب، بس أنا أخوه لكن إنتِ كنتي أمه! فاهمة يعني إيه أمه..؟!

نظرت إليه فايزة وكأنه لم يقل شيئا، لم تهتز ملامحها، ولم يظهر عليها ندم بل قالت بهدوء بارد: إنت ليه بتقولي المحاضرة الكبيرة دي كلها؟

تابعت بعدم اقتناع أو شعور بذنب: إيه الغلط لما أحب أشوف ابني عايش سعيد مع واحدة في مستواه؟ أنا مستحيل أسمح أن حاجة تمس سليم طول ما أنا عايشة؟! إنت إللي حاولت تقتل أخوك؟!  وأنا لو كنت أعرف مستحيل كنت أوافق..

أشارت بيدها في وجهه بشدة: أوعى تعمل عليا أنا الوش ده يا رشدي؟! لإني أكتر واحدة عارفة كرهك لسليم واصل لفين؟! 

تساءلت وكأنها لا تشعر بأي خطأ:  بعدين قتل إيه إللي كنت بقتله لسليم وهو عايش؟! هو كان هايتوجع شوية وبعدين خلاص ها أجوزه ست ستها. 

حدق فيها باشمئزاز، وكأن الكلمات نفسها أصابته بالقرف هز رأسه باختناق من تكبرها الذي لا نهاية له

فجأة رد عليها باستهجان حاد: على أساس يعني ماسة دي مش بني آدمة؟! قتلها عادي؟ مستباحة؟ زمان لما وافقتي علي قتلها هي وإللي في بطنها كان عادي؟ ولما سليم اتأذى تبقى مصيبة بقى رشدي قاتل أخوه، لكن قتل ماسة وإللي في بطنها كحك بسكر؟!

اومأ برأسه بضجر: آها أنا حاولت أقتل سليم زمان، لإني وقتها كنت غبي! كنت فاكر إن هو المشكلة، طلع مسكين زيي ودفع الثمن أكتر مني، بس أهو با أحاول أصلح إللي عملته زمان..

تابع باستهجان مستنكرا: وبعدين جاية تقوليلي ليه؟ أتصلي بالباشا خليه يجيبلك قناص تاني، زي القناص إللي جبتوه يقتلها علشان تموتوا السر معاها وفشل، ولا أعمليلها قضية قذرة زي إللي عملتوها تاني، ما إنتوا بتعرفوا تحلوها مع بعض، بتعرفوا تسلكوا أموركم من غيري، بتدخليني أنا ليه؟!

صمت للحظة، وتابع بابتسامة ساخطة بسخرية: ولا أقولك قولي لعماد، أنا أقطع دراعي من هنا لو مكانش هو ومراته إللي كملوا باقي الحادثة، وإنهم تبع العصابة المجهولة، روحي قوليله.

ارتجف صوته وهو ينظر لها بعينان مشتعلة بالاتهام: أنا أصلا مش مستبعد تكونوا إنتوا ورا إللى حصلي أنا ومي، ما هي زى ماسة وخلتني مش علي هواكم!

ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بتهكم: لا أطمن، التغير إللى عملته مي فيك جاي علي مزاجي، علي الأقل دلوقتي أقدر أقول للناس إنك ابني من غير ما أبقي مكسوفة من تصرفاتك! 

تابعت وهي تشير بأصابعها في وجهه: وماتقارنش نفسك بسليم، علشان إنتوا الأتنين مستحيل تتحطوا في خانة واحدة..

نظر لها بغيظ وقهر لكنها تابعت بتحزير آمر: عامة أنا ها أعتبر الكلام السخيف إللى اتقال ده علشان بس أعصابك تعبانة من إللى حصل لمراتك..

أشارت بإصبعها وهي تركز النظر في ملامحه دون أن ترمش بتحذير: لكن لازم تفكر كويس أوي في إللى طلبته منك، لإن الحبل ده لو أتفك، هايشنقك إنت أول واحد، ومش إحنا بس إللي هانتحاسب، لاااا، إنت أولنا، وأعتقد إن إنت دلوقتي عندك إللي تخاف عليه، وبسببه عايز تجري وتهرب برة، فاكر إنك كده هاتحمي نفسك؟

أومأت بإزدراء مسحوب بإبتسامة سخرية: لا يا رشدي تبقى غبي، حمايتك في وجودك معانا، لكن طول ما إنت بعيد… ولابسلي الوش الجديد إللي مش لايق عليك ده…رصاصة سليم مش هاتعرف تهرب منها، خصوصا لما يعرف إللي عملته في مراته.

لمعت عيناه بغضب لم تره فيه من قبل: بتهدديني؟

ابتسمت أكثر وهي توميء برأسها: لا أنا بفكرك علشان شكلك بقيت تنسي كتير الأيام دى، تخيل سليم لو عرف ممكن يعمل فيك إيه؟ ومش هو بس،  ومي كمان إللي مش هتبص في وشك تاني، إنت مش بس بتحمي نفسك من سليم، إنت بتحمي جوازك كمان،  لو المستور أنكشف...

اقتربت منه، وعيناها مليئتان بالبرود: ساعتها، لا أنا ولا الباشا هانعرف نحميك..

نظر إليها بصمت مخيف ثم ضحك فجأة وقال بثبات رغم النار التي اشتعلت في عينيه: ماتقلقيش عليا، أنا ها أعرف إزاي أحمي نفسي كويس، معايا إللي يحميني،  الدور والباقي عليكم أنتم؟!

ثم أشار بيده محذرا: ويكون في علمك لو اتأكدت إن ليكوا يد في إللى حصل لمراتي، لها أقلبها عليكم جحيم وها أروح بنفسي لسليم، وها أقوله كل حاجة حصلت.

استدار يغلق الشنطة بعنف وهو يردد: فرأيي بدل ما إنتي شاغلة تفكيرك بماسة وإزاي تخلصي منها، أشغلي نفسك بإنك تمنعي الشك إللي جوايا يبقي حقيقة!

أمسك الحقيبة بيده، ونظر لها مباشرة بعينين قاتمتين: لإني ساعاتها صدقيني مش ها اسمي علي حد!

قال كلماته تلك، ثم استدار وغادر بخطوات غاضبة، تاركًا خلفه فايزة التي ظلت تحدق في أثره للحظات، قبل أن تجز على أسنانها بضيق، وتضرب بيدها بقوة على ظهر الفوتيه وهي تتمتم بغيظ:
"عيل غبي!"
أطلقت زفرة حادة، ثم بدأت تتجول في الغرفة بعصبية، تشعر بأن كل شيء يفلت من بين يديها، وأن الأمور التي ظنت يومًا أنها تحت سيطرتها أصبحت تزداد تعقيدًا مع كل لحظة. فكلما حاولت إصلاح شيء، ظهر ما هو أسوأ، حتى باتت تشعر بأن الخيوط التي نسجتها بنفسها بدأت تلتف حول عنقها، وأن القادم لن يحمل لها سوى المزيد من العواصف.
خصوصًا بعد مرض صافيناز، التي أصبحت خارج نطاق سيطرتها تمامًا، فلم تعد قادرة على متابعة ما يدور حولها أو التدخل كما اعتادت دائمًا. ورشدي هو الآخر ابتعد، تاركًا إياها وحيدة في مواجهة تلك العواصف المتلاحقة، بلا سند حقيقي، بينما كانت تشعر للمرة الأولى بأن الأرض التي وقفت عليها طويلًا بدأت تتصدع تحت قدميها، وأن كل ما بنته بيديها قد ينهار في أي لحظة.

           *****************
على اتجاه اخر، في غرفة ماسة 

استيقظت ماسة على شعور بالغثيان، فتنفست بضيق وهي تضع يدها على صدرها، ثم قالت بصوت منخفض متعب: لا بجد كدة كتير.

جلست للحظات تحاول استيعاب مابها، ثم عادت في ذهنها كلمات مكي: ممكن تكوني حامل، وسليم ممكن يكون خف.

رفعت عينيها إلى السقف في توتر، وكأنها تخاف أن تركض خلف وهم جديد يخذلها مرة أخرى، هزت رأسها بانزعاج..

ثم أمسكت هاتفها وكادت تتصل بوالدتها، لكنها توقفت فجأة.

خافت أن يسمع سليم المكالمة، أو أن يطرح عليها أسئلة لا تملك لها إجابات.

ترددت قليلا، ثم دخلت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها، جلست على حافة البانيو، وأخذت نفسا عميقا قبل أن تضغط زر الاتصال.

بعد لحظات جاء صوت، سعدية: ماسة... عاملة إيه يا بنتي؟

ماسة بصوت خافت: مش كويسة خالص.

بتوتر ردت: ياقلب أمك... ليه؟

سكتت ماسة لحظة، ثم بدأت تحكي لها كل ماحدث، وكأنها تخرج ثقل الأيام من صدرها بعد أن انتهت، 

 سعدية بضيق حاد: يانهار أسود! لازم تقولي لجوزك.

توترت ماسة فورا:خايفة...

سألتها بتهكم: خايفة من إيه؟!

بتوضيح: خايفة عليه، إحنا وصلنا لمعلومات خطيرة، ولو سليم عرف حاجة زي كده هايتجنن وهيقلب الدنيا، وممكن نرجع ألف خطوة، ومكي نفسه شايف كده.

سعدية بغضب: ربنا يبتليهم بمصيبة ويحرق قلبهم! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم!

تنهدت ماسة ثم غيرت الموضوع:: طب يا ماما، أعمل إيه في الموضوع تاني؟

سالتها: هي بقالها قد إيه ماجتش

سكتت للحظة، وكأنها لأول مرة تنتبه للوقت فعلا: بصراحة... ما أعرفش..

ردت بإستهجان: يعني إيه ماتعرفيش؟ أمال مين إللي يعرف يا فلاحة.

ماسة بتبرير مرتبك: والله يا ماما ماركزتش، من ساعة مارجعت من عند مصطفى وأنا في مشاكل وحوارات، 
ماخدتش بالي من حاجة عموما هسأل سليم 

ردت عليها بتهكم ساخر: ليه هي بتجيلوا هو.

ضحكت ماسة: ياماما ايه إللي بتقوليه ده؟!

ردت: أصلك بتقولي كلام يعصب..

بتوضيح: هو بيركز عني ده إللي أقصده

ردت بعقلانية: خلاص، اسمعيني، إنتي تعملي اختبار حمل ونشوف..

ارتبكت ماسة فورا: لا مش هاينفع، لو طلع مافيش حمل سليم ممكن يزعل أوي.

سعدية بهدوء: يا بنتي أنا حاسة إنك حامل، أعراضك كلها بتقول كده ترجيع، ودوخة ونفسك بالحادق، وكل إللي بتحكيه ده حمل، بعدين هو الحمل جديد عليكي يا ماسة ما إنت شيلتي في بطنك مرتين..

حاولت التوضيح، لكن صوت أمها كان حاسما: روحي أعملي تحليل دم، ويكون في السر، قوليله هروح مع سلوى تشتري حاجة، أو خدي مرات ياسين معاكي مش رجعت ولا هيرفض؟!

ترددت ماسة: ماعتقدش إنه هيعارضني...

أجابتها بحنان: خلاص روحي يا بنتي وطمني قلبك، وأنا واثقة في ربنا إنه هايفرحكم..

بدأت ماسة تتأثر بكلامها، ودمعت عيناها قليلا: يا رب يا ماما، أنا نفسي أكون حامل، بس خايفة أفرح على الفاضي، خايفة أتمسك بأمل وأصحى على وهم أصلا أنا من ساعة ماعرفت إني ماسقطتش علشان كنت صغيرة هاتجنن، الطفل ده كان ممكن يفضل موجود، حرموني من فرصة إني اكون أم، خايفة يكون أمنية كلنا بنتمناها فعلشان كده بنتشعبط، بنتشعبط في أي أمل..

سعدية بلطف: تفائلي بربنا يا بنتي، وربنا كريم، وإن شاء الله يرزقك باللي نفسك فيه، إنتي وسليم وأنا متأكدة إنك هتروحي وترجعي مجبورة الخاطر ثقي في ربنا.

مسحت ماسة دموعها سريعا وقالت بصوت خافت: ونعمة بالله، ماشي يا ماما، بس خلينا لحد ما اتأكد، ماحدش يعرف حاجة.

سعدية: ماتخافيش...

أغلقت ماسة الهاتف، وظلت جالسة مكانها للحظات، تضع يدها على صدرها، بين خوفٍ لا يهدأ... وأمل صغير بدأ يتسلل رغما عنها أخذت نفس عميقا يبدو أنها اتخذت قرارها هاتواجه

رفعت هاتفها مرة أخرى، ثم ضغطت على اسم لوجين وأتصلت بها.

لوجين: ألو؟

ماسة بسرعة: لوجين، بقولك إيه؟! إنتِ في أوضتك ولا فين؟

لوجين: لا، تحت.

ماسة بتنبيه: طب اسمعيني كويس. تعالي أوضتي بعد شوية وقولي إنك عايزة تنزلي معايا نشتري أي حاجة أو نروح الكوافير أو أي حوار، المهم ماتسأليش دلوقتي، وماترديش على كلامي، هفهمك كل حاجة لما نخرج من القصر ماتقوليش أسمي..

سكتت لوجين لثوانٍ بإستغراب: طيب... ماشي. سلام.

أغلقت ماسة المكالمة، ثم خرجت من الحمام وجلست على الأريكة أمام التلفاز، تحاول التظاهر بالهدوء.
بعد دقائق، طُرق الباب.

ماسة: أدخل

دخلت لوجين وهي تحاول إخفاء حيرتها.

لوجين بحماس مصطنع: ماسة! بقولك إيه، ماتيجي ننزل نتمشى شوية؟ نروح الكوافير مثلا. نفسي أغير شعري وأعمله أحمر.

رفعت ماسة عينيها إليها وقالت بسخرية: والله إنتِ رايقة حد يخرج في إللي إحنا فيه ده.

نظرت لها لوجين بتعجب وكأنها تقول لها إنتي مجنونة؟!

بينما ماسة مدت وجهها ففهمت لوجين قالت بتمثيل: بصراحة مخنوقة وعايزة أعمل أي حاجة وخلاص.

ثم أضافت وهي ترمش لها بخفة:: يلا أتصلي بسليم وقولي له.

أومأت ماسة، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بسليم.

في الجهة الأخرى.

كان سليم يجلس في اجتماع بأحد المطاعم. وما إن رأى اسمها على الشاشة حتى استأذن للحظات وابتعد عن الطاولة قبل أن يجيب سريعا بابتسامة: إيه يا عشقي؟ جالك الورد؟

ابتسمت ماسة دون أن تشعر جالي من بدري وأخدته في حضني ونمت شوية بصراحة، علشان مانمتش طول الليل.

ثم أضافت بمشاكسة: بس إيه ده؟ إنت بقيت شاعر وإحنا مانعرفش؟ هانقول لك سليم القباني بعد كده

ضحك وهو يهز رأسه: طب بطلي لماضة شوية عشان أنا مشغول ها يا ماستي تأمري بإيه؟

قالت بدلال: عايزة أخرج مع لوجين، نتمشى شوية ونروح الكوافير، وماتقوليش لا، وحياتي. مخنوقة بجد. هاخد عشري معايا.

تنهد سليم باستسلام: طيب، ماشي.

أضاءت عيناها فورا: بجد؟

اومأ: آه بجد، بس خدي بالك من نفسك، ولو حد من الصحفيين اتعرضلكم، ما تردوش عليهم، وخلي الحراس يتصرفوا.

ثم أضاف بجدية: وأنا هكلم عشري وأبلغه.

ابتسمت ماسة أخيرا، ابتسامة حقيقية هذه المرة: شكرا يا أحلى كراميل في العالم بحبك موت موت أمووووواه باي 

أغلقت الخط بسرعة وهي تضحك لأول مرة منذ أمس.

أما سليم، فظل ينظر إلى الهاتف للحظات قبل أن يهز رأسه مبتسما ويعود إلى اجتماعه، غير مدرك أن زوجته لم تكن تريد الخروج للتنزه... بل كانت ذاهبة لتعرف إن كان الحلم الذي انتظرته طويلا قد بدأ أخيرا أم لا.

نظرت ماسة إلى لوجين وقالت بسرعة: طب روحي إنتِ البسي وأنا هلبس.

أومأت لوجين برأسها وغادرت الغرفة، بينما أسرعت ماسة لتبديل ملابسها، كانت متحمسة بشكل لم تشعر به منذ فترة طويلة، وقلبها يدق بقوة بين الخوف والأمل.

وبعد دقائق هبطت إلى الأسفل، لتجد لوجين بانتظارها.
           
         ****************
في الجهة الأخرى

كانت فايزة تراقبهما من نافذة الصالون وهي تحتسي قهوتها، ضاقت عيناها قليلا وهي تراهما تغادران معا، ثم مسحت على فنجانها بأصابعها وظلت تفكر في شيء مابصمت.

دخلت فايزة إلى غرفة عزت، حيث كان ممددا على الفراش، تبدو عليه ملامح الإرهاق.

قالت بحدة مكبوتة: إحنا لازم نتخلص من ماسة قريب يا عزت.

تنهد ببطء، ثم أجاب بصوتٍ متعب: لسه شغلة دماغك في موضوع ماسة يا فايزة؟ عندنا مشاكل أكبر من كدة بكتير.

اقتربت منه بتوتر، وقالت بعصبية واضحة وهي تتحرك في المكان: إنت ماتعرفش إللي حصل، هي بقت خطر، أخطر مما تتخيل طول الفترة إللي فاتت كانت بتلعب بيا، وتهددني، وهي حاطة عينها في عيني، خصوصا بعد ماسليم عرف.

ارتسمت الصدمة على وجه عزت، فمال بجسده قليلا:
عرف إيه؟

ارتبكت للحظة ثم قالت بصوتٍ مضطرب: ماكنتش عايزة أقولك، بس لازم تعرف، سليم قال لي إنه إللي وصل الرسالة إللي بعتها لما اتفقنا نودّي ماسة المستشفى، علشان نقدر نخطفها، بس لحد دلوقتي ماوصلش لأكتر من كدة

صرخ بحدة: وماتقوليش حاجات زي دي إزاي!

ردت بضجر متوتر: أقولك إزاي وإنت تعبان..
تنهد ثم أكمل: عموما، هو مش هايوصل لحاجة أكتر من كده، أنا واخد احتياطي ماتقلقيش.

ثم رفع عينيه إليها ببرودٍ متعب: وبخصوص ماسة، سيبيها دلوقتي. لو كانت عايزة تتكلم كانت اتكلمت من زمان، هي بس بتلعب في أعصابك.

ارتبكت وجلست مقابلة له، سحبت سيجارة من علبة السجائر الموضوعة على الكومود كانت أعصابهما مشدودة، وكأن الغرفة نفسها تضيق عليهما.

قالت بصوتٍ مهتز: إنت ماتعرفش الضغط العصبي إللي أنا فيه… أنا عمري ماتحطيت تحت ضغط زي ده، كل حاجة بتنهار حواليا… صافيناز حالتها النفسية مدمرة، ولا رشدي، إنت ماسمعتش رشدي قال لي إيه؟!، خسيس، هددني أنا وقال لي هقول لسليم تخيل..

تبسم عزت بسخرية وقال: وإنتِ صدقتيه؟

عقدت فايزة حاجبيها فأكمل وهو يهز رأسه: تفتكري هيفضح نفسه يعني؟

صمت لحظة ثم تابع: مش إنتِ بنفسك إللي قولتيلي زمان إنه كان صاحب أغلب الأفكار إللي كنتوا بتعملوها؟ الضغط النفسي على ماسة، التهديد بأهلها، وحادثة أبوها، كل ده مش كان من تخطيط رشدي؟

هزت فايزة رأسها بالإيجاب.

تنهد عزت وقال بعقلانية: يبقى خلاص هو دلوقتي بيقول أي كلام وخلاص.

ردت بتوتر وهي تسحب من دخان سيجارتها: بس هو قال إنه معاه حاجة تنقذه من سليم 

ضحك بسخرية أكبر: وإنتي برضوا صدقتي هيكون معاه إيه؟! بيقول كلام، وخلاص مالك بقيتي خفيفة ليه كدة يا فايزة 

ثم نظر إليها مباشرة وأضاف: وإنتِ عارفة رشدي كويس. عمره ماهيعترف بحاجة تدينه بسهولة.

رمشت فايزة بعينيها وأخرجت نفسا عميقا بقلق يبدو أنها حتى الآن لم تقتنع،ثم مال للأمام، وخفض صوته بنبرةٍ حاسمة تابع: بصي يا فايزة… إحنا مش هاينفع نخسر سليم دلوقتي خالص، أي غلطة ممكن تفتح علينا النار… وسليم ممكن يجمع الخيوط، فعلا هايكتشف كل حاجة، أنا دلوقتي محتاج له جدا جدا علشان أرجع كل الخسارة إللي إحنا خسرناها، أركني ماسة على جنب، طول ما إنت ما بتضايقيهاش هي هاتفضل ساكتة ط ومن ناحية إن سليم يوصل لأكتر من إللي وصل له؟!  أنسي لإن أنا عارف أنا مقفل علي كل حاجة إزاي، أنا عزت الراوي أوعي تنسي

أومأت بصمت رغم قلقها المثقل 
♥️____________بقلمي ليلةعادل

أما في الخارج، فكانت السيارات جاهزة. 

كان عشري بانتظارها بعد أن أخذ أوامر من سليم، اقتربت ماسة منه وهمست: بقولك إيه ياعشري، إحنا هنروح مكان قبل الكوافير.

ألتفت إليها باستغراب: مافيش مشكلة، الملك قالي أشوف الهانم حابة تروح فين.

اومأت: عارفة، بس المكان ده ماينفعش سليم يعرفه دلوقتي.

عقد حاجبيه برفض: يا هانم، الكلام ده ماينفعش.

ابتسمت له محاولة اقناعه: هينفع والله، ده أول طلب أطلبه منك، وبعدين أنا دايما بقول عليك عسول وبتسمع الكلام... مش زي مكي رخم.

رد بتوتر: يا هانم، على عيني وراسي... بس 

قالت بماقطعة: مافيش بس بقى، يلا أسمع الكلام.

اومأ بتردد: طب الموضوع ده فيه حاجة خطيرة؟

أومأت بسرعة: لا خالص بالعكس، لو طلع صح هيبقى أسعد خبر في حياة سليم.

نظر إليها لثوانٍ، ثم اومأ باستسلام 

صعدت ماسة ولوجين إلى السيارة، بينما جلس عشري في المقعد الأمامي تحركت السيارة، 

ما إن ابتعدوا قليلا حتى التفتت لوجين إليها تتساءل أنا بقى مش فاهمة حاجة، فهميني إحنا رايحين فين؟

خفضت ماسة صوتها: رايحة لدكتورة.

رفعت حاجبها بتعجب: دكتورة؟ ليه؟

ترددت قبل أن تهمس: أصل أنا شاكة إني حامل.

وضعت لوجين يدها على فمها من شدة المفاجأة:
بجد؟!

أومأت بتوتر: بس أصبري أنا مش متأكدة وخايفة أفرح سليم وأفرح نفسي وفي الآخر يطلع مجرد وهم.

ابتسمت لوجين بحماس: يا رب يكون حقيقي.
ثم أضافت:زتعرفي دكتورة كويسة؟

أومأت: آه، الدكتورة اللي كنت بروحلها قبل كده.

ثم أعطت ماسة العنوان لعشري، بعد فترة، وصلت 
السيارات إلى إحدى العيادات الخاصة.

ما إن قرأ عشري اسم العيادة حتى اتسعت ابتسامته وفهم كل شيء، لكنه لم يقل كلمة واحدة.

صعد معهما بينما بقي الحراس في الخارج، سجلت ماسة اسمها وانتظرت دورها بقلق شديد بينما كانت لوجين تربت على قدميها.
             **************
في المستشفى التي تمكث بها مي٤م

كانت مي متمددة على الفراش، وقد بدت ملامحها أفضل قليلًا، بينما كان رشدي يجلس أمامها ممسكًا بيديها بين كفيه، وعيناه لا تفارقان وجهها.

قال بصوت مشتاق: وحشتيني… وحشتيني أوي، لحد دلوقتي مش مصدق إنك قدامي. أنا مش ها أمشي تاني، أنا قاعد معاكي.

ابتسمت مي بحنان: وأنا أصلًا مش ها أخليك تمشي بس كده أحسن، شكلك نمت وارتحت… حتى وشك بقى مرتاح.

ومسحت على خده برفق: ودقنك؟ كدة بقيت أحلى 

ضحك بخفة وقال: والله يا مي، أول ما روحت طلبت من الخدامة تعمل لي أكل، أكلت واتدلدقت زي الجردل على السرير، وما صحيتش غير تاني يوم! مش عارف نمت كل ده إزاي.

تبسمت: علشان كنت مرهق وتعبان.

أجابها غير مقتنع: ما أنا كنت بنام هنا برضو، يعني كنت بخطفلي ساعتين تلاتة.

أجابت بنبرة واهنة: بس أكيد دماغك كانت تعبانة

زفر ببطء: فعلا… دماغي تعبانة.

ثم نظرت إليه وتساءلت:  قولي بقى، إيه الأخبار طول الفترة دي؟ كنت… بتشرب؟

أطرق برأسه للحظة، ثم قال بصراحة: مش عايز أكدب عليكي آه، كنت بشرب، ماكنتش قادر أوقف، أعصابي كانت تعبانة جدًا، وخوفي عليكي كان واكلني. كنت باخد جرعات صغيرة بس.

هزت رأسها بتفهم لكنه متعب: يا رشدي، حاول تقتنع إن حتى الجرعة الصغيرة في الأول وفي الآخر جرعة وغلط. عموماً أنا مش زعلانة، كنت متوقعة ده… بس إحنا وعدنا بعض.

أمسك يدها وقبلها: والله العظيم على وعدنا، أنا كلمت مصحة وحجزت، ومستنيين بس تخرجي بالسلامة، وآخدك ونسافر، وأقولك على حاجة كمان هناخد معانا جنة. ها أعملك كل إللي نفسك فيه، ومش ها أسيب حاجة تقدر ترجع الضحكة للوش القمر ده إلا وها أعملها.

ابتسمت بحب بصوت يخرج محشرج من التعب: تعرف؟ هي وحشتني أوي، عايزة أكلمها.

اومأ بحماس: تعالي نكلمها.

رفع هاتفه واتصل، فردت إسعاد:  ألو، إزيك يا حبيبي؟ عامل إيه؟ إحنا عرفنا بالحادثة وحاولنا نكلمك كتير، ما كنتش بترد. قولي مراتك كويسة؟

اجاب: الحمد لله إحنا كويسين. جنة جنبك؟

ردت: آه، استنى أنده عليها.

أخذت جنة الهاتف بسرعة: ألو! رشدي وحشتني.

فتح السماعة الخارجية، وقال مبتسما:وإنتِ كمان وحشتيني، طمنيني عليكي.

قالت بنبرة طفولية: أنا كويسة، عرفت إن أنت ومي عندكم واوا كبيرة وروحتوا مستشفي، إنتوا كويسين؟

خرج صوت مي الضعيف لكنه مليء بالحب: آه يا حبيبتي، إحنا كويسين أوي. إنتِ عاملة إيه؟

أجابت: الحمد لله… كنت عايزة أجي، بس رحمة وتيتا، قالولي إن رشدي هايزعل منك.

ضحك: لا يا ستي، أول ما مي تبقى كويسة هاجي آخدك، وهاتشوفيها قريب.

ردت: ماشي.

قال: طيب هانقفل دلوقتي عشان مي ماتتعبش.

ردت: ماشي باي يا مي.

أجابتها بنبرة واهنة: مع السلامة يا قلب مي.

أغلق رشدي الهاتف، ثم التفت إليها مبتسمًا:  مبسوطة يا ستي؟

هزت رأسها بسعادة: أوي.

صمت للحظة ثم قال: طب بقولك إيه؟! أنا جعان، وفطار الصبح ماعملش معايا حاجة. ها أطلب غدا ناكل سوا.

أومات::ماشي.

وبالفعل طلب الطعام، وبعد قليل جلسا يتناولان الغداء معًا.

كان يطعمها بيده بحنان، لكن كل بضع دقائق كانت عيناه تهربان نحو الجرح الممتد بجسدها، ويغيب بعيدًا.

لاحظت شروده، فقالت برفق بنبرة متعبة: مالك يا رشدي؟

تنهد بألم:  كل ما أبص للجرح ده، أحس بوجع وذنب.

مسحت على خده: ما تحملش نفسك ذنب مالكش علاقة بيه… ده قدر ربنا، وكان مكتوبلي أشوفه.

هز رأسه بعناد: أنا السبب يا مي مهما هربنا، أنا السبب.

ربتت على كتفه بحنان: خلاص بقى، هو أنا إللي تعبانة ولا إنت؟ مفروض إنت إللي تهديني.

ابتسم بحزن، ثم مال برأسه وقبل خدها قبلة طويلة، وعاد يطعمها بنفسه.

ثم نظر إلى موضع الجرح بقلقٍ واضح، ثم سألها بصوتٍ هادئ: قوليلي يا مي… الجرح لسه بيوجعك؟

ابتسمت له ابتسامة صغيرة وهي تهز رأسها: لا، مش أوي… غيرولي عليه الصبح، وبقيت أحسن.

ثم أضافت بحنان: وبابا فضل معايا طول الليل، ما سابنيش غير لما إنت جيت.

ابتسم رشدي وهو يربت على يدها: أنا شفت الدكتور قبل ما أدخل، وقالي إن شاء الله الفترة الجاية هاتكوني أحسن بكتير، بس لازم ما تتعبيش نفسك، لا بالكلام الكتير ولا بالحركة.

تنهد وهو يبتسم بحزن: أنا كل ما أبصلك بحمد ربنا ألف مرة إنه رجعك ليا. كنت فاكر إني ها أضيعك من إيدي يا مي…

مدت يدها وربتت على كفه بحنان:  أنا معاك أهو… وبعدين بلاش تبصلي بالنظرة دي، كأني لسه خارجة من الموت
خفض رأسه قليلًا، ثم قال بصوتٍ مخنوق: أصل فكرة إنك كنتي ممكن ما تبقيش هنا… بتوجعني.

ابتسمت له بحنان، ثم قالت بمشاكسة خفيفة رغم تعبها: طب إيه هانفضل نتكلم، أنا جعانة، أكلني، الأكل برد.

ضحك أخيرًا، وأخذ قطعة صغيرة من الطعام وقربها من فمها: ـ حاضر يا ست مي… بس بالراحة، الدكتور قال ما تتعبيش نفسك.

وبينما كانت تأكل من يده، كان يبتسم لها، لكن خلف تلك الابتسامة كانت عيناه تسرحان بعيدًا، وكان عقله غارقا في حديثه مع فايزة، وفي كل ماحدث وكل ما سيحدث.

كان يعلم أن الأيام القادمة لن تكون سهل وأنه، لأول مرة منذ سنوات طويلة، لا يملك رفاهية الانكسار فمن أجل مي… كان عليه أن يبقى قويًا، مهما كانت العواصف القادمة.
             *******************
مكتب الطبيبة،4م.

جلست ماسة أمام الطبيبة، بينما جلست لوجين بجوارها

بدأت ماسة تشرح أعراضها بالتفصيل، فاستمعت الطبيبة بإهتمام.

سألت الطبيبة: والأعراض دي بقالها قد إيه؟

ماسة بتوضيح: كانت عندي من فترة، بعدين اختفت ورجعت تاني اليومين دول بس بشكل أقوى.

سالتها وهي تدون شي: والعادة الشهرية منقطعة من إمتى؟

عقدت حاجبيها وهي تحاول التذكر: والله مش فاكرة؟! الفترة إللي فاتت حصل فيها حاجات كتير خليتني مش دارية بنفسي والله..

ثم أضافت بسرعة وكأنها تسبق أفكارها: بس أنا عارفة إن حضرتك ممكن تفكري في الحمل... وأنا متأكدة إن ده مستحيل.

رفعت الطبيبة حاجبيها باستغراب: مستحيل ليه؟

حكت ماسة في خديها باضطراب ونكران: لإني عارفة حالتي كويس، وعارفة إن سليم لسه ماخفش بالكامل، وانها مجرد اعرض، وإني مش حامل، يعني ده مش حمل، دي أعراضه عادية جدا، ومتشابهة بس مع أعراض الحمل لكن أنا مش حامل.

صمتت الطبيبة لحظة ثم قالت مبتسمة: طيب بما إنك متأكدة للدرجة دي، إيه إللي جابك؟

تنهدت ماسة بضيق: علشان أخلص من زن الناس في البيت، وكمان لأن التعب بقى غريب شوية، خصوصا الفترة الأخيرة، بعد أي علاقة زوجية بحس بإرهاق شديد.

تسالت: اخر مرة حصل علاقه امتى؟!

هبطت راسها لاسفل بخجل: امبارح.

أومأت الطبيبة برأسها: مفهوم. خلينا نكشف الأول، وبعدها نتكلم في كل التفاصيل.

أومات: ماعنديش مشكلة.

رغم كلماتها الواثقة، كانت أصابعها تعبث ببعضها بتوتر واضح.

همست وهي تنظر للأرض بإنكار كانها لا تريد أن تجعل نفسها تصدق لو 1% أنها حامل: بس برضوا أنا عارفة إني مش حامل.

أمسكت لوجين يدها وربتت عليها بحنان محاولة طمأنتها.

استلقت ماسة على الفراش، وبعد أن وضعت الطبيبة الجل على بطنها بدأت تحرك جهاز السونار برفق فوقه

كانت ماسة متوترة بشدة، وعيناها لا تفارقان شاشة الجهاز وكأنها تخشى ماقد تسمعه بعد لحظات.

اقتربت لوجين منها أكثر وأمسكت بيديها بين كفيها، تضغط عليهما برفق محاولة أن تبث فيها بعض الطمأنينة: أهدي يا ماسة، كله هيبقى بخير.

أخذت ماسة نفسا عميقا وهي تحاول التماسك، بينما واصلت الطبيبة الفحص بهدوء وتركيز

ظلت الطبيبة تنظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم ابتسمت فجأة: قوليلي يا ماسة... نفسك مره دي في ولد ولا بنت يعني؟

رفعت رأسها إليه باستغراب: يعني إيه؟

الطبيبة مبتسمة: يعني نفسك في ولد ولا بنت؟

أجابت بتوتر وهي تبتلع ريقها: الأتنين... بس ليه بتسألي؟

ابتسمت أكثر.: أصل إللي شايفاه قدامي شكله بيبي شقي جدا.

تجمدت ماسة في مكانها واتسعت عينها: إنتي.. بتقولي إيه؟

ألتفت الطبيبة إليها: ألف مبروك يا مدام ماسة، إنتِ حامل.

اتسعت عيناها بصدمة كاملة: إيه؟!

الطبيبة: حامل في بداية الشهر الثالث.

وضعت ماسة يدها على فمها فورا، وكأنها لا تستوعب ماتسمعه بدأت الدموع الساخنة تتجمع بين عينينها..

تساءلت بصوت مرتعش: إنتي متأكدة؟ اتأكدي تاني، بالله عليكي اتأكدي تاني شوفي مرة كمان.

ابتسمت الطبيبة بلطف، ثم أدارت الشاشة نحوها.: متأكدة جدا...

ثم أشارت إلى نقطة صغيرة على الشاشة: وده البيبي.

كانت ماسة تحدق في الشاشة وكأنها ترى معجزة:
يعني ده ابني أنا ما هو ممكن يكون بتاع إللي قبلي اتأكدي..

الطبيبة وهي تحاول أن تهديها: لا ياماسة ده بتاعك إنتي وإحنا دلوقتي كأننا في صورة مباشر بالظبط طب بصي

ثم فجأة امتلأت الغرفة بصوت سريع ومتتابع.
دقات... متتالية

تجمدت ماسة بالكامل تابعت الطبيبة: وده صوت قلبه.

ارتعش جسد ماسة بكملة انهمرت دموعها فجأة دون أن تشعر: يعني أنا... حامل؟

نظرت إلى الشاشة ثم للطبيبة بعدم تصديق: بجد؟ ده بجد؟

تبسمت الطبيبة وهي تمسحه على يديها بحنان: ايوه يا ماسة إنتي حامل ألف مبروك، ليه مش مصدقة ربنا كريم الحمد لله رزقك..

أخذت ماسة تبكي و تضحك في الوقت نفسه: يعني ده صوته؟

الطبيبة: أيوة.

كانت لوجين تمسح دموعها هي الأخرى: ألف مبروك يا ماسة.

لم تستطع ماسة الرد.

كل ما استطاعت فعله هو النظر إلى الشاشة، مدت يدها المرتجفة ولمستها برفق. 

أعطتها الطبيبة المنديل: إحنا كده خلصنا اتفضلي...

تحركت الطبيبة مبتعدا، بينما ظلت جلست ماسة مكانها، تحدق في الشاشة أمامها.

كانت الشاشة قد أُغلقت بالفعل، وأختفت الصورة منذ دقائق.

لكن بالنسبة لها مازالت تراه، ترى تلك النقطة الصغيرة، ومازالت تسمع ذلك النبض السريع الذي غير عالمها كله في لحظة.

رفعت يدها ببطء إلى بطنها، وكأنها تحاول استيعاب أن هناك حياة صغيرة تنمو بداخلها الآن.

أغلقت عينيها للحظة، وانهمرت دموع جديدة على وجنتيها لم تكن دموع حزن بل دموع سنوات طويلة من الانتظار..

سنوات من الدعاء الصامت.

من الخوف أن يبقى حلم الأمومة مجرد حلم.

من رؤية الأطفال حولها والتظاهر بأن الأمر لا يؤلمها، ومن محاولاتها المستمرة لإقناع نفسها أن وجود سليم وحده يكفيها، حتى لو لم ترزق يوما بطفل منه، لكن الله كان يدخر لها هذه اللحظة.

لحظة تسمع فيها نبض صغير يناديها أما،ارتجفت شفتاها وهي تهمس بصوت بالكاد سمعته هي نفسها: الحمد لله... الحمد لله شكرا يارب شكرا

ثم ابتسمت وسط دموعها تخيلت وجه سليم عندما يعرف تخيلت صدمته وفرحته.

وكيف سيحدق في صورة السونار عشرات المرات وكأنه لا يصدق.

وكيف سيضع يده على بطنها كل ليلة منتظرا أن يشعر بأي حركة.

ضحكت من بين دموعها وهي تتخيله يفقد عقله من السعادة.

ثم وضعت كفها فوق بطنها مرة أخرى وهمست بحنان: إنت جيت أخيرا...

انكسرت الكلمات في حلقها، وخرجت شهقة باكية ممزوجة بضحكة مرتعشة:كنت مستنياك من سنين، لحد مافقدت الأمل..

رفعت عينيها ببطء نحو لوجين، وكأنها لا تزال غير قادرة على استيعاب ماسمعته.

ماسة بصوت مرتجف بين دموعها وكأن الخبر جعلها تبدو كالمجنونة: أنا... حامل؟

أومأت لوجين برأسها بقوة، ودموعها تنساب على وجنتيها بينما تبتسم بسعادة. أيوة... حامل يا ماسة. حامل، الحمد لله مبروك.

ارتجفت شفتا ماسة قبل أن تنفجر ضاحكة وسط دموعها، ثم اندفعت نحو لوجين وألقت نفسها بين ذراعيها.

احتضنتها لوجين بقوة، بينما أخذت ماسة تبكي في حضنها من شدة الفرح والصدمة.

سنوات طويلة مرت وهي تتمنى تلك اللحظة، تتمنى أن تصبح أما، أن تحمل طفلا من سليم، أن تسمع يوما كلمة "ماما" من صغير يحمل ملامحهما معا.

واليوم، بعد كل مامرت به، أصبح الحلم حقيقة، دفنت وجهها في كتف لوجين وهي تبكي، غير قادرة على التوقف.

أما لوجين فكانت تمسح على شعرها بحنان هي الأخرى وقد أغرورقت عيناها بالدموع.

لوجين بابتسامة واسعة: خلاص بقى... كفاية عياط ابنك هيقول عليكي نكدية.

ضحكت ماسة من بين دموعها أكملت لوجين: يلا قومي عشان الدكتورة تكمل كشف وتكتبلك كل إللي محتاجاه.

أومأت ماسة برأسها وهي تمسح دموعها بصعوبة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة استعادة هدوئها.

نهضت من على السرير وساعدتها لوجين في تعديل ملابسها ومازالت الابتسامة لا تفارق وجهها، قبل أن تجلس مرة أخرى على المقعد المقابل للطبيبة كان قلبها مايزال يخفق بقوة...

لكن هذه المرة لم يكن من الخوف، بل من فرحة انتظرتها سنوات طويلة.

الطبيبة بعملية لطيفة: بصي يا ماسه الحمل تمام فيه شوية انقبضات في الرحم

اتسعت عينا ماسة بصدمة، قاطعتها بقلق شديد: يعني إيه؟! فيه خطر على البيبي؟

هزت الطبيبة رأسهت سريعا: لا لا، ماتقلقيش مافيش خطر إن شاء الله، بس لازم نهتم شوية من دلوقتي..

وضعت يدها على بطنها بخوف بعينين تلمع بدموع: طب قوليلي بالله عليك، فيه إيه بالضبط؟ ماتخافيش عليا

تنهدت وأجابتها بشكل عملي لكنه حنون: لا كدة غلط، أنا مش عايزة خالص الطريقه دي، لإن الطريقة دي هي إللي هتبقى خطر ممكن..

هزت ماسة راسها ببراءة طفولية بطاعة: حاضر مش هعمل حاجة.

ربتت لوجين على كتفها: ماسة أهدي ماتخافيش.

تنهدت الطبيبة وقالت بهدوء عقلاني: بصي يا ماسة، من كلامك واضح إن الفترة إللي فاتت كانت مليانة ضغوط ومشاكل، وده خلاكي ما تاخديش بالك من أعراض الحمل، غير طبعًا حالة الإنكار إللي كنتِ عايشة فيها...

أومأت ماسة برأسها ببطء واصلت: علشان كده أنا عايزاكي تهتمي بنفسك كويس جدا، ومش عايز أي توتر أو مجهود زيادة، أهم حاجة الراحة والهدوء... وتفرحي. إنتِ هتبقي ماما أخيرا.

ارتجفت شفتاها، ثم وضعت يدها على بطنها بحركة تلقائية وكأنها ما زالت غير مصدقة::حاضر... حاضر، والله هسمع الكلام كله.

ثم رفعت عينيها إليها مرة أخرى وسألت بخوف:
بس قوليلي... البيبي كويس؟

تبسمت تحاول أن تطمئنها: الحمد لله كويس. بس فيه شوية انقباضات بسيطة في الرحم، وده غالبًا لإن الحمل اتأخر اكتشافه، وإنتِ ما كنتيش عارفة إنك حامل، فكنتي بتمارسي حياتك بشكل طبيعي فهنديكي حقنة تثبيت، وشوية فيتامينات، وهنعمل بعض التحاليل للاطمئنان بس.

أومات ماسة بإيجاب، بدأت الطبيبة تكتب بعض الأدوية ثم قال: هاتعملي التحاليل دي، وتيجيلي بعد أسبوع. والأدوية لازم تتاخد بانتظام، وراحة تامة الفترة الجاية.

أومأت ماسة برأسها فورا حاضر.

تابعت وكمان مافيش أي علاقة زوجية الفترة دي لحد ما نطمن تمامًا.

أحمر وجهها قليلا لكنها هزت رأسها بسرعة: حاضر.

عاد نظر ماسة إلى الشاشة مرة أخرى.

كانت غير قادرة على التوقف عن النظر: ممكن تسجلليي صوت القلب؟ وتطبعيلي الصور دي؟

الطبيبة: أكيد.

أخذت الهاتف وسجلت لها النبض، ثم طبع عدة صور للسونار.

ناولتها إياها مبتسمة.

الطبيبة: ألف مبروك يا ماما.

احتضنت ماسة الصور إلى صدرها بقوة، ومازالت غير مصدقة.

كانت تسمع النبض يتردد في أذنيها وكأنه أجمل صوت سمعته في حياتها.لقد أصبح الحلم حقيقة أخيرًا.

خرجت ماسة من غرفة الكشف وهي ما زالت تحتضن صور السونار وكأنها شيء يخاف أن يُسلب منها.

أخذت تمشي بخطوات بطيئة، غير متزنة، وكأن الأرض نفسها لم تعد ثابتة تحت قدميها. يدها ترتجف قليلًا وهي تمرر أصابعها على الصورة مرارًا، لا تصدق أن تلك النقطة الصغيرة التي رأتها منذ دقائق، حقيقية.

كانت لوجين تسير بجوارها، تراقبها بابتسامة هادئة، ثم همست وهي تميل نحوها: بصوت خافت: حاسّة إنك لسه جوة الحلم مش مصدقة؟

مسحت لوجين على ظهرها بحنان وهي تبتسم وسط دموعها لا، صدقي بقى... ألف مبروك يا حبيبتي.

رفعت ماسة رأسها بسرعة، وعيناها تلمعان من شدة السعادة قالت بحماس: أنا هتصل أقول لسليم! هيفرح أوي

أمسكت هاتفها بسرعة وكادت تضغط على اسمه، لكن لوجين أوقفتها فورا: استني!

ماسة باستغراب: إيه؟

لوجين بتوضيح: تليفون إيه؟! خبر زي ده يتقال في التليفون؟

توقفت ماسة للحظة تابعت: لازم المفاجأة تبقى وش لوش.

اتسعت ابتسامة ماسة أكثر:عندك حق.

ثم ضحكت بخفة: الحماس خدني أصل سليم هيفرح أوي... أنا متخيلة شكله من دلوقتي.

لوجين تساءلت: وناوية تعملي إيه؟

تبسمت ماسة بتوسع هقولك..

خرجا من العيادة، كان عشري ينتظرهما بجوار السيارة.

ما إن رأى الابتسامة المرسومة على وجه ماسة حتى فهم النتيجة دون أن تسأله.

عشري بإبتسامة واسعة:ألف مبروك يا هانم.

ابتسمت ماسة بسعادة: الله يبارك فيك.

ثم رفعت إصبعها محذرة: وأوعى تقوله

ضحك عشري: ماتخافيش... السر في بير.

ماسة: معلش إنت هاتاخذني مول كده علشان عايزة أجيب شوية حاجات 

اومأ بإيجاب، تحركت السيارات بعدها نحو المول 

كانت ماسة تسير بين الممرات وكأنها تطير من السعادة.

اشترت تورتة صغيرة ثم توقفت أمام أحد محال ملابس الأطفال. اشترت أول قطعة لطفلها.
قطعة صغيرة جدًا.أصغر من كف يدها.

وحين أمسكتها شعرت أن قلبها يكاد ينفجر من الفرح.

لوجين: لسه بدري على الحاجات دي.

ماسة وهي تحتضن الكيس: لا... دي أول حاجة أشتريها للبيبي كمان علشان جزء من المفاجاة.

ثم اشترت فستانا جديدا لنفسها بلون عينيها وبعض الزينة البسيطة للمفاجأة التي تخطط لها.

طوال الطريق كانت ماسة تتحدث بحماس وتضحك بين الحين والآخر، حتى إن لوجين لم تتذكر آخر مرة رأتها سعيدة بهذا الشكل.
♥️__________________بقلمي_ليلةعادل 

في الفيلا التي يمكث بها مصطفى5م

الحديقة

جلس مصطفى وإيهاب في الحديقة، وكل منهما أمامه حاسوبه المحمول، يضع سماعة في أذنه ويتابع التسجيلات التي حصلوا عليها من قصر الراوي باهتمام شديد، بينما كانت أصابعهما تتحرك بين الحين والآخر لتدوين بعض الملاحظات المهمة.
وعلى مقربةٍ منهما، جلست آلاء وعائشة، وقد انشغلتا بالمذاكرة، تتبادلان الأسئلة وتراجعان ما تبقى من المنهج، بينما كانت نظرات آلاء تخطف مصطفى بين الحين والآخر دون أن تشعر.
أما نهال ونبيلة، فكانتا تجلسان قليلا بعيدا عنهما، تتحدثان بهدوء.

وفجأة…

اتسعت عينا مصطفى بصدمة، فقد كانا يستمع للحوار الذي دار بين رشدي وفايزة.

وما إن انتهى التسجيل…

حتى نزع مصطفى السماعة من أذنه بسرعة، وأغلق الحاسوب وهو ينظر أمامه بذهول.

تمتم بصوت مختنق: يا نهار أسود…

توقف للحظة، وكأنه لم يستوعب ماسمعه: يا نهار أسود، هما…! طلعوا هما

التفتت إليه نبيلة بقلق: مالك يا مصطفى؟

نظر إليها، والصدمة ما زالت واضحة على وجهه:
مصيبة يا أمي، مصيبة!

انتبه إيهاب فورا: مصيبة إيه؟

ابتلع مصطفى ريقه، ثم نظر حوله بحذر، لاحظ أن الحراس بعيدون، ولا يوجد أحد قريب منهم، ففتح الحاسوب مرة أخرى، وشغل التسجيل وبدأ الجميع يستمعون.

في البداية.. بدت علامات الاستغراب على وجوههم، ثم تحول الاستغراب إلى صدمة، ثم إلى حزن.

أما آلاء ووالدتها، فكانتا الأكثر ذهولا، فهما لم تعرفا عن تفاصيل الماضي إلا القليل لكن ما سمعاه الآن، كان شيئا أكبر بكثير شيئا مرعبا.

شيئا جعل الدم يتجمد في عروقهما كان الحديث عن القتل، يخرج من الأفواه ببساطة مخيفة وكأنهم يتحدثون عن أمر عادي.

كانت نبيلة تضع يدها على فمها، والدموع تتجمع في عينيها، وهي تهز رأسها بعدم تصديق: لا حول ولا قوة إلا بالله، القتل عندهم عادي كده؟! كانوا عايزين  يقتلوا البت هي وإللي في بطنها علشان فقيرة؟! فيه أم تعمل في ابنها كدة؟! أخص على ده زمن!

تنهدت أنهار بحزن:  الواحد يا حجة ياما هايسمع وهايشوف في الزمن ده والله حرام، ده ابنها ده زي الفل يا ريت يكون عندي ابن زيه.

مسحت عائشة دموعها وهي تقول:أنا صعبان عليا ماسة وسليم أوي.

قالت آلاء بحزن: أنا كنت فاكرة إللي حصل معايا مافيش أصعب منه، طلع ولا حاجة جنب إللي عاشه سليم وماسة 

تنهد مصطفى بضيق، وهو يمرر يده في شعره: يا جماعة، مش وقته مشاعر  جياشة دلوقتي، أنا هعمل إيه؟! هقول لسليم إزاي؟! إنتوا ماتعرفوش لما بيتعصب بيبقى عامل إزاي… أنا شوفته ده مكي رابطه علشان يقدر يتحكم في غضبه.

إيهاب بقلق واضح: لازم يعرف بسرعة كل دقيقه بتمر فيها خطر على حياة ماسة.

أومأ مصطفى برأسه: أكيد هقوله، بس مش عارف إزاي.

إيهاب بسرعة: كلمه قوله تعالى هنا وإحنا كلنا هنكون معاك، ونحاول نوصله إللي حصل بالتدريج، بس لازم يعرف دلوقتي أي دقيقة فيها خطورة على ماسة.الله أعلم ممكن يعملوا إيه.

أومأت عائشة: إيهاب بيتكلم صح.

فكر مصطفى قليلًا، ثم قال: طب أكلم ماسة؟
أخرجها من القصر لحد مانتفق على طريقة نقوله بيها.

نظرت إليه إلاء باستغراب: هتروح فين الموضوع مش محتاج التوتر ده، اعتقد موضوع الحادثة مش هايبقى أصعب من إللي حصل لما حاولوا يثبتوا إن ماسة على علاقة بيك.

التفتت نبيلة إليها بسرعة، وقالت بحدة: إزاي يا بنتي؟!ودول قتلوا بنته! وماسة كانت حامل في شهرها الأخير، وبسبب الحادثة بقى عقيم!يعني حرقوا قلبه على بنته، وحرقوا قلبها على أمومتها وقتلوا حلمهم إن يكون عندهم إبن

ردت أنهار وهي تهز رأسها: والله الأتنين يكسروا أي راجل، قوله يا ابني من حقه يعرف وإللي يحصل يحصل.

زفر مصطفى بضيق، ثم أمسك هاتفه وقال: هقوله ييجي ووقتها هنشوف.

وبالفعل، رفع مصطفى هاتفه وأتصل بسليم،ىفي ذلك الوقت، كان سليم يجلس في أحد المطاعم، يحضر اجتماعا 

رن هاتفه، فنظر إلى الشاشة، ثم أجاب بهدوء: مساء الخير يا دكتور.

خرج صوت مصطفى مترددًا بعض الشيء: سليم ممكن تيجي؟ محتاجك في حاجة مهمة.

عقد سليم حاجبيه: خير؟

تنهد مصطفى: مش هينفع في التليفون، فيه حاجة حصلت؟

تبادل مصطفى وإيهاب النظرات، ثم قال: لما تيجي هتعرف.

نظر سليم إلى ساعته، ثم قال: طب أنا في اجتماع، أخلصه وأجيلك.

اومأ: تمام في انتظارك.

أغلق مصطفى الهاتف، ثم تنهد بقلق: عنده اجتماع، هيخلص وييجي.

هزت نبيلة رأسها، وقالت وهي ترفع يديها بالدعاء:
ربنا يسترها يا رب.

تنهد إيهاب وهو ينظر إلى الجميع: يارب يجي بسرعة… الموضوع ده كل دقيقة بتعدي فيه بتخوفني أكتر.

أما عائشة، فكانت تضم يديها لبعضهما، وعيناها مليئتان بالقلق: نفسي أعرف رد فعله هيكون إيه؟!

تابعت أنهار بحزن: الله يكون في عونه، ده لو جبل كان إنهار من إللي عاشه.

بينما ظل مصطفى ينظر إلى الهاتف بين يديه، وقلبه غير مطمئن كان يشعر بشيء ثقيل يضغط على صدره.

فجأة، رفع مصطفى رأسه وقال بسرعة: أنا هكلم ماسة أطمن عليها، وأنبهها ماتخرجش من الأوضة. لازم تعرف.

وبالفعل، لم ينتظر رد، وألتقط هاتفه وأتصل بها، في تلك اللحظة كانت ماسة على وشك الصعود إلى سيارتها.

أجابت بمرح وسعادة واضحة: ألو يا مصطفى! عامل إيه؟ وحشتوني أوي.

ابتسم رغم توتره وهو يفتح الميكرفون: الحمد لله بقولك، حد جنبك؟

أجابت بصوت يحمل سعادة كبيرة: لا، أنا في الشارع.

ثم قالت بسعادة تلقائية: بس عندي خبر حلو أوي،  أنا حامل يا مصطفى! حامل أنا في الشهر الثالث… تخيل!

ساد الصمت، لوهلة اتسعت عينا مصطفى بين الصدمة والفرحة، ونظر إليه الجميع هم الآخرون بذهول وسعادة مفاجئة.

وضعت نبيلة يدها على فمها، وعيناها امتلأتا بالدموع.

أما عائشة، فابتسمت دون إرادة منها، بينما قال 

إيهاب بصدمة: حامل؟!

نظروا جميعًا إلى مصطفى الذي كان غير مصدق لما سمعه.

بينما أكملت ماسة بنفس الحماس، غير مدركة للصمت الذي أصابهم: بس ده سر، عشان عاملة مفاجأة لسليم، أنا عرفت بالصدفة، ولسه ماقلتلوش، تخيل لما يعرف! أكيد هيفرح أوي أنا من وقت ماعرفت هاتجنن من السعادة قول لماما نبيلة بقي وكلهم فرحهم ها..

ابتسم مصطفى رغم انقباض قلبه:مبروك يا ماسة فرحتيني يعني سليم خف؟

أومات بسعادة الحمد لله.

صمت للحظة، لا يعرف كيف يخبرها بما سمعه، ولا كيف يهدم فرحتها، فاختار الصمت الآن وقال مبتسمًا: فرحتيني أوي.

ثم سألها باهتمام: طب إنتِ لوحدك ولا معاكي حد؟

أجابت بتلقاءية: معايا عشري، والحراس، وجوجو، مرات ياسين، أقصد لوجين.

تنهد براحة بسيطة:طب كويس.

أضاف بتنبيه قاطع: خدي بالك من نفسك ها وماتغبيش عن عين الحراس وخليكي جنب عشري سمعاني؟ بلاش جنان.

ضحكت ماسة: مالك يا مصطفى؟ أنا أخلص من سليم تطلعلي إنت!

قال بسرعة: أسمعي الكلام يا ماسة، خلصي مشوارك، وخدي بالك من نفسك كويس، وأول ماتوصلي القصر، ماتخرجيش من أوضتك لحد ماسليم يرجع.

لم تنتبه ماسة لما وراء كلماته بسبب فرحتها قالت: حاضر يا بابا مصطفى، يلا أقفل بقى عشان ألحق أروح قبل ما سليم يرجع.

رد باهتمام: طيب، طمنيني أول ما توصلي، وماتقفليش تليفونك.

تبسمت:حاضر… باي.

أغلق الخط.وظل مصطفى ينظر إلى الهاتف بعيون مختنقة.

رغم السعادة التي اجتاحت قلبه من أجلها، وأنها أخيرا أصبحت حاملا إلا أن الخوف كان أكبر، خوف من أن تضيع فرحتها مرة أخرى.

كانت آلاء تنظر إلى مصطفى بصمت، لكن في نظرتها شيء من الغيرة بسبب اهتمامه المبالغ فيه لماسة، بينما الجميع ما زال تحت تأثير الخبر.

قالت نبيلة وهي تهز رأسها بدهشة ممزوجة بالحزن: سبحان الله! في نفس اليوم إللي هايعرفوا فيه مين إللي اتسبب في موت بنتهم، يسمعوا خبر زي ده!

تنهدت أنهار بهدوء: يمكن ربنا عمل كده عشان يهدّي قلبه مايتعصبش..

صمتت لوهلة ثم أكملت: بس والله إللي اتسمع ده يجنن الحجر، الله يكون في عونه، صعبه عليه إنه يعرف أن أمه قتلت عياله دي كبيرة أوي..

مصطفى قال بصوت منخفض وهو يجلس على الكرسي: أنا… أنا ماعرفتش أقولها حاجة، حسيت لساني اتلجم كل إللي سمعته منها خلاني مش قادر أفكر.

هزت عائشة رأسها بسرعة:وإنت كنت هاتقولها إيه أصلاً دلوقتي؟! ده وقت فرح، مش وقت أي صدمة.

ثم أضافت بابتسامة خفيفة: أنا فرحانة لها أوي.

ابتسمت نبيلة بحزن: ربنا يسعدها، هي قاست كتير.

آلاء: طب ما بلاش نقول له النهاردة ونقول له بعدين 

هز ايهاب رأسه معرضا: لا في خطورة على حياة ماسة يمكن يعملوا حاجة وإحنا نسمعها متأخر، بعد ماتحصل لازم يكون في الصورة أحسن 

ساد صمت خفيف للحظة، كأن كل واحد فيهم غارق في أفكاره بين الفرح والخوف…بين الخبر الذي يفرح القلب…والحقيقة التي تثقل الروح أما مصطفى فظل ينظر أمامه بشرود، يفكر فيما سيحدث

سيارة ماسة،6م

كانت ماسة ولوجين تجلسان في خلف  وعشري بجانب السائق.

قالت ماسة وهي تبتسم بعينين لامعتين: أنا فرحانة أوي، مش مصدقة. يا ترى إمتى هاييجي الوقت إللي أقول فيه لسليم؟

ابتسمت لوجين وربتت على يدها. ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي، أهم حاجة دلوقتي تاخدي أدويتك من النهاردة.

أومأت ماسة بسرعة: ماتقلقيش، خلاص جبناها أهو. هاخدها بانتظام إن شاء الله.

ثم سكتت فجأة سرحت بعينيها للحظات وكأن خاطرا مفاجئا مر بعقلها.

التفتت إلى عشري قائلة: عشري، هو إنت عارف حور مدفونة فين؟

نظر إليها عبر المرآة الأمامية: أيوه يا هانم. مدفونة في مقابر العيلة.

تنهدت ماسة بهدوء: عايزة أروح لها لو سمحت.

نظرت إليها لوجين باستغراب: هتروحي ليه؟

هزت ماسة كتفيها بخفة: مش عارفة، بس حاسة إني عايزة أروح.

ظلت لوجين تنظر إليها لثوانٍ قبل أن تقول: طب خلاص، نزلوني أنا في الطريق،  هروح  لماما، أنا أصلاً كنت رايحة لها، بس قولت أطمن عليكي الأول.

أمسكت ماسة يدها بقوة: شكرا يا لوجين، بجد. وآسفة إني دخلتك في كل ده وعطلتك و

اوقفتها لوجين ونظرت إليها وكأنها سمعت شيئًا غير معقول: إنتِ اتجننتي؟ أنا كنت هزعل منك لو ماعملتيش كده احنا خلاص بقينا اصحاب 

ثم ابتسمت وأضافت: مبروك يا أحلى مامي.

ضحكت ماسة والدموع تلمع في عينيها: الله يبارك فيكي يا حبيبتي عقبالك.

ثم التفتت إلى عشري نزل لوجين يا عشري.

اومأ: حاضر يا هانم.

وبالفعل أوقف السيارة، وساعد لوجين في إيجاد سيارة أجرة، ثم عاد ليكمل الطريق.

جلست ماسة صامتة هذه المرة، إحدى يديها تستقر فوق بطنها بحنان، والأخرى تنظر من خلالها إلى الطريق الممتد أمامها، حتى بدأت بوابات المقابر تظهر في الأفق.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل 

المقابر
هبطت ماسة من السيارة وهي تحمل باقة صغيرة من الورود وكيس صغير وهي ترتدي نظارتها الشمسية، تحركت بخطوات هادئة حتى مقابر عائلة الراوي بعد أن فتح لها التربي الباب.

جلست أمام قبر حور، ثم وضعت الورود برفق فوقه،ثم فتحت حقيبتها وأخرجت لعبة صغيرة وضعتها بجوار الورود.

خلعت نظارتها ومسحت عينيها ثم أخذت نفسا عميقا:عاملة إيه يا حور؟ بصي جبتلك لعبة حلوة وورد يارب يعجبوكي .

ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدموع التي بدأت تتجمع في عينيها: وحشتيني أوي.

صمتت لحظة قبل أن تكمل بصوت خافت: أنا آسفة... عارفة إني مقصرة في حقك ومش بجيلك، بس إنتِ أكيد شايفة وحاسه بكل إللي حصل معايا من بعدك،

وضعت يدها فوق القبر بحنان: وعد مني هجيلك تاني وهاجي كتير كمان..

ثم ابتسمت فجأة وكأنها تذكرت شيئا: بس مش هاجي لوحدي هاجي مع بابا و أخوكي أو أختك 

فتحت حقيبتها مرة أخرى وأخرجت صورة السونار نظرت إليها طويلا قبل أن ترفعها أمام القبر: بصي...
ارتجف صوتها من شدة التأثر: ده أخوكي.

انهمرت دموعها وهي تضحك في الوقت نفسه: لسة صغير أوي، مجرد نقطة...

مررت أصابعها على صورة السونار بحنان: كل مايكبر شوية أنا وباباه هانجيبهولك، وهاتحبيه أوي... وهو كمان هايحبك...

سقطت دمعة على الصورة: عشان أنا هفضل أحكيله عنك، وهقوله إن عنده أخت جميلة جدا في الجنة اسمها حور، حلوة وجميلة خالص..

بدأ صوتها يهتز أكثر: أوعي تفتكري إني نسيتك يا حور، أو إني ممكن أنساكي يوم..

هزت رأسها بقوة: مستحيل.

وضعت يدها على صدرها: إنتِ حتة مني، وهتفضلي جوا قلبي طول العمر..

بكت بصمت للحظات قبل أن تتابع: أنا وبابا بنحبك أوي، وهفضل أكلم أخوكي عنك، وأحكيله قد إيه كنتِ غالية علينا، وازي حرموني منك..

ثم ابتسمت وسط دموعها: وهجيبه هنا كمان يتكلم معاكي ويحكيلك كل حاجة، لما أولده 

تنهدت وهي تنظر إلى السماء: مش هسيبك لوحدك تاني... وعد..

رفعت عينيها للأعلى وكأنها تبحث عنها بين الغيوم: أنا عارفة إنك في الجنة دلوقتي، وفرحانة، وبتلعبي،  في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي كلها، وهاييجي يوم وهانتجمع كلنا مع بعض أنا وإنتي وبابا وإخواتك..

اهتزت صوتها وهي تبكي: حرموني منك في الدنيا، بس أنا عارفة إن ربنا رحيم، اخدتك مني علشان تكوني لينا شفيعة في الجنة..

انحنت وقبلت شاهدة القبر برفق: بحبك يا روح ماما.
علشان عايزة أروح أقول لبابا على النونو..

نهضت من مكانها ومسحت دموعها وتحركت للخارج.
عادت السيارات إلى قصر الراوي.

حتي تبداء في صنع مفاجاه طليق بذلك الحدث الذي تنتظره منذة  سنوات



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة