
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والثلاثون 36 ج 3 بقلم ليله عادل
فيلا التي يمكث بها مصطفى،6م
كان مصطفى يجلس تحت البرجولة، يدخن سيجارته، وعيناه شاردتان في الفراغ، بينما القلق ينهش صدره.
كانت إلاء تذاكر على بُعد خطوات منه، لكنها لم تستطع منع نفسها من مراقبته، منذ مكالمة ماسة، ومنذ سماعهم التسجيلات، وهو ليس على طبيعته.
شيء ما بداخله كان خائفًا عليها بشكل مبالغ فيه، وهذا ما جعل شيئًا من الغيرة يتسلل إلى قلبها دون إرادة.
وضعت كتابها جانبها، ونهضت متجهة نحوه.
دكتور.
التفت إليها وابتسم ابتسامة صغيرة: أيوه يا إلاء، خلصتي؟
أومات: يعني قربت.
تبسم ابتسامة صغيرة باهتمام: أول ما تخلصي، تيجي اسمعلك.
هزت رأسها: حاضر.
نظر إليها للحظة، فتنهدت وهي تقول: إنت شكلك مخنوق أوي، من ساعة مكالمة ماسة… ومن ساعة اللي سمعناه وانت للاسف ساكت وشكلك مخنوق.
أخرج زفرة طويلة: طبيعي يا إلاء… لازم أبقى كده.
زمت وجهها بأسف: بصراحة، اللي سمعناه صعب جدًا، بس لازم تفكر في الإيجابي… الحمد لله ربنا كرمهم بطفل بعد كل سنين دي.
هز رأسه بضيق: أنا خايف على ماسة خايف… إنتِ دول الشياطين الله واعلم ممكن يعملوا فيها ايه.
نظرت إليه من طرف عينها، ثم سألته بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية: شكل ماسة غالية عليك أوي.
ابتسم دون تردد: غالية عليا جدًا في محبة كبيرة في قلبي ليها، رغم إني بسببها اتأذيت كتير، بس سبحان الله… اللي يعرف ماسة، ميعرفش غير إنه يحبها.
شعرت إلاء بانقباض في قلبها، وغيرة ابتلعت غصتها، وسألت بنبرة خافتة: تعرف إن ساعات بحس إنك حبيتها؟ خوفك عليها وطريقتك… تخلي أي حد يشك إنك حبيتها.
نظر إليها باستغراب، ثم ضحك بخفة: لا خالص.
ماسة بالنسبة ليا أخت… أخت ربنا بعتها ليا في وقت الدنيا كلها وقفت ضدها اختارتني أنا من بين كل الناس عشان أبقى سند ليها وبعدين اللي يحب ماسة هيبقى إنسان في منتهى الغباء.
أومأ بتفسير:
ماسة مش هتحب غير سليم، وسليم مستحيل يسمح انها تكون لحد غيرة عشوقهم لبعض بجد زي عشق الروايات والمسلسلات لا لا حكايتهم كبيره قوي تخلصي بس الامتحانات واحكي لك القصه بالتفصيل.
خفضت إلاء عينيها، ثم سألته بشك: الكلام ده طالع من قلبك؟
ضيق عينيه ومتسائلا باستغراب، فردت على نظرته موضحه بغيرة مبطنه: اقصد يعني موضوع انك مش بتحبها غير حب اخوه
ابتسم بهدوء: طالع من قلبي فعلًا ولو كان في حاجة تانية، كنت هقولك هخبي ليه؟!
اومات ابتسامة صغيرة، بينما هو تابع: وبقولك إيه، يلا روحي ذاكري عشان أسمعلك.
أومأت برأسها، ثم ربتت على كتفه بلطف بتلقائية:
عموماً… روق كده إن شاء الله هتبقى كويسة، ومش هيحصل حاجة وحشة.
ابتسم لها، لكن عينيه عادتا للهاتف الموضوع أمامه.
أما إلاء…
بينما عادت هي إلى مكانها، لكنها لم تفتح كتابها، بل ظلت تنظر إليه من بعيد… وقلبها يهمس بغيرةٍ مؤلمة:
بس أنا حاسة إنه مش أخوها خالص… ده هيموت من القلق عليها، وطريقته معاها حتى في الكلام أوفر أوي..
صمتت للحظة، ثم عادت الأفكار تهاجمها، فتمتمت بقلقٍ موجع:
يا ترى… مشاعره وخوفه عليّا أنا كمان أخويه؟ ولا
صمتت للحظه ثم قالت في نفسها بتوبيخ وكانها تذكر نفسها بالحقيقه: ايه العبط اللي أنا بفكر فيه ده
عضّت على شفتيها بضيق، ثم هزت رأسها بقوة وكأنها تعنف نفسها: دكتور مصطفى واقف معايا وبس جدعنه، راجل شهم، أوعي تفكري في حاجة أكتر من كده يا آلاء، يا غبية. ركزي في مذاكرتك.
لكنها، رغم كلماتها، لم تستطع أن تُبعد عينيها عنه، وظلت تراقبه من بعيد، وقلبها يخفق بأسئلةٍ تخشى حتى أن تعترف بها لنفسها.
❤️_________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 6م
ترجلت ماسة وهي تحمل أكياسها بنفسها، رافضة أن يلمسها أحد، وكأنها تخشى أن يفسد أحد هذا اليوم بأي تفصيلة صغيرة.
كل ما كان يدور في رأسها الآن هو لحظة واحدة فقط:
حين يدخل سليم الغرفة ويرى المفاجأة ويعرف أن الحلم الذي انتظراه سنوات أصبح حقيقة.
صعدت بسرعة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. أخرجت صورة السونار بيدين ترتجفان، وعينين تلمعان بدموع الفرح... فرحة ظلت سنوات طويلة تنتظرها. ضمت الصورة إلى صدرها بقوة، وكأنها أغلى ما تملك في الدنيا.
تحركت حتى وقفت أمام المرآة، وضعت صورة السونار على بطنها، وكانت دموعها تنهمر بسعادة، بينما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، مررت يدها على بطنها بحنان، وقالت بنبرة سعيدة امتزجت بوجع السنين واشتياقها:
حبيبي... إنت هتيجي وتنور لي حياتي، إنت ماتعرفش أنا استنيتك قد إيه. أنا هحبك أوي، وبابا كمان هايحبك أوي وهيفرح بيك أوي، إحنا فضلنا سنين مستنيينك، وبنتمنى نشوفك، هنجيبلك كل حاجة، ومش هنحرمك من أي حاجة، وكل إللي نفسك فيه هانجيبه لك، إنت هتبقى شعاع النور والبوصلة إللي في حياتنا، هعمل كل حاجة عشان أخليك أسعد وأحسن إنسان في الدنيا، لو كنت بنت أو ولد مش مهم، المهم إنك تيجي بالسلامة، وأنا هحبك وهخليك دايمًا مبسوط، انا والله ماما طيبه اوي وبابا اطيب كمان مني..
ابتسمت وسط دموعها، وربتت على بطنها بحنان أكبر وهي تهمس: يلا... تعالى نعمل المفاجأة مع بعض، ونفاجئ بابا. يلا يا حبيبي.
تحركت نحو الخزانة، وأحضرت علبة صغيرة أنيقة، ثم أمسكت بصورة السونار ووضعتها داخلها بحرص شديد، بعد ذلك أخرجت سلوبتًا صغيرًا من الحقيبة، ووضعت القطعة بعناية بجوار صورة السونار.
وقفت تنظر إليهما طويلًا، وابتسامة واسعة تزين وجهها، وقلبها يكاد يقفز من فرط السعادة.
ثم بدأت تزين الغرفة بحماس طفولي، تعلق الزينة هنا، وتضع الشموع والورود هناك، وبين كل خطوة وأخرى كانت تعود بعينيها إلى العلبة الموضوعة على الفراش، وكأنها لا تصدق أن حلمها الذي انتظرته سنوات طويلة أصبح أخيرًا حقيقة تنبض داخلها.
ثم أخذت حماما سريعا، وخرجت بعدها وهي تشعر بسعادة لا تسعها الدنيا، وقفت أمام المرآة وبدأت تضع الكريمات والعطور برفق، ثم وضعت
مستحضرات التجميل بالطريقة التي كان سليم يحب رؤيتها بها دائما، وكأنها تريد أن تكون أجمل امرأة في عينيه في هذه الليلة المميزة.
وفي النهاية ارتدت الفستان الذي اشترته خصيصا لهذه المناسبة، فانسدل على جسدها بأناقة، يبرز جمال قوامها برقة ومفاتنها بسخاء، وتركت شعرها منسدلا على ظهرها في تموجات ناعمة.
كانت تتحرك في الغرفة بحماس طفولي، تضع الوسائد في أماكنها، وتعدل الزينة مرة بعد أخرى، وكلما وقعت عيناها على العلبة الصغيرة الموضوعة فوق الفراش، اتسعت ابتسامتها أكثر.
لكن مع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يظهر على ملامحها.
توقفت فجأة، ووضعت يدها على رأسها وهي تشعر بدوخة خفيفة.
جلست على طرف السرير، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تهمس لنفسها: لا تعبت مش قادرة.. بس لازم أخلص..
لكن الدوخة ازدادت قليلا، فأغمضت عينيها للحظة، ثم تنهدت بخفة وهي تحدث نفسها: أعمل إيه بس؟ لازم أخلص قبل ما سليم ييجي... ولسة البلالين، والزينة... أنا عايزة حد ينفخهم ويساعدني.
تأففت بضجر طفولي، سكتت قليلًا، وأخذت تفكر، وعيناها تتحركان في الفراغ، وفجأة اتسعتا وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا. عشري!
ارتسمت ابتسامة على شفتيها، وهزت رأسها بسرعة.
فهو الوحيد الذي يعلم.
ألتقطت هاتفها بسرعة وأتصلت به: ألو عشري، أطلعلي، عايزاك.
بعد دقائق، دخل عشري الغرفة كانت ارتدت ماسة فوق فستانها روب طويل
عشري: خير يا هانم؟
ماسة وهي تشير للبالونات: شوف... عايزاك تنفخلي دول وتعلقهم. أنا مش قادرة بصراحة، دوخت.
عشري: حاضر يا هانم.
ثم توقفت لحظة وأكملت بجدية: وبلغ الحراس يبلغونا أول ماسليم يوصل أو لو حد من العائلة جه، مش عايزين ننكشف..
عشري: تمام
ابتسمت له بإرهاق: شكراا
ثم جلست على الكرسي تتابعه وهو يجهز كل شيء، وعيناها لا تفارق الباب... تنتظر اللحظة التي يعود فيها سليم من الخارج، ثم أمسكت هاتفها لتتصل بيه
ماسة أنتظرت لحظة ثم تبسمت بتوسع وقالت: ألو... سلوملوم، إنت فين؟
أجابها بإبتسامة: عند مصطفى لسه بنزل من العربية
تساءلت بتعجب: عايزك ليه
اومأ: مش عارف لسه..
ماسة بابتسامة خفيفة: طيب... أنا روحت، ماتتأخرش.
سليم: حاضر.
أغلقت الهاتف وهي تهمس لنفسها بسعادة: بابي جاي خلاص...
بينما عشري يعلّق البالونات خلفها بصمت.
♥️__________________بقلمي ليلةعادل
في إتجاهٍ آخر عند مصطفى
في إتجاه آخر...
دخل ومكي خلفه نحو غرفة الجلوس حيث كان مصطفى والعائلة بانتظاره.
كانت نظراتهم متوترة، ولا أحد يعرف كيف سيخبره بالحقيقة المرة.
دخل سليم يقول بهدوء: مساء الخير.
ساد الصمت للحظات، وتبادل الجميع النظرات قبل أن ينهض مصطفى سريعا: مساء النور يا سليم، تعالى أقعد.
جلس سليم بينما وقف مكي خلفه كعادته..
نظر سليم إليهم متسائلا: عاملين إيه؟ كله تمام؟ في حاجة ناقصاكم؟
ابتسمت نبيلة بخفة: لا يا ابني، كلنا كويسين الحمد لله، وشكرا على إللي عملته مع آلاء.
هز رأسه باحترام: ده واجبي، آلاء زي أختي بالظبط.
سألته آنهار بقلق: ومحمود يا ابني؟ هتعمل معاه إيه؟
أجاب بهدوء: متقلقيش عليه، هو محتاج يتعلم شوية من إللي حصل عشان يبطل إللي هو فيه، لكن هو كويس متخافيش، خليكي واثقة فيا.
ساد صمت ثقيل تبادلت فيه العائلة النظرات بتوتر، وكل منهم يفكر في كيفيه تهيئة الموقف بأي طريقة.
وفجأة تدخلت عائشة بتوتر: ماسة كويسة؟
أومأ بابتسامه: أيوة، إن شاء الله المره الجايه هجيبها معايا.
عادت النظرات تتبادل بينهم مرة أخرى، بينما ازداد استغراب سليم من تصرفاتهم.
تنحنح مصطفى أخيرا: سليم، أنا كنت عايزك في حاجه مهمه.
نظرا له باهتمام: خير؟
ابتلع ريقه وحاول ترتيب كلماته: أنا وإيهاب كنا متابعين شوية حاجات الفترة إللي فاتت، وعائشة وآلاء كانوا بيساعدونا.
ابتسم سليم ابتسامة هادئة: متشكر يا جماعة، معلش تعبتكم معايا، بس إن شاء الله قريب كل ده هينتهي.
هز مصطفى رأسه بجدية: المهم إن وإحنا بنتابع النهاردة الصبح، سمعنا حاجة لازم تعرفها.
اختفت ابتسامة سليم تدريجيا، وتساءل متعجبا: حاجة إيه؟
كان مكي ينظر إلى مصطفى من خلف سليم بعدم فهم، وكأنه يسأله بعينيه عما يحدث
تابع مصطفى بحذر شديد، يحاول تهيئته لما سيقوله:
بص يا سليم… إللي هتسمعه صعب، بس لازم تسمع للآخر، ومهما حصل، حاول تهدى وتمسك أعصابك العصبية عمرها ماكانت حل، بالعكس بتخلي الإنسان يغلط ويندم بعدين، وأنا عارف إن إللي هتعرفه دلوقتي صعب، وصعب جدا كمان، بس التهور مش هيفيد، ومش هيجيب غير وجع أكبر..
نظر إليه سليم باستغراب، وقد بدأ الضيق يظهر على ملامحه: إيه المقدمة الطويلة دي؟ سمعتوا إيه؟ أدخلوا في الموضوع علطول.
تنهد مصطفى، وقال بصوت ثقيل: رشدي رجع إمبارح و..
فور استماع مكي تلك الجملة اتسعت عيناه بصدمة وتوتر، فقد ظن أن الحديث سيدور حول ما قاله رشدي لماسة بالأمس، لكنه مسح التسجيل بيده! فكيف علم إذا؟!
ألتزم الصمت وحدق في مصطفى ينتظر ما سيقوله.
أكمل مصطفى بصعوبة: ودار حوار بينه وبين والدتك النهارده الصبح، اتقال فيه كلام لازم تسمعه بنفسك، هتلاقي فيه إجابات للأسئلة فضلت سنين بتدور عليها!!
شعر سليم بتوتر خفي يتسلل إلى صدره: أدخل في الموضوع يا مصطفى، مبحبش الأسلوب ده خالص في الكلام.
تنهد وأخرج هاتفه ثم أعطاه لسليم: شغل التسجيل ده... وهتعرف كل حاجة.
نظر مكي إلى مصطفى من طرف عينه بعدم فهم، وشعر أن مصيبة كبيرة على وشك الوقوع.
أخذ سليم الهاتف بيد ثابتة، وضغط على التسجيل.
فبدأ صوت فايزة… ثم صوت رشدي.
في البداية، كانت ملامحه هادئة وطبيعية، يستمع فقط دون أي رد فعل ظاهر، لكن مع استمرار الحديث، ومع كل كلمة كان رشدي ينطق بها، بدأت ملامحه تتغير تدريجيا.
أختفت الراحة من وجهه، عقد حاجبيه، ثم اتسعت عيناه بصدمة…
ثم اتسعتا أكثر لشيء أشد قسوة من الصدمة نفسها.
كأن عقله يرفض استيعاب ما يسمعه.
الحادث…
حور…
ماسة…
القناص…
كل شيء…
كل تلك السنوات التي قضاها يبحث عن الحقيقة، يطارد الأشباح، ويحترق بنار الانتقام، كانت الإجابة أمامه طوال الوقت.
هم…
هم من فعلوا ذلك.
هم من قتلوا ابنته.
هم من دمروا حياة زوجته.
هم من حاولوا قتله وقتلها.
هم من سرقوا منه سنوات كاملة.
كانت يداه ترتجفان بشدة، وعيناه مثبتتين على الهاتف، بينما أنفاسه بدأت تتسارع بصورة مخيفة.
أما مكي، فتصنم في مكانه بوجه شاحب، وعينان ممتلئتان بالذهول، غير قادر على استيعاب أن الأشخاص الذين عاشوا بينهم كل تلك السنوات كانوا سبب كل هذا الخراب.
انتهى التسجيل…وساد صمت ثقيل مرعب، لم يجرؤ أحد علي كسره
ظل سليم جالسا، لا يتحرك، وعيناه مثبتتان أمامه، لكنهما لا تريان شيئا… كأن روحه انفصلت عن جسده.
سقط الهاتف من يده على الأرض دون أن يشعر، فارتفع صوت ارتطامه في الغرفة.
بينما تسارعت دقات قلبه بعنف، حتى شعر وكأن حية سامة ألتفت حول عنقه، تسحق أنفاسه دون رحمة.
اشتعلت عيناه بدموع حارقه كالجمر دون أن يدرك
ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن الألم الذي يحمله بداخله لم يعد يحتمل.
بدأت الذكريات تنهال عليه بلا رحمة
ذلك اليوم، صرخة ماسة، طعنتها، الدماء، دموعها، انكسارها...
الليالي التي كان يستيقظ فيها مذعورا، والكوابيس التي عاشها كل ليلة، كل شيء، كل شيء عاد إليه دفعة واحدة
سنوات مرت وهو يبحث عمن فعلها دون جدوى
،نعم كان يراوده الشك اتجاهم بعد كل ماعلمه، لكنها كانت مجرد شكوك لم يتخيل أن تكون موجعه بهذا القدر حينما تتأكد وتصبح حقيقه مهلكه، تكفي لتحطم أقوى الرجال.
خرجت منه شهقة موجوعة، ثم أخرى، ثم انحنى بجسده للأمام وهو يضع يده على صدره، وكأن قلبه ينتزع من مكانه.
خرج صوته مخنوقا: حور…!
هز رأسه بلا تصديق، ثم رفع عينيه إلى مكي بقهر: طلعوا هما إللي عملوها فعلا؟!
ابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الكلمات نفسها تمزق حلقه، ثم تابع بصوت خرج مبحوحا، يحمل قهر رجل تحطمت الدنيا فوق رأسه: مطلعتش شكوك… طلعت حقيقة..!
رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، ثم أكمل بذهول ممزوج بمرارة: طلعوا هما… هما يا مكي .. أمي! وإخواتي!طلعوا هما؟!
ضحك ضحكة موجوعة، وأشار بيده المرتجفة: وهي كانت عارفة، كانت عارفة وسكتت؟! كانت عارفة،
ووافقت! وافقت إنهم يقتلوا مراتي وبنتي! ومش مكفيها كل إللي عملوه؟! لااا... عايزة تعيد كل ده تاني! عايزين يعيدوه من أول وجديد!
تابع بدهشه مقهورة: جابوا قناص لمراتي؟! كانوا عايزين يقتلوها علشان يدفنوا السر معاها؟!
ضحك بمرارة أشد، والدموع تخونه رغما عنه: أبويا!! أبويا جاب قناص لمراتي، علشان يقفلوا على السر! أبويا وأمي، اتفقوا عليا! اتفقوا على قتل مراتي، وعلى نهش سمعتها، ونهش شرفها، من غير رحمه، أمي وأبويا؟!
خرجت آخر كلماته كطعنات، ثم ضحك مرة أخرى ضحكة مختنقة بالقهر، قبل أن يرفع يده ويمسح دموعا خانته رغم كبريائه: وأنا، أنا كنت فاكر إن ظهري متسند عليهم، فاكر إنهم أهلي وسندي!! لكن اتضح إني كنت متسند على سكينة، والسكينة دي كانت كل يوم بتغرز في قلبي أكتر وأكتر من غير رحمه ولا شفقه! ده انا شكيت في كل الناس وقتها اللي هما قولت استحاله
ضحك بوجع، وخانته دموعه وهبطت على وجنتيه مرة أخري وهو يتسأل بقهر: عملت إيه لكل ده؟! عملت إيه أستحق عليه كل ده؟! أنا عمري ما أذتهم!! عمري حتي ماسمحت لحد يأذيهم؟! رشدي ده أنا فديته بعمري لما مراتي كانت حامل! وفي الآخر يكون دى جزاتي!؟ يخطط لقتل مراتي وبنتي؟!
لم يملك أحد جوابا، فالجميع كانوا ينظرون إليه بصمت حزين…حتى مكي كان يحدق فيه بعينان دامعتان عاجزا عن قول كلمة واحدة.
أما مصطفى، فكان ينظر إليه وقلبه يتمزق من أجله، فبعض الحقائق…لا تؤلم فقط، بل تقتل.
كان سليم يشعر بخذلانٍ كبيرٍ ينهش روحه ويحرقها ببطء، كأن الألم لا يكتفي بأن يسكن قلبه بل يتعمّد تمزيقه. لم يكن يتخيّل يومًا أن يصل بهم الأمر إلى هذا السوء، أن يختاروا أن يفعلوا به ذلك.
اقترب منه مصطفي ببطء: أنا عارف إن إللي عرفته صعب، بس...
قاطعه بعينين تمتلئان بالدموع خارق قال بغضب: بس إيه يا دكتور؟!
أرتفع صوته أكثر وهو يهز رأسه بنبرة مريرة غليظة:
بس إيه؟! أمي وإخواتي، قعدوا مع بعض واتفقوا على قتل مراتي وبنتي، ومش بس كده! لا وكمان جابوا قناص لمراتي علشان يقتلها، وبعد مافشلوا عايزين يعيدوها تاني؟!
توقفت نبيلة تقول بحزن: يا ابني والله إحنا حاسين بيك وبحرقة قلبك.. بس اا
ألتفت إليها بعينين غامت فيهما الظلمة، وقاطعها بصوت مخيف محشرج: أنت عمرك ما هتحسي بيا، أنتِ لما بنتك اتخطفت منك كام ساعة قلبتي الدنيا، أنا بقي بنتي ماتت والسبب في موتها أهلي! او اللى المفروض يكونوا أهلي، قتلوا بنتي وحرقوا قلبي عليها من قبل حتى ما اشوفها، وخلوني لحد اللحظه دي بتمني اسمع كلمه بابا ومش طايلها!!
نظر لها بعينين تحترقان من الدموع والقهر والوجع،
وواصل بصوت مرير، متهدج: أنا محدش حاسس بيا، محدش حس بحرقتي ولا بعذابي طول السنين إللي فاتت، محدش عاش إللي أنا عشته… ولا مر باللي أنا مريت بيه.
ابتلع غصته المريرة ثم أكمل، وصوته ينهار مع كل كلمة: سنين وأنا عايش في كوابيس، لحد ما بقت جزء من حياتي، كل ليلة بشوف الحادثة قدام عيني، وكل يوم بصحى على وجع جديد، الكل افتكر إني اتخطيتها لكن لا، أنا لسه عايش في اللحظة دي، ومستني اليوم إللي أجيب فيه إللي عمل في مراتي وبنتي كده، وأدفعه الثمن.. شكيت في كل الناس وقتها إلا هما!!!
تشنج وجهه وهو يرفع صوته أكثر: كانوا بياكلوا معايا على سفرة واحدة، وبيبصوا في عيني وهما عاملين فيا كل ده أزاى؟!
صمت لثواني يلتقط أنفاسه، ثم تابع بمرارة أشد: فايزه أقصد أمي كانت بتدخل تطبطب عليا، وتواسيني، وهي إللي عاملة كل ده..!!
اشتدت قبضته، وأسودت عيناه بنظرة انتقامية قاتمه: بس ورحمة بنتي ماهنيمهم متهنين النهارده، وزى ما حرقوا قلبي عليها، هحرقهم وهولع فيهم ...
اقترب منه مصطفى: التهور مش هيفيد بحاجه يا سليم، حكم عقلك علشان خاطر ماسه حتي!
ضحك سليم ضحكة قصيرة خرجت ممزوجة بالقهر والوجع: عقل!!! عقل إيه؟
ثم صاح بغضب: مبقاش فيها عقل خلاص، وحياة حرقت قلبي على بنتي لمولع بيهم القصر النهارده!!
قال كلماته وأندفع فجأة كالعاصفة الهوجاء، وعيناه تشتعلان بشراسة مرعبة.
لكن مكي وقف أمامه سريعا، فتح ذراعيه ليمنعه من المرور: سليم، استنى بس، خليني أفهم، هتعمل إيه؟
نظر له بعينين محمرتين، وصوته كان منخفضا بشكل مخيف: زى ما سمعت…!
حاول يتخطاه، لكن مكي ثبت مكانه، رغم أن الغضب كان يشتعل بداخله هو الآخر.
وخرج صوته أقوى هذه المره، ممزوجا بالألم: ماشي… إنت صح في كل إللي قولته، أنا نفسي أحرقهم قبل منك! أنا كمان اتوجعت عليك وأنت في الرعاية 4 شهور! ونفسي أكل قلبهم على إللي عملوه في أخويا ومراته! أنا مش أقل منك وجع يا سليم، أنا طولت أذاهم زيك بالظبط، بس فيه حاجة لازم نفهمها…
اقترب خطوة أكثر، وصوته هدأ لكن بقى أثقل: مين المجهولين دول؟ رشدي قال إنه ميعرفش عنهم حاجة؟! يبقى لازم نفهم النقطة دي الأول، أحنا ماصدقنا وصلنا لخيط متخليهوش يضيع مننا، أنا حاسس إن اللى اسمه تمساح ده هنطلع منه كتير، ارجوك استني بس نكشف الحقيقه كامله!
تردد لحظة، ثم قال بمرارة خفيفة: ويا عم ساعتها أنا هجيب البنزين وأرمي معاك لو ده هيهديك.
لكن سليم كان قد أنفجر من الداخل، وصرخ مقاطعا، وصوته هز المكان: مش مهم! كفاية إللي عرفته! أنا عرفت مين السبب، أكتر من كده مفيش!
دفع مكي بقوة، فتراجع خطوات للخلف، وارتطم جسده بالحائط.
في اللحظة نفسها اندفع سليم نحو الباب كالعاصفة، أنفاسه متقطعة، وملامحه لا تحمل سوى شيء واحد"النار"
صرخ مكي خلفه: سليم! استنى!
، ثم ركض فورا، ولحق به مصطفى وإيهاب بسرعة، يحاولون إيقافه قبل أن يخرج عن السيطرة تماما.
لكن سليم كان كمن فقد السيطرة تماما، لا يسمع، لا يرى، لا يفكر، كل شيء بداخله إنهار وتحول إلى رماد مشتعل، اندفع نحو السيارة، بينما الجميع يركض خلفه.
أمسكه مكي قبل أن يصعد، وهو يهتف بلهفة محاولا إيقافه: سليم فوق! متضيعش كل اللي وصلناله!
شد ذراعه بعنف، وصوته خرج حادا كالسيف: قولتلك أبعد عني يا مكي!
لكن مكي لم يتركه، بل زاد تمسكه وهو يهتف: مش هبعد! قولتلك أصبر! نفهم وبعدين نحرقهم سوا!
أرتج صدر سليم من الغضب، وعيناه لم تعد ترى أمامهما بوضوح: أنا قولتلك مش هصبر!
مكي بنبرة جهورة بحسم: لازم تصبر، علشان نجيب حقك كامل!
ساد صمت لحظة، قبل أن يجز سليم على أسنانه، ويبدل الغضب ملامحه كأن إنسانا آخر ظهر مكانه.
وفجأة…
سحب مسدسا من خصرة، ورفعه في وجه مكي.
فتجمد الجميع واتسعت أعينهم وامتلىء المكان بالتوتر، وكأن الهواء توقف عن الحرك.
بينما وقف مكي مكانه دون حركة، عينيه ثبتت على فوهة السلاح، لكن صوته خرج رغم ذلك، هادئا بشكل مخيف: سليم، متعملش كده.
اللحظة امتدت ثقيلة… خانقة… لا صوت فيها إلا أنفاس متقطعة.
عين سليم كانت مشتعلة، لكن داخلها كان هناك شيء آخر… مهشم، ومكسور لدرجة لا تُرى بسهولة.
صوته خرج منخفضا، لكنه مرعب: أبعد عن طريقي يا مكي!
لم يتحرك مكي، ولم يرفع يديه، فقط قال بثبات موجوع: لو هتضرب… أضرب.
توقفت أنفاس الجميع، واتسعت اعينهم بصدمة
بينما ثبت مكي نظره عليه دون أن يرمش، ضغط سليم على أسنانه، وأرتفعت يده بالسلاح في الهواء، وأطلق عدة رصاصات في الهواء دوى الصوت في المكان، فأرتجف الجميع.
وفي لحظة خاطفه، دفع سليم مكي بعنف من صدره حتى سقط أرضا، واتجه إلي السيارة.
نهض مكي يقول بتوسل: سليم…
قبض على السلاح بقوة، ثم صوبه على مكي بغضب هائل: مكي أرجع مكانك متقربش فاهم..
ثم انكسر صوته حتي خرج ممزقا: سيبني أخد بتار بنتي ومراتي… متحمهمش أكتر من كده!
قال كلماته تلك ثم صعد السيارة، وأنطلق بها بسرعة جنونية.
صرخ مكي: سليم استنى!
لكن السيارة كانت قد ابتعدت.
أندفع نحو سيارة الحراس، ومصطفى يركض خلفه وهو يقول: لازم ألحقه!
نظر للحراس: تعالوا ورايا بسرعة.
دخل مكي السيارة بسرعة، وأدار المحرك بعصبية، ثم انطلقت السيارة كالسهم خلف سليم.
توقف مصطفى وعائلته مصدومين مما حدث.
ضربت نبيلة كفًا بكف وهي تردد بوجع: لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا ينتقم منهم.
ايهاب بتوتر: هنروح وراهم.
نظرت إليه نبيلة بسرعة قالت بشدة: تروح فين يا ابني؟ والله محدش ينقل من قدام عيني.
احنا ناقصين مصايب؟
زم مصطفى وجهه وهو ينظر إلى هاتفه:إن شاء الله مكي يوقفه في الطريق، وإلا هيبقى يوم أسود على الكل.
قالت عائشة بدموع:و يا رب يا مصطفى… سليم لو وصلهم وهو بالحالة دي هيقتلهم.
تنهد مصطفى بضيق: وأنا خايف من كده.
الراجل اتدبح، اللي عرفه كفاية يجنن أي حد.
أنهار بحزن: ربنا يصبر قلبه، ده الواحد من اللي سمعه مش قادر يستوعب، أمال هو هيبقى عامل إزاي؟
أما إلاء، فكانت تنظر إلى مصطفى الذي بدا عليه القلق الشديد، ثم قالت بهدوء: إن شاء الله مكي يعرف يهديه
رفع مصطفى عينيه إليها، ثم زفر بقهر:يا رب
يا رب بس يوصله قبل ما يوصل القصر وتبقى مجزرة
على اتجاه اخر في الطريق…
كان سليم يقود في صراع جنوني، كأن الطريق كله لا يعني له شيئا، فقط صوت واحد في رأسه يدفعه للأمام… الغضب.
خلفه كانت سيارة مكي تحاول اللحاق به، لكن سليم كان يسبقه بمسافه، وبعد محاولات، استطاع الوصول له وبقى في محازاته، وهو يقود بعصبية.
صرخ مكي وهو ينظر من النافذة: سليم! وقف! بالله عليك وقف! خلينا نتكلم!
لكن سليم لم يرد.
نظر له بعينين متوحشتين من المرآة، ثم ضغط على البنزين فجأة، فانطلقت السيارة بسرعة أكبر، وابتعد.
ضغط مكي على البنزين هو الآخر: مش هسيبك!
تحولت الشوارع إلى مطاردة مرهقة، سليم أمامهم كالسهم، ومكي خلفه كمن يطارده بلا توقف.
كان المشهد كأنه مطاردة بين شرطي ومتهم، لكن الألم الحقيقي كان أكبر من أي قانون.
فجأة، لمح سليم صندوق قمامة كبير على جانب الطريق.
مر بجانبه بسرعة، فارتطم بسيارته برطمة خفيفة، لكن ذلك الارتطام كان كافيا ليجعل الصندوق يميل ويسقط بقوة على الأرض بعرض الطريق، فتتناثرت القمامة في الطريق.
حاول مكي تفاديه وهو يزفر: أوووف!
لف بعنف وتجاوزه، لكن تلك الثواني القليلة كانت كفيلة بأن يضيع منه سليم، وعندما رفع نظره للأمام…
لم يعد سليم موجودا، اتسعت عينه بصدمة: راح فين؟!
جز على أسنانه، وأمسك هاتفه بسرعة، وأجرى اتصالا بعشري
على إتجاه آخر…
كانت ماسه وعشري لا يزالان يباشران ما يفعلاه بصمت، حين قاطعهم رنين هاتف عشري.
نظرت إليه بقلق: رد بسرعه ليكون حد جه!
أمسك هاتفه بسرعة، وقال مطمئنا: لا متخافيش، ده مكي…
ابتسمت ونهضت من مكانها على عجل: طب رد بسرعة، يمكن جم… أفتح الأسبيكر.
أومأ بإيجاب، وفتح المكالمة على المكبر، لكن ماسة تحدثت أولا بصوت مرح: مكي؟ إنتم في...
لكن فجأة جاء صوت مكي صارخا، متقطعا من شدة التوتر: عشري، خد الرجالة ووقف سليم بسرعة!
اتسعت عينا ماسة بصدمة وخوف: في إيه؟!
حاول عشري أن يسحب الهاتف، لكن ماسة تمسكت به بسرعة: في إيه يا مكي؟!
مكي بصوت أعلى وأشد توترا: مش وقته يا ماسة! أدي التليفون لعشري.
رد عشري مستعجلا: أنا معاك.
أجاب مكي بلهفة: عشري بسرعة وقف سليم، متخهلوش يوصل، أنا مش عارف أوصله سايق زي المجانين، قابله في الطريق أنت والرجالة ووقفه...
صاح مكي كمجنون: سليم عرف إن هما إللي عملوا الحادثة، وحالف يحرق القصر! وقفه بسرعه.
قال عشري بسرعة: طيب…اقفل أنت دلوقتي وانا هتصرف.
كانت ماسة تستمع للمكالمة بعينين متسعتين، خرج صوتها مكتوما: إيه إللي سمعته ده يا عشري!!
اومأ بعدم معرفة متعجلا: خليكي هنا..
ركض نحو الخارج بسرعة، تاركا خلفه ماسة التي تجمدت مكانها للحظات، تحاول استيعاب ما سمعته لكن قلبها انقبض فجأة! خصوصا عندما تذكرت كلمته "وقف سليم… هيحرق القصر..هم إللي عملوا الحادثة"
ترددت الجملة في عقلها كصدى مؤلم.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وقلبها بدأ ينبض بعنف، وكأن شيئا في داخلها يصرخ محذرا.
:سليم…
همست باسمه، وقد بدأ الخوف يزحف إلى قلبها.
تجمعت دموع حارق في عينيها، ثم فجأة، وكأن جسدها سبق عقلها، ركضت خلف عشري.
التفت إليها بسرعة، واتسعت عيناه بصدمة: رايحة فين؟! خليكي هنا.
هزت رأسها باصرار والدموع بدأت تهبط من عينيها: لا هاجي معاك… يلا يا عشري! مفيش وقت!
لم يكن هناك وقت للكلام، هز عشري رأسه بسرعة، وتحرك.
ركضت ماسة خلفه دون توقف، تهبط الدرج بسرعة، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
لكن بسبب سرعتها، ألتف طرف فستانها حول قدميها، وخانها توازنها للحظة فتعثرت، وسقطت مكانها بقوة على الدرج: آهااا…
خرجت منها صرخة متألمة، وتجمد عشري وهو يلتفت إليها بصدمة: ماسة!
وضعت يدها على الأرض، وأنفاسها متقطعة، والألم بدأ يشتد في جسدها، لكنها لم تهتم.
نهضت فورا، رغم الألم الذي اجتاح ظهرها، وكأنها لم تشعر بشيء، كان كل وعيها، وخوفها، وقلبها، مع سليم فقط.
نهضت متألمة: يلا أنا كويسة، خلينا نلحق سليم.
ركضت مرة أخرى، فلحق بها عشري، وفتح باب السيارة بسرعة.
صعدت بجانبه دون أن تنظر خلفها، ودون أن تدرك في تلك اللحظة أنها تحمل حياة صغيرة بداخلها.
قاد عشري السيارة مسرعا، كانت طوال الطريق، تبكي بصمت، يداها ترتجفان وهي تقبض على المقعد بقوة.
أنفاسها متقطعة.
وقلبها ينبض برعب لم تفهم سببه، التفتت إلى عشري فجأة، وصوتها المرتجف خرج على هيئة أمر: عشري… وقف العربية!
نظر إليها بتعجب: ليه؟!
ردت بملامح مشدودة، وفيها إصرار: في فكرة في دماغي، وقف يا عشري!
تردد لحظة، ثم أخرج يده من النافذة وأعطى إشارة للحراس، فتوقفوا جميعا على جانب الطريق.
قالت بتفكير: وقف العربية بعرض الطريق.
اومأ بإيجاب وفعل ما قالته، ثم هبط من السيارة، وتوقف بجانبها يتساءل بقلق: هتعملي إيه؟
قالت وهي تمسح دموعها: عايزة سليم لما ييجي ميعرفش يكمل الطريق، لازم نقفله هنا.طوخليهم واقفين زيك كدة، واحد ورا واحد عشان ميعرفش يعدي..
أومأ بسرعة، وبدأ يوجه الحراس بيديه.
وبالفعل، انتشروا في الطريق، كل سيارة في موضعها، في انتظار سليم، وكأنهم صنعوا حاجزا على الطريق المؤدي للقصر
ظلّوا متوقّفين لعدّة دقائق على طريقٍ خالٍ تمامًا، بدا وكأنه غير مستخدم إلا لشيء واحد فقط… وهو الوصول إلى القصر. كان طريقًا زراعيًا طويلًا يلفّه الصمت من كل جانب، وعلى امتداده تمتد أراضٍ شاسعة من الزراعة، وكأنها جزء من ملكيات الراوي نفسه، لا يقترب منها أحد ولا يمرّ بها سواه وأصحاب القصر.
بعد دقائق… بدأ صوت محرك يأتي من بعيد صوت سيارة تقترب بسرعة جنونية.
عشري: ماسة… أقفي على جنب.
ثم التفت للحراس: خليكم جاهزين.
توقفت ماسة جانب الطريق، وقلبها يكاد يخرج من مكانه.
وفجأة… ظهرت سيارة سليم تقترب بسرعة مرعبة.
كان سليم يقود وعيناه مثبتتان علي الطريق بلا وعي تقريبا، وعندما لمح السيارات تسد الطريق…
ضيق عينيه، وحاول تفاديهم، فضغط علي الفرامل بشده حتي التفتت السيارة مرتين حول نفسها..
صرخت ماسة برعب: سليييييييم
كادت أن تتحرك لكن أمسكها عشري: أستنى.
تمكن سليم أخيرا من إيقاف السيارة، وخرج منها يصيح بنبرة مشتعله وصدره يعلو ويهبط بغضب: مين حاطط العربيات دي هنا؟!
وفي تلك اللحظة، ظهرت ماسة من بين السيارات تتحرك ببطء، وخلفها عشري والحراس.
حدق فيها سليم متعجبا: إنتِ بتعملي ايه هنا؟ شيلوا العربيات دي!
اقتربت بسرعة تحاول تهدئته بنبرة مهتزة: سليم، أرجوك اهدى خلينا نتكلم..
صرخ بعنف: نتكلم في إيه؟! مفيش كلام، هما إللى عملوا الحادثة، هما السبب في كل إللي حصلنا، هما إللي قتلوا حور وحرقوا قلبنا عليها من قبل حتى مانشوفها..
ابتلعت غصتها، وهزت رأسها بدموع: ماشي بس حرقك للقصر مش هو إللي هيرجع حور ولا هيرجع كل السنين إللي راحت مننا، خلينا نتكلم.
نظر لها بعينين متسعتين، ووجهه لا يحمل سوى الألم والغضب: نتكلم في إيه؟! مفيش حاجة نتكلم فيها! لازم أحرقهم زي ماحرقوا قلبنا! لازم أقتلهم زي ما قتلونا! لازم يدفعوا الثمن! خلاص يا ماسة، خلاص! مينفعش يعيشوا ثانية واحدة بعد كل إللي عرفته! مينفعش!
تحرك مبتعدا، لكن ماسة ركضت خلفه بسرعة، وأمسكته من كتفه: سليم، طب أسمعني! أصلا محدش هناك غير صافيناز والعيال الصغيرة..
أجابها بلامبالاه: مش مهم!
صرخت بانهيار: مش مهم أزاى!؟ العيال الصغيرة ذنبها إيه يا سليم!!
استدار يصرخ هو الآخر بقهر: وأنا بنتي كان ذنبها ايييييييه!!
أمسكت يده بكف مرتعش: مش ذنبها حاجه، بس أنا مش عايزة حق حور ييجي بالقتل! مش عايزة حق إللي حصلنا يجي كدة يجي بدم يجي بأن ابوها يغرق بدم عيلته.
استدار وعيناه لا تريان شيئا سوى النار المشتعلة داخله: لا! هييجي بالقتل! وبدم، وهحرقهم زي ما حرقوني! العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم......
صاح بها بيبيعها رجوليه جهوره حتى برزت عروقه:
وعي يا ماسة!
وبدون وعي دفعها بقوة، فارتطم ظهرها بإحدى السيارات بقسوة: آآه…
خرجت منها شهقة ألم، ووضعت يدها على بطنها تلقائيًا، وقفت لوهلة تاخذ أنفسها، تشعر بألم حاد يسري في جسدها كله، أزداد بسبب سقوطها السابق، وركضها، وتوترها الشديد.
توقفت تاخذ أنفسها وهي تشاهده يصرخ كالمجنون، ويضرب بيده على إحدى السيارات بعنف: شيلوا العربيات دي! حالا!
لكن عشري توقف أمامه بعند: مش هنشيل حاجة
اتسعت عينا سليم: إنت بتقولي أنا كدة!
قلب وجهه فجأة، رفع يده واعطاه لكمة قوية، وبدأ يضرب كل من يقترب منه، كأنه فقد السيطرة تماما، يصرخ بجنون: شيلوا العربيات دي!
تقدمت ماسة مرة أخرى، رغم خوفها تحاول تهدئه: سليم! أسمعني! إللي عايز تعمله غلط! هتقتل أطفال ملهمش ذنب؟! أبوس إيدك فوق!!
لكن كلمتها لم تهدئه، بل زاد اشتعاله.
صرخ بعينين محمرتين: وايه يعني ولادهم مش أحسن من بنتي، مش كل حرب ليها ضحايا، مش ده كلامهم، خلاص يبقي ولادهم هما الضحايا.
هزت رأسها بعنف، والدموع تنهمر من عينيها بحرقة: لا، مش هنبقى زيهم! إحنا مش زيهم يا سليم! أنا مش هسمحلك تعمل كده!
ورغم الألم الذي كان ينهش جسدها، اقتربت منه من الخلف، وأحاطته بذراعيها بكل مابقي فيها من قوة، تحاول إيقافه.
لكن سليم… كان بعقل غائب، وقلب أحترق حتى لم يعد يميز شيئا.
فالتفت إليها بعنف، وصاح بها وهو يدفعها، وكأنه يدفع رجلا يقف في طريقه، لا المرأة التي أحبها: قولتلك أوعي يا ماسة!!
ترنحت إلى الخلف عدة خطوات، حتي سقطت على ظهرها بقوة علي الأرض.
أنقطع الهواء من صدرها للحظة: آآآآآآآه…
خرجت منها شهقة موجوعة لكن هذه المرة…
كان الألم مختلفا.
وضعت يدها على بطنها تلقائيا، وعيناها اتسعتا، وأنفاسها ارتجفت.
أما سليم…
فكان قد استدار بالفعل، وعلى وشك أن يصعد إلى إحدى السيارات المتوقفة.
رفعت رأسها بصعوبة، والدموع تغرق وجهها، ثم صرخت من بين شهقاتها: سلييييييم!!
صرخت مرة أخرى، بصوت مزقه البكاء: سليم… أنا حامل!!
تجمد، وتوقفت يداه على باب السيارة احتبست أنفاسه، وتوقف العالم كله من حوله، واتسعت عيناه كادت تخرج من محجرها..
بينما تابعت ماسه بنبرة واهنة: أنا حامل.
ألتفت لها ببطئ وكلمات تخرج بصعوبة: بتقولي إيه؟!
رفعت رأسها رغم الألم الذي تشعر بيه ووجها يعكس مدي الوجع: أنا حامل… والله حامل.
اقترب منها ببطء بعدم تصديق، وكأن الكلمات احتبست في حلقه.
تابعت هي لكن هذه المرة خرجت الكلمات منها بنبرة أضعف، وهي تحتضن بطنها بيديها المرتجفتين بعينين تهبط بدموع: أنا حامل يا سليم، كان نفسي أقولك بطريقة حلوة وأفرحك، روحت كشفت وخدت صوره من السونار وتسجيل لصوت النبض كمان، وكنت عمللاك مفاجأة حلوة أوي
خرجت تأوهات منها خافضة، وكانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.
ثم أدخلت يدها المرتعشة في جيب الروب، وأخرجت صورة السونار، ومدتها نحوه وهي تقول بصوت واهن: بص ابننا أهو..
بدأت كلمتها تخرج متقطعة: هو دلوقت في بداية الشهر التالت.
تناولها سليم ببطء، كأن يديه لا تطيعانه، ونظر إليها طويلا، يتأملها بصمت غريب، كأن العقل يرفض التصديق والقلب يرتجف.
ثم انحنى فجأة على ركبتيه أمامها، وارتجف صوته:
يعني… ابني هنا؟
وضع يده على بطنها بحذر شديد، وكأنه يخشى أن يختفي كل شيء إذا تحرك.
هزت رأسها بإيجاب، رغم الألم الذي بدأ يشتد داخلها:
أيوة…
كانت ملامحها تعكس بداية الألم الذي يداهمها، لكنه لم ينتبه.
خرجت منها تأوهات صغيرة متقطعة، ويداها تستقران فوق بطنها بحماية غريزية، بينما تحاول بكل ما تملك أن تتحمل الوجع وتكتمه، حتى لا تزيد من اضطرابه أو تلفت انتباهه إلى ما تعانيه.
في تلك اللحظة، ظهر مكي في الخلف، مترددا، يراقب المشهد، يمسك سلاحه وهو يريد ان يضربه على راسه كي يوقف جنونه، لكن نظراته انكسرت أمام ما يحدث.
كان سليم يبكي بصمت، وملامحه تتغير من الغضب إلى الإنهيار، وهو يضع يده علي خدها ويهمس: إنتِ متأكدة
أومأت بتعب: آه… متأكدة.
بدأت دموعه تهبط بغزارة، وهو ينظر إليها بعينين مرتجفتين، ثم وضع يده المرتعشة فوق يديها الموضوعتين على بطنها، وكأنه يخشى أن يكون ما يسمعه حلما سينتهي.
خرج صوته مبحوحا، مليئا بالذهول والفرحة والألم معا: يعني… أنا هبقى أب؟ بعد كل السنين دي، هيتقالي بابا؟ هيكون ليا طفل؟
كانت ملامح ماسة تزداد وجعا، لكن وسط الألم الكبير الذي بدأ يهاجمها، خرجت منها همهمات موجوعة خافتة، وأومأت برأسها بابتسامة مرتعشة، وقالت بصوت متقطع: أيوه…هتكون أب يا سليم…هتكون أب ...آآآه…
ابتسم وسط دموعه، وكأنه لا يصدق، ثم ضمها إليه للحظة قصيرة، وقبل رأسها وهو يبكي: أنا مش مصدق،أنا هبقى أب، الحمد لله يارب، الحمد لله،
يا رب…
ثم أبتعد قليلا، ينظر إلى وجهها الشاحب وهو يقول بدموع رجلا انتظر سنوات كي يكون له ابنا: ماسة خلاص هيكون لنا أبن..
وضع يده على بطنها: إنت سامعني؟ أنا بابا، أنا هحبك أوي، مش هخليك نفسك في حاجة، أنا استنيتك سنييين
فجأة خرجت منها تأوهة أعلى هذه المرة، لكنها ما زالت تحاول خفض صوتها: آآه…
انتبه أخيرا، وتساءل بقلق وهو يمسح دموعه بطرف يديها: مالك يا ماسة؟
رفعت عينيها إليه، ودموع الألم بدأت تختلط بدموع الفرح، وهمست: مش عارفة…حاسة بوجع جامد أوى…
اتسعت عيناه برعب: وجع إيه؟
وضعت يدها على بطنها، وأنفاسها متقطعة: مش عارفة…حاسة بوجع وبدأ يزيد، آآه… مش قادرة
أنقبض وجهها بقوة، وانحنت قليلا، وخرجت منها تأوهة موجوعة.في تلك اللحظة…
أختفت النار من عيني سليم أختفى الغضب.
أختفى الانتقام، ولم يبقَ سوى الرعب.
رعب رجل رأى زوجته تتألم أمامه: ماسة!
احتضن وجهها بين يديه، وصوته أصبح مرتعشا: بصيلي! مالك؟! وجع إيه؟! ردي عليا!
هزت رأسها باكية، ويديها تضغطان على بطنها: مش عارفة… وجع… آآه…فظيع، ألحقني يا سليم، مش قادرة
مرر يده المرتجفة على شعرها وهو يقول بسرعة:خلاص… خلاص يا حبيبتي… تعالي، هوديكي للدكتور حالا… مفيش حاجة هتحصل، أنا معاكي.
أنحنى بسرعة يحملها، ولكن تجمدت يداه وشعر بأنفاسه تختنق، وهو يري الدماء تتدفق أسفلها، وتلطخ ملابسها.
اتسعت عيناه برعب، وتوقف قلبه للحظة: م… ماسة؟
نظر إليها بجنون، ثم إلى الدم مرة أخرى، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه: لا…لا…
البارت الجاي مش هينزل غير لما ده يوصل ل 1000 لايك و2000 كومنت من غير زعل
استووووب
هل ستفقد ماسة طفلها قبل أن تكتمل فرحتها؟
وهل سيتمكن سليم من إنقاذها، أم أن القدر يخبئ له جرحا جديدا بعد لحظة فرح انتظرها لسنوات؟