رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والثلاثون 37 ج 3بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والثلاثون 37 ج 3
بقلم ليله عادل


ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطعه رشدي بهدوء: إحنا أصلا مش هنرجع القصر، إحنا هنروح علي شقتي.

راشد بحدة: ولا قصر ولا شقتك، بنتي هترجع علي بيتي، أنا مش هستأمنها معاك تاني، لحد النهاردة أنت معرفتش توصل للي عمل فيكم كده! انا إيه يضمنلي إن بنتي لما تخرج ميحصلهاش حاجة تاني؟

شعرت مي بالتوتر: بابا...

التفت إليها بنظرة حادة: مسمعش حسك، بابا إيه؟!عايزاني اسيبك تروحي معاه علشان المره الجايه تجيلي ميتة؟ 

رشدي بثقة: مفيش مرة جاية...أنا متأكد.

ضحك راشد بسخرية: وإنت عرفت منين؟! أنا شفت بعيني إن عيلتكم طول عمرها في مشاكل و وحوادث من النوع ده، أخوك الكبير بنفسه خرج من حادثة أكبر من دي بمليون مرة وفقد فيها بنته، وخرج منها عاجز، ده غير كم المشاكل والبلاوي والحوادث إللي حصلت لكم الفترة الأخيرة، أنا مش عايزة اخسر بنتي بسببك.

خفض رشدي رأسه، وقال بتلعثم: موضوع سليم مختلف عني.

راشد بحسم: مليش دعوة، أنا بنتي حياتها في خطر وهي معاك ولازم احميها، أنا مليش غيرها، بنتي هتيجي تعيش عندي لحد ما تخلص كل مشاكلك، والله لو عايز تيجي تعيش معانا، أهلا وسهلا، مش عايز يبقى نصيبكم يقف لحد هنا، لكن بنتي، مش هسيبها معاك تاني.

تدخلت مي بعينين دامعتين: يا بابا لو سمحت رشدي ملوش ذنب، ده قضاء وقدر.

لوح راشد بيده بإنفعال: أعقلي شوية، بطلي الحب اللي بقي عاميكي ده

اقترب حاتم منه يحاول تهدئته: طب اهدى يا بابا، علشان خاطر مي على لأقل.

نظر إليه راشد: وأنا بعمل كل ده علشان خاطر مين؟ مش علشانها.

التفتت ينظر لرشدي برجاء اب: يا رشدي لو بتحبها بجد سيبها وابعد عنها، لأن حياة بنتي معاك في خطر. 

تنهد رشدي وقال بصدق: أنا مقدر خوفك، وعندك حق تخاف، لكن أقسم بالله إللي حصل ده مش هيتكرر، وأنا مش هتحرك بعد كده من غير حراسة، مش هبقى متهور تاني.

راشد سريعا: خلاص تعالى عيش معانا، مدام متمسك بيها أوي كده.

خفض وجهه بخجل وقال بإعتذار: مش هبقى مرتاح.

راشد بنفس السرعة: وأنا كمان مش هبقى مرتاح طول ما بنتي عايشة معاك!

أمسكت مي يد والدها، وقالت برجاء واهن: يا بابا علشان خاطري، أنا هبقى مرتاحة مع رشدي، ومش خايفه من حاجة، وواثقه إنه مستحيل ياذيني، وبعدين اللي حصل ده كان غصب عنه وهو كمان اتصاب، عشان خاطري سبني اكون معاه، ومتحطنيش في الموقف ده أرجوك.

ر اشد بضجر واصرار: لو بيحبك كفايه هيتنازل ويجي يعيش معانا، لكن تبعدي عني تاني لا.

ساد الصمت مره أخري

حتي قطعه حاتم: طب أنا عندي اقتراح وأعتقد محدش هيعترض عليه، تيجوا تقعدوا في شقتي، هي أصلا قصاد شقة بابا، كدة نبقي مسكنا العصايه من النص، رشدي هياخد راحته ومش هيحس بالكسوف، وفي نفس الوقت مي هتبقى قدام عينك يا بابا زى ما هو عايز.

نظر إليه راشد: وأنت هتعيش فين؟

ابتسم حاتم بمرح: اجي أعيش معاك، فيها إيه يعني؟ اعتبرني مي.

ضحكت تقى: وأنا معنديش مشكلة.

تساءل راشد بتعجب: هتسيب شقتك إزاي؟! هتفضلوا كده علطول.

ابتسم حاتم : لا طبعا، أنا سمعت إن الشقة إللي في السابع هتفضى قريب، ممكن رشدي يشتريها، ويقعدوا فيها، فيفضلوا عندي مؤقتا لحد ما الشقة تجهز.

ثم غمز لرشدي بخفة: إيه رأيك؟

ابتسم رشدي لأول مرة منذ بداية الحديث، وقال بهدوء: معنديش مشكلة، بس مش عايز أكون مضايقكم، لو فيه شقة في نفس العمارة فاضية من دلوقتي ممكن اخدها عادي.

حاتم بإبتسامة: متقولش كده يا رشدي إحنا إخوات، المهم بس الحج يوافق.

نظرت مي إلى والدها برجاء: خلاص بقى يا بابا أهو حاتم حلها.

اقترب حازم من راشد، وهمس يحاول إقناعه: بابا مي لسه تعبانه، متزودش عليها أكتر، ووافق ومشي الدنيا وبعد ما تبقي كويسه نبقي نشوف هنعمل إيه.

ظل راشد صامتا للحظات، غارقا في أفكاره، لم يكن عنيدا أو قاسيا، بل كان أبا خائفا حتى النخاع، أي أب مكانه كان سيفعل ذلك... وربما أكثر، فابنته خرجت من بين يدي الموت بأعجوبة، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يرى فيها حياته تتهاوى أمام عينيه.

فمنذ سنوات، فقد زوجته في حادث أليم، وكادت مي أن تضيع معها، حتى أنها عاشت شهورا طويلة أسيرة شلل نفسي، وبالكاد استعادت بعدها رغبتها في الحياة.

والآن... وبعد كل ما عرفه عن عائلة الراوي؛ من حوادث متكررة، وأعداء يتربصون من كل إتجاه، أصبح خوفه مضاعفا، بالنسبة له الأمر لم يعد مجرد حادث عابر، بل خطر يلاحق ابنته كلما كانت بينهم.

لذلك، لم يكن يرى نفسه ظالما أو متحكما، بل أبا يحاول بكل ما يملك أن يحمي آخر ماتبقى له في هذه الدنيا، حتى وإن اضطر أن يقف في وجه سعادتها، لكن حازم
فالوقت ليس مناسبا الآن.

زفر بقوة، ثم هز رأسه موافقا: ماشي... موافق على الفكرة دي مؤقتا، لكن لازم تحل مشاكلك وتوصل للي عمل كده، لإن لو فضلت حياتك كلها حوادث ومشاكل بالشكل ده، أنا مش هبقى مطمن على بنتي معاك.

ثم ألتفت إلى تقى: يلا يا تقى، جهزيها.

خرج راشد من الغرفة، بينما ربت حازم على ظهر رشدي: معلش يا رشدي بابا بيخاف على مي زيادة، خصوصا بعد حادثة ماما الله يرحمها.

ابتسم رشدي ابتسامة باهتة: والله أنا مش متضايق منه خالص، ولو كنت مكانه كنت هعمل زيه وأكتر، بس أوعدك مش هرتاح غير لما أوصل للي عمل فيها كده، وأجيب حقها. 

ثم نظر إلى مي بإبتسامة حنون: حبيبتي أنا هروح ابلغ الحراس عشان يجهزوا العربيات واشوف الحسابات؟

غادر رشدي، فنظرت مي لشقيقها باحراج: طب إحنا كده مش هنضايقك يا حاتم؟

ضحك حاتم بخفه: هتضايقيني في إيه؟ أنا اصلا كنت مقيم عند ابوكي طول الوقت أنا وتقي، وبعدين الموضوع مش هيطول إن شاء الله هو شهر ولا اتنين بالكتير، لحد ما بابا يهدى.

تقى بابتسامة: يا بنتي إحنا إخوات، الكلام ده ميتقالش بينا.

ابتسمت مي بإمتنان: شكرا بجد... ربنا يخليكوا ليا.

خرج حازم، بينما بدأت تقى والممرضة في مساعدة مي علي ارتداء ملابسها 

وبعد قليل، طرق حاتم الباب طرقات خفيفة ونادي علي زوجته.

خرجت تقى وتوقفت أمام الباب، فسألها: بقولك إيه الشقة جاهزة ولا محتاجة تتوضب؟

ابتسمت: جاهزة يا حبيبي متقلقش، بس مش هينفع يقعدو في اوضه نومنا، يبرطعوا في باقي الشقة براحتهم.

حاتم: مش مشكله، يقعدوا في اوضة الضيوف.

في الداخل، انتهت الممرضة من مساعدتها: حمد لله على سلامتك يا بنتي.

ابتسمت مي:الله يسلمك، وشكرا جدا تعبتك معايا الفترة إللي فاتت.

لوحت الممرضة بيدها: ولا أي تعب ده شغلي، وبصراحة جوزك ربنا يخليهولك، بيحبك أوي.

ابتسمت مي بخجل ثم أكملت الممرضة بعفوية: بس بكرة ولا بعده بالكتير، روحي تابعي مع دكتور نسا، علشان موضوع  الإجهاض ده، متهمليش في نفسك.

تجمدت ملامح مي بصدمة: إجهاض ايه؟ انا مش فاهمه حاجه؟!

نظرت إليها الممرضة باستغراب: الإجهاض إللي حصلك يا بنتي وقت الحادثة.

اتسعت عينا مي بصدمة: إجهاض؟! هو أنا كنت حامل؟!

وضعت الممرضة يدها على فمها وقد أدركت خطأها، فقالت باعتذار: شكلك مكنتيش تعرفي، أنا آسفة جدا، افتكرتهم قالولك، علشان كده قولت انصك تهتمي بنفسك وتتابعي مع دكتور.

شحب وجه مي وشعرت وكأن الأرض تميد بها، واغرورقت عينيها بالدموع، لكنها تماسكت بقوة غريبه لا تعرف من أين أتت بها.

مي بصوت خرج بصعوبة: لا متتأسفيش، كان لازم أعرف شكرا.

أخفضت الممرضة رأسها بحرج، بينما أخذت مي نفسا عميقا تحاول به كبح دموعها 

نظرت حولها سريعا، ثم قالت: أظن خلاص...يلا نخرج.

خرجت من الغرفة بوجه هادئ ظاهريا امام والدها، لكن عينيها كانتا تحملان وجعا لم يره أحد. 

راشد: يلا يا حبيبتي.

نظرت حولها: أمال فين رشدي؟

حاتم: هيقابلنا تحت، بيخلص شوية حسابات.

أومات بحزن تحاول اخفاءه: صح قالي، بس شكلي نسيت.

انتبه والدها للحزن الظاهر علي ملامحها، فتسأل بقلق: مالك يا مي!

تبسمت رغما عنها: انا كويسه، بس تعبت من المشكلة إللي حصلت

راشد موضحا: انا عملت كدة من خوفي عليكي يا حببتي.

أومات بتفهم: عارفه تعالوا نستنى رشدي تحت.

وفي تلك اللحظة ظهر رشدي: أنا جيت أهو، خليت شوقي يخلص باقي الإجراءات.

أمسك يديها وهو يقول: يلا يا روحي. 

اومات بإيجاب وتحركت معه

وتحرك الجميع خلفهم حتى وصلوا إلى السيارة، ثم توجهوا إلى منزل والد مي.

وبمرور بعض الوقت 

توقفت السيارة أمام العمارة، وصعد الجميع حتى وصلوا إلى الشقتين

مي بإرهاق: أنا هدخل أرتاح شويه يا بابا، حاسة إن الطريق تعبني.

اقترب منها رشدي بقلق: مالك؟ حاسة بإيه؟ ننزل نروح للدكتور؟

هزت رأسها: لا يا حبيبي، مفيش حاجة، مجرد إرهاق من الطريق، هنام شوية وبعدين نتجمع على العشا.

أومأ راشد: ماشي.

ابتسمت تقى: وأنا هعملك كل الأكل إللي بتحبيه. 

فتحت لهم باب الشقة، ودخلت أولا، بينما حمل حاتم الحقائب، وإتجه بها إلى غرفة الضيوف.

تقى: اتفضلوا، البيت بيتكم.

خفض رشدي رأسه بامتنان: شكرا يا جماعة، والله مش عارف أقولكم إيه.

ابتسم حاتم وربت على كتفه: متقولش حاجة إحنا إخوات.

خرج الجميع واغلقوا الباب خلفهم، فجلست مي على حافة الفراش بعينان شاردتان، وحزن واضحا على ملامحها.

وجلس رشدي بجوارها وأمسك يدها بابتسامه دافئة: مش مصدق إنك أخيرا خرجتي من المستشفى، وبقيتي كويسة.

لكنها لم تبادله الابتسامة، وظلت صامتة، تلاشت ابتسامته شيئا فشيئا، وسألها بقلق: مالك يا حبييي؟ فيكي إيه؟

رفعت عينيها إليه، وقد امتلأتا بالدموع: ليه خبيت عليا يا رشدي؟

عقد حاجبيه بعدم فهم: خبيت إيه؟

خرج صوتها مكسورا: البيبي...إني كنت حامل، وسقطت، أنا مرضيتش أتكلم قدام بابا عشان معملش مشكلة بس أنت كان لازم تقولي.

تنهد بحزن: خوفت عليكي يا مي، علشان كده طلبت من الدكتور و الممرضات محدش يبلغك، وده كان برضوا رأي والدك وإخواتك.

نظرت إليه بصدمة: يعني كلكم كنتوا عارفين؟

أخفض رأسه: أيوه، الدكتور قالنا وقتها، لكن حالتك كانت صعبة، مكانش ينفع نقولك حاجة.

انسابت دموعها، وقالت بنبره مهتزه: أنا زعلانة أوي، كان نفسي فيه يا رشدي، كان نفسي ييقي عمدة بيبي أوي.

مسح دموعها بإبهامه: وأنا كمان، والله كنت مستنيه زيك..

رفعت عينيها اليه بعدم اقتناع: يا سلام، إنت مكانش نفسك تخلف دلوقتي أصلا يا رشدي.

اومأ برأسه: يمكن في بداية جوازنا كان ده رأيي، يمكن كنت عايزه يجي وأنا وضعي أحسن، بس لما الدكتور خرج وقال إنه مات اتوجعت أوي.

ترقرقت عينه بالدموع وأضاف: حسيت إحساس غريب عمري ما حسيته قبل كده رغم إني مكنتش اعرف إنه موجود اصلا علشان اتعلق بيه.

ابتسم بخفوت، وأسند جبهته إلى جبهتها: بس أهم حاجة عندي كانت أنتِ، لو كنت خسرتك إنتِ كمان والله ما كنت هعرف أعيش، وبعدين أنا وانتِ كويسين وده الاهم، وبكره نجيب غيره واقولك يا أم رشدي.

رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع باستغراب: أم رشدي؟!

ابتسم بثقة وأجاب: أيوه، أعملي حسابك... إحنا هنسمي أول ولد رشدي الراوي.

انفجرت ضاحكة وهي تهز رأسها: ايه النرجسيه دي! لا طبعا، أنا مش هسميه رشدي، أنا عايزة أسميه عمير.

قطب حاجبيه متظاهرا بالحيرة: إيه  عمير ده؟ هو كان عمر وعمرو!

ضحكت أكثر: لا يا جاهل...فيه اسم عمير.

اوما بابتسامه: يا ستي، نجيب عمير، وعمر، وعمرو... وعميرين كمان لو تحبي، المهم متزعليش.

ضمها إليه لحظة، قبل أن يبتعد وينظر إليها بابتسامة صغيرة يحاول بها أن ينتشلها من حزنها: هتفضلي مكشرة ومتضايقة كده؟ إحنا لسه خارجين من معركة قاتلة، المفروض نبقى فرحانين إن ربنا جمعنا ببعض تاني.

أطرقت رأسها بحزن دون أن تجيب، فمال عليها بابتسامه: خلاص يا مشاميشوبقي، قولتلك هنجيب عمير، وعمر، وكل الأسماء إللي نفسك فيها، بصي هنجيب ستة.

رفعت رأسها بسرعة واتسعت عيناها: ستة؟! لا كتير، هما أربعة، بنتين وولدين، وكمان كلهم توائم، نفسي اخلف توام اوي

ضحك حتى اهتز كتفاه: وأنا موافق وهنجيب أول اتنين حالا 

سحبها اليه، برفق محبب، فحاولت التملص منه وهي تضحك: بتعمل إيه يا مجنون

ضحك وهو متمسك بها بشدة بنظرات ذات معنى: هجيب أول توأم.
❤️______________بقلمي_ليلة_عادل.

فيلا سليم وماسه.

كانت ماسه تتناول شرائح المانجو بشهية واضحة، بعد أن بدلت ملابسها وارتدت بيجاما، بينما كان وجهها ويداها ملطخين بالمانجا، حتى بدت كطفلة صغيرة لا تهتم إلا بالاستمتاع بما تأكله.

جلست سعدية إلى جوارها تراقبها وهي تضحك: والله يا بنتي شكلك يضحك، هو فيه حد ياكل مانجا بالطريقة دي؟

رفعت كتفيها وهي تأخذ قطعة أخرى: المانجا مش بتتاكل غير كدة.

في تلك اللحظة، دخل سليم إلى الغرفة بحماس: ماستي...

ولكن توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عيناه عليها.

ظل يحدق بها لثواني، ثم قال بعدم تصديق: إيه المنظر ده؟

نظرت إليه من اسفل عينيها بتذمر: براحتي.

اشار بيده: هو إيه إللي براحتي؟ حد يبهدل نفسه كده؟

إنحنى، وأخذ طبق المانجو من يدها ووضعه على الطاولة.

زمت وجهها بضجر: بتاخدها مني ليه يا غلس، لسه فاضل فيها حته؟

ابتسم وهو يمد يده إليها: تعالي بس.

وقبل أن تعترض، حملها بين ذراعيه واتجه بها إلى المرحاض.

ماسة بضجر: نزلني يا سليم...

أنزلها برفق أمام الحوض، فتح الماء، وبدأ بغسل وجهها ويديها من آثار المانجو، وكأنه يعتني بطفلته الصغيرة، قال مبتسما: إيه بس إللي عملاه في نفسك ده يا قطعة السكر؟

نفخت وجنتيها، فهي مازالت منزعجة من فعلته: براحتي.

ضحك وهو يكمل تنظيف يديها: أيوه، أكيد براحتك.

لمح تكشيرة وجهها، فمد أصابعه وخبط أنفها بدلع: لسه مكشرة؟

عقدت ذراعيها أمامها، واشاحت بوجهها: أيوه وهفضل مكشرة وهخاصمك تلات أيام.

نظر لها بابتسامه عابثه: تلات أيام؟!

أومأت بثقة وهي تدفعه من كتفه: آه...وأمشي بقى.

حرك حاجبيه مشاكسا: أنتِ مش بتقدري تخاصميني تلات ثواني.

رفعت ذقنها بعناد: هقدر.

هز رأسه: هنشوف

ودون سابق إنذار، حملها بين ذراعيه مرة أخرى، فتشبثت بعنقه وهي تنظر إليه باستغراب: بتشيلني تاني ليه؟ أوعي أنا مخصماك..

نظر إليها بعينين مليئتين بالحب، ثم قال وهو يسير بها خارج الحمام: علشان أثبتلك إنك فعلا متعرفيش تزعلي مني.

ضربته بخفة على كتفه: هعرف... والله هعرف.

اقترب بوجهه منها وهو يبتسم بمكر: طب جربي.

نظرت إليه لثواني، تحاول الحفاظ على تكشيرتها، لكن ابتسامتها خانتها رغما عنها.

قهقه بانتصار: شوفتي؟ قولتلك... متقدريش.

أخفت وجهها في عنقه وهي تتمتم بخجل: أنت مستفز.

ضمها إليه أكثر، وقبل رأسها بحنان: والمستفز ده بيعشقك.

تحرك بها خارج الفيلا، وماسة ما زالت بين ذراعيه، تنظر حولها في حيرة: إحنا رايحين فين؟

اجابها بابتسامة غامضة: عاملك مفاجأة.

عبست وهي تنظر إليه بشك: أنا مبقتش بحب مفاجآتك، إيه المرة دي عاملي أوضة عمليات!؟

ضحك بخفة: لا دي هتعجبك بجد، ثقي فيا.

زفرت باستسلام، وأسندت رأسها على كتفه: ماشي... 

وصلا إلى ضفاف النيل، حيث كانت فلوكة صغيرة تنتظرهما، تتمايل برفق مع حركة المياه، صعد بها إلى متن الفلوكة، ثم أنزلها برفق على أحد المقاعد، وحرص أن يحيطها بالوسائد حتى تجلس بوضعيه مريحه.

رفعت عينيها إليه بابتسامة فضولية: هتوديني فين؟

اتسعت ابتسامته: هخطفك.

هزت رأسها بدلال: ماشي موافقه أخطفني.

جلس بجوارها، وأحاط بأحد ذراعيه خصرها يقربها منه، وأمسك باليد الأخري يدها، بينما شرع عامل الفلوكة في التجديف، فانطلقت فوق صفحة النيل الهادئة.

كانت نسمات الهواء تداعب شعرها، بينما، انعكست أشعة الشمس الذهبية على الماء في مشهد خاطف للأنفاس.

ظلت تتأمل المنظر في صمت، قبل أن تهمس بابتسامه: المكان هنا... يجنن.

نظر إليها بابتسامه عاشقه: بس ولا حاجة جنب جمالك.

ابتسمت بخجل وهي تضربه بخفة في ذراعه: برضو مخصماك

هز رأسه وهو يشبك أصابعه بأصابعها: متقدريش.

استمرت الفلوكة في الإبحار بهدوء، تشق صفحة النيل في سكون، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تداعب خصلات شعرها، فتغمض عينيها أحيانا وتفتحهما مره أخرى وهي تستمتع بذلك الهدوء الذي افتقدته منذ زمن.

أما سليم، فلم تكن عيناه على المياه بقدر ما كانتا معلقتين بها، يراقب كل ابتسامة ترتسم على وجهها وكأنه يحفظها عن ظهر قلب.

وبعد دقائق، بدأت معالم جزيرة صغيرة تقترب أكثر، تلك الجزيرة المتواجده أمام فيلاتهما

كانت الجزيرة محاطة بالأشجار من كل جانب، وكأنها قطعة خضراء اختبأت بعيدا عن ضجيج المدينة.
وما إن اقتربت الفلوكة أكثر، حتى اتسعت عينا ماسة بادراك: الله إنت جايبني الجزيرة! 

ابتسم دون أن يجيب، ورست الفلوكة علي الشاطىء، فقفز سليم أولا، ثم استدار ومد يده إليها: تعالي بالراحة.

وضعت يدها في يده، لكنه لم يتركها تنزل بنفسها، بل حملها بين ذراعيه، وهبط بها برفق إلى اليابسة.
ضحكت وهي تشد على عنقه: أنا بعرف أمشي على فكرة.

نظر إليها بمكر: وأنا بحب أشيلك.

ماسه بمحايلة: وحياتي بقى نزلني..الدكتورة قالت خليها ترتاح مش تعاملها علي إنها مشلوله.

ضحك وهو يهز رأسه بيأس، ثم أنزلها برفق، وشبك أصابعه بأصابعها، وبدءا يسيران معا.

كانت الجزيرة صغيرة، لكنها بدت وكأنها عالم كامل أعد خصيصا لهما.

خيمة كبيرة نصبت بين الأشجار، تتدلى عند مدخلها ستائر بيضاء خفيفة تتحرك مع نسمات الهواء، وعلى أحد الجوانب شواية تفوح منها رائحة المشويات الشهية، بينما انتشرت طاولة خشبية أعدت بعناية، تزينها الورود والشموع.

وبين شجرتين عريقتين، تأرجحت أرجوحة خشبية واسعة، ألتف حول حبالها سلك من المصابيح الصغيرة، حتى بدت وكأنها جزء من حكاية خيالية.

توقفت ماسة مكانها، وعيناها تجولان في كل ركن من الجزيرة، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة امتزجت بدهشة طفلة ترى حلما تحقق أمامها.

رفعت نظرها إليه ببطء، وقد لمعت عيناها: أنت إللي عملت كل ده؟

ابتسم وهو يراقب انبهارها: أيوة، خليت ماما سعدية تقبض عليكي علي ما اخلص.

هزت رأسها بعدم تصديق وهي تدور حول نفسها تنظر إلى كل التفاصيل: يا نهار أبيض، ده يجنن!

ضحك على حماسها، ثم اقترب منها: لسه مشوفتيش أحلى حاجة.

عقدت حاجبيها بفضول: لسة فيه كمان؟

أومأ وهو يبتسم ابتسامة غامضة: تعالى... هوريكي.

ابتسم سليم وهو يقودها حتى باب الخيمة الكبيرة، ثم رفع الستارة البيضاء برفق: اتفضلي يا قطعة السكر.

دخلت ماسة، فتوقفت مكانها وقد اتسعت عيناها من الدهشة.

في منتصف الخيمة كان يتدلى فستان أحمر في غاية الأناقة، وإلى جواره حذاء يناسبه، وصندوق صغير يضم إكسسوارات رقيقة، وبجواره مستحضرات تجميل مرتبة بعناية، وكأن أحدهم قضى ساعات ينسق كل تفصيلة.

استدارت إليه ببطء: ده كله ليا؟

أومأ بابتسامة فخور: فستانك، وإكسسواراتك، والميكبك، ألبسي، وأنا هستناكي بره، عشان متقوليش كل مرة مفاجآتي بتبقى وإنتِ بالبيجامة.

ضحكت وهي تضربه بخفة: بس إنت المرة دي لابس تيشيرت وبنطلون.

ابتسم وهو يشير إلى نفسه: لا ما هو أنا كمان مجهز نفسي.

اقتربت منه واحتضنته سريعا: إنت كده بقى أحلى كراميل في الدنيا.

ثم دفعت كتفه برفق: يلا بقى... روح استناني، وأنا هلبس علطول.

ابتسم وهو يتراجع للخلف: متتأخريش يا ماستي بسرعة.

ماسة: حاضر.

خرج سليم متجها إلى خيمة أصغر خصصت لتبديل ملابسه، فبدل ثيابه هو الآخر، وارتدي قميص وبنطال. كانت ملابسه بسيطة لكنها أنيقة تناسب أجواء الجزيرة.

أما ماسة، فارتدت الفستان الأحمر الذي ألتف حولها برقة، وأبرز بداية حملها بشكل خفيف وجميل.
وضعت لمسات بسيطة من مستحضرات التجميل، وارتدت الإكسسوارات، ثم أخذت نفسا عميقا وخرجت.

كان سليم ينتظرها، وما إن وقعت عيناه عليها، حتى توقف للحظات، وأخذت عيناه تتنقلان عليها من أعلى إلى أسفل، وقد انعقد لسانه من شدة انبهاره.

تبسمت بأنوثة: إيه مالك؟!

اقترب منها ببطء وهمس: عند الجمال، يعجز الكلام
بس بتأمل

تبسمت برقة وعضت أسفل شفتيها 

أمسك يديها برفق، وقبلهما بوقار: أنا محظوظ بيكي.

ثم انخفضت عيناه إلى بطنها، فوضع كفه عليها بحنان بالغ: تصدقي باين المرة دي.

ضحكت وهي تنظر إلى بطنها: هو باين من فترة يا سليم، بس إحنا كنا فاكرينه كرش.

أنفجر ضاحكا: كنت واخد بالي، بس مكنتش بحب أقولك علشان متزعليش.

ضحكت هي الأخرى: على فكرة أنت كمان زي القمر،
أحلى راجل بالكوكب.

تبسم ابتسامة صغيرة ثم تشابكت أصابعها مع أصابعه سارا معا بين الأشجار.

همست وهي تنظر حولها بإعجاب: كويس إنك جبتني هنا... تعرف إن دي أول مرة أجي المكان ده؟ رغم إنك جايبه من زمان، أنا أصلا حبيت الفيلا دي أكتر من أي مكان ساكنا فيه قبل كدة..

ابتسم وهو ينظر إلى النيل: وأنا كمان دي أول مرة أجي هنا، 

التفت إليها وأضاف: بس خلاص... من النهاردة مش هنبطل نيجي كل حاجة انتهت، ومبقاش ليا غير قطعة السكر...

ثم وضع يده على بطنها برفق: والقمر إللي جاي ده.

ابتسمت، وأكملا تحركهما، حتي اقتربا من مكان الشواء، حيث كان أحد الحراس يقف أمام الشواية يقلب اللحم.

سليم متسائلا: إيه يا عطا... لسه؟

رفع رأسه وهو يحرك الفحم: خمس دقايق يا باشا.

أومأ سليم، ثم  التفتت لها قائلا: تعال نقعد نستنى.

أومأت وكاد أن يتحركا، ما إن رأت الأرجوحة حتى أضاء وجهها.

ماسة بطفولة: سليم... ممكن أتمرجح؟

نظر إليها ثم إلى بطنها: مش هينفع يا روحي.

عبست وهي تضم شفتيها: مرجحني بشويش، الدكتورة قالت عادي.

هز رأسه برفض: لا يا ماسة أخاف عليكي إحنا ماصدقنا..

أشارت إلى الأرجوحة بتعجب: أمال عاملها ليه؟ بتحنسني؟

ابتسم: عاملها علشان أصورك عليها.

ضيقت عينيها وهي تنظر إليه: طب اتمرجح حبة صغنونة قد كده؟ وحياتي يا سليم مش تبوظ المفاجأة..

تنهد وهو يخرج هاتفه: طب بصي... نكلم الدكتورة، ولو قالت ينفع، همرجحك.

ابتسمت بسرعة: اتفقنا.

أتصل بالطبيبة، وبعد دقائق أخبرته أنه لا مانع، لكن بهدوء شديد ودون أي حركة قوية.

قفزت ماسة من الفرحة: شوفت!

ابتسم باستسلام: يلا.

قادها حتى الأرجوحة، وساعدها على الجلوس.
ثم قال وهو يبتسم: يلا... خليني أمرجحك بمرجلة.

انفجرت ضاحكة: إنت لسه فاكر الكلمة دي؟

اقترب من أذنها وهمس: أنا قولتلك قبل كده مستحيل أنسى حاجة إنتِ قولتيها.

مالت برأسها نحوه، والتقت عيناهما في نظرة طويلة، سكنت فيها الكلمات، ولم يبقَ سوى الحب الصامت بينهما.

بعد لحظات، أشاحت بوجهها وهي تبتسم بخجل: يلا.

وقف خلفها: جاهزة؟

قهقهت وهي تمسك الحبال: جاهزة.

وضع يده على الأرجوحة... ثم دفعها دفعة خفيفة للغاية، حتى إنها بالكاد تحركت.

التفتت إليه باستغراب: إيه يا سليم... مالك؟

ابتسم ببراءة: ما أنا بمرجحك أهو.

رفعت حاجبها: دي متحركتش أصلا، ده أنا حركتها برجلي.

حك مؤخرة رأسه وهو يبتسم: بصراحة مش قادر اتقبل فكرة إني أزقها وإنتِ عليها، استنى بجد لحد ماتعدي الشهر ده.

نزلت من الأرجوحة، ووقفت أمامه، ثم ابتسمت وربتت على صدره بتفهم: خلاص مش هبوظ عليا الحاجات الحلوة دي. بلاش مرجحة، خلينا نستمتع بباقي اليوم.

تنفس براحة: وأنا برضو بقول كده.

تشابكت أيديهما مجددا، واتجها نحو الطاولة الخشبية القصيرة المطلة مباشرة على النيل، تحيط بها جلسة عربية مريحة، وقد امتلأت بالمشاوي والمقبلات، والعصائر الباردة

جلس سليم، ثم ألتفت إلى الحراس: روحوا انتم، مش عايز حد هنا.

تردد أحدهم: بس يا باشا...

رفع سليم عينيه إليه بحزم: بس إيه؟ قولت كله يمشي.

أومأ الحراس، ثم ابتعدوا تاركين لهما المكان.

جلس سليم بجوارها، وقطع قطعة من اللحم، ووضعها في طبقها.

تناولت لقمة، ثم أغمضت عينيها باستمتاع: حلوة أوي...

ثم نظرت إليه بدهشة فقد عرفت الطعم: سليم، إنت إللي عامل اللحمة دي؟

ابتسم ببساطة: كل حاجة هنا أنا إللي عاملها بإيدي، حتى الخيمة والزينة كله.

نظرت إليه بإعجاب لا تخفيه: عملت كل ده إمتى؟

تناول قطعة سلطة: بالليل وإنتِ نايمة، كنت باجي هنا واظبطت شوية، وبالنهار، وإنتِ قاعدة مع سعدية وسلوى، اتفقت معاهم يشغلوكي شوية لحد ما أخلص.

تنهدت وهي تبتسم بحب: تسلم إيدك، كل حاجة حلوة أوي، بجد فرحت.

أمسكت يده وقبلته منها: ربنا  يخليك ليا، وميحرمنيش منك أبدا، بحبك أوي.

ضمته  بقوة بين ذاعيه لثواني ثم ابتعدت، فابتسم وهو يشير إلى طبقها: طب يلا كلي، بألف هنا يا قطعة السكر، النهاردة اليوم كله ليكي
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.

عند مي ورشدي

استلقت مي علي بطنها فوق الفراش، وقد انزاح شعرها المبلل جانبا ليكشف عن ظهرها، بينما غطت الجزء السفلي من جسدها بالغطاء.

جلس رشدي خلفها، يميل قليلا نحوها، ويوزع ببطء بعض الزيوت العطرية على كتفيها وظهرها، في تدليك هادئ يخفف عنها أثر الأيام الماضية.

أغمضت عينيها في استرخاء، وتركت تنهيدة خفيفة تفلت من بين شفتيها، فقد كانت لمساته حنونة، مليئة بالاهتمام أكثر من أي شيء آخر.

اقترب منها أكثر، ووضع قبل متفرقة حول ظهرها مرورا بعنقها، قبل أن يهمس بجوار أذنها بصوت دافئ جعل الشعريرة تهز جسدها: تعبانة؟ تعبتك..

هزت رأسها بالنفي وهي تبتسم ابتسامة هادئة: لأ خالص

ابتسم وتساءل بنبره دافئه: انبسطتي؟

هزت رأسها بخجل، بينما تابع بابتسامة دافئة: كنتي وحشاني أوي، حاسس إني لسه مشبعتش منك.

اعتدل في جلسته وعاد يدلك كتفيها برفق: المساج ده هيريحك خالص.

أغمضت عينيها في استرخاء وقالت بابتسامة: أنا فعلا مستمتعة بيه أوي، كمل يا رشدي.

ابتسم وهو يراقب ملامحها الهادئة، ومال نحوها مرة اخر وسالها بنبرة ذات معنى: طب الليلة دي أحلى، ولا المساج؟

فتحت عينيها وضربته ضربة خفيفة على كتفه وهي تضحك: يا رخم... اتلم.

ضحك بصوت منخفض: خلاص... خلاص..وبعدين المفروض احنا عدينا مرحلة الكسوف دي، انا بحب الست البجحة..

ردت بمزاح: اكتر من كده؟ انا حاسه ان انا بقيت سافله اوي..

دغدغها من ضهر: وانا بموت في السفاله، ربنا يكتر من سفالتك..

ضحك وواصل تدليك ظهرها، وحينما وقعت عيناه على الندبة الصغيرة التي تركتها الإصابة

سكنت ابتسامته، ومد أصابعه يمررها برفق بجوارها، ثم انحنى وطبع قبلة حانية فوقها: أنا آسف يا مي...

عقدت حاجبيها بعدم فهم، ثم استدارت إليه بقلق، وأمسكت وجهه بين كفيها: مالك يا رشدي؟

تنهد وهو ينظر إلى الندبة: كل ما بشوفها قلبي بيوجعني، ساعات بلوم نفسي، وأقول لو مكناش اتجوزنا، يمكن مكنتيش مريتي بكل ده.

ابتسمت بحنان وهزت رأسها: ولو كنت اتجوزت واحد غيرك، كنت هتبقي عادي؟!

ابتسم رغم الدمعة التي لمعت في عينيه: كنت هتجنن.

اقتربت منه وربتت على خده: يبقى بطل تشيل نفسك ذنب حاجة عمرها ما كانت بإيدك، اللي حصل قدر، وإحنا عديناه سوا وهنكمل سوا.

ظل ينظر إليها لحظات طويلة، ثم قال بصوت ممتلئ بالمشاعر: أنا بحبك أوي يا مي.

ابتسمت له ابتسامة واسعة، وأجابت دون تردد: وأنا كمان بحبك اوي اوي يا رشدي.

ضمها إلى صدره في عناق طويل، واستقرت رأسها على كتفه، ثم بدا بوضع قبلات متفرقه على عنقها المرمري، اشعرتها بقشعريره لطيفه ما تجاوبت مع وأخذت تبادله قبلاته حتي غابا معا في بحر العشق والهوى...

             *********
عند سليم وماسة.

انتهوا من تناول الطعام، وكان الليل قد أرخى سدوله على الجزيرة.

فتحول المكان إلى لوحة ساحرة؛ الأضواء الصفراء الصغيرة كانت تتدلى بين الأشجار وعلى الحبال، فتبدو كنجوم هبطت من السماء لتضيء المكان، بينما اشتعلت نار هادئة داخل الموقد الحجري في المنتصف، ينعكس وهجها البرتقالي على العشب الأخضر، فيمنح الجزيرة دفئا وسحرا خاصا.

نهض سليم أولا، ثم مد يده إليها، فتشبثت بها ونهضت وهي تبتسم: هنعمل إيه بقى دلوقتي؟

ابتسم وهو ينظر إليها: ممكن نرقص، وممكن نقعد قدام النيل وإنتِ في حضني نشرب حاجة، وممكن نتفرج على فيلم.

نظرت إليه من أسفل عينيها باستغراب: فيلم هنا؟ إزاي؟!

ابتسم ابتسامته الغامضة: تعالي.

تشابكت أصابعهما، وسار بها حتى وصلا إلى مكان آخر داخل الجزيرة.

توقفت ماسة فجأة، وقد اتسعت عيناها بدهشة.

كان أمامها شاشة ضخمة تشبه شاشة السينما، وأمامها جلسة عربية مريحة مليئة بالوسائد، وعلى الطاولة الصغيرة تنوعت الحلويات، والفشار، والعصائر، والمشروبات الساخنة.

ظلت تنظر إلى المكان للحظات، ثم التفتت إليه: أنا... منبهرة بجد.

ضحك بخف: عجبتك فعلا؟

هزت رأسها بسرعة: تحفة أوي يا سليم.

اقترب منها وسألها بحنان: طب قطعة السكر تحبي نعمل إيه الأول؟

وضعت إصبعها أسفل ذقنها وكأنها تفكر بجدية: إحنا ممكن نرقص الأول، وبعدين نقعد شوية نتكلم، وبعدها نتفرج على فيلم وناكل فشار وانا في حضنك تقعد تلعب في شعري

ابتسم : بس كده؟

تبسمت بدلال: بس كده.

اومأ: تؤمري.

أخرج هاتفه، وضغط على أحد المقاطع، فانطلقت اغنية تركيه رومانسيه، من مكبرات الصوت المنتشرة بين الأشجار.

اقترب منها، وأحاط ظهرها بحذر، بينما تشابكت يده الأخرى بيدها، أما هي، فلفت ذراعها حول عنقه برقة، وبدآ يتحركان ببطء مع أنغام الأغنية.

لم يتحدث أي منهما، كانت العيون تتكلم بدلا من الكلمات، وتقول كل شيء داخل قلبهما، نظرات طويلة، وابتسامات صغيرة، وأنفاس هادئة امتزجت مع نسمات الليل، وكأن الأغنية خُلقت خصيصًا لتلك اللحظة.

بعد انتهاء الموسيقى، توقفا أمام بعضهما، ظل كل منهما ينظر إلى الآخر لثوانٍ طويلة، بشوق، وحب..

اقتربا من بعضهما ببطئ ثم تبادلا قبلة بعشق، وشوق، وهيام، لدقائق.. كأنها يعبران فيها عن كل ما يحمل الاخر من حب شوق

ثم أحاطها بذراعيه، وضمها إليه في عناق طويل، وكأنه يريد أن يحتفظ بها داخل قلبه.

ابتسمت وهي تغمض عينيها بين ذراعيه، همس بالقرب من أذنها: ربنا يخليكي ليا.

ووضعت قبلة على رقبته: ويخليك ليا يا روح قلبي.

أبتعد عنها قليلا، ثم أمسك يدها وأتجه بها نحو حافة النيل.

جلس على الأرض، ثم ساعدها لتجلس بين ذراعيه، وأسندت رأسها على صدره، بينما راحت تتأمل صفحة النيل الهادئة.

تنهدت بسعادة: أنا مستمتعة أوي، ومش عايزة أمشي من هنا.

ثم رفعت رأسها إليه أضافت: ينفع نبات هنا؟

ابتسم وهو يقبل أعلى رأسها: أكيد ينفع، أصلا عامل حسابي على كده، عشان كده عملت الخيمة.

ابتسمت أكثر، ثم سمعته يتابع: على فكرة عندي ليكي مفاجأة كمان.

التفتت إليه بسرعة: إيه هي؟

أخرج هاتفه، وفتح مجموعة من الصور، ثم أعطاها لها: شايفة البيت ده؟

نظرت إلى التصميم، فإذا به منزل صغير من الخشب والزجاج، تحيطه الأشجار، وتطل واجهته بالكامل على النيل.

ابتسمت بإعجاب: جميل أوي شبه البيوت إللي أنا بحبها، وكان نفسي أسكن فيها.

ثم ضحكت بخفة: بس خلاص أنا مابقتش أتمنى تاني، من يوم ما اتمنيت، وإحنا داخلين في فيلم أكشن مش بيخلص.

ضحك وهو يهز رأسه: لا اتمني براحتك.

ثم أشار إلى الصور مرة أخرى: أنا ناوي أبني البيت ده هنا.

رفعت رأسها إليه بإندهاش: هنا؟

ابتسم: أيوة، مستغربة ليه؟

ثم أكمل وهو يشير إلى الجزيرة من حولهما: هيبقى بيت صغير، كل ما نحب نهرب من الدنيا، نيجي هنا أنا وإنت.
ووضع يده بحنان على بطنها: والقمر الصغير.

 أخذ يقلب باقي الصور: بصي من جوه كمان، كله معمول على ذوقك، حتى ألوان الأثاث.

ظلت تتأمل الصور وعيناها تلمعان بالسعادة ودموع التأثر: الله كل حاجة حلوة أوي

ثم رفعت رأسها إليه بحماس: طب هتبدأ إمتى؟

ابتسم بثقة: من بكرة.

اتسعت ابتسامتها، ثم وضعت رأسها مرة أخرى على كتفه، وهمست بصوت دافئ: تعرف يا سليم أنا مبسوطة أوي، مش علشان المكان، ولا الأكل، ولا المفاجآت، أنا مبسوطة علشان أخيرا حاسة إننا بقينا نعيش حياة كنا بنحلم بيها.

ابتسم، وأحاطها بذراعه أكثر، ثم نظر إلى النيل وقال بهدوء: ووعد مني كل حلم لسه باقي عندك، هحاول أحققه، حتى لو أخد مني العمر كله.

اغرورقت عيناها بالدموع، ونظرت إليه بتأثر شديد: إنت جميل أوي يا سليم كل ما أشوف إللي بتعمله معايا، أزعل من نفسي على إللي كنت بعمله معاك.

مد سليم يده ومسح دمعتها بإبهامه برفق: مش عايزين كلام سلبي، ومش عايزين أي حاجة تعكر علينا الليلة دي.

ابتسمت وسط دموعها، فأكمل وهو ينظر في عينيها: إللي فات فات، وإوعي تزعلي من نفسك، إنتِ عملتي إللي عملتيه لإنك كنتِ مضغوطة، وأنا كمان غلطت، أنا كمان اتعاملت مع مواقف كتير بطريقة غلط، كان لازم أحتوي أكتر... وأفهم أكتر.

أمسك يدها وقبلها برفق: أنا وإنتِ اتعلمنا خلاص، أوعي تلومي نفسك تاني، ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني أنسي.

هزت رأسها برفض خفيفة: مش هينفع عشان مرجعش أغلط تاني.

ابتسم بحنان: أنا عارف، وحتى لو نسيتي مستحيل نرجع نعيد إللي حصل، إحنا الاتنين اتغيرنا.

ابتسمت أخيرا.: أكيد.

ساد بينهما صمت مريح، لم يكن يحتاج إلى كلمات.
وفجأة، اعتدلت ماسة، وتمددت برفق، وأسندت رأسها على فخذيه.

رفعت عينيها إليه وهي تبتسم: عايزة أنام كدة شوية.

مرر أصابعه بين خصلات شعرها برفق: نامي يا قطعة السكر.

أغمضت عينيها، بينما ظل هو ينظر إلى صفحة النيل، يستمتع بهدوء المكان وصوت المياه الخافت.
بعد فترة، اعتدل وساعدها على الجلوس، ثم توجها إلى شاشة العرض.

جلسا على الجلسة العربية، وأشعل أحد أحدث الأفلام وأحضر بطانية خفيفة، ولفها حول كتفيها.

مالت برأسها على كتفيه، بينما أحاطها بذراعه، وبدءا يشاهدان الفيلم.

كانا يتبادلان دلو الفشار بينهما؛ مرة يطعمها هو، ومرة تبتسم وتناوله قطعة، وسط ضحكاتهما وتعليقاتهما البسيطة على أحداث الفيلم.

ومع مرور الوقت، بدأت ماسة تتثاءب أكثر من مرة.
نظرت إليه بعينين نصف مغمضتين: أنا تعبت... تيجي ننام؟

أغلق الشاشة فورًا: يلا.

نهض وساعدها على الوقوف، توقفت فجأة وسألته بفضول: بس بقولك إيه، هو فيه هنا حمام؟

ابتسم: أيوة، عامل حمام صغير جنب الخيمة.

قادها إليه، وانتظرها بالخارج حتى انتهت، ثم اصطحبها إلى داخل الخيمة.

كان مكان النوم مجهزا بعناية؛ مرتبة كبيرة، وأغطية ناعمة، ومصباح صغير يبعث ضوءًا دافئًا، وكل شيء مرتب بعناية.

وقفت تنظر حولها ثم قالت بتردد: أنا مش هنام بالفستان ده.

ابتسم وكأنه كان يتوقع سؤالها، وفتح خزانة صغيرة بجوار الفراش، وأخرج منها بيجامة قطنية مريحة، ثم قدمها إليها: اتفضلي يا ستي.

اتسعت ابتسامتها: طب بصراحة، المعاملة المرة دي تستحق عشر نجوم.

ضحك: يعني مش هتروحي تشتكيني لياسر تاني؟ 

خفضت رأسها: هو كلمك.

اومأ بابتسامه: طبعا كلمني، وكان بيقنعني ارجع للجلسات تانى وقولتله إني ناوي اعمل كده فعلا بس مش دلوقتي، اخلص اللى ورايا الأول.

ابتسمت بخجل وقالت: طب ساعدني أفك سوستة الفستان.

أومأ برأسه، وساعدها بهدوء في فك السحّاب الخلفي للفستان وسعادها لتبديل ملابسها بيجامتها قطنية مريحة، بينما بدل ملابسه هو الآخر لملابس منزلية بسيطة.

ابتسمت عندما رأته: كده أحسن بكتير.

ابتسم لها، وأمسك يدها وقادها نحو الفراش.
تمددت وهي تزفر براحة، وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى شعرت بإرهاق اليوم كله يغلبها.

لكن دقيقة واحدة فقط مره، قبل أن يتسلل صوتها: سليم… إنت نمت؟

رد وهو مغمض العينين، بصوت محمل بالنعاس: لسه هنام.

اقتربت قليلا تتسال: هنا فيه حشرات؟

هز رأسه نافيا: لأ.

ماسة بقلق طفولي: إزاي؟ ما إحنا وسط زرع، يعني ممكن يدخل علينا تعبان بحر.

فتح عينا واحدة، ونظر لها قائلا باستنكار: تعبان بحر؟ ده نيل يا ماسة مش بحر.

رفعت الغطاء لفوق: طب تعبان نيلي!

ضحك بخفة: ولا تعبان نيلي، الجزيرة متحصنة بعشب بيبعد الحشرات والثعابين.

أغمضت عينيها، وتكورت تحت الغطاء: طيب، تصبح على خير.

لم تمر دقيقة، وقالت: سليم أنا حاسة إن فيه رجلين بره.

هذه المرة فتح عينيه الاثنتين، رفع نفسه، واستند على كوعه، وحدق فيها بنظرة رجل محب رغم الغيظ: ماسه نامي مفيش حد.

شهقت بخوف حقيقي: جبت الثقة دي منين؟ روح شوف!

جلس، مرر يده على وجهه بإنهاك، ثم قال بنبرة هادئة: لو فيه حد كان زمانه مات، أنا متأكد إن مكي حاطط قناصة تراقب المكان دلوقتي.

همست باصرار: ريحني وروح شوف.

نهض، وخرج، دار حول الخيمة، تفحص أطراف المكان، ثم عاد  تمدد جانبها يطمئنها وأخذها بين أحضانه: مفيش حاجة نامي يا روحي أنا جنبك..

أومات: طيب تصبح على خير 

لكن بعد لحظة، أتي صوتها مره آخري متوترا: سليم.

فتح عينه ببطء شديد وهو يتنهد بتعب: فيه إيه تاني؟

قالت بتزمر: هو إنت ليه مش طايقلي كلمة؟

ضحك رغما عنه: مقدرش، قولي.

بلعت ريقها: ممكن يدخل علينا صرصار؟

قال وهو يمسك ضحكته: إن شاء الله لأ.

ماسة بخوف: بس أنا بخاف.

هبطت عينه ونظر لها متعجبا وهي بين  أحضانه: بطلي كدب، إحنا متجوزين بقالنا 10 سنين ونص، وعمرك ما خوفتي، بتديهم على وشهم.

رفعت حاجبها ببطء: تقصد إن أنا مش ست يعني؟

مسح على شعرها: لأ يا روح قلبي، بس بقولك متخافيش بعدين إنتِ في حضني أهو.

ساد الصمت لحظة، قبل أن يعود صوتها: سليم…

تنهد بتعب: طب نرجع الفيلا؟ علشان ترتاحي؟! أنا عايز أنام بجد.

سحبت الغطاء عليها وكأنها تحتمي به منه ومن الليل: لا خلينا، وبطل تزعقلي، أنا خايفة.

مد يده، ولمس يدها بخفة: لا يا حبيبة قلبي متخافيش، أنا جنبك ولو جه صرصار، أنا هجري وراه لحد ما أموتهلك.

ضحكت رغما عنها، فقال بغلب: ممكن ننام بقى؟

هزت راسها بإيجاب

ضمها إليه بذراع تشدها عليها برفق محسوب، فهمست، وشفتيها تكاد تلامس شفتيه: تصبح على خير يا كراميل 

رد بصوت عميق، دافئ، يهبط على قلبها مثل غطاء صوف: وإنتِ بخير يا قطعة السكر.

وأخيرا… غفت غفت بين ذراعيه، في المكان الوحيد الذي لم تعرف فيه الخوف يوما.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.

عند مي ورشدي.

خرج رشدي من الحمام مرتديا برنص أبيض، بينما كانت مي بين ذراعيه، ترتدي هي الأخرى برنص الحمام الأبيض، وشعرها المبلل ينسدل على كتفيها، كانت ملامحهما هادئة، تتزين بابتسامة دافئة بعد أن قضيا وقتا خاصا معا أعاد شيئا من الطمأنينة إلى قلبيهما.

اقترب من الفراش ووضعها عليه برفق، ثم جلس أمامها، وأمسك يديها بين كفيه وهو يتأمل وجهها بإهتمام: حبيبتي أنتِ كويسة؟

هزت رأسها بوهن خفيف، وابتسمت له: أيوة كويسة.

رفع يده ومسح على خدها بحنان، ثم قال وهو يراقب ملامحها: بجد، يعني الجرح متعبكيش؟

ضحكت بخفة وهي تهز رأسها: ياحبيبي تقريبا دي عاشر مرة تسألني، واقولك أنا كويسة.

تنهد وهو يشبك أصابعه بأصابعها: حاسس إني استعجلت وتقلت عليكي، وكان المفروض استنى شوية..

رفعت حاجبها وهي تنظر إليه باستغراب ممزوج بالمرح: هو أنت يعني غصبتني؟ أنا كنت راضية وحابة ده أوي.

ارتسمت ابتسامة صغيرة، ثم انحنى قليلا نحوها: كنتي وحشاني أوي، وكان نفسي بجد أمسح أي حزن جواكي، وأشوف الضحكة دي راجعة تاني علي وشك.

غمز لها: وكمان علشان نجيب التؤم أسرع

أنزلت عينيها إلى الأرض بخجل، فابتسم وهو يرفع ذقنها برفق حتى تنظر إليه: لا بصيلي هنا، مفيش كسوف بينا بعد كل إللي عدينا بيه.

ازدادت حمرة وجنتيها، فضحك وهو يهز رأسه: ده إحنا اتغيرنا خالص، والكسوف ده مبقاش لايق علينا، أنا بس عايز أعرف أنتِ كنتي في الرعاية ولا بتاخدي كورسات من ورايا؟

انفجرت ضاحكة وهي تضربه كتفه: بطل بقى.

هز كتفيه بمبالغة: أبطل إيه بس؟ والله لولا إني هحس إن معنديش دم، كنت قولتلك أرقصيلي.

ضحكت أكثر وهي تهز رأسها: لا كده تبقى طماع ومفتري

مال يطبع قبلة رقيقة على خدها: لازم أبقى طماع مع ميوشي.

حاولت النهوض، لكنه أمسك يدها بلطف: رايحة فين؟

مي: هلبس.

نظر لها بمشاكسة: لا النهاردة هنام جنب بعض كدة، علشان نقضي علي الكسوف ده..

جذبها إليه برفق، وهو يتمدد على الفراش فوقعت  على صدره وضحكت وهي تقول: يا رشدي أهدى شوية، أنا لسه خارجة من المستشفى.

ابتسم وهو يربت على خصلاتها بحنان: هو أنا عملت حاجة؟ أنا كل إللي بطلبه إنك تفضلي هنا، بين إيديا.

ثم ضمها إلى صدره في عناق دافئ، وطبع قبلة طويلة على جبينها: يلا نامي وارتاحي يا روح قلبي، وكل إللي جاي، هيكون أحسن وأجمل.

ابتسمت وهي تستقر بين ذراعيه، وأغمضت عينيها في راحة، بينما ظل هو يربت على شعرها برفق حتى غلبها النعاس، وهو يهمس: تصبحي على خير يا أجمل ما في حياتي
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.

في صباح يوم جديد.

استيقظت ماسة، ومدت يدها تبحث عن سليم فلم تجده، ففتحت عينيها بخوف، ونهضت من الفراش مسرعة، وخرجت من الخيمة وهي تشد على أطراف البيجامة، وتتلفت حولها بخوف طفلة.

لكن ما إن خطت خطوتين حتى رأته، واقفا عند الطاولة الخشبية الصغيرة، الشمس الصباحية معلقة على كتفيه، وهو يقطع الطماطم ويرتب الفطور بعناية.

اقتربت منه بخطوات حذرة، تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها: إنت صحيت إمتى؟

اجابها دون أن يلتفت، وهو يضع الطماطم في طبق:
من شوية أفطري، أنا خلصت.

ابتسمت ماسّة بخفة: صباح النور.

جلسا أمام الطاولة، وبدءا يتناولان الفطور، ويمتزج صوت الموج وزقزقة العصافير مع رائحة الخبز والشاي.

أمسكت بالكوب بين يديها، تنظر حولها: المكان هنا تحفة، حتى لو كنت خايفة شوية من الحشرات بس المكان حلو، وأكيد هقعد هنا النهاردة تاني.

ضحك سليم: وتفضلي كل خمس ثواني تقوليلى ألحق صرصار، ألحق مش عارف إيه.

ضربته برجلها تحت الطاولة بحركة طفولية: خلاص مش هعمل كده وبطل.

تابعوا تناول الفطور، وفجأة، وقعت عين ماسة على شيء يلمع فوق الشجرة.

شهقت، واتسعت عيناها، وصرخت بفرحة طفلة: إيييه ده! طيّارة!

قفزت واقفة، ركضت نحوها ببهجة خالصة، ثم استدارت نحو سليم، وعيناها تلمعان من الفرحة.

ركضت نحوه، تلفت ذراعيها حوله: يا روحي يا سليم!

التقطها بلهفه: براحه يا حببتي، الدنيا مش هتطير للجري دى كله.

ثم ابعد خصلات شعرها خلف أذنها: عجبتك؟

اومأت بسعاده تلمع في عينها: عجبتني بس، دي تهوس!

ثم أضافت بدهشة: إحنا بقالنا سنين كتير ملعبناش بالطيارة… مين إللي عملها؟

نظر لها بعينين مليئتين بالحب: أنا.

همست بدهشة وفرح: واو…

ثم هزت كتفها برجاء: طب بالله عليك نزلها ونلعب شوية.

ضحك: نكمل الفطار الأول، وبعدين نلعب.

ماسة بطفولة: لأ نلعب الأول وبعدين ناكل.

أمسكها بخفة من أنفها، وهو يمزح: أنا معلقها فوق كده مخصوص علشان عارف إنك هتعملي كده، أقعدي خلينا نكمل أكل الأول أسمعي الكلام.

زفرت بطفولية، وجلست، وبدأت تتناول بعجلة، 
كأنها على موعد، وكان سليم يضحك على طفولتها

بعد دقائق، انزل سليم الطيارة من فوق الشجرة، وناولها الحبل ووقف خلفها.

كانت واقفة أمامه، ظهرها ملتصق لصدره، ويديه فوق يديها، يمسكان بالحبل سويا. ومع أول نسمة من الريح، بدأت الطيارة تحلق. شعرت ماسّة بقلبها يقفز من الفرح، كما لو أنها تطير مع الطيور. الريح تلامس وجهها، شعرها يتطاير حولها، والضحكات تتطاير مع الطائرة في الهواء.

كان سليم  متوقف خلفها، يراقبها بعينين مليئتين بالشغف، كل حركة لها تبدو له معجزة صغيرة، كل ضحكة منها موسيقى تهز قلبه.

كان يسرق النظر إليها كل ثواني… بعينين مشبعتين بالشوق، لا ترمش بقلب يضخم داخل أضلاع من وهج الاقتراب الذي أذابه شوقا.

هي أيضا كانت تسرق النظر من طرف عينها، تراقبه وتبتسم، وتشعر بالبهجة تتسرب إلى جسدها، فكل لحظة بين يديه، تجعلها تعود طفلة حرة، خفيفة، بلا خوف، بلا قيود، بلا حدود. 

صاحت بفرحة طفلة: واو يا سليم، الطيّارة طارت فوق أوي!"

ضحك بصوت مليء بالدفء والحذر: أوعي تقع منك!

رفرف قلبها من الفرح، وأخذت الطيّارة تتمايل برفق مع كل خطوة، ومع كل لحظة شعرا أن العالم بأسره يختزل في ضحكاتهما، وفي هذه اللحظة التي تفيض بسعادة لا توصف.

ظلّ الاثنان يجريان مع الطيّارة لكن بحساب، يضحكان، يركضان، والسعادة في أعينهما، وفي كل نفسٍ يتنفسانه معًا. مع خطوة، وحركة تزيدهما قربا من بعضهما، تزيد قلبيهما فرحا وبهجة، 

بعد وقت

جلسا تحت المظلة المطلة على النيل، وقد لف الصمت المكان إلا من صوت المياه وهي تلامس ضفة الجزيرة برفق

كانت ماسة تستند برأسها على كتفه، بينما تشابكت أصابعها بأصابعه.

تنهدت بسعادة، ثم ابتسمت وهي تنظر إلى الأفق.: أنا انبسطت أوي، متهيألي إني منبسطتش كده من سنين.

التفتت إليه، وعيناها تلمعان بالامتنان: شكرا على كل حاجة.

ابتسم، ووضع كفه فوق يدها برفق: أنا مبسوط إنك فرحانة. عملت كل ده عشان أشوفك كده، وأشوف ابتسامتك الحلوة، علشان عارف إن الفترة إللي فاتت ضغطت عليكي أوي.

ابتسمت له بحنان: وأنا كمان عايزاك تبقى مبسوط.

ابتسم ابتسامة هادئة: ما أنا مبسوط.

هزت رأسها بالنفي فهي تعرفه أكثر من نفسه: لا يا سليم، إنت عملت كل ده علشان تخليني أنا مبسوطة، ضحكتك وفرحتك دي علشان تشوف  ماسة مبسوطة... 
مش علشان أنت تبقي مبسوط!

اقترب منها قليلا وقال وهو ينظر في عينيها: وفيه أكتر من كده؟ أنا انبساطي في انبساطك قطعة السكر.

ابتسمت، لكنها سرعان ما تنهدت: أنا عارفة إن راحتي بتخليك مبسوط... بس إنت لسه جواك حتة مطفية.

عقد حاجبيه وهو ينظر إليها: أنا عارفة يا سليم إن جواك خناقة كبيرة، وإن مهما ضحكت، لسه فين حاجة وجعاك..

اومأت بنبرة متأثرة: ودي حاجة أنا مستحيل أرضى بيها أبدا، مش هرضى إن أنا أشوف جواك الحزن ده.

ساد الصمت بينهما ثم أكملت بصوت هادئ: انا عارفة أنك مش هترتاح غير لما تاخد حقك، وحق حور، وحقي، وحق كل إللي اتعمل فينا...

خفض عينيه إلى الأرض، ولم يتحدث، فأمسكت بيده بكلتا يديها تابعت: خلاص أنا بقيت كويسة، وروحي ارتاحت...

ثم أضافت بثبات: روح أعمل إللي إنت شايفه صح، وريح قلبك وعقلك،  روح أقفل كل الملفات إللي لسه مفتوحة..

توقفت لحظة، ثم نظرت إليه برجاء: بس عندي شرط.

رفع عينيه إليها، أضافت وهي تضغط على يده: أوعدني إن إيدك متتلوثش بالدم.

سكنت ملامحه، فأكملت وقد أغرورقت عيناها بالدموع: أنا مش عايزة ابننا ييجي على الدنيا، وباباه إيده متغرقة بدم عيلته.

وضعت يدها على بطنها بحنان: أنا عارفة إنهم ظلمونا ويستحقوا يتحاسبوا.

ثم هزت رأسها بأسى بعينين تسقط بدموع: بس هيفضلوا أهلك، ومش عايزة الذنب ده يبقى في رقبتك..

تنهدت وهي تمسح دمعة نزلت على خدها: مش هقولك سامح، لإن حتى أنا مش قادرة أسامح، ونفس اليوم إللي عرفت فيه إن هما سقطوني كنت عايزة أحرق صافيناز وفايزة من الغل اللى جوايا، غل محسيتوش في حياتي قبل كده، ويمكن لو كنت عرفت موضوع الحادثة قبل الحمل مكنتش هوقفك وكنت هرمي بنزين معاك كمان..

ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تربت على بطنها: بس في اللحظة إللي عرفت فيها إني حامل فيه حاجة جوايا اتغيرت، حسيت إني مش عايزة ابني ييجي وسط الصراعات والخناقات والخوف والدم، عايزاه ييجي وهو في أمان، لآن الانتقام مش هيجيب غير انتقام، والدم مبيجيبش من وراه غير الدم، علشان كده وقفتك وبقولك الكلام ده، يمكن البيبي ده لما يكبر، يعلمنا نسامح.

نظرت إليه بثبات: رجعني الفيلا، وروح أعمل إللي إنت عايزه، روح خلصنا بقى من العقارب إللي ماليين حياتنا، علشان ابننا ييجي في أمان، مش عايزة استنى أكثر من كده

صمتت لحظة قبل أن تضيف: بس قولي وعد، إن إيدك مش هتتلوث بالدم.

ظل صامتا لثواني، ينظر إلى عينيها ثم إلى يدها الموضوعة فوق بطنها، ثم تنهد بعمق، ومد يده حتى غطى يدها الموضوعه علي بطنها، وقال بصوت هادئ لكنه حاسم: أوعدك إن ايدي مش هتتلوث بدم حد فيهم..

ثم انحنى وقبل جبينها: ووعد تاني، إن ابننا أول ما يفتح عينه على الدنيا، هيشوف أب يقدر يبص في عينه من غير ما يستخبى من ماضيه، هيلاقي عيلة كلها أمان وحب، مفيهاش مشاكل ولا خوف، أمان وسعادة وبس.

ابتسمت ماسة أخيرا، واحتضنته بقوة، وكأن ذلك الوعد كان الهدية الأجمل في تلك الليلة.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.

عند مي ورشدي

جلسوا مائدة الإفطار، بينما كانت مي تتناول الطعام بشهية مفتوحة وكأنها تعوض أياما كاملة.

قالت وهي تلتهم قطعة أخرى: جعانة جدا بجد.

ابتسم رشدي وهو يراقبها: بألف هنا يا حببتي، كلي كويس، وخدي دواكي.

هزت رأسها: حاضر.

رفع عينه وسالها: بقولك، إمتى هنفاتح والدك في موضوع السفر؟

تنهدت وهي تتناول ما في شوكتها: مش عارفة، إنت ليه مستعجلة، انا لسه خارجة من المستشفى.

أجابها بتنهيده صادقه: مبقتش طايق الجو هنا، حتي الهوا بقيت حاسه خانقني.

نظر لها بابتسامه: بس لو عايزه تأجيلها شويه مش مشكله.

تذكر أمر المصحه فقالت سريعا: لا، خلينا نروح فعلا بسرعة عشان المصحة. أنت حجزت؟

أومأ برأسه: أمم حاجز من فترة، خلاص النهارده نفتح مع ابوكي الموضوع ونشوف هيقول إيه.

صمت لحظة قبل أن يسألها بتردد: تفتكري هيوافق بعد اللي حصل؟

زمت شفتيها: مش عارفه، ممكن يعاند شوية بس إن شاء الله يوافق.

هز رأسه بإيجاب، وأكملا تناول الإفطار في هدوء.

بعد دقائق، نهضت مي واتجهت إلى المرحاض، بينما خرج رشدي إلى الشرفة، وأشعل سيجارته، وأخذ نفسا عميقا منها، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالا.

رشدي بصوت جاد: أيوه يا شوقي، جهزت نفسك للسفر؟

جاءه الصوت من الطرف الآخر: آه يا باشا، جاهز، ومعايا التذاكر

رشدي: تمام استني من مكالمه.

أنهى المكالمة سريعا، ثم ضغط على اسم آخر: ألو يا اسعاد، عاملة إيه؟

اجابت: الحمد لله يا ابني، انت كويس ومي كويسة؟

اجابها بهدوء: اه كويسين، كنت عايزك تحضري شنطة لجنة، عشان هتسافر، ساعتين بالكتير وهكون عندك.

تساءلت بقلق: تسافر فين؟

اجابها باقضتاب: لما اجي هقولك، سلام.

أغلق الهاتف ببطء، وبقي واقفا في الشرفة، ينفث دخان سيجارته في الهواء، وعيناه معلقتان بالأفق بشرود، وكأن ما ينتظره في الساعات القادمة سيكون أصعب بكثير مما مضى.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل.

فيلا سليم وماسه.

جلس سليم ومكي تحت البرجولة المطلة على النيل. أمامهما أكواب القهوة يتصاعد منها البخار، والسجائر تحترق ببطء بين أصابعهما، بينما كان اللابتوب مفتوحا فوق الطاولة وبينهما عدة أوراق وأقلام.

كان سليم مختلفا تماما عن الأيام الماضية، فيبدو أن الليلة التي قضاها مع ماسة أعادت إليه جزءا كبيرا من روحه، وأعطته القوة التي كان يحتاجها، لم تعد رغبته في الانتقام تدفعه للتهور كما كانت من قبل، بل أصبح أكثر اتزانا وحكمه.

أخذ نفسا عميقا: مش عايزين نضيع وقت تاني يا مكي، الحمد لله ماسة بقت بخير، وقلبي اطمن عليها، خلينا نركز في إللي جاي بقي، هنسمع التسجيل ده من الأول تاني كلمة كلمة، كل تفصيلة لازم تتكتب، يمكن فيه حاجة فاتتنا.

هز مكي رأسه بجدية: تمام.

سليم بتنبيه: التسجيل بتاع رشدي وفايزة اتقال فيه كلام مهم جدا، لازم نركز في كل كلمه اتقالت فيه ونحللها.

اومأ مكي برأسه، فاشعل سليم التسجيل، وبدءا يستمعان إليه بمنتهى التركيز، كانا يوقفانه كل دقيقة تقريبا، يعيدان بعض الجمل أكثر من مرة، ويكتبان الملاحظات، ويرسمان الأسهم التي تربط الأشخاص ببعضهم.

وبعد أكثر من ساعة...

كان سليم وكأنة رسم لوحا صغيرا من معلومات، كتب عليه عدة أسماء، بيها خطوطا وأسهما تربط بينها.

أشار إلى أول سهم قائلا: فايزة ورشدي كانوا متفقين مع صافيناز وعماد إنهم يخلصوا من ماسة وحور..

ثم أشار إلى سهم آخر: رشدي يومها خبط العربية ولما خرجنا سلام، رشدي قال إن فيه عصابة كملت هو ميعرفش عنها حاجه.

وفايزة اكدت لما قالت: "أنت وقفت تتفرج؟"، فرد إنه كان خايف لإنهم كانوا كتير، ومكانش فاهم مين دول؟!  الكلام ده بيأكد فعلا إن رشدي وفايزة ميعرفوش حاجة عن العصابة دي خالص.

أومأ مكي منبها: بس هو قال إنه شاكك في صافيناز وعماد...

تنهد سليم: وأنا كمان مش مستبعد الاحتمال ده زيه، احنا أصلا من زمان عارفين إن الخطة كانت متقسمة على مرحلتين.

نظر إلى الأوراق أمامه تابع: كان فيه خاين بلغ المافيا بالخطة الأولى، ولما الاولي فشلت، نفذ التانية، والخاين طبعا هما صافيناز وعماد.. السؤال بقى عماد وصافيناز كانوا متفقين مع مين من المافيا؟

قال مكي وهو يقلب في ملف آخر: التسجيل إللي عرفان بعته كان عماد ذاكر فيه اسم تيمو... 

هز سليم رأسه: أيوه لكن إحنا محتاجين نعرف، هل عماد كان بيتعامل مع تيمو وإيريك وقتها؟ ولا كان فيه حد تاني؟  وهل طلب يشوفه علشان يحميه ولا علشان حاجة ثانية؟

صمت لحظة ثم أكمل بجدية: دي مافيا، والغلط معاهم تمنه غالي، وأنا دلوقتي عندي إللي أخاف عليه أكتر من نفسي، مش هينفع أتهور، لازم يبقى معايا دليل، وهقطع إيدين تيمو وإيريك لو فعلا كانوا طرف في الحادثة.

قاطعه مكي بحيرة: هنوصل للدليل ازاي، ما إحنا زمان أول واحد شكينا فيه كان اريك، ودورنا ومعرفناش نوصل لحاجة؟! 

فكر سليم قليلا ثم قال: المقابلة إللي هتحصل بين تيمو وعماد هي مفتاح كل حاجة، كده كده تليفون عماد مباشر قدامنا، بس أنا خايف تيمو يطلب منه يقفل الموبايل.

قال مكي مقترحا: طب ما نحاول نركب مايك لعماد؟

تنهد سليم باحباط: أكيد الجهاز هيتلقط في التفتيش.

مكي بثقه: إحنا نقول لعرفان وأكيد هيلاقيلها صرفه، ده كان شغال في المخابرات برضو وتقيل في الحاجات دى.

اومأ سليم باقتناع: ماشي هكلمه واشوف لو عنده حل، بس برضوا مش عايزين نركز على تيمو واريك، لإن ممكن ميطلعوش تبع الحادثة ونبقى ضيعنا وقت...

مكي بتأييد: فعلا لازم عماد بنفسه يعترف مين اللي ساعدة وده مستحيل.

صمت سليم للحظه يفكر ثم قال: عندنا ورقة نسيناها... صافيناز!

قطب مكي حاجبيه: هتخليها تعترف أزاي؟ مستحيل تتكلم، هتودي نفسها في داهيه يا سليم؟!

اوما سليم بثقة: لو عرفت إن عماد متجوز عليها صاحبتها الأنتيم هتبيعه، أنا عارف أختي كويس، غيرتها هتخليها ترمي كل البلاوي فوق دماغ عماد، وهتعترف بكل إللي حصل زمان عشان تنتقم منه..

صمت مكي للحظات يفكر، ثم قال بجدية: مش عارف، حسسها فكره ريسك أوي ومش مضمونه، وبعدين متنساش إن الأدوية كان بيديهالها عماد مخلياها مش في وعيها أصلا، حتى لو سخنت واتعصبت، ممكن تروح تقتله، وساعتها مش هنعرف ناخد منها أي معلومة، وارد تكون الأدوية دي خلتها تنسى، الاحتمالات كتير.

هز سليم رأسه بإيجاب، وأطلق صفيرا مكتوما وهو يزفر باختناق: عندك حق، بس كارت سارة ده تقيل، وأنا عارف إنه هيقش، أمال أنا راكنه السنين دي كلها ليه؟! ده غير الفلوس اللي حولها لحساب الأولاد، وبقاله فترة بيديها أدوية تعملها هلاوس علشان تنتحر، كل الكلام ده هيخلي صافيناز تتكلم، اهو على الأقل نجرب، إحنا مش هنخسر حاجة.

تساءل مكي: وهتخرجها بره القصر إزاي؟

ثبت سليم نظره على مياه النيل أمامه، وغرق في التفكير: عندي فكرة...مش عارف هتنجح ولا لأ.

ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول: بفكر أبعت عشر يجيبها دلوقتي محدش موجود في القصر، وابقي اقولهم دخلتها مصحة، خصوصا إنها في الفترة الأخيرة حاولت تنتحر، كده محدش هيشك، وهيفتكروا إنها بتتعالج بجد، وإحنا يبقى عندنا الوقت الكافي نتكلم معاها

اوما مكي بتاييد: تمام النهارده نبعت عشري يجيبها خلينا نكسب وقت بسرعه.

ثم سأله: طب وتمساح بقالك كتير سايبه في المخزن؟

تنهد سليم: هشوفه، يمكن عنده معلومة تفيدنا.

ثم تسأل: مي خرجت من المستشفي ولا لسه.

اومأ مكي: أه خرجت امبارح.

ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه مكي: فيه حاجه صحيح ماخدناش بالنا منها؟ 

نظر له سليم باهتمام فتابع: موقفناش خالص عند جمله رشدي إن معاه اللى يحميه؟ معاه ايه؟ 

ابتسم سليم بسخرية: رشدي ده بوق علي الفاضي، قبل كده برضو اتفرد علي عماد وقال معايا ومعايا ومطلعش معاه حاجه.

مد مكي وجهه بعدم اقتناع: يمكن!

نهض سليم علي عجل: طب قوم نخلص مشاويرنا، يومنا النهارده طويل ومفيش وقت نضيعه.

وبمرور بعض الوقت 

توقفت سيارة سليم أمام أحد المخازن، ثم ترجل منها بهدوء وهيبة بعد أن فتح له أحد الحراس. 

دخل بخطوات ثابتة، وخلفه مكي وعرفان.

في الداخل

كان تمساح يجلس مكبلا وما إن فتح الباب ودخل سليم حتى اتسعت عيناه بصدمة وعدم تصديق.

ابتلع الغصة التي تكونت في حلقه بتوتر، بينما اقترب منه سليم حتى توقف أمامه مباشرة، وما إن وقعت نظراته علي عيني تمساح، حتي داهمته ذاكره مؤلمه آرقته لسنوات.

فلاش باك.

نظر له ذلك الملثم الذي كان يضع يده على فم ماسة بابتسامة قاسية تظهر في عينيه من أسفل القناع الذي يرتديه.

ثم فجأة أخرج سكينا، وطعنها بحركه مباغته

اتسعت عينا سليم برعب، وصرخ باسمها بنبرة رجولية جهورة: مــااااااسة!

كانت صرخاته مليئة بالفزع والألم، وهو يحاول التخلص ممن يقيدونه.

أما الملثم فلم يكتفي، ورمقه بنظره أخري أكثر قساوة وهو يعيد طعنها مرة أخرى، ويضحك ضحكة عنيفة مضطربة، وكأنما يستمتع بعذابه وإذلاله.

همس سليم بصوت ضعيف مكتوم، ودموعه تتساقط وكأنها نار تحرق وجهه: حور...!

ثم ترك الملثم ماسة فسقطت على الأرض، جثة هامدة والدماء تسيل منها بغزارة.

باك 

ضربت الذكريات عقله بعنف، حتى أغمض عينيه وهو يفركهما بقوة، وكأنما يعيش الموقف من جديد.

في الخلف تبادل مكي وعرفان النظرات بعدم فهم! 

بينما فتح سليم عينيه واقترب من تمساح خطوة أخرى.
وفجأة...
وضع يد علي جبينه، والأخرى وضعها علي فمه وأنفه، تاركا عينه يحدق فيهما بعينين متسعتين باضطراب.

فقد تذكر تلك العينين القاسيتين، اللتين كانتا تطاردانه في كل ليلة، وكأنهما لعنة كتبت عليه منذ ذلك اليوم.

تلك العينان اللتان انتزعتا منه كل شيء؛ طفلته، وأمانه، وحتى قدرته على النوم دون فزع.

فكيف له أن ينساهما؟ وهما آخر ما انطبع في ذاكرته، وأول ما ينهش روحه كلما أغمض عينيه، وكأنهما حُفرتا في روحه قبل أن تُحفرا في عقله.

يتذكره! ... ويتذكر تلك الابتسامه البارده التي رمقه بها وهو يقف عاجزا لا يستطيع إنقاذ زوجته.

ابتسامة لم ينسها يوما، وعينان لم تغادرا ذاكرته قط.
غامت عيناه بسواد خطر، وهمس بفحيح: أنت...!!
استووووووب
سليم عرف تمساح من عينه!! 
تفتكروا إيه إللى هيحصل بعد كده؟ 



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة