
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السابع والثلاثون 37 ج 2بقلم ليله عادل
فيلا سليم وماسه،6م.
كان مكي يجلس أسفل البرجولة، يدخن سيجارته وعيناه شاردتان في الفراغ.
لمحته سلوي التي خرجت تجلس في الشرفه، فابتسمت بخفة، وهبطت إلى الحديقة.
اقتربت حتي توقفت أمامه: عامل إيه؟
رفع عينيه إليها، وأجاب باقتضاب: كويس.
حاولت فتح حديث: عرفت إن كلنا هنقعد هنا؟
اومأ بصمت، فابتسمت بخفة وجلست على المقعد المقابل له: تعرف إن دي أول مرة نتكلم فيها من ساعة موضوع عائشة؟
لم يرد عليها وظل يدخن سيجارته بصمت، فقالت بشوق يفيض من عينيها: طب تعرف إنك وحشتني؟
ظل علي صمته، فقالت بنبرة امتزج فيها العتاب بالحنين: موحشكش تجيبلي ورد في شنطتي؟ أنا وحشني أوي.
رفع نظره إليها: أنتِ عايزه ايه يا سلوي؟
ابتسمت بحزن: عايزه اقولك إنك وحشتني، وحشني كلامنا، وهزارنا، والورد اللي في شنطتي.
صمتت لحظة، وكأنها تبحث في ملامحه عن إجابة قبل أن تنطق بسؤالها: هو أنا موحشتكش؟ موحشكش أي حاجة؟
أصابت كلماتها قلبه واهتزت جميع الحواجز التي بناها داخله، فأشاح عينيه عنها، ونهض محاولا الهروب منها ومن مشاعره تجاهها.
لكنها أسرعت، وأمسكت بذراعه: هتفضل تهرب مني لحد امتي؟
توقف مكانه، دون أن يلتفت لها: بصلي يا مكي، وبلاش تعاملني كأني بقيت غريبة عنك كده.
شد ذراعه برفق من بين أصابعها، لكنه لم يستطع أن ينتزع نفسه من ذلك الحنين الذي عاد يطرق قلبه رغما عنه.
تابعت بثقه، مستعطفه اياه: بطل مكابرة بقى، أنت بتحبني وخوفت عليا يومها، أنا شوفت دموعك ولهفتك، لو مكنتش بتحبني مكنتش خوفت بالشكل ده ولا دمعت عشاني.
أغمض عينيه للحظة، وقال بصوت متعب: آه خوفت ومش بكابر، بس خوفي عليكي حاجة ورجوعنا لبعض حاجة تانية، إحنا مننفعش مع بعض يا سلوى.
توقفت امامه تقول بألم: ليه مننفعش؟ أنا بحبك، وأنت بتحبني، يبقى ليه مننفعش؟
أطلق زفرة طويلة وقال بصدق مؤلم: علشان مخدتش منك غير الوجع، وعارف إن أول ماهتحصل مشكلة هتمشي تاني، وأنا مبقتش حمل وجع تاني منك.
امتلأت عيناها بالدموع، وهزت رأسها بعنف: والله ما هعملها تاني.
هز رأسه ببطء مرير: قولتيها قبل كده.
نظرت داخل عينه باصرار: المرة دي غير.
صمت للحظة، ثم قال بصراحة موجعة: سلوى، أنا لسه بحبك، وليكي مكانة كبيرة عندي، بس لو رجعنا واتكرر اللي حصل مرة تانية هكرهك، وأنا مش عايز أوصل للمرحلة دي.
انكسرت نظرتها لحظة قبل أن ترفع عينيها إليه مجددا: ليه مصر تحاسبني على غلطة واحدة؟ يعني أنت هتبقى مبسوط لو شوفتني بتجوز حد غيرك؟
لم يجب.
فسألته باصرار موجع: هتعرف تحب واحدة غيري؟
ظل صامتا.
فتابعت بألم: هتعرف تعيش حياتك كأننا عمرنا ما كنا لبعض؟ رد عليا بصلي؟!
بدأت ملامحه تتغير شيئا فشيئا، لم يعد يهرب بعينيه منها بل صار ينظر إليها مباشرة.
اكملت بمرارة ووجع: كفاية العمر اللي ضاع مننا يا مكي، إحنا خسرنا سنين كتير، خلينا نلحق اللي فاضل.
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر أن كلماتها تصيب مكان بداخله حاول طمسه منذ سنوات.
أمسكت ذراعيه وهمست من بين دموعها: بصلي وقولي إنك مش عايزني، قولي سلوى روحي كملي حياتك مع راجل تاني غيري أنا مش عايزك؟!
طالت النظرة بينهما حتي ارتجفت أنفاسه وبدأت قسوته تنهار شيئا فشيئا.
شعرت سلوى بذلك، ورأت التردد يلمع في عينيه، بنظره كانت تعرفها جيدا.
كاد أن يتحدث، ولكن قاطعه صوت سعدية: سلووووى!
تجمد الاثنان.
وأغلق مكي فمه فورا، وكأن بابا كان على وشك أن يفتح ثم أُغلق من جديد.
: سلوى يا بنتي!
أطلق زفرة طويلة، وكاد أن يبتعد، ولكن أتاه صوتها الباكي: مكي...!
تهرب من عينيها: أمك بتناديكي.
قال كلمته واستدار يغادر سريعا وكأنه يهرب من نفسه.
بينما بقيت سلوى تنظر إلى ابتعاده لثواني، قبل أن يصدح صوت سعديه من جديد: مبترديش ليه يا بت، بقالي ساعه بنادي عليكي!
أغمضت عينيها بحسرة: الله يسامحك يا ماما، كان خلاص هينطق.
ثم التفت إليها بغيظ مكتوم: نعم يا ماما، عايزه ايه؟
سعدية بحزم: ازاى تقعدي مع مكي كده؟
سلوى بتعجب: فيها إيه يعني، هو مكي غريب؟
قالت موبخه: آه غريب، ولو حد من إخواتك شافكم هيفتح صوته عليكي قد كده، وأبوكي كمان مش هيسكت.
تنهدت بضيق: طب ما أنا لازم أتكلم معاه، وأحسسه إني خلاص ادتيله فرصة، وإني لسه...
قاطعتها بحزم: لا الكلام ده مينفعش، أنا وافقت إنك ترجعيله لكن مش بالطريقة دي! مينفعش تقعدوا لوحدكم بالشكل ده كأن ملكيش رجاله.
خفضت رأسها: أومال أعمل إيه؟ مش أنتِ اللي قولتيلي اشوف مايته؟
سعدية: اه، بس مش بالشكل ده، قولى لجوز اختك يكلمه.
هزت رأسها: مش هينفع يا ماما، سليم وماسة دلوقتي دماغهم مش فيهم.
سعديه بحزم: يبقي تصبري لحد ما ربنا يقوم أختك بالسلامة، وبعدها نفتح الموضوع بالأصول، غير كده مفيش أي كلام بينكم، فاهمة؟
أطرقت برأسها، وقد اختلطت خيبة الأمل بالرضا: حاضر يا ماما
في الأعلي.
كانت ماسة ممددة على الفراش، بينما جلس سليم بجوارها، يطعمها باهتمام بالغ.
مد قطعه الدجاج نحوها: يلا بقى اسمعي الكلام، دي آخر حاجة.
تنهدت بيأس: كفايه بجد والله مش قادرة، أنت أكلتني نص الفرخة.
سليم: الدكتورة قالت لازم تتغذي كويس علشان النونو.
أجابته بتذمر: قالت تتغذى كويس، مش تتزغط زي البطة!!
ضحك وأمسك إصبع محشي: طب خدي دي بس، عشان خاطري.
رفعت إصبعها: ده وكفاية.
اومأ لها: حاضر، دي وكفاية.
تناولتها على مضض، ثم أمسكت يده وقبلتها بخفة: أرجوك بقى كفاية.
ابتسم باستسلام: ماشي، شويه كده ونكمل الباقي!
نظرت له بعدم تصديق، بينما تناول منديلا مبللا ومسح فمها برفق، قبل أن ينهض ويضع الصنية على الطاولة القريبة.
تساءلت باستغراب: أمال بابا وماما وأخواتي فين؟
أجابها وهو يجلس بجوارها: طلعوا أوضهم يرتاحوا، ويفضوا الشنط.
أومأت برأسها: بس بجد فكره حلوه اوي انك جبتهم يعيشوا معانا.
ابتسم ومد يديه يمسح على خدها بحنان: كنت عارف ان الحاجة دي هتفرحك اوي، عشان كده عملتها.
قبلت يده الموضوعه علي خدها: ربنا يخليك ليا يا احلي سلوملوم في الدنيا.
وفجأه تعالي رنين هاتفها، فتساءلت باستغراب: ده صوت تلفوني؟!
اومأ وقام يلتقطه من علي التسريحه: آه، خليت سحر تجبهولك.
التقطت الهاتف وقال: ده مصطفي!
ضغط علي زر الإجابه وفتح مكبر الصوت فصدح صوت مصطفي القلق: أنتوا كويسين يا ماسه؟ بكلم سليم تلفونه مقفول قلقت عليكم.
أجابه سليم بهدوء: متقلقش يا دكتور إحنا تمام.
مصطفي بارتياح: الحمد لله، طمني على ماسة.
أجابته بمرح: أنا كويسة يا مصطفى، بس فيه بوكس هتاخده مني لما اشوفك، حبكت يعني تحكيله في اليوم ده، ضيعت عليا المفاجأة منك لله..
مصطفى بابتسامه: حقك عليا، بس والله خوفت يحصل حاجة لو مقولتش، خصوصا بعد ما قولتيلي إنك حامل.
ضحكت بخفة: هتاخد البوكس برضو يا مصطفى..
ضحك عاليا: يستي أنا موافق أخذ بوكسين كمان، المهم أنتِ كويسه دلوقتي؟!
ماسة: الحمد لله، كله خير.
تدخل إيهاب بلهفه: إزيك يا ماسة؟
أجابته بابتسامه: الحمد لله يا إيهاب، أنت عامل ايه، وماما نبيله وعائشه، كلكم كويسين؟
ابتسمت نبيلة وهي تقترب من الهاتف: الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يطمنا عليكي ويتمم حملك علي خير.
بينما تدخلت عائشه بمرح: عامله ايه يا ماسه يا وحشه، وحشتيني أوي، ألف مبروك.
ماسة بحرج: الله يبارك فيكي، أنتم كمان وحشتوني جدا والله، وحقيقي آسفة إني مجتش زرتكم، بس أديكم شايفين، عايشه في فيلم أكشن مش بيخلص.
ضحكت نبيلة: ربنا يسترها عليكم يا بنتي.
عاد مصطفى إلى الحديث بحرج: سليم أنا عارف إنه مش وقته، بس آلاء عندها امتحان كمان يومين، ولازم تروح.
جاءه الرد سريعا: خليها تروح، واخرجوا ومارسوا حياتكم عادي، والحراس هيبقوا معاكم، أنا هكلم صبحي افهمه..
انعقد حاجبي مصطفى بدهشة: نمارس حياتنا أزاي؟
اجابه: يعني أرجع لشغلك وحياتك عادي.
تردد مصطفى قليلا: بس يا سليم عيلتك فاكرين إنك قتلتني، لو عرفوا إني لسه عايش هنبقي بنرجع للصفر تاني..
اجابه بهدوء: مش فارقه، كده كده إللي كنت محتاج أعرفه عرفته واللعب هيبقي على المكشوف، من هنا ورايح أعمل إللي أنت عايزه، بس خلي الرجاله معاك احتياطي، ولو حابب تكمل في الفيلا براحتك البيت بيتك..
أومأ مصطفى: تمام يا سليم هظبط اموري وابلغك، المهم أنت مش محتاج حاجة؟
سليم بامتنان: لا، وشكرا علي تعبك معايا الفتره اللى فاتت، حقيقي جمايلك دى هتفضل في رقبتي العمر كله.
مصطفي بموده: متقولش كده انت وماسه اخواتي، وشكرا ليك انت كمان علي اللي عملته في موضوع آلاء.
سليم بجدية: لا شكر علي واجب، دى اقل حاجه اقدمهالكم، وبلغهم ميقلقوش علي محمود أنا مش فايقله دلوقتي، بس أطمن علي ماسه وهظبطه واخليه يرجع تانى راجل يشيل مسؤليه امه واخته.
مصطفي: تمام يا سليم، في رعايه الله.
انهي المكالمة، وخيم الصمت على الجميع لثواني، قبل أن تتساءل عائشة: إشمعنى دلوقتي؟!
هز كتفيه: معرفش، سليم محدش بيفهم دماغه.
أنهار بقلق: المهم يا ابني إنك تبقى بعيد عن أي حاجة ممكن تأذيك.
هز رأسه بثقة: أنا متأكد إن سليم لو كان حاسس إن فيه أي خطر عليا، عمره ما كان هيقولي أخرج.
ثم نظر إلى آلاء بابتسامه: عموما، آلاء تخلص امتحاناتها الأول، وبعدها نشوف موضوع الرجوع للشقة ده؛ لإن فعلا مش هينفع نفضل هنا بعد ما خلاص الموضوع اتحل.
أومأوا بالموافقة، وقد خيم على وجوههم ارتياح حذر، إذ شعروا لأول مرة منذ فترة أن الأمور بدأت تستعيد مسارها الطبيعي، ولو قليلا
عند ماسة وسليم.
نظرت له باستغراب، وتساءلت بتعجب: أزاي يعني يخرج ويروح وييجي؟ ما تخلي آلاء تروح تمتحن مع حد من الحراس وخلاص.
أجابها بهدوء: وهفضل حابسه ليه؟ كفاية بقاله كذا شهر محبوس، كتر خيره.
تساءلت بقلق: طب كده مش هيبقي فيه خطورة عليه؟
امسك يدها، وابتسم بثقة: تفتكري ممكن يكون فيه خطر عليه وأسيبه؟ هما دلوقتي مشغولين في مشاكلهم وعندهم حاجات أهم، وبعدين هيشوفوا مصطفى فين؟ الموضوع بالنسبة لهم اتقفل.
ظلت صامتة لثواني، ثم قالت: طب خليهم قاعدين في الفيلا، مصطفى شقته مش هتكفيهم، وأكيد دلوقتي ظروفه المادية مش أحسن حاجة.
هز كتفيه: طب ما أنا قولتله يقعد لو عايز.
ابتسمت تهز رأسها: مش هيقعد، أنا عارفاه، اكتبها باسمه واديهاله بالاجبار.
ابتسم بخفة: معنديش مشكله، بس تفتكري هيقبل؟
ضحكت بخفه: قوله هدية جوازك، أو هدية وخلاص، أي حوار يعني يا سليم، أنت هتغلب.
اومأ: ماشي، هعمل كده.
ابتسمت ومدت ذراعيها نحوه بدلال: طب قوم بقي شيلني، خلينا نقعد في الجنينة قصاد النيل ونسمع أغاني وناكل درة.
ابتسم بحب: بس كده؟ عيوني يا أحلى قطعة سكر.
ثم أضاف وهو ينظر إليها بنظرة يغلب عليها شيء من الغيرة: بس بقولك إيه، خفي هزار مع مصطفى، علشان بجد بدأت أضايق.
اتسعت عيناها بدهشة: أنا مقصدش.
أومأ برأسه: أنا عارف إنك متقصديش بس لازم ناخد بالنا، ماشي؟
ابتسمت بدلال ووضعت يدها علي بطنها: طب متكشرش في وشي كده، لنونو يطلع كشري زيك، تبقي مصيبه.
ظل ينظر إليها دون أن تهتز ملامحه: سمعتي قولت ايه؟ قولي حاضر.
ضحكت بمرح: حاضر يا كرملتي.
قرصت خديه بابتسامه: يا خراشي عليك لما بتغير، بموت فيك.
لم يستطع منع ابتسامته هذه المرة، وانحنى يحملها برفق، ثم أتجه بها إلى الحديقة المطلة على النيل.
المستشفى التي تمكث بها مي،6م
كانت ممددة على الفراش، ولاتزال آثار التعب واضحة عليها، بينما جلس رشدي بجوارها، والتفت عائلتها حولها، ومعهم ياسين ولوجين الذين جاءا للاطمئنان عليها.
لوجين بابتسامه: سوري يا مي والله معرفناش نجيلك قبل كده.
اجابتها ابتسامة واهنه: يا بنتي عادي، أنا أصلا لسه فايقة من يومين.
جلست بجوارها وسألتها باهتمام: طب حاسة بإيه دلوقتي؟ بقيتي أحسن؟ ولا لسة تعبانة؟
تنهدت قليلا: الحمد لله، بس ساعات لما بحرك إيدي بحس بتعب، وساعات بحس إني مدروخة شوية.
ربتت على يدها برفق: معلش إن شاء الله هتبقي كويسة.
حاول رشدي تغيير الأجواء: أعملوا حسابكم بقى أول ما مي تقوم بالسلامة، نسافر سوا سفرية جامدة.
نظر إلى لوجين بمشاكسة وتابع: أنا سامع إن القطة الشيرازي بتعرف تعمل برامج جامدة.
نظرت إليه لوجين من طرف عينيها دون رد، ثم حولت نظرها إلى مي مرة أخرى، وكأنها لم تسمع شيء.
لاحظ ياسين الموقف، بينما تنحنح رشدي بخفة، بعد أن أدرك أن مزحته لم تلقَ استجابة.
ومرت الدقائق التالية في أحاديث متفرقة، كانت تتحدث فيها لوجين مع الجميع إلا رشدي، وكلما وجه إليها حديثا، كانت تكتفي بإجابة قصيرة، أو تتجاهله تماما، فصار واضحا للجميع عدم تقبلها لوجوده، مهما حاول أن يبدو مرحا أو خفيف الظل.
وبعد مغادرتهم نظر رشدي لمي باستغراب: مش ملاحظة إن لوجين كانت بتعاملني بطريقة وحشه!
اومات: اممم لاحظت، يمكن تعبانة أو فيه حاجة مضيقاها.
مد وجهه بعدم اقتناع: يمكن!
سيارة ياسين...
نظر إليها بطرف عينه: إيه اللي عملتيه مع رشدي ده؟!
هزت كتفيها: عملت إيه؟
أجابها بعتاب: كنتي بتكلميه بأسلوب مش حلو خالص، وكان باين جدا إنك متضايقة منه.
اومأت بتأييد: أنا فعلا مش طايقاه، بعدم ما عرفت إنه استغلني قبل كده، واللي عمله مع ماسة وسليم، بجد إنسان مقرف.
تنهد قائلا: طب ممكن تهدي؟ مينفعش رشدي يحس بحاجة.
اومات بإيجاب: إحنا اصلا لازم نمشي من القصر، أنا مش قادرة أتعامل مع حد هناك بعد اللى عرفته.
أجابها بتأكيد: هنمشي أكيد، بس لازم نشوف سليم هيعمل ايه؟! معتقدش انه هيكمل وهيخاف علي ماسه، عموما أنا هكلمه أبلغه باللي حصل على السفرة وأباركله أكيد زمانه عرف.
ابتسمت بحماس: طب يلا كلمه دلوقتي!
التقطت هاتفه وبدأ بالاتصال به، ولكن هاتفه كان مغلق.
نظر لها: قافل تليفونه
لوجين بابتسامة: يبقى عرف واكيد حابب يقضي وقت معاها بعيد عن اي مشاكل، سيبه دلوقتي ولو حصل مشكلة كبيره بلغ مكي
اوما بايجاب، وتابع القياده بابتسامه تزين وجهه فرحا بأن سليم سيرزق بمولود أخيرا.
قصر الراوي،8م
دخل عزت المكتب مستندا على عكازه وخلفه فايزه وفريده، كانت آثار المرض واضحة عليه، إلي أن نظراته بقيت حادة لا تفقد هيبتها.
وفور دخوله توقف المديرين احتراما، فأشار لهم بالجلوس، وأخذ مكانه على رأس الطاولة، وبدأ الاجتماع بهدوء لم يستمر طويلا.
سرعان ما تحولت المناقشات إلى جدال حاد، خاصة بعد إطلاعه علي التقارير الأخيرة واكتشاف حجم التراجع الذي أصاب المجموعه في غيابه.
وبعد أكثر من ساعتين، أصدر تعليماته وأنهى الاجتماع، فخرج المديرون تباعا، وكل منهم يحمل فوق كتفه عبئا جديدا.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يلقي أحد الملفات قائلا: أنا عايز أفهم إيه اللي أنا شايفه ده؟ أنا لو سايب المجموعة في إيد طلبة مكانتش وصلت للمهزلة اللي شايفها دي.
ضرب الطاولة بيده: وسليم اللى كل ما اكلمه يقولي تمام يا باشا فين؟ يعني إيه مبيروحش؟!
فريدة باستغراب: حاجه غريبه فعلا، أنا كل مرة كنت بكلمه كان بيقولي كله تمام..!
قلب الأوراق أمامه بعصبية: واضح إن كله تمام، هو فين سليم اصلا؟
ردت فايزه بسرعة: مش عارفه مختفي من امبارح هو وماسه، حتي سحر مش موجوده هي كمان.
في تلك اللحظه دخل ياسين يتسأل بقلق: فيه إيه يا جماعه؟ صوتكم عالي ليه كده؟!
التفت إليه عزت بنظرات تشتعل غضبا: صوتي عالي علشان ولاد الراوي جايين يخيبوا علي كبر.
دفع الملف لأمام بضجر: هو ده الشغل اللى كنت بتقولى عليه تمام ومتقلقش يا باشا، أنت والبيه اخوك؟ إيه سايب الشغل في إيد أطفال؟
أخفض ياسين رأسه: يا باشا، أنا حاولت ألم اللي أقدر عليه، بس سليم هو اللي كان ماسك كل حاجة.
عزت بسخط: آه سليم!! هو فين سليم اصلا، أنا بلغني انه مبيروحش من الأساس..
حاول ياسين التبرير بتوتر: يا باشا هو قالي إنه قاصد يبين كده، علشان يوقع الخاين اللى ورا كل ده.
لم تظهر علي وجه عزت ذرة اقتناع واحده، وصمت لحظه قبل أن يبتسم ابتسامه بارده لا تبشر بالخير: ماشي يا ياسين، أنا هعرف أزاي أحلها وارجع المجموعه زي ما بنتها لوحدي، واخوك ليا حساب تاني معاه لما اشوفه.
ثم رفع صوته: يلا كل واحد علي اوضته، سبوني لوحدي
غادر الجميع عدا فايزه التي ظلت جالسه بجواره تنظر له بقلق واضح قبل أن تقول: أنا اختفاء سليم ده مش مطمني يا عزت، تفتكر يكون عرف حاجة، أو ماسه حكتله زى ما كانت بتهددني؟
أجابها بثقه: سليم لو عرف عمره ما هيسكت، أنتِ تايه عن سليم يعني؟!
ثم أضاف وهو ينظر أمامه بشرود: أنا بس اللى مستغربه ليه معملش أي حاجة من اللي كان بيقولي عليها؟
هزت كتفيها بتوتر: ما ياسين بيقول إنه قاصد ده علشان يكشف الخاين!
نظر لها بابتسامه ساخره: أنتِ اكبر من انك تصدقي كلام فارغ زى ده يا فايزه!
هز رأسه بهدوء خطر: عموما أنا هعمل كام مكالمه وهعرف اذا كان بيدور وقاصد ده فعلا، ولا فيه حاجه تانيه...!
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل
فيلا سليم وماسة،11م.
كانت نسمات الهواء تداعب خصلات شعرها، وهي جالسة براحه علي أحد الأرائك أمام ضفة النيل، بينما جلس سليم بجوارها، يضمها اليه بحمايه ويمسح على بطنها بابتسامة حانية: حبيبي أنت سامعني؟ أنا بابا سليم، هتيجي إمتى بقى؟ أنا مستنيك من دلوقتي، بعد الثواني عشان أشوفك.
انحنى ووضع قبلة طويلة على بطنها، قبل أن يرفع عينيه إليها ويقول بحماس: مش أنتِ قولتيلي معاكي تسجيل لدقات قلبه؟
اومأت بابتسامه حانيه: أه يا حبيبي، ناولني التليفون.
التقط الهاتف، وأعطاه لها وعيناه تلمع بالحماس.
فتحت الهاتف، وبدأت تبحث بين الملفات، حتى وصلت إلى تسجيل ضغطت على زر التشغيل، فارتفع صوت دقات قلب صغيرهما تشق سكون المكان.
أغمض عينيه للحظه باستماع، وكأنه يستمع أعذب معزوفة مرت على أذنيه.
وبعد انتهاء التسجيل، فتح عينيه وقد بدأت الدموع تتجمع فيهما دون أن يشعر، وهمس بصوت اختلطت فيه الفرحة بالشوق وهو يضع يده علي بطنها: ياااه، امتى بقى أسمعه بيقولي يا بابا.
ابتسمت بحنان، وربتت على يده: إن شاء الله قريب، كلها 6 شهور بالظبط.
تنهد بشوق: نفسي اغمض عيني وافتح الاقيهم عدوا بسرعة.
ثم هز رأسه بابتسامة: وفي نفس الوقت مش عايز اضيع مني ولا يوم وأنا بشوفه بيكبر جواكي.
ضحك بخفوت: حاسس إني هتجنن.
ضحكت بتأيد: لا اتاكد، أنت اتجننت خلاص يا حبيبي، أنا وأنت بقينا مناخوليا.
ضحك عاليا، وضمها إليه يطبع قبلة على جبينها بحب: المهم نبقى مجانين مع بعض طول العمر.
ضحكت وحاولت النهوض، فاوقفها سريعا: رايحة فين؟
اجابته: هدخل الحمام.
أومأ برأسه، ونهض يحملها بين ذراعيه، فسألته بتعجب: أنت بتعمل ايه يا سليم!
اجاب ببساطه: هوديكي الحمام، الدكتورة قالت متتحركيش...
ضحكت بتعجب: بس مش لدرجه الحمام!
اجاب بحسم: لا لدرجة الحمام، وأكتر كمان.
ادخلها الحمام، وانزلها برفق ثم بدأ يساعدها في خلع ملابسها، فأمسكت يده: أنت بتعمل إيه؟
أجابها بابتسامه: اكيد مش هتتكسفي مني؟
ضحكت بخجل: لا مش مكسوفة منك، بس يا روحي أنا تمام، استناني برا علي ما أخلص.
هز رأسه معترضا: ماسة، بطلي عبط ومتضايقنيش، أنا مش هسيبك.
ضحكت رغما عنها: أنت اتجننت بجد، بس ماشي، حد يلاقي دلع يقول لأ؟
ساعدها حتى انتهت، ثم حملها مرة أخرى، وتساءل: تحبي نخرج الجنينه تانى ولا نرجع الاوضه؟
تثائبت قائلة: لا الجو ليل، وعايزه أنام.
اومأ لها، وتابع سيره إلي الغرفة، ووضعها علي الفراش برفق.
ظلت تبتسم وهي تنظر له، فتساءل: نفسي أفهم بتضحكي علي ايه؟
تبسمت بخفوت: أصل بحبك أوي لما بتدلعني وتعاملني كده.
رفع حاجبه: يا سلام! علي أساس مش بدلعك علطول؟
أجابت بمشاكسة: بس النهارده الجرعة زايدة شوية.
ثم أغمضت عينيها بتعب: المهم بقى طفي النور عشان تعبانة وهموت وأنام.
مسح على شعرها بحنان: حاضر يا حبيبتي، تصبحي على خير وسعادة.
اطفاء الانوار، وساعدها في الاستلقاء على ظهرها، ثم تمدد بجوارها.
وما إن مالت لتنام على صدره، حتى اعتدل سريعا: أنتِ بتعملي إيه؟
نظرت إليه باستغراب: خضتني يا سليم! هنام على صدرك، في إيه؟
قال بجدية شديدة: مينفعش تنامي على جنبك، الدكتورة قالت تفضلي نايمة على ضهرك.
حدقت فيه بعدم تصديق: أنت بتهزر!!
هز رأسه بحزم: لا بتكلم جد، بطلي دلع.
عبست ملامحها: دلع إيه يا سليم؟! أنا هنام على جنبي!! وبعدين أنا متحركتش النهارده كتير، وأنت عارف.
رد باعتراض حاسم: برضو تنامي على ضهرك، استحملي. وبطلي دلع، اكبري شوية.
نظرت إليه بصدمة: لو سمحت متزعقليش كده أنا معملتش حاجة، أنت اللى قلقان بزياده، وبعدين مستحيل الدكتورة تمنعني أنام على جنبي، أنا عمري ما سمعت الكلام ده!!
رد بجدية: لا قالت تنامي على ضهرك 10 أيام.
ضحكت بتعجب: أكيد متقصدش الكلام حرفي كده يا سليم!!
ظلت ملامحه عابسه ولم يبدُ عليه أي بوادر اقتناع، فاشارت للهاتف بمهاوده: طب اتصل بالدكتوره واسألها وشوف هتقول ايه.
أمسك الهاتف: ماشي، وهسمعك بنفسك عشان تبطلي عند.
اتصل بالطبيبه وبعد لحظات، جاءه الرد: السلام عليكم.
سليم: وعليكم السلام، أنا سليم الراوي يا دكتور جوز مدام اللي كلمك النهارده بخصوص النزيف اللى حصلها.
الطبيبه: أيوه طبعا يا أستاذ سليم فاكره، خير إن شاء الله؟
سليم بتوضيح: حضرتك قولتي إنها تنام على ضهرها 10 أيام، وهي مصممة تنام على جنبها، فمن فضلك فهميها.
انصدمت الطبيبة من الجملة، وساد صمت قصير قبل أن تتنحنح وتقول: واضح إن حضرتك فهمتني غلط، لما قولت تنام علي ظهرها دى كان تعبير مجازي، أقصد بيه إنها ترتاح ومتبذلش مجهود كبير، إنما مش قصدي احدد وضعيه نومها!!
عقد سليم حاجبيه: يعني مفيش خطوره لو نامت علي جنبها؟
ابتسمت الطبيبه بخفوت: لا مفيش خطوه، تنام في الوضعيه اللى تريحها عادي.
التفت نحوها، فوجدها تنظر إليه بابتسامة منتصرة، وتحرك حاجبيها بغيظ، ثم همست: شوفت؟
ثم استدارت تنام علي جنبها، وهي تقول بشماته: أحسن
تنهد، وحك مؤخرة رأسه باحراج: تمام يا دكتور، شكرا، وآسف لو ازعجت حضرتك، بس كنت خايف.
الطبيبه: ولا يهمك يا فندم.
سليم: شكرا لحضرتك.
أنهى المكالمة ونظر لها فوجدها تضحك باستفزاز، تمدد بجوارها يتمتم بتذمر: بطلي ضحك بقي، علي فكره من حقي أخاف عليكي انتِ والبيبي، ده مجاش بالساهل!
اشفقت عليه وتفهمت خوفه، واقتربت تطبع قبله علي وجنته: أنا آسفة والله مش قصدي أضايقك، أنا حاسة بكل اللي إنت حاسس بيه ومقدرة خوفك، وأنا كمان والله خايفه عليه زيك.
ضمها إليه بحنان، وقبل رأسها قبلة طويلة: متعتذريش، نامي بقى وارتاحي.
ابتسمت وأسندت رأسها إلى صدره، بينما ظل يضمها بحنان وكأنها أثمن ما يملك.
لم تمضِ سوى دقائق قليلة، حتى أغمضت عينيها، وذهبت في سباتٍ عميق، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة.
أما سليم...
فلم يستطع النوم.
ظل ينظر إليها، ثم إلى بطنها، غير مصدق أن الله أكرمه أخيرا بذلك الطفل الذي طالما حلم به.
رفع يده، ومسح علي بطنها برفق: الحمد لله، ربنا يخليكوا أنتم الاتنين ليا.
وبعد دقائق، أثقل النعاس جفنيه فأغمض عينيه، ليغرق هو الآخر في سبات عميق.
وخلال اليومين التاليين.
ظل يبالغ في اهتمامه بها بصورة واضحة؛ لم يكن يتركها للحظة، ولم يجعلها تغادر الفراش، وعندما تريد الذهاب إلى الحمام، كان يحملها ويذهب معاه، وإذا أرادت تغير وضعية نومها، كان يسبقها ليساعدها برفق، خوفا عليها من أي حركة قد تتعبها.
أما الطعام، والدواء... فكان هو من يحضره إليها بنفسه، رافضا أن يترك ذلك لأي شخص آخر، وحين تشعر بالملل وتطلب الجلوس في الحديقة، كان يحملها إلي هناك ويجلس بجوارها يراقبها بعينيه أكثر مما يتابع حديثها، كان خوفه عليها واضحا في كل تصرفاته، وفي عشرات المرات التي كان يتساءل فيها:
"تعبانة؟"
"محتاجة حاجة؟"
"حاسّة بدوخة؟"
ورغم أنه لم يمض سوي يومين، الي أنه هاتف الطبيبه فيهم لمئات المرات يتسأل عن كل صغيره وكبيره.
أما ماسة، فلم تنزعج من ذلك الاهتمام، بل كانت تراه دلالا وحبا كبيرا، حتى أنها كانت تبتسم كلما رأته يركض خلفها لمجرد أنها قالت إنها تريد شيئا بسيطا.
علي اتجاه آخر...
كان عماد ينتظر ظهور تمساح بقلق شديد، لكن الأخير اختفى تماما وكأنه تبخر، مما زاد شكوكه، وجعله يعيش في حالة ترقب لا تنتهي.
بينما كانت حالة صافيناز من سيء لاسواء
أما نالا، فقد بدأت علاقتها بلوجين تتحسن شيئا فشيئا، خاصة في وجود ياسين
بينما عاد عزت إلى المجموعة، يعمل علي قدم وساق حتي استطاع تعويض بعض من خسارة الفترة السابقه، ولكن ما أثار حفيظته هو اختفاء سليم وعدم قدرته علي التواصل معه، فكلما حاول الاتصال به وجد هاتفه مغلقا.
بينما كانت آلاء تلقي دعم هائل من مصطفي الذي لم يتركها لحظه، مع اقتراب موعد امتحانها.
كان يشرح لها الدروس بصبر، ويعيد المعلومة أكثر من مرة ليتأكد من اسيعابها لها جيدا، بينما كانت هي تذاكر بجدية، مصممة تحقق نتيجة تُفرحه قبل أن تُفرح نفسها.
أما سلوي، فما زالت عاجزة عن الحديث مع مكي، نظرت لوجود إخوتها ووالدها بشكل دائم، فكانت تختلس إليه نظرات سريعة، تحمل من المشاعر أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.
♥️___________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسة،12ظ.
جلس سليم في الحديقه، يضع الهاتف علي أذنه، ويستمع للطرف الآخر باهتمام: عزت باشا بدأ يشك، وكلم ناس كتير علشان يتأكد من المعلومات اللى وصلتله، فلازم تاخد بالك.
هز رأسه بهدوء: طب وانتم ناوين تختاروا مين؟ الماضي ولا الحاضر؟ أصل خلاص الامبراطور عزت الراوي بقى ماضي.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يأتيه الرد: تفتكر لو كنا مختارين الماضي، كنا وافقناك من الأساس؟
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه: يبقى كده متفقين، قولوله الكلام اللى اتفقنا عليه، مش عايز زيادة ولا نقصان.
: وأنت هتعمل إيه؟ وهتفضل مختفي كده؟ لازم نجتمع.
أجابه بثبات: اليومين دول عندي حاجات أهم، أول ما أخلص اللي في إيدي هنجتمع.
أنهى المكالمة، وبقي للحظات صامتا، يحدق أمامه بشرود.
كانت الأحداث تتشابك من حوله، وكل خيط منها قد يقوده إلى مواجهة لا يريدها الآن. كان يعلم أن أي خطوة خاطئة قد تُسقط كل ما بناه خلال الأشهر الماضية.
رفع رأسه نحو الواجهة الزجاجية للفيلا، حيث ظهرت غرفة ماسة، لمحها تجلس مع شقيقتها، فتغيرت ملامحه قليلا، وهمس لنفسه: ماسة دلوقتي أهم من أي حاجة، وبعدها كل حاجة تهون.
أطلق زفرة طويلة، وأجرى اتصالًا آخر، ما إن جاءه الرد حتى تحدث بالإيطالية: كيف حالك ماركو
ماركو: بخير
سليم: هل تواصل عزت معك خلال الفترة الأخيرة؟!
ماركو: نعم، وحدث ما اتفقنا عليه.
سليم بنبرة حاسمة: أريدك أن تُبقي كل شيء تحت السيطرة حتى أنتهي مما أفعله.
ماركو بثقة: بالتأكيد، أبي أيضا سيتواصل معك.
ابتسم سليم ابتسامة خافتة: لا تقلق، ما زلنا على عهدنا.
ماركو: ونحن كذلك.
أنهى المكالمة، وأعاد نظره إلى الحديقة أمامه بشرود، يشعر وكأنه في خضم معركه، يحارب فيها بكل قوته لحماية الشيء الوحيد الذي لم يعد مستعدا لخسارته (ماسة وطفله)
لمحته سعدية يجلس بمفرده، فتقدمت نحوه وتسألت بابتسامه متعجبه: يعني سايب ماسة؟
اجابها بابتسامه: سبتها قاعده مع سلوي، وخرجن اعمل كام مكالمه.
أومأت برأسها: طب فاضي أتكلم معاك شويه؟
اومأ سريعا: آه طبعا اتفضلي.
جلست على المقعد المقابل له، ونظرت إليه للحظات، قبل أن تقول بجدية: قولي بقى بصراحة فيه حاجة؟
نظر إليها باستغراب: حاجة إيه؟
وضحت بقلق: أنا حاسه إن في حاجة مخبيها، اهتمامك الزايد بماسه اليومين اللى فاتو دول مقلقني
ابتسم بخفوت محاولا التهرب: مش عايزاني أدلع مراتي ولا إيه يا سعدية؟
هزت رأسها: يا ابني أنا ست كبيرة وجبتهم أربعة، وشوفت في الدنيا كتير، خوفك ده مش خوف راجل بيدلع مراته، أنت فيك حاجة عارفها وساكت.
صمت ولم يعرف ماذا يقول، فأكملت بقلق: قولي يا ابني لو فيه خطر عليها أو عللي في بطنها، نورني على الأقل أبقى عارفة، وآخد بالي منها.
ظل صامتا للحظات، قبل أن يطلق تنهيده طويلة، ويقول بخفوت: الدكتور قالي إن حملها لسه مضطرب وفيه خطر علي البيبي، وممكن لقدر الله نخسره.
اتسعت عينيها وشحب وجهها، فقال سريعا: أهدي أرجوكي، بلاش تخليني أندم إني حكتلك..
أكمل بهدوء: الدكتور قال إن لو ال10 أيام دول عدو علي خير هتكون عدت مرحلة الخطر بإذن الله.
صمت لحظة، ثم واصل: بس ماسة متعرفش حاجة من الكلام ده.
نظرت إليه باستفهام، فتابع مفسرا: لو عرفت أو حست إن فيه خطر على البيبي هتتوتر، وتوترها ده ممكن يضرها أكتر، علشان كدة مخليها فاكرة إني موسوس، وكل إللي بعمله ده مجرد خوف زيادة.
تسألت بقلق: يعني يا ابني لو عدينا ال10 أيام دول، هتبقى كويسة؟
هز سليم رأسه: إن شاء الله، وبرضوا بعدهم لازم ناخد بالنا، لكن على الأقل المرحلة الأصعب هتكون عدت، والدنيا هتبقى أهدى شوية.
رفعت يديها إلى السماء وهمست: إن شاء الله، ربنا كريم ومش هيكسر فرحتنا بيها.
ثم ابتسمت ابتسامة مطمئنة: ومتقلقش سرك في بير، ماسة مش هتعرف مني حرف واحد، وأنا بنفسي هاخد بالي منها ومش هخليها تتحرك خالص.
على اتجاه آخر...
كانت ماسة تستند بظهرها إلى الوسائد، بينما جلست سلوى أمامها، تتبادل معاها الأحاديث.
تنهدت ماسه: طب وهتعملي إيه؟ كده الموضوع مبقاش نافع، وأمك عندها حق لو أبوكي أو حد من إخواتك شافك، هيعملوا مشكلة كبيرة.
خفضت رأسها تعبث بأصابعها: مش عارفة يا ماسة، أنا لسه بحبه، وحاسة من آخر مره اتكلمنا إنه كان خلاص هيلين وينطق لولا امك بقي...بقولك يوم موضوع عائشة ده كان خايف عليا ومرعوب
رفعت حاجبها باستهجان: متفكريش بموضوع عائشة ده، لأن سليم لما حكالي كان هاين عليا اجي الطشك، أنتِ ازى تعملي كده وتعرضي نفسك للخطر؟!
ضحكت سلوى بسخرية: شوف مين اللى بتتكلم، دى أنتِ مجرد ما عرفتي إن سليم في خطر، جريتي ونسيتي اللي في بطنك وكنتي هتسقطي.
ماسة بتبرير: دى مش زى دى، فيه فرق.
هزت سلوي راسها: خلاص بقي موضوع وعدي، خلينا في المهم وقوليلي اعمل ايه؟
زمت ماسة شفتيها بحيرة: خايفة اقولك كلميه تاني يبقي بتقللي من كرامتك، وبرضوا مش قادرة اقولك وقفي محاولات، لانه بصراحه يستاهل، وأنتِ غلطي في حقه جامد.
أطرقت سلوى برأسها في صمت، بينمت مدت ماسة يدها وربتت على يدها برفق: بصي استني شوية، وأنا هكلم سليم، أخليه يكلمه الأول، ونشوف الدنيا..
اومأت بصمت، وقد عاد الأمل يلمع في عينيها.
المشفى التي تمكث بها مي،1ظ.
استندت علي ذراع رشدي تتنقل معه بخطوات بطيئة في أحد الممرات، وقد بدا على ملامحها بعض التحسن.
نظر لها بابتسامة: تعبتي ولا نلف كمان شويه؟
أجابته: لا، خلينا نكمل لحد الجنينه، زهقت من القعدة في الأوضة.
أكملا السير ببطء حتى وصلا إلي الحديقه، فجلست علي أحد المقاعد، وهي تزفر بهدوء.
رشدي بحنان: استريحي شوية، وبعدين نرجع الأوضة.
قالت بتذمر: طب ما تخلينا نخرج، الدكتور قال إن حالتي بقت أحسن وممكن أكمل علاج في البيت.
هز رأسه: حالتك بقت أحسن آه، لكن لسه مخفيتيش 100%، مستعجله علي ايه؟
تنهدت باختناق: مبحبش المستشفيات بتخنق منها، بسبب إللي حصل زمان.
انحنى يقبل جبينها قبلة طويلة: معلش يا حبيبتي هانت، كلها أيام وتخرجي ونسافر وهعملك حتة رحلة هتجننك.
ابتسمت رغما عنها وأسندت رأسها على كتفه في صمت.
وفجأة تعالي رنين هاتفه، اخرجه من جيبه واجاب: ايوه يا شوقي.
جاءه الرد من الطرف الآخر: كنت عايز أبلغك يا باشا إني جهزت الورق بتاع البنت اللى قولتلي عليها، لقيتلها مدرسه في كندا وواحده كمان في استراليا، اقدم في أنهي واحده؟
أجابه: قدملها في كندا، واقطعلها تذكرة طيران كمان اسبوع، وخلي الورق جاهز معاك.
شوقي: اوامرك يا باشا.
أغلق الهاتف، فرفعت عينيها بتساؤل: فيه ايه؟ وورق مين؟
أجابها بابتسامه: ورق جنه، علشان تسافر معانا.
تهللت ملامحها: بجد!
اومأ: أيوه هقدملها علي مدرسه في كندا علشان تبقي معانا، وأنا بتعالج زى ما كنتي عايزه.
أمسكت ذراعه بحماس: أنا بجد مبسوطه اووى إنها هتبقي معانا.
مسح علي خدها بحنان: وأنا مش عايز اي حاجه غير إنك تبقى مبسوطه.
ألقت بنفسها بين احضانه: أنا بحبك أوى يا رشدي.
احاطها بذراعيه وقال بصدق: ورشدي معرفش يعني إيه حب غير معاكي
أمام مستشفى القصر العيني،2ظ.
جلس مصطفي داخل سيارته، وعيناه لا تفارقان بوابة المستشفى ينظر خروج آلاء، وما إن لمحها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة.
ترجل من السيارة متجها إليها: عملتي إيه؟
أجابته بتنهيده: الحمد لله عدى، بس حصل موقف غريب أوي.
قطب حاجبيه بقلق: موقف ايه؟ تعالي نروح نشرب حاجة الأول، واحكيلي
اومأت بخفة، ففتح لها باب السيارة، فجلست وهي تشكره بنظرة ممتنة، ثم استدار إلى مقعده وأدار المحرك، لينطلقا نحو أحد المطاعم القريبة.
بعد دقائق...
كانا يجلسان متقابلين، وبينهما كوبان من العصير.
نظر إليها باهتمام: ايه بقي الموقف اللى حصل؟
اجابته: سحبت الورقة، وطلع فيها 3 أسئلة من اللي مذاكراهم.
اتسعت ابتسامته: هايل.
عبثت بطرف المنديل بين أصابعها وهي تبتسم بخجل: جاوبت أول واحد حلو، ولسه هكمل التاني، لقيت الدكتورة بتقولى أنتِ الكام على الدفعة؟
توقفت لحظة ثم قالت بخجل: اتكسفت أو وقولتلها الأولى، قالت لى طب خلاص ومخلتنيش أكمل.
اجابها بابتسامه: اتكسفتي ليه، أكيد أعجبت باجابتك وادتك النهايه علشان كده سألت.
هزت كتفيها بابتسامه خجوله: معرفش أنا بتكسف لما حد من الدكاترة يسألني السؤال ده.
ضحك عاليا: عشان تعبانة في دماغك يا آلاء.
وفي اللحظة نفسها، انفجرت آلاء ضاحكة هي الأخرى...
لكن ضحكتها اختفت تدريجيا وشردت في ضحكته، بقيت عيناها معلقتين به دون أن تشعر، وهي تتأمل ضحكته الصافية، والغمازتين اللتين ظهرتا على وجنتيه فزادته وسامه.
لأول مرة تنتبه لكل تلك التفاصيل، وكأنها انسحبت داخل تلك الابتسامة، ولم تعد تسمع ما يدور حولها ودون ان تشعر ارتسمت ابتسامه إعجاب على وجهها، حتي مرت ثواني وهي على تلك الحالة..
انتبه لشرودها، فلوح بيده أمام عينها: إيه روحتي فين؟
انتفضت من شرودها اخيرا، وابتلعت ريقها بتوتر وخجل، لم تعرف بماذا تجيب، وحاولت تغير الموضوع بتوتر: متعرفش حاجة عن محمود؟
تنهد وهز رأسه: لا، بس اللى متأكد منه إن سليم طالما وعد يبقي عمره ما هيأذيه.
خفضت بصرها وهمست بقلق: يا رب، قلبي مش مطمن خالص.
نظر إليها طويلا، ثم قال باستغراب ممزوج بابتسامة: بعد كل اللي عمله معاكي لسه خايفة عليه؟
رفعت كتفيها في حيرة: ده مهما كان اخويا، وأنا عارفه إن معدنه مش وحش، هو بس بيتصرف بغباء من جهله.
ابتسم ابتسامة دافئة: أنتِ طيبة، وقلبك جميل أوي يا آلاء، خليكي زي ما أنتِ كده أوعي تتغيري.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة.
وأضاف بغزل بكلمات لا يعرف كيف ولا لماذا تفوه بها: وحلوة كمان.
اتسعت عيناها، واحمرت وجنتيها سريعا، فانتبه لكلماته، وحاول تصحيح الموقف: اقصد إن فيكي صفات كتير حلوه بقت نادرة في الزمن ده
ابتلعت ريقها بارتباك، وحاولت تركيز نظرها علي الكوب أمامها، لكنها شعرت بنظراته الثابتة عليها، وكأن العالم كله اختفى ولم يعد يرى سواها.
وساد بينهما صمت قصير، لم يكن محرجا بقدر ما كان مليئا بمشاعر لم يجد أي منهما الشجاعة ليعبر عنها بالكلمات.
فوق سطح أحد المباني،4ع.
جلس تمساح على أريكة قديمة، يحتسي كوبا من الشاي ويدخن سيجارته، وهو يشاهد أحد الأفلام، بعد ثواني، فُتح الباب ودخل صديقه.
جلس بجواره يقول: أنا دفعت الإيجار وظبطت الدنيا، بس حاول بقى تشوف هتعمل إيه، اكيد مش هتفضل مستخبي كده كتير.
اومأ برأسه، تابع صديقه: أنا هدخل الحمام وأمشى وهجيلك كمان يومين.
ثم وضع هاتفه وساعته وعلبة السجائر فوق الكومودينو، ودخل إلي المرحاض
تابع حركته بطرف عينه، وما إن دخل حتى ألتقط الهاتف بسرعة وأجرى مكالمة سريعة.
بعد لحظات، جاءه الرد من الطرف الآخر: ألو؟
ابتسم تمساح بسخرية: بقي تعمل في حبيبك كده يا عماد باشا؟
ساد الصمت لثواني، قبل أن يتساءل عماد: مين معايا؟
ضحك تمساح: نسيت صوتي ولا إيه؟ أنا تمساح إللي كنت عايز تضحك عليه وتجيب رقبته.
تجمد عماد في مكانه، بينما تابع تمساح ببرود: وعقابا ليك علي اللى عملته الفلوس هتزيد وهيبقوا 500ألف جنيه، وأنت بنفسك إللي تجيبهم.
صمت قليلا ثم أكمل بنبرة أخطر: وخليك عارف إنك لو لعبت بديلك معايا مره تانيه، هتزعل اوي.
عماد ساخرا: وهتزعلني ازى بقي؟
أجابه بفحيح: معايا تسجيل بكل اللى دار بينا، هبعته لرشدي بيه اخو الهانم، واستلقي وعدك بقي.
أشتد تنفس عماد من الطرف الآخر، بينما تابع تمساح ساخرا: ولو مش مصدقني، بعد ثانية التسجيل هيكون عندك.
وتابع محذرا: ومتتصلش بالرقم ده، عشان ده رقم واحد معرفوش، شوفته ماشي في الشارع واستلفته منه دقيقتين.
ثم قال بلهجة حاسمة: استنى مني مكالمة تانية أقولك فيها الميعاد والمكان، والمرة الجاية الغلطة هتبقي برقبتك.
أنفجر عماد غاضبًا: إنت بتهدد مين يا ابن الكلب؟!
تمساح بابتسامة باردة: بهددك أنت يا عماد باشا، رقبة تمساح تمنها غالي أوي، وإنت إللي بدأت بالغدر يبقى أستحمل بقى.
قال كلماته، وأغلق الخط وهو ينظر نحو باب الحمام، حيث كان صديقه ما يزال بالداخل.
أخرج هاتفه وبعث التسجيل علي هاتف صديقه، ثم أرسله لعماد، وبعد ذلك بدأ بمسح أي أثر يدل على ما فعله.
أعاد إلى مكانه مره أخري، وجلس على الأريكة بهدوء وكأن شيء لم يكن.
بعد لحظات خرج صديقه من الحمام، وألتقط أغراضه قائلا: أنا همشي بقي يا تمساح، عايز حاجه؟
تمساح: تسلم يا شقيق، منحرمش منك.
غادر المكان، بينما بقي تمساح جالسا يفكر في خطوته التالية.
على إتجاه آخر...
جلس عماد خلف مكتبه، والغضب يشتعل في عينيه وهو يستمع إلي التسجيل، وعقب انتهاءه ضرب المكتب بعنف حتى اهتزت محتوياته.
ثم أجرى اتصالا، وما إن جاءه الرد حتى صاح بغضب: أنت يا زفت مش قولت اول ما يفتح الشنطه هينفجر!لسة عايش إزاي؟
جاءه الصوت الطرف الآخر: عايش أزاى يا باشا هو أنا أول مره اشتغل الشغل ده؟
جز على أسنانه بغضب: لسه عايش، ومكلمني بنفسه وبيهددني.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول الرجل بثقه: يبقى مفتحش الشنطة...
عماد: أو يمكن عرف إللي فيها؟!
الرجل: هيعرف أزاى يا باشا؟
ثم أنفجر غاضبا: معرفش، أنت بتسألني أنا؟ اقفل! ما أنا بتعامل مع شويه بهايم.
أغلق الهاتف بعنف، وظل يحدق أمامه لثواني، وصدره يعلو ويهبط من فرط الغضب والتوتر، فلأول مرة منذ سنوات شعر أن الأمور بدأت تنفلت من بين يديه.
ألتقط هاتفه مكتبه: أحجزيلي علي أول طيارة راحه روما، اي طياره مش مهم المعاد.
وضع السماع، وامسك هاتفه واتصل بسارة: سارة اسمعيني كويس، دلوقتي حالا تحجزي تذكرة على دبي، ومن دبي تيجيلي روما.
جاءه صوتها مرتبكا: ليه؟ إيه إللي حصل؟
عماد بسرعة وقلق: أسمعي الكلام وبس، مفيش وقت للشرح.
أغلق الخط، ومرر يده على وجهه محاولا السيطرة على توتره، ثم أخرج شريحة أخرى وبدلها بسرعة.
وأجرى مكالمة جديدة بالإيطالية: هل تمكنت من تحديد موعد معه؟
استمع لثواني ثم قال بحسم: لا يهم كيف، أريد موعدا غدا، سأكون في روما خلال ساعات، وينبغي عليا مقابلته بأي طريقة.
أنهى المكالمة، ونهض من مقعده متجها إلى السكرتيرة: حجزتي التذكرة؟
السكرتيرة: بحجزها أهو يا فندم.
أشار إليها بحدة: أول ما تتأكد ابعتيلي التفاصيل.
ثم استدار وغادر دون انتظار رد.
وبعد دقائق كان يجلس داخل سيارته، وعلامات القلق والغضب تسيطر على ملامحه، فلأول مرة منذ سنوات، لم يكن يفكر في كيفية تنفيذ خطته، بل في كيفية الهرب من الورطه الذي حلت عليه.
على إتجاه آخر...
كان أحد الرجال يجلس أمام عدة شاشات وأجهزة مختلفة، يتابع المكالمة التي دارت بين تمساح وعماد لحظة بلحظة.
أنهى التسجيل، ثم ألتقط هاتفه وأتصل بعرفان فورا: باشا، تمساح كلم عماد، وقدرنا نحدد مكانه، بس الهدف بدأ يتحرك قدامي
اعتدل عرفان في جلسته: ابعتلي العنوان اللى كلمه منه، وخليك متابع الحركه وابعتلي كل التفاصيل.
أغلق معه وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، وما هي إلا ثواني حتى وصلته رساله بالبيانات كامله.
نظر عرفان إلى العنوان، فوجده في المنطقه العشوائية التي هرب إليها من قبل ولم تلتقه الكاميرات، وكان قد ترك رجاله هناك بالفعل للبحث ومحاولة إيجاد أي معلومه عنه.
رفع هاتفه واجري مكالمه سريعه بأحد رجاله: أيوه يا ابراهيم، ركز معايا، هبعتلك عنوان دلوقتي عايزك تجمع الرجاله وتروحوا تجيبولي الواد اللى بندور عليه من هناك حي، مش عايز خدش يمسه يا ابراهيم، مفهوم؟
جاءه الرد: أوامر يا باشا.
ارسل إليه العنوان، وبالفعل، تحركوا جميعا إليه.
في تلك الأثناء، كان تمساح جالسا في الغرفة، يحاول التفكير في خطوته التاليه.
وفجأة...
أندفع الباب إلى الداخل بقوة حتى كاد يتحطم، ودخل رجاله عرفان دفعة واحدة.
قفز تمساح من مكانه في صدمة، وأخذ ينظر يمينا ويسارا باحثا عن أي طريق للهروب.
لكن لم يكن هناك مفر.
ابتسم إبراهيم وهو يراقبه، وأشار نحو النافذة: هتروح فين؟ لو نطيت من هنا هتنزل ميت، إحنا في الدور السابع.
أبتلع ريقه بصعوبة: إنتم مين؟ وعايزين إيه؟
أجابه بسخرية: محتاجينك معانا في مشوار صغير.
رفع صوته فجأه: هاتوه.
تقدم الرجال نحوه من كل زاويه، حتي استطاعوا تقيده، وهو يقاوم ويصرخ: استنوا طيب! عايزين إيه؟ وأنا هقولكم كل إللي أعرفه!
هز ابراهيم رأسه بضيق: إنت بتتكلم كتير أوي، وصوتك عالي.
وفجأة تلقى تمساح ضربة قوية على رأسه أفقدته توازنه، وفقد وعيه في الحال.
حمله الرجال سريعا، وفي خلال دقائق بسرعة، كان مستلقيا في المقعد الخلفي لإحدى السيارات، بينما انطلق الموكب نحو وجهة مجهولة.
وفي أثناء الطريق...
أخرج ابراهيم هاتفه واجري اتصالا: الواد معانا يا عرفان باشا.
تهللت ملامح عرفان: عفارم عليك يا إبراهيم هاته علي مخزن القطاميه.
اغلق معه واتصل بمكي: عايزك في موضوع مهم.
مكي: موضوع إيه؟
ابتسم قائلا: تعالي علي مخزن القطاميه
مكي بنفاذ صبر: ما تقول فيه إيه يا عرفان؟
عرفان: تعالى بس، هتنبسط أوي.
❤️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
قصر الراوي،5م.
جلست صافيناز تضم ساقيها إلى صدرها بذراعيها، وجسدها يتحرك إلى الأمام والخلف في حركة رتيبة لا تتوقف.
كانت حالتها تتدهور يوما بعد يوم بفعل العقاقير الذي حرص عماد علي إعطاءها اياها بانتظام، حتي بدت وكأنها شبح لإمرأة كانت يوما مليئة بالحياة، وجهها شاحب يميل إلى الإصفرار، وعيناها غائرتان، تحدقان في نقطة بعيدة لا يراها أحد سواها.
جلست فايزة أمامها، وقد ارتسم التوتر على ملامحها: إحنا في مصيبة! ماسة بقالها يومين مختفيه هي وسليم، والباشا أكتشف إن سليم طول الفترة إللي فاتت مكانش بيعمل أي حاجة في المجموعة، ورشدي خلاص رفع إيده وقال مليش دعوة.
لم ترد عليها، وظلت تهتز في مكانها، وعيناها معلقتان بذلك الفراغ المخيف.
نفد صبر فايزة: ردي عليا! أنطقي! إيه الضعف إللي وصلتيله ده؟ إيه إللي جرالك؟ خلاص الخبر اتكذب، واتكتبلك اعتذار رسمي، وعزت جاب حد شال القضية مكانك، فوقي بقى!
دفعتها في كتفها بعنف فانتفضت صافيناز، تهمس بارتجاف: هم... همم مشيوا؟
عقدت فايزة حاجبيها: هم مين؟
ازدادت رعشة صافيناز: قوليلهم يمشوا...أنا... أنا خايفة منهم.
زفرت فايزة بضيق وهي تعتدل واقفة: يوه يا صافيناز! أنا مش عارفة إمتى هتخرجي من الجنان إللي أنتِ فيه ده!
هزت رأسها بيأس، ثم اتجهت نحو الباب وفتحته.
في الخارج كانت الخادمة تقف في انتظارها: خليكي معاها.
الخادمة: حاضر يا هانم.
أغلقت الباب خلفها، وبقيت صافيناز وحدها مع خادمتها.
استمرت في ضم نفسها، تتحرك إلى الأمام والخلف، بينما راحت تهمس بكلمات غير مفهومة، وكأنها ترى أشخاصا لا يراهم سواها...رغم أن الغرفة كانت خالية تماما
❤️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
مخزن القطاميه،5م.
كان تمساح مقيدا من يديه إلى أعلى، بينما غطى كيس أسود رأسه بالكامل، ووقف رجال عرفان في أرجاء المكان، يراقبونه بصمت، فيما كان عرفان يقف بالقرب منه منتظرا وصول مكي.
وبعد دقائق، فُتح الباب ودخل ميكي بهيبته المعتادة.
توقف أمام عرفان: خير، عايزني في ايه؟
ثم نظر للشخص المقيد أمامه، فمد وجهه بتساؤل: مين ده؟
ابتسم عرفان بثقه، واقترب ينزع الكيس الأسمر عن وجهه وهو يقول: اقصدملك رضا الشهير بتمساح.
نزع الكيس فظهر وجه تمساح وهو ينظر حوله بتوتر.
بينما اتسعت عينا مكي: عفارم عليك يا عرفان.
ثم اقترب من تمساح بخطوات بطيئه حتى توقف أمامه، ووقف ينظر إليه بنظره تقيميه قبل أن يتساءل: هو أنت تعرف واد اسمه دغمش!
تلعثم تمساح: دغغغمممشش، مين دغغمش ده يا باشا، معرفس حد بالاسم ده.
ضيق مكي عينه بعدم اقتناع، وقال بهدوء: هنشوف!
تمساح بتوتر: إنتم عايزين مني إيه يا باشا.
عنفه احد الرجال من الخلف: اتلم يلا ورد علي اد السؤال.
بينما نظر مكي لعرفان: أنا هخرج أبلغ سليم واشوف عايز يعمل معاه ايه بالظبط.
خرج مكي وتبعه عرفان، بينما اتسعت عينا تمساح برعب عند ذكر اسم سليم، وأخذ يحدث ذاته: لابد وأنهم يتحدثون عن سليم آخر، غير سليم الراوي!
علي اتجاه آخر.
كان سليم جالسا بجوار ماسة كعادته.
رن هاتفه الخاص، فابتسم قائلا: استني ارد علي مكي.
: ألو؟
جاءه صوت مكي: عرفان وصل لتمساح، وموجود دلوقتي في مخزن القطاميه.
اعتدل سليم في جلسته: أنت بتتكلم جد...؟!
بينما نظرت إليه ماسة بقلق: في إيه؟
ربت على يدها يطمئنها، قبل أن يجيب: طب يا مكي كويس إنكم وصلتوله، خلي بالكم منه، ومحدش يقربله لحد ما أجيله بنفسي.
مكي: تمام.
اقترب عرفان بترقب: في حاجة كمان لازم تعرفها.
مكي: خير؟
عرفان: عماد حجز طيارة لروما، وكمان بلغ سارة إنها تروحله هناك، وفي شخص اسمه تيمو بيحاول يقابله بأي طريقة.
اتسعت عينا مكي: تيمو؟
ثم فتح الميكروفون: سليم سمعت؟
رد بهدوء: اها سمعت
تدخل عرفان من جانبه: مش أول مرة نسمع الاسم ده، واضح إنه بيحاول يوصله من فترة.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يقول سليم: تعرف تجيبلي رقم الشخص اللي بيرتب المقابلة؟
عرفان بثقه: اعتبره عندك.
سالة مكي: هتعمل ايه يا سليم؟!
نظر إلى ماسة، ثم مرر يده على شعره وهو يشعر بتزاحم الأسئلة في رأسه.
كان يحتاج إلى فهم الصورة كاملة، لكنه لم يكن مستعدا لترك ماسة الآن، فكل شيء يستطيع تاجيله الا أن يترك ماسه وحدها في ذلك التعب الذي لم يزول خطره بعد!
لذلك قال بحسم: اجل كل حاجه يا مكي الفتره دى.
اومأ مكي بتفهم: تمام.
سليم: اجمعلي كل حاجة عن عماد، عايز اعرف رايح يعمل إيه في روما، وعايز ايه من تيمو، ومين الوسيط اللي هيوصله لتيمو.
ثم أكمل: ودور ورا زيدان ممكن عنده شغل معاهم هو واريك من تحت الترابيزه، أي معلومة تخص شغلهم أو تحركاتهم أو الناس اللي شغالة معاهم... عايزها كلها.
مكي بثقه: حاضر يا سليم كل المعلومات اللى عايزها هتبقي عندك.
أنهى سليم المكالمة.
نظر مكي إلى عرفان: سمعت المطلوب؟
ابتسم عرفان: كله سهل، انا عندي ناس في كل حتة.
مكي بجدية: تمام وانا هتابع معاك الفتره الجايه لحد ما سليم يفضي
تسأل عرفان: هو سليم مشغول في إيه أصلا؟
نظر إليه مكي بتهكم: متسألش في اللى ملكش فيه، لو كان عايز يقول كان قال.
ثم أشار إلى اثنين من رجاله: هسيبلك اتنين من رجالتنا هنا، الواد دى تحافظ عليه ما بين جلدك ولحمك، ميصبوش خدش، مفهوم؟
اومأ عرفان: تمام.
غادر مكي وهو يشعر أن ذلك الرجل " تمساح" قد يكون مفتاح كل ما يحدث
عند سليم وماسة.
ظل سليم جالسا ينظر أمامه بشرود، وكأن عقله ذهب إلى مكان بعيد بعد تلك المكالمه.
انتبهت ماسة إلى تغير ملامحه، فتساءلت بقلق: في إيه يا سليم؟ المكالمة دي كان فيها إيه؟
انتبه لصوتها، فالتفت إليها سريعا وابتسم مطمئنا: مفيش حاجة يا عشقي، مكالمة عادية.
هزت رأسها بعدم اقتناع: لا، واضح جدا إنها مش مكالمة عادية، في حاجة حصلت.
تنهد قائلا: مكي كلمني وقال إنهم وصلوا لتمساح.
عقدت حاجبيها بعدم فهم: مين تمساح ده؟
اخرج نفسا طويلا، قبل أن يقول: ده شخص ممكن يكون له علاقة بالحادثة، خصوصا إنه من نفس المنطقة اللي اتقتل فيها الواد اللي كان هيقولي معلومات عن الحادثه زمان.
ساد الصمت للحظة، ثم قالت بهدوء: طيب يا حبيبي، لو عايز تروح وتشوف الموضوع روح، أنا كويسة وماما وأخواتي قاعدين معايا، بس خلي بالك من نفسك.
هز رأسه بالرفض، ورفع يده يمسح على خدها برفق: مفيش الكلام ده.
ابتسم ابتسامة صغيرة وأكمل: أنا مش هسيبك غير لما أطمن إن أنتِ...
وخفض يده إلى بطنها: والقمر الصغير ده بخير...
ابتسمت رغم تعبها: بصراحة؟ أنا اصلا عايزة أسربك عشان زهقت من القعدة على السرير..
ضحك بخفة: طب ما أنا كل يوم بطلعك تقعدي في الجنينة.
ماسة بدلال: برضوا زهقت من النوم والراحة طول الوقت..
قبل خدها بحنان: معلش استحملي شوية كمان.
ثم ابتسم وحاول تغيير مزاجها: إيه رأيك أخلي سحر تعملنا فشار، ونقعد نتفرج على كرتون سوا؟
ابتسمت وهزت رأسها: ماشي.
ابتسم هو الاخر تلقائيا مع ابتسامتها، جذبها إلي أحضانه، وهو يردد داخله أن لا شيء أهم منها هي وصغيره، وكل مايحدث خارج هذه الغرفة يمكنه الانتظار...
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
بعد عشرة أيام...
أخيرا جاء اليوم الذي انتظرته ماسة بفارغ الصبر، فاليوم معاد متابعتها، واخيرا ستتمكن من الخروج خارج أسوار ذلك المنزل ورؤيه الشارع.
وكعادته، ساعدها سليم في تبديل ملابسها.
تنهدت ماسة باختناق: سليم خلاص بقى، ال 10 أيام عدوا.
رد وهو يعدل ياقة ملابسها: لما الدكتورة تقول.
نفخت خديها بغيظ: ماشي.
قال وهو يتجه إلى الحمام: أنا هدخل التواليت وجايلك.
أومأت برأسها، وما إن أغلق الباب، حتى أخذت نفسا عميقا، ونهضت من على الفراش بهدوء.
سارت ببطء حتى جلست أمام التسريحة، وبدأت تصفف شعرها، ثم وضعت بعض مستحضرات التجميل الخفيفة، وهي تبتسم بسعادة.
وضعت يدها على بطنها، وضحكت بخفه: خلاص يا روحي هناخد افراج النهارده ونخرج ونشوف الشارع.
مسحت على بطنها بحنان وواصلت تحدث طفلها وكأنه يسمعها: عارفة إنك زهقت بس هنعمل إيه؟ بابا موسوس وبيحبنا أوي، وبيخاف علينا خالص..
ابتسمت بحب وهي تكمل: اوعي تزعل منه، ده طيب أوي، وعسول خالص، بس ساعات لما بيخاف بيعمل كدة من حبه فينا.
ثم ضحكت وهي تسأل صغيرها: يا ترى هتطلع بتحب الحركة والخروج زي ماما؟ ولا هتطلع كاريزما زي بابا؟ ولا هتخلينا نتخانق عليك؟
أنهت تجهيز نفسها، فلم تكن تحب المبالغة في الزينة، واكتفت بلمسات بسيطة.
في تلك اللحظة خرج سليم من المرحاض، وما إن رآها جالسة أمام التسريحة، حتى اتسعت عيناه وصاح: إيه إللى قومك من علي السرير؟
ضحكت وهي تشير بيدها: دي مسافة صغيرة أوي يا سليم، متأفورش.
نظر إليها بضيق: يعني إيه مسافة صغيرة؟! أنتِ بتستهبلي؟
توقفت تحيط عنقه بدلال: وحياة ربنا أنا كويسة، وبعدين دول 10 خطوات بالظبط، وعلى فكرة الدكتورة أكتر من مرة إني أقدر أتحرك للحمام وفي الاوضه عادي، أنت اللى خواف بزياده.
ظلت ملامحه عابسه، فقرصت وجنته بدلال: خلاص بقى يا سليم، بطل تكشير يا كرملتي..
ثم قبلته على خده: يلا نروح نشوف النونو؛ جسور الصغنن.
أخرج زفيرا طويلا: ماشي يا ماسة.
ثم حملها بين ذراعيه كعادته، فابتسمت وهي تحيط عنقه، وهي لا تتخيل اللحظه التي ستغادر فيها الفيلا وتري فيها الشوارع من زجاج السياره.
لكنه فاجأها باتجاهه إلي جناح آخر بدلا من باب المنزل!
عقدت حاجبيها باستغراب: إيه ده؟ إحنا رايحين فين؟
أجابها موضحا: هنستنى الدكتورة، هي خلاص تقريبا وصلت.
عقدت حاجبيها نعدم فهم: نستناها فين؟ مش فاهمه؟!
ابتسم بخفه: استني، عاملك مفاجأة حلوة.
قالت بتذمر: مفاجأة كده هنتأخر على الدكتورة.
توقف أمام إحدى الغرف، ثم فتح الباب، فتجمدت ماسة من الصدمه.
فقد كانت الغرفة مجهزه بالكامل، وتحتوي علي؛ سرير طبي، وجهاز سونار، وأجهزة طبية مختلفة وكأنها غرفة صغيرة داخل مستشفى.
فتحت فمها من شدة الصدمة: إيه إللى انت عامله ده؟
ابتسم: إيه؟ المفاجأة معجبتكيش؟
حدقت فيه بصدمة أكبر فقط فقد كسر جميع آمالها في الخروج، فقالت بتزمر: لا وحشة جدا! دي بشعة!
ثم أشارت إلى الغرفة: أنا عايزة أروح للدكتورة في عيادتها، مش العيادة هي إللي تيجي عندي!
ادخلها ووضعها علي الفراش برفق، وكأنه لم يسمع اعتراضها.
نظرت إليه بعتاب وخيبة امل: حرام عليك يا سليم، كان نفسي اخرج.
جلس بجوارها: أطمن عليكي الأول وبعدها أعملك إللي أنتِ عايزاه.
ثم ابتسم وتابع: لازم أعالج فرط الحركة إللي فيكي ده.
تنهدت باحباط: حرام عليك بجد، حطمت كل طموحاتي، إنا كنت متخيلة إننا هنروح نطمن علي النونو، وبعدها وإحنا راجعين تاخدني نتعشى بره وتجيبلي ورد، ونروح سينما، ونرقص على أغنية، وعملت فيلم كامل في خيالي..
أضافت بتزمر وهي تضربه بكتفه: بس انت ضيعت كل حاجة..
ابتسم وربت على يدها.: حاضر، هنعمل كل إللي في خيالك، بس بعد ما الدكتورة تطمنا.
وفي تلك اللحظة، دخلت الطبيبة ومعاها سعدية: مساء الخير، آسفة إني اتأخرت.
وقف سليم: لا أبدا، اتفضلي.
ابتسمت الطبيبة لماسة: إزيك يا مدام ماسة؟ عاملة إيه؟
ردت بابتسامة: الحمد لله.
ساعدها سليم على الاستلقاء.
نظرت الطبيبة حولها: كله جاهز؟
اوما سليم: أيوة، كله تمام.
وقبل أن ينادي على الممرضة، كانت قد دخلت بالفعل.
الممرضة: آسفة على التأخير.
ابتسم سليم: ولا يهمك، بس خليكي موجودة، علشان لو الدكتورة احتاجت حاجة.
بدأت الطبيبة في تجهيز السونار، بينما كان سليم يساعد ماسة في كل شيء، حتى إنه لم يسمح لأحد أن يلمسها ما دام يستطيع أن يقوم بالأمر بنفسه.
وضعت الطبيبة الجل على بطنها، ثم مررت جهاز السونار.
كان سليم يكاد يتوقف قلبه من التوتر، حتى سعديه ايضا كانت تدعو الله في سرها ان يكون الطفل بخير، وان تكون تجاوزت تلك المرحله، أما ماسة فكانت هادئة، لأنها لا تعرف الحقيقة كاملة.
ابتسمت الطبيبة وهي تنظر إلى الشاشة: الحمد لله، الأمور بقت أحسن بكتير وخلاص الاضطرابات اللي كانت في الرحم مبقتش موجوده، يعني الوقعه اللى كنت متخوف منها يا سليم بيه مبقتش مشكله قلق حاليا، والحمل الحمد لله استقر بشكل كبير، نقدر دلوقتي نزود الحركه شويه، لكن طبعا ممنوع طلوع السلالم، أو الجري، أو شيل الحاجات التقيلة، والعلاقة الزوجية طبعا لسة ممنوعة.
تنفس سليم وسعديه الصعداء فور الاستماع الي حديثها، بينما تساءلت ماسه بابتسامه: يعني خلاص يا دكتورة، ابني كويس والوقعه مأثرتش عليه، الحمد لله؟
اومات: ايوه الحمدلله، نموه كويس جدا.
ماسة بحماس: يعني أتحرك، وأخرج، وأتمشى عادي؟
سعدية بتهكم: يا اختي مسروعه على الجري والتنطيط، اكبري بقى
بينما تبسمت الطبيبة: أيوة ياماسة اتحركي بس بالعقل، هنكمل علي حقن التثبيت أسبوع كمان، مع الأدوية.
ظل سليم ينظر إلى الشاشة: حضرتك متأكدة إن كل حاجة تمام؟
ابتسمت الطبيبة: ايوه متأكدة، زى ما أنا شيفاك دلوقتي كده.
أمسكت ماسه يده بلطف: شوفت بقى يا بابي سليم، أنا وهو بقينا كويسين اهو الحمد لله، بطل بقي تخاف علينا.
ابتسم لها، وقبل جبينها براحه: الحمد لله، أنا كده اطمنت.
سعدية بسعادة: الحمد لله يا بنتي، الحمد لله والشكر ليك يا رب، انت لازم تدبح حاجه ياسليم وتفرقها لله.
اومأ لها: حاضر
ثم نظر إلى الشاشة واضاف بابتسامة مترقبه: هو ممكن أسمع دقات قلبه؟ وأشوفه؟
ابتسمت الطبيبة: طبعا.
ضغطت زر التشغيل، وامتلأت الغرفة بصوت دقات قلب الصغير.
وأشارت الطبيبه إلى الشاشة: هو هناك اهو.
حدق في الشاشة، بعينان تمتلئان بالدموع، وبدات دقات قلبه تتصارع وهو يستمع الى دقات قلب طفله الذي ظل ينتظره لسنوات، نعم استمع لدقات قلبه من قبل ولكن تلك المره كانت مختلفه فلم يكن تسجيلا إنما كان يستمع إلي دقات قلبه مباشرة
هبطت دموعه، ومد يديه ببطء يحرك اصابعه علي الشاشه، وهو يقول بنبرة مهتزه: ده ابني!
اومات الطبيبة: ايوه.
ردد سليم بفرحه متأثر بفكر أنه أخيرا سيصبح ابا: الحمد لله الحمدلله
لاحظت ماسة ذلك، فتأثرت هي الأخري وهبطت دموعها، وقبضت على يديه تعطيه دعما وحبا.
مسح دموعه بسرعة وقال وهو يضحك: أنا مش هعيط، إحنا هنفرح بس.
ابتسمت ماسة وعيناها تلمعان بالدموع: أيوه، هنفرح بس.
أنهت الطبيبة الفحص، ثم قالت: حمد لله على سلامتك يا مدام ماسة، كده أنا خلصت، والمتابعة الاسبوع الجاي إن شاء الله.
أومأ سليم: تمام.
غادرت الطبيبة، وتبعتها الممرضة.
بينما ساعد سليم ماسة في ترتيب ملابسها، وأطلقت سعديه زغروطه مهلله، قبل أن تقترب من ابنتها وتربت على صدرها: مبروك يا حبيبتي، ربنا يكملك على خير يارب، بس برضو خليكي هاديه كده ومتعمليش شقاوة، ده جاي بعد شوقه.
تبسمت ماسه: حاضر يا ماما.
توقفت ماسة امامه وتسالت بدلال: خلاص اطمنت، وهتفكها عليا بقى؟
ابتسم، وأحاط خصرها بذراعيه: أوعي تكوني فاكرة إني كنت بعمل كده رزالة، أنا كنت خايف عليكي.
ابتسمت وربتت على صدره: عارفة والله.
ثم قالت بحماس: نفسي بقى ننزل نجيب لبس للنونو ونفرح، زي ما عملنا مع حو..
صمتت فجأة، وكأنها لا تريد استحضار ذكرى مؤلمة.
فربت على يدها: هنجهز كل حاجة، بس نعرف نوعه الأول، عشان نختار لون الأوضة وكل حاجة.
أومأت بابتسامة: ماشي.
حملها سليم بين ذراعيه فجأة، فنظرت بتذمر: إيه ده بقي، مش الدكتوره لسه قايله اتحركي عادي.
ابتسم بخبث وهو يردد بمرح: وأنا من امتي بعترف بكلام الدكاترة يا قطعه السكر؟ أنا قلبي دليلي.
ثم التفت وهو يتحرك بها نحو غرفتها: تعالي ورانا يا ماما سعدية...
ادخلها الغرفه، وانزلها برفق علي الفراش، ووقف أمامها واضعا يديه في جيبيه: على فكرة، الدكتورة قالت أسبوع كمان نكمل احتياط.
تذمرت بضيق: متبقاش رخم يا سليم.
عقدت ذراعيها أمام صدرها: والله العظيم قالتلي أمشي عادي.
دخلت سعدية تضحك: يا بنتي اقعدي شوية واهدي وبطلي فرك
تنهدت باحباط: أنا مش عارفة إنتم الاتنين اتجمعتوا عليا ليه! الله يسامحكم.
التفت سليم إلى سعدية وغمز لها: خدي بالك منها يا ماما سعدية، هروح أعمل حاجة وراجع علطول، اياكي تساهيكي وتتحرك.
تابع وهو ينظر لها كانه متفق معاها على شيء:: وما تخليهاش تتحرك... ها؟
ضحكت سعدية بمرح: متقلقش هربطها في السرير لو قامت.
فتحت ماسة فمها بصدمة: أنت معايا ولا معاه؟ أنا اللى بنتك مش هو.
انفجر سليم ضاحكا، وانحنى يقبل رأس سعدية قاصدا اغاظتها، بينما قالت سعدية بمرح: الله أكبر من عينك الزرقا اللي بتحسدنا، سليم ده ابني اللى مخلفتوش.
ربت علي كتفه بابتسامه: روح يا حبيبي شوف عايز تعمل ايه ومتخافش، أنا قاعدلها.
نظرت إليهم ماسه كجرو حزين، تجمع عليه الأشرار وحرموه من سعادته البسيطه، بينما توقف سليم بابتسامه: كده أنا اطمنت، اشوفك كمان ساعه يا قطعه السكر!
غادر سليم، بينما نظرت ماسه لسعديه بغيظ: هاتيلي مانجا يا ماما، نفسي فيها.
التفتت إليها سعدية: المانجا غلط عليكي يا ماسه، فيها أملاح.
ضمت شفتيها بتدلل: علشان خاطري، نفسي فيها أوى، يرضيكي ابن بنتك يطلعه منجايه في قفاه؟
هزت رأسها بيأس: أنا عارفه مش هخلص من زنك، حاضر، هجيبلك حتة صغيرة، بس والله لو رجعت ولقيتك اتحركتي من مكانك، هزعقلك.
قالت كلماتها وغادرت، بينما بقيت ماسه تحدق أمامها بملامح عابثه، قبل أن تلتق هاتفها وتجري اتصالا: ألو دكتور ياسر؟
جاءها صوته من الطرف الآخر: أيوه يا ماسة، خير؟
تنهدت بقلق: في مشكلة مش عارفه اتصرف فيها أزاي، أنا حاسة إن سليم بدأ ينتكس تاني.
تذكرت حصاره لها الفتره السابقه وتمتمت: بس الانتكاسه المره دى صعبه أوي!
ساد الصمت لثانية، ثم قال بهدوء: حصل إيه؟ احكيلي بالراحة.
القت نظره علي الباب قبل أن تتنهد وتقول: حاضر، هحكيلك..
المشفى التي تمكث بها مي،4م.
انتهي الطبيب من فحص مي للمرة الأخيرة، وقال بابتسامة: حمد لله على السلامة يا مي، مش عايزين نشوفك هنا تاني بقي غير في الخير إن شاء الله.
اومأت بابتسامه: شكرا يا دكتور.
بينما تسأل رشدي بقلق: حضرتك متأكد إنها بقت كويسة؟
اومأ الطبيب: أكيد، هي اصلا بقالها كام يوم حالتها مستقرة، وأنا قولتلك قبل كده إنها تقدر تكمل علاج في البيت، بس أنت إللي أصريت تفضل كام يوم زيادة عشان تطمن، كل إللي مطلوب دلوقتي إنها تلتزم بالأدوية دي، وترتاح وإن شاء الله هتبقى زي الفل، عن إذنكم.
وعقب خروج الطبيب، نظرت إليهم بابتسامه: أطلعوا بره بقي خلوني أساعدها تلبس.
اقترب رشدي منها ومسح علي كتفها: حبيبتي أنا هروح أخلص الحساب، وأخليهم يحضروا العربية علي ما تجهزي ماشي؟
اومأت له، وكاد أن يتحرك ولكن اوقفه صوت راشد: رشدي...
التفت إليه باستغراب من بنبرته، بينما تابع راشد بحزم: أنا طول الفترة إللي فاتت كنت ساكت، ومش عايز أعمل مشاكل علشان خاطر مي، لكن بنتي هتخرج من هنا علي بيتي، اعتقد كفايه أوي اللى حصلها لحد كده..
تفتكروا والد مي يقصد ايه بالكلام ده؟
ورد فعل رشدي هتبقي إيه