
ليلى
فتحت عيني بتثاقل على صوت المنبه.
مديت إيدي أقفله، وحاولت أقوم من السرير... لكن حسيت إن في حاجة مكتفاني.
بصيت جنبي.
ولقيت إيد مروان مرمية على بطني، ورجله فوق رجلي كمان!
بصيتله بغيظ وأنا بحاول أبعده.
— إيه ده؟ هو بيصارع ناس في أحلامه ولا إيه؟
وبعد محاولات أخيرًا حررت نفسي منه.
قومت وقفلت المنبه، ودخلت الحمام أجهز للشغل.
ولما خلصت، رجعت الأوضة عشان أصحيه يذاكر زي ما اتفقنا.
قربت من السرير وبدأت أخبطه على كتفه.
مرة...واتنين..وتلاتة...
لحد ما فتح عيونه بالعافية وهو بيفركهم وقال بصوت ناعس:
— في إيه؟ الحرب قامت ولا إيه؟
عقدت دراعاتي وبصيتله بغيظ:
— الحرب قامت من ساعة ما نمت جنبي على السرير!
بصلي بعدم فهم.
فكملت:
— قوم يلا، الساعة بقت تمانية وأنا لازم أروح الشغل.
أول ما سمع كلمة الشغل، اعتدل في قعدته فجأة وقال:
— انتي هتروحي لوحدك؟
هزيت راسي بتأكيد.
— آه، هركب مواصلات عادي.
بصيت في الساعة بسرعة وقلت:
— يلا بقى عشان اتأخرت... وفي مربى في التلاجة، ابقى افطر بيها.
لقيته نزل من على السرير وقال وهو بيمط جسمه:
— اديني دقيقتين وأكون جاهز أوصلك.
بصيتله بطرف عيني وقلت:
— وأنا طفلة يعني؟ مش هعرف أروح شغلي لوحدي؟
ضحك وهو بيتجه للدولاب:
— قولتلك قبل كدا... انتي فعلًا طفلة يا ليلى.
ضيقت عيني وبصيتله بتهديد:
— طيب، الطفلة دي هتوريك دلوقتي إزاي تروح شغلها لوحدها.
لفيت عشان أمشي.
لكن فجأة حسيت بإيده ماسكة إيدي.
شدني ناحيته خطوة وهو بيقول:
— تروحي الشغل لوحدك لما يبقى عندي قرنين.
بصيتله بعدم استيعاب:
— انت مالك يا بني؟ أنا بقالي سنين بروح شغلي لوحدي، إيه الجديد؟
ساب إيدي واتجه يطلع هدومه وهو بيقول ببساطة:
— الجديد إنك مراتي.
اتجمدت مكاني لحظة.
أما هو فبدأ يجهز هدومه بمنتهى الأريحية.
فلفيت وشي الناحية التانية وأنا بقول بضيق:
— قليل الأدب!
ضحك بخفة وكمل:
— يعني مسؤوليتي... ومش هسيبك تروحي لوحدك طالما أنا موجود.
وسكت ثانية قبل ما يضيف:
— القاهرة زحمة، والناس فيها أشكال وألوان. وأنا هبقى مطمن أكتر لما أوصلك بنفسي.
معرفتش أرد.
وفجأة حسيت إن الكلام طلع منه بعفوية شديدة.
كأنه فعلًا شايف إن ده واجبه.
سرحت شوية...لكن انتبهت لما حسيت إن الصوت اختفى فجأة.
اتلفت.
واتخضيت!
لقيته واقف قريب مني جدًا.
حطيت إيدي على قلبي بسرعة وقلت:
— خضيتني!
ابتسم وهو بيقرب خطوة صغيرة وقال:
— سلامتك من الخضة.
بلعت ريقي بتوتر.
هو الطفل ده بيعمل كدا ليه؟
حسيت بحرارة غريبة في وشي، فلفيت بسرعة وخدت شنطتي من فوق الكرسي.
وقلت وأنا متجنبة أبصله:
— يلا... عشان أنا فعلًا اتأخرت.
ومش عايزة أقولكم...طول الطريق وهو بيحركني من حتة لحتة كأني طفلة ضايعة في مول!
— تعالي هنا عشان متخبطيش في حد.
وبعدها بدقيقة:
— لا لا... روحي الناحية دي.
وبعدها:
— خليكي بعيدة شوية.
وبعدين:
— استني، امسكي إيدي.
بصيتله بغيظ وقلت:
— أمسك إيدك ليه؟
رد بمنتهى البساطة:
— عشان الزحمة.
وكأنه قال أعظم حجة في التاريخ!
فضلت ماشية جنبه وأنا حاسة إني محتاجة أخبطه في أول عمود أقابله.
كل شوية يبص حواليه.
وكل شوية يوصيني على حاجة.
لدرجة إني بدأت أشك إنه ناسي إني عشت لوحدي في القاهرة سنين قبل ما يعرف يربط الجزمة بتاعته!
وأخيرًا...وصلنا قدام الشركة.
وقفت وأنا بأعدل شنطتي على كتفي.
أما هو فوقف قدامي وشاور بإصبعه وقال بجدية:
— خدي بالك من نفسك.
بصيتله بطرف عيني وقلت:
— أقسم بالله لو مذاكرتش كويس هوريك هعمل فيك إيه.
ضحك وهو بيهز راسه.
فاتجه يمشي.
لكن قبل ما يبعد عليت صوتي وقلت:
— ولما أرجع هسمعلك سطر سطر!
لف وبصلي وهو بيضحك.
فكملت وأنا بشاور عليه:
— انت حر بقى!
رفع إيده باستسلام وهو بيبعد أكتر.
أما أنا ففضلت واقفة أبصله لحد ما اختفى من قدامي وسط الناس.
وساعتها...معرفش ليه ابتسمت.
ورجعت أتمتم لنفسي وأنا داخلة الشركة:
— ربنا يستر على الواد ده مني.
______________
مروان
كنت حاسس بخفة غريبة وأنا راجع البيت.
مشيت في الشارع وابتسامة صغيرة مرسومة على وشي من غير ما أحس.
طلع إحساس الجواز أحلى بكتير مما كنت متخيل.
وإحساس المسؤولية اللي الناس دايمًا بتخوفنا منه... مش وحش.
بالعكس.
بيخليك تحس إن في حد مهم عندك.
حد مستنيك.
وإن وجودك بيفرق في حياته.
اتنهدت وأنا بافتكر اليومين اللي فاتوا.
ضحكتها.
خناقها معايا.
تهديداتها المستمرة ليا بسبب المذاكرة.
حتى طريقتها وهي بتبصلي باستنكار كانت بتضحكني.
أي حاجة ليها علاقة بليلى كانت كفاية إنها تحسن يومي كله.
لكن الابتسامة اختفت بالتدريج.
لما افتكرت الحقيقة اللي مستنياها.
حق أبوها.
والوجع اللي شايلاه جواها من سنين.
قبضت على إيدي بغضب.
وقلت لنفسي:
— مش هسيبها تواجه كل ده لوحدها.
لكن في نفس اللحظة...
خبطتني حقيقة تانية.
إنها أصلًا مش بتحبني ...ولا حتى شايفاني زوج.
كل ما أبص في عيونها ألاقي نفس النظرة.
نظرة بتقول إني مجرد طفل.
طفل! طفل إيه اللي عنده تمنتاشر سنة؟
ابتسمت بسخرية من نفسي.
أنا بالنسبة لها الواد الصغير اللي محتاج يذاكر.
واللي لازم يتشتم كل يوم عشان يفتح كتاب.
على الرغم من إنها مصدر سعادتي...
إلا إنها في أوقات كتير كانت مصدر حزني كمان.
لكن أنا مش ناوي أستسلم ...يمكن دلوقتي متحبنيش.
بس يوم من الأيام...هخليها تشوفني بعين مختلفة.
وأول ما وصلت البيت، رميت مفاتيحي على الترابيزة ومسكت تلفوني.
ساعتها بس خدت بالي من كمية المكالمات اللي عندي.
كلها من صاحبي اللي كنت مكلفه يدور على فارس.
قلبي انقبض فجأة.
اتصلت بيه فورًا.
وبعد ثواني رد.
أول ما فتح الخط سمعته بيقول بعصبية:
— إيه يا مروان؟ من امبارح بتصل بيك ومش بترد!
مسحت على شعري بتوتر وقلت:
— معلش يا عم، سافرت القاهرة والدنيا اتلخبطت وممسكتش التلفون.
اتنهد وقال:
— سيبك من ده... فارس مش لاقيينه.
اتجمدت مكاني.
— يعني إيه مش لاقيينه؟
رد بصوت أوطى:
— يعني مش موجود في البيت... والعيال اللي كان ماشي معاهم بيقولوا إنهم مشافهوش من يومين.
بدأت ألف في الصالة بقلق.
— راح فين يعني؟
رد:
— معرفش... إحنا بندور عليه في كل مكان.
بلعت ريقي بصعوبة.
وشريط آخر مرة شوفته فيها بدأ يعدي قدام عيني.
الخناقة نظراته ...وسكوته الغريب.
رفعت التلفون تاني بسرعة وقلت:
— بلغتوا البوليس؟
رد بتردد:
— لا... لسه. خايفين يكون راح عند حد ولا حاجة ونبلغ على الفاضي.
وقفت مكاني فجأة.
وقلت بغضب:
— فارس عمره ما بيغيب كده.
خصوصًا وهو عارف إن أمه بتقلق عليه.
أكيد في حاجة حصلت.
بلغوا فورًا.
وأنا هرجع البلد في أقرب وقت.
قفلت المكالمة.
وبقيت واقف في نص الصالة لوحدي.
قلبي بيدق بعنف.
وعقلي بيرسم ألف احتمال واحتمال.
لكن كان في سؤال واحد مسيطر على كل حاجة:
__فارس... إيه اللي حصل لك؟
_______________
ليلى
أول ما دخلت المكتب،
لقيت فريدة نطّت من مكانها وهي بتقرب مني وتحضنّي بقوة وهي بتقول:
— كده تسيبيني كل المدة دي؟ أخس عليكي!
كحّيت وأنا بحاول أفلت من حضنها وقلت:
— يخربيتك، هتخنقيني!
ضحكت وسابتني أخيرًا، وبعدين قعدت قدامي وهي بتقول بحماس:
— دلوقتي حالًا هتحكيلي كل حاجة بالتفصيل!
اتنهدت وبدأت أحكيلها عن الجواز، وعن المشاكل اللي حصلت، وعن كتب الكتاب والسفر... وطبعًا ما جبتش سيرة مرات عمي ولا أي حاجة من اللي سمعته.
كانت قاعدة تسمعني باندماج كأنها بتتفرج على مسلسل.
وأول ما خلصت، حطت إيدها تحت دقنها وقالت:
— لا لا لا... ده مش جواز، ده فيلم هندي كامل الأركان!
ضحكت غصب عني وقلت:
— والله أنا نفسي حاسة إني عايشة في كابوس.
رفعت حاجبها بخبث وقالت:
— طيب قوليلي... بتحبيه؟
بصيت لها باستغراب وقلت:
— هو مين؟
غمزت وهي بتقول:
— مروان طبعًا.
فتحت عيني بصدمة وقلت بسرعة:
— مروان مين اللي أحبه؟ ده طفل!
شهقت وكأنها سمعت مصيبة:
— طفل إيه يا بنتي؟! ده أصغر منك بخمس سنين بس!
هززت راسي بعناد وقلت:
— مستحيل. مروان؟! ده أنا كنت بشيله وهو صغير، أروح أحبّه إزاي؟
ردت ببرود وهي بتقلب قلم بين صوابعها:
— ماشي يا ستي، سيبك من الحب دلوقتي... قوليلي بس، شايفاه حلو؟
بصيت لها بغيظ وقلت:
— لِمّي نفسك بدل ما أقول لجوزك اللي قاعد جوه إنك قاعدة تقيمي الرجالة.
ضحكت بصوت عالي وقالت:
— يا بنتي افهمي! أنا مش بسألك عشان أخطفه منك. بسأل إذا كنتِ شايفاه وسيم ولا لأ.
فتحت بوقي أرد، لكن الكلام وقف في زورّي فجأة.
افتكرت شكله وهو واقف يوم كتب الكتاب بالبدلة السودة...
وافتكرت نظراته وهو بيبصلي عند باب الجنينه...
ولما كان بيربطلي شعري...
ولما قال:
"لو مش هشغل بالي بيكي هشغل بالي بمين؟"
حسيت فريدة بتضيق عينيها وهي بتراقبني.
وفجأة ضربت المكتب بإيدها وهي بتقول بانتصار:
— آهاااا! السكوت ده لوحده إجابة!
بصيت لها بسرعة وقلت:
— لا طبعًا!
ضيقت عينيها وهي بتسند بمرفقها على المكتب وقالت:
— عيني في عينك كده وقوليها.
حاولت أبص لها ثواني، لكن لقيت نفسي ببعد عيني تلقائيًا وقلت بتوتر:
— هو... آه، عيونه عسلي، وشعره منعكش، وبشرته قمحاوية...
سكت لحظة قبل ما أكمل بسرعة:
— وابتسامته ممكن تدوب أي بنت... لكن لا!
ما إن خلصت كلامي، إلا وصوت ضحكتها ملأ المكتب كله.
كانت بتضحك لدرجة إنها مسكت بطنها وهي بتقول:
— يا نهار أبيض! انتي وقعتي يا ليلى ومحدش سمّى عليكي!
بصيت لها بغيظ وقومت من مكاني وأنا بقول:
— انتي عايزة تقنعي نفسك بحاجة مش موجودة أصلًا!
واتحركت ناحية الشباك وأنا بكمل:
— وبعدين دي فترة وهنتطلق... مفيش مجال للحب أصلًا.
سكتت فريدة للحظة، والابتسامة بدأت تختفي من وشها.
كملت وهي بتعقد دراعاتها:
— أنتي بتحاولي تقنعي نفسك بالحاجة دي أكتر ما بتحاولي تقنعيني أنا.
اتضايقت من كلامها وقلت بسرعة:
— لأن دي الحقيقة.
هزت كتفها ببساطة وقالت:
— يمكن.
وبعدين ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي بترجع لكرسيها:
— أما نشوف يا ختي...
نفخت بضيق ورميت عليها قلم كان على المكتب.
فمسكته وهي بتضحك وقالت:
— اهو! دي حركة واحدة واقعة في الحب رسمي.
— فريدة!
— خلاص خلاص... سكت أهو!
لكنها فضلت مبتسمة، وأنا رجعت أقعد مكاني وأنا بحاول أركز في الشغل...
ومش عارفة ليه، كل ما أفتكر كلامها، صورة مروان كانت بتيجي في دماغي غصب عني.
أخيرًا خلصت شغلي، ولمّيت حاجتي وخرجت من الشركة وأنا حاسة إن اليوم كان أطول من اللازم.
كنت مستعدة أركب مواصلات وأرجع البيت، لكن أول ما خرجت وقعت عيني على مروان.
كان واقف مستنيني.
وقفت مكاني ثواني أبصله وكأني بتأكد إنه موجود فعلًا.
وبعدين اتحركت ناحيته وأنا بقول باستغراب:
— انت عرفت إني خلصت شغل إزاي؟
رفع حاجب وهو بيقول بثقة مصطنعة:
— مصادري الخاصة.
ضيقت عيني وأنا بضحك:
— آه طبعًا... مصادرك.
ابتسم وهو بياخد مني الشنطة، واتحركنا ناحية العربية.
في الأول كنت فاكراه هيبدأ هزاره المعتاد، لكن الغريب إنه كان ساكت أغلب الطريق.
وشه هادي، بس واضح إن فيه حاجة شاغلاه.
بصيت له شوية قبل ما أسأله بقلق:
— مالك؟ شكلك متضايق.
سكت لحظة، وبعدين شبك إيده في بعض واتنهد تنهيدة طويلة.
وقال بصوت واطي:
— فارس... صاحبي مش لاقيينه.
اتعدلت في قعدتي وبصيت له باهتمام:
— فارس؟ اللي كنت بتحكيلي عنه؟ صاحبك من وإنت صغير؟
طلع ابتسامة باهتة وقال:
— أيوه... هو.
وبعدين بص من الشباك وهو بيكمل:
— بقاله كام يوم مختفي. محدش عارف هو فين، ومبيردش على حد.
حسيت بالقلق من نبرة صوته.
كان بيحاول يبان متماسك، لكن واضح إنه خايف.
فقلت بهدوء:
— يمكن يكون عند حد أو مسافر من غير ما يقول؟
هز راسه بالنفي فورًا وقال:
— لا... فارس مش بيعمل كده.
وسكت ثانية قبل ما يكمل:
— خصوصًا إنه عمره ما يسيب أمه قلقانة عليه بالشكل ده.
نزلت عيني عليه لقيت قبضته مشدودة.
وكأنه بيحارب ألف احتمال في دماغه.
بعدها لف ناحيتي وقال بحسم:
— أنا لازم أرجع البلد.
يتبعععع