
ليلى
قال آخر كلمة وإحنا بننزل من العربية بعد ما وصلنا البيت.
بصيت له شوية، وبعدين قلت بهدوء:
— آه... أكيد.
وقف مكانه وبصلي بنظرة طويلة قبل ما يسأل:
— هتيجي معايا؟
حمحمت بخفة وأنا بظبط شنطتي على كتفي وقلت:
— انت عارف ظروفي يا مروان.
سكت ثانية وكملت:
— شغلي أصلًا لسه موافق بالعافية على الإجازة اللي أخدتها، ولسه ملحقتش أرتب أموري عشان آخد إجازة طويلة تاني.
كان بيسمعني في الأول، لكن ملامحه بدأت تقفل تدريجيًا.
فكملت بسرعة:
— وبعدين أنا معنديش رفاهية إني أسيب الشغل كده. ده مصدر دخلي الوحيد، وأنا مسؤولة عن نفسي وعن ماما وفتون.
هز راسه مرة واحدة، لكن قبل ما أكمل كلامي استدار ودخل العمارة من غير ما يقول حرف.
وقفت مكاني مصدومة.
وبصيت لظهره وهو بيبعد.
— هو أنا قلت حاجة غلط؟
تمتمت بيها لنفسي وأنا طالعة وراه.
أنا فعلًا قلت حاجة غلط؟
ما أنا مقولتش إني مش عايزة أروح.
ولا قولت إني مش مهتمة بفارس.
بالعكس... كنت قلقانة عليه زيه.
لكن الشغل بالنسبالي مش رفاهية أسيبها وقت ما أحب.
دي الحاجة الوحيدة اللي واقفة بيني وبين إني أمد إيدي لحد.
والحاجة الوحيدة اللي بقدر أصرف منها على نفسي وعلى ماما وأختي.
طلعت السلم وأنا حاسة بضيق غريب.
كل مرة أتكلم فيها عن الشغل، مروان بيتغير.
كأنه شايف إني باختاره عليه.
مع إن الحقيقة عمرها ما كانت كده.
أول ما دخلت الشقة، لقيته واقف عند الشباك ومديني ضهره.
واضح إنه زعلان ...وزعلان أوي كمان.
اتنهدت بضيق وأنا بحط الشنطة على الكرسي وقلت:
— مروان...
لكن المرة دي، هو اللي سكت.
وساب بينا مسافة أكبر بكتير من مجرد كام خطوة.
اتنهدت بضيق وقربت منه وأنا بعقد دراعاتي وقلت:
— أنا مش فاهمة انت متضايق ليه دلوقتي؟
لف ناحيتي ببطء.
كانت ملامحه هادية، لكن عيونه كانت بتقول غير كده تمامًا.
وقال بنبرة حادة شوية:
— أنا مش متضايق.
رفعت حاجبي بعدم اقتناع.
فكمل وهو بيضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح:
— وانتي عندك حق طبعًا... شغلك هو مصدر دخلك الوحيد.
هز راسه وهو بيكمل:
— فأكيد مش هتسيبيه عشاني.
قبل ما أعرف أرد، كان اتحرك من قدامي.
عدّى جنبي واتجه ناحية أوضته.
وعند الباب وقف ثانية من غير ما يبصلي.
وقال:
— لو صحيتي بكرة وملقتينيش...
سكت لحظة.
ثم أكمل بهدوء:
— يبقى رجعت البلد.
ودخل الأوضة وقفل الباب وراه.
أما أنا...ففضلت واقفة مكاني.
ببص للباب المقفول.
وحاسة إن بين كل كلمة قالها وكلمة قولتها...
كان فيه كلام تاني كتير محدش فينا عرف يقوله.
________________
مروان
مكنتش متخيل إن الموضوع هيوجعني بالشكل ده.
أنا أصلًا مطلبتش منها تسيب الشغل.
ولا طلبت منها تضحي بحاجة عشانّي.
كنت بس... مستني منها كلمة.
أي كلمة.
كلمة تحسسني إنها عايزة تبقى معايا في الوقت الصعب ده.
إنها هتحاول .. إنها مهتمة.
إن وجودها جنبي مهم زي ما وجودي جنبها مهم.
سندت راسي على السرير وقفلت عيني بإرهاق.
وأول مرة أحس إن قلبي تقيل بالشكل ده.
مش عشان رفضت تيجي.
لا...عشانها حتى مفكرتش للحظة إني ممكن أكون محتاجها.
من يوم ما عرفنا موضوع عمي توفيق وأنا بقولها:
"أنا معاكي." "مش هسيبك.""هناخد حقه سوا."
وكنت مقتنع بكل كلمة بقولها.
لكن لما جه دوري أنا...لما صاحبي اختفى ومبقتش عارف إذا كان عايش ولا حصله حاجة...
حسيت إني لوحدي.
مررت إيدي في شعري بعصبية.
وحاولت أطرد الأفكار من دماغي.
لكنها كانت بتزيد.
أفكر في زعلي منها...
ولا أفكر في فارس اللي مختفي ومحدش عارف عنه حاجة؟
ولا أفكر في عمي شريف ومراته والكارثة اللي مستخبية وراهم؟
ولا أفكر في الامتحانات اللي قربت وأنا أصلًا مش مركز في حرف؟
ولا أفكر في مستقبلي اللي واقف في الضباب ومش شايف منه خطوة واحدة قدام؟
زفرت بقوة وأنا بسند راسي للخلف.
حاسس إن كل حاجة اتجمعت فوق دماغي مرة واحدة.
وفوق كل ده...كان في سؤال واحد بيرجع يوجعني كل شوية.
لو كنت مكان شغلها...هل كانت هتختارني؟
ولا أنا من البداية عمري ما كنت اختيار أصلًا؟
تاني يوم جه، وقومت من النوم وأنا ناوي أحضر هدومي وأرجع البلد.
لكن أول ما فتحت عيني، ملقتش ليلى جنبي.
تمتمت بضيق:
— أكيد راحت الشغل.
اتنهدت وقومت من على السرير، وبدأت أجهز شنطتي.
لغاية ما سمعت صوت الباب بيتفتح.
خرجت من الأوضة، فلقيت ليلى داخلة وهي شايلة أكياس.
بصيت لها بسخرية خفيفة وأنا راجع للأوضة وقلت:
— إيه؟ مروحتيش الشغل يعني؟ طردوكي ولا إيه؟
ردت وهي ماشية ورايا:
— لا يا خفيف... أخدت إجازة.
أول ما قالت "إجازة"، قلبي دق بطريقة غريبة.
سكت لحظة، وهي كملت:
— جبت فطار كمان... يلا نفطر قبل ما نتحرك.
وقفت مكاني وبصيت لها باستغراب:
— نتحرك؟
هزت راسها بتأكيد وقالت:
— آه. عرفت أظبط الدنيا وأخد إجازة كام يوم... وهروح معاك البلد.
حاولت أخفي الفرحة اللي ظهرت على وشي بالعافية، وقلت:
— بجد؟
ابتسمت وهي بتهز راسها:
— بجد.
قعدنا نفطر.
وأنا باخد لقمة من الطعمية سألتها:
— وإيه اللي غير رأيك فجأة؟
اتنهدت وقالت:
— حسيت إني زودتها شوية... وكأني فضلت الشغل عليك. فقولت أصلح الموضوع. بس متتعودش على كده.
رفعت عيني ليها وبصيتلها بتركيز:
— يعني مش عشان مثلًا... متقدريش على فراقي؟
اتوترت فجأة وهي بتشرب الشاي، وقالت بسرعة:
— لا طبعًا.
رفعت حاجب واحد وبصيت لها بشك.
أما هي ففضلت مركزة في الكوباية اللي في إيدها كأن فيها أسرار الكون كلها.
ابتسامة صغيرة غصب عني ظهرت على وشي.
وقلت وأنا بهز راسي:
— تمام... لا طبعًا.
رفعت عينيها ليا وقالت بتوتر:
— بقولك لا يعني لا.
سندت ضهري على الكرسي وقلت:
— وأنا صدقتك أهو.
ضيقت عينيها وقالت:
— شكلك مستفز الصبح.
ضحكت بخفة، ولأول مرة من يومين حسيت إن الحمل اللي فوق صدري خف شوية.
مش عشان هترجع البلد معايا وبس...
لكن عشانها اختارت تيجي.
اختارت تبقى جنبي.
يتبععع