
ليلى
بلعت ريقي وقومت وقفت.
فضلت ألف في الصالة رايحة جاية، وأنا ضاغطة على إيدي لدرجة إن صوابعي وجعتني.
كنت حاسة بعيون مروان متابعاني في كل خطوة.
مبيتكلمش مبيسألش بس مستني.
مستني اللحظة اللي أتكلم فيها.
وفجأة خرجت الكلمات من بين سناني:
— قتلته...
رفع راسه بسرعة.
فاتكلمت تاني وصوتي اتكسر:
— قتلته بدم بارد.
شوفت الصدمة وهي بتظهر على وشه.
قام وقف مرة واحدة وقال:
— مين؟
بصيتله ودموعي بدأت تنزل غصب عني.
لكن لساني كان رافض يكمل.
قرب مني خطوة وقال بهدوء:
— اهدي يا ليلى...
هزيت راسي بعنف.
— متقوليش اهدي!
عليت صوتي وأنا بحاول آخد نفسي:
— انت متعرفش أنا حاسة بإيه دلوقتي! متعرفش أنا جوايا عامل إزاي!
بدأت أمشي تاني بعشوائية.
— أنا حاسة إني عايزة أولع في الدنيا كلها!
بصلي بذهول وقال:
— ليه؟ مين اللي اتقتل؟
سكت.
سكت لدرجة إني كنت سامعة صوت أنفاسي بس.
كأن الكلمة نفسها تقيلة على لساني.
لكن فجأة سمعت صوته أعلى من قبل:
— ردي عليا يا ليلى! إيه اللي مخبياه؟
وقفت مكاني ...وبصيتله.
وبعدين قربت منه بسرعة.
كنت بترعش من الغضب.
من الوجع.
من الصدمة.
وخبطته بكفي على صدره وأنا بصرخ:
— ناهد!
اتجمد مكانه.
فكملت بصوت متقطع:
— ناهد قتلت توفيق!
شهق بعدم تصديق.
أما أنا فكنت خلاص فقدت السيطرة على نفسي.
— مرات عمك... قتلت أبويا!
رجع خطوة لورا من الصدمة.
وأما أنا فبدأت أخبطه بقبضتي على صدره وأنا بعيط بحرقة.
مش عشان هو السبب.
لكن عشان مكنش قدامي غيره أطلع فيه كل الوجع اللي جوايا.
— يتمتني وأنا عندي عشر سنين!
خبط.
— عشر سنين يا مروان!
خبط.
— وكانت عايشة وسطنا عادي!
خبط.
— بتاكل وتشرب وتضحك وكأن مفيش حاجة حصلت عاديي!
كان جسمي كله بيترعش.
شفايفي إيديا.
حتى رجلي ما بقتش شايلاني.
وحسيت إني هقع في أي لحظة.
لكن قبل ما يحصل...شدني مروان لحضنه.
بقوة.
كأنه خايف أتكسر بين إيديه.
فضلت أقاوم في الأول.
أحاول أبعد أخبطه ...أصرخ.
لكن مع أول ثانية حسيت فيها بالأمان...
انهرت ...انهرت بالكامل.!!
ودفنت وشي في صدره وأنا بعيط لأول مرة من سنين...
عيّاط طفلة فقدت أبوها من جديد.
قعد يملس على شعري بحنية...
حنية كنت فاقداها من تلتاشر سنة.
مقالش ولا كلمة وسابني أعيط.
سابني أطلع كل الوجع اللي شايلته جوايا سنين.
كانت شهقاتي هي الصوت الوحيد اللي مالي المكان.
ومع الوقت...بدأ نفسي ينتظم.
وبدأت دموعي تهدى بالتدريج.
رفعت راسي من على صدره.
وعيني محمرة.
مش عارفة من كتر العياط...ولا من كتر الغضب.
بصيتله وقلت بصوت متحشرج:
— عايزة آخد حق بابا يا مروان.
ثبت عينيه عليا للحظات.
وبعدين رفع إيده ومسح دمعة هربت من عيني.
وقال بهدوء وثبات:
— اسمها هناخد حق عمي.
اتسعت عيني شوية.
فكمل وهو بيربت على شعري:
— انتي مش لوحدك يا ليلى.
سكت ثانية.
ثم قال بنبرة كلها يقين:
— وأنا مش هسيبك.
لأول مرة من ساعة ما سمعت الحقيقة...
حسيت بحاجة من الطمأنينة.
حاجة بسيطة...لكنها كانت كفاية تسندني.
هزيت راسي بهدوء.
وأخيرًا بدأت أستوعب الموقف اللي إحنا فيه.
وأستوعب كمان...إني واقفة بين إيديه من وقت طويل.
اتوترت فجأة.
وخرجت من حضنه بسرعة.
وبعدت خطوة لورا وأنا بتجنب النظر ليه.
أما هو...فاكتفى بابتسامة صغيرة وهو شايف ارتباكي، من غير ما يعلق أو يحرجني أكتر.
قعدت وبدأت أحكيله كل حاجة.
من أول اللحظة اللي شوفت فيها مرات عمي في الجنينة...
لحد الجملة اللي قلبت حياتي كلها.
حكيتله عن الراجل.
وشكله وطريقة كلامه.
والفلوس اللي كانت بتديهاله
وإزاي استخبيت ورا الشجر عشان محدش يشوفني.
وإزاي سمعت اسم بابا.
كان مروان ساكت طول الوقت.
مقاطعنيش ولا مرة.
ولا حتى حاول يشكك في كلامي.
كان مركز مع كل كلمة بقولها.
وأول ما خلصت...سند ضهره على الكنبة وفكر شوية.
وبعدين قال بتركيز:
— كده إحنا محتاجين نوصل للراجل ده.
بصيتله باستفهام.
فكمل:
— لو قدرنا نوصله، ممكن يبقى معاه دليل عليها... أو على الأقل يثبت إنها كانت على تواصل معاه.
هزيت راسي بالموافقة وقلت:
— أيوة... بس هنوصل له إزاي؟
فضل ساكت ثواني بيفكر.
وبعدين قال:
— لازم نرجع بيت العيلة.
عقدت حواجبي باستغراب.
فكمل:
— هناك هنقدر نراقب اللي داخل واللي خارج.
ولو الراجل ده ظهر تاني، هنعرف شكله ونتبعه.
وسكت لحظة قبل ما يضيف:
— وكمان ممكن يبقى في حاجات تانية تساعدنا... مكالمات، رسائل، أي دليل يربطها بيه.
اتنهدت وأنا برجع راسي لورا.
حاسة إن دماغي هتنفجر من كتر التفكير.
وقلت بإرهاق:
— طيب سيبني أفكر شوية... حاسة إن دماغي هتتفرتك.
هز راسه بهدوء.
وكأنه فهم إني وصلت لآخر طاقتي.
وبعدين قال فجأة:
— تحبي نخرج؟
بصيتله باستغراب.
— نخرج فين؟
ابتسم وهو بيقوم من مكانه.
وفي عينيه لمعة خفيفة أول مرة أشوفها من ساعة ما وصلنا.
وقال:
— المكان الوحيد اللي بروحله لما أكون عايز أطلع كل اللي جوايا.
يتبععع