رواية قلبي يسطا الفصل السابع 7 بقلم هاجر عبد الحليم


رواية قلبي يسطا الفصل السابع 7 بقلم هاجر عبد الحليم


لم تزل رائحة الدم العالق من يد رضوان تعبق في المكان. كان يوسف واقفًا، صدره يعلو ويهبط، ودُرة ما زالت محاصرة بين ذراعيه على الحائط. كلمة "أنا بحبك يا يوسف" كانت لا تزال تتردد في أرجاء الورشة، حتى ظنّت المسامير أنها سمعتها.

لم يتكلم يوسف. فقط قرّب جبينه من جبينها، وأغمض عينيه لثانية، كأنه يوثق اللحظة، يحفظ صوتها وهي تنطقها.  

يوسف هامسًا بصوت مبحوح من ثقل ما يحمله:  

". إنتِ روح الأسطا يا دُرة.."

وقبل أن ترد، ارتج الباب الصاج بضربة قوية.  

صوت أجش:  

"شرطة! الكل يثبت مكانه!"

تحولت الورشة إلى ساحة فوضى. دلف أمين شرطة، وخلفه عسكريان، وخلفهم رضوان. ذراعه متجبسة، ووجهه يطفح بالحقد.  

رضوان وهو يشير إلى يوسف:  

"هو ده يا باشا! الأسطا يوسف! كسرلي إيدي وكان هيخلص عليا! وشوف... الدم بتاعي لسه على الأرض يشهد ع اللي حصل انجدوني منه انا عايز حقي ياحكومة!"

ابتعد يوسف عن دُرة بهدوء، ووقف أمامها، جاعلًا جسده حاجزًا بينها وبينهم.  

يوسف بصوت ثابت ورأسه مرفوعة:  

"تمام يا حضرة الأمين. أنا يوسف وكلامه فعلا حصل . أنا جاهز... اتفضل شوف شغلك."

تفحص الأمين المشهد: الدم، رضوان، يوسف.  

الأمين:  

"محضر تعدي وإحداث عاهة مستديمة. هتتفضل معانا على القسم حالًا."

اندفعت دُرة من خلف يوسف كالمجنونة، ووقفت أمام الأمين.  

دُرة:  

"عاهة إيه؟! إنتو مش شايفين؟ هو اللي مد إيده الأول! هو اللي اتحرش بيا قدام الصنايعية دا انا اللي عايزة اعمل محضر فيه! يوسف كان بيدافع عني وعن شرفه! إنتو هتاخدوا المظلوم وتسيبوا الظالم؟

نظر إليها الأمين بازدراء:  

"وإنتِ مين بقى إن شاء الله؟"

دُرة:  

"أنا المهندسة دُرة هاشم! وأنا الشاهدة على الواقعة كلها! وبقولك قدام ربنا وقدام الناس: الأسطا يوسف بريء! ورضوان هو المجرم 

ضحك رضوان ضحكة مكسورة:  

"شاهدة؟ ولا شريكة في الجريمة؟ ما إحنا شايفينكم بتحبوا في بعض جوه. هتقولي إيه بقا"

كانت تلك الكلمة سكينًا في قلب يوسف. نظر إلى دُرة، والخوف عليها يأكل قلبه. الخوف على سمعتها، على اسمها.  

يوسف بحدة:  

"دُرة، خشي جوه."

دُرة والدموع تملأ عينيها:  

"مش هسيبك! مش هسمح ياخدوك مني! على جثتي! إنت فاهم؟ على جثتي!"

نفد صبر الأمين:  

"خلاص خلصونا من الفيلم الحمضان دا. هناخده ع القسم، واللي عنده كلام يجي يقوله في المحضر. كلبشوه يلا."

صوت الكلبش وهو يطبق على معصم يوسف كان أقسى صوت سمعته دُرة في حياتها. نظر إليها يوسف قبل أن يقتادوه. نظرة واحدة اختصرت كل شيء: "متخافيش"، "سامحيني"، "بحبك".  

يوسف بصوت جهوري وهو يخرج:  

"عبده! الورشة أمانة في رقبتك لحد م ارجع

خرج ورأسه مرفوعة، وذراعه مقيدة بالحديد. والورشة كلها تشهد، والصنايعية عيونهم تلمع بالدمع.

_القسم. الساعة السابعة مساءً._

كانت دُرة واقفة في الخارج مع عبده، ترفض المغادرة. ترفض الاتصال بوالدها.  

دُرة وهي تقضم أظافرها:  

"لو كلمت بابا، هيطلعه في ثانية... بس هيكسره. هيشترط عليه يبعد عني العمر كله. هيقوله اختار: الورشة ولا بنتي. وأنا عارفة يوسف هيختار إيه."

عبده وهو يمسح دمعة:  

"يا ست الباشمهندسة، الأسطة هيبات في الحجز الليلة. والمعلم رضوان ده واصل أوي. يعني بكلمة منه يخليه يبقي ف الحجز لحد م يبقي عجوز مش بعيد عليه؟."

أخذت دُرة نفسًا عميقًا، وأخرجت هاتفها. يدها ترتجف وهي تطلب الرقم.  

دُرة:  

"ألو... بابا؟ أنا في القسم... والأسطا يوسف محبوس. لفقوا له تهمة ظلم. لو سمحت يابابا ارجوك انسي كل اللي فات وتعالي خرجه عشان خاطري هو لو جراله حاجة وحشة اهله هيروحو فيها"

صمتت تستمع، ثم انفجرت:  

"لأ يا بابا. مش بعمل كدا لله ولا عشان شفقة وهو صعبان عليا انا بحبه! بحبه وهقف قصاد الدنيا كلها عشانه! يا تطلعه دلوقتي حالًا... يا قسمًا بالله ما هتشوف وشي تاني! 

وأغلقت الهاتف في وجهه.

_داخل الحجز._

كان يوسف جالسًا على الأرض، مستندًا بظهره إلى الحائط البارد، وعيناه مغلقتان. الزنزانة قذرة ورائحتها لا تطاق، لكنه لم يكن فيها. كان هناك، في الورشة. على الحائط. وصوت دُرة يهمس: "أنا بحبك يا يوسف".  

انفتح الباب الحديدي.  

عسكري:  

"يوسف السفروت. عندك زيارة."

خرج، فوجد المستشار هاشم واقفًا بكامل هيبته، والضابط بجانبه يقول:  

"خلاص يا يوسف. سيادة المستشار اتصرف وخلص الموضوع مع رضوان. حظك حلو."

لم يتحرك يوسف من مكانه.  

يوسف:  

وياتري بقا المقابل اي؟

نظر إليه المستشار طويلًا.  

المستشار:  

انت فعلا ذكي يايوسف"  

أخذه جانبًا، بعيدًا عن الآذان.  

المستشار:  

"هسيبك. وهقفل ملف رضوان ده للأبد. وهخلي ورشتك دي خط أحمر، محدش يجرؤ يهوب ناحيتها. بس... بشرط واحد."

ابتلع يوسف ريقه. كان يعرف الشرط قبل أن يُنطق.  

يوسف:  

"بنتك؟"

المستشار:  

"تبعد عنها ترجعها المهندسة دُرة هاشم اللي كانت جاية تدريب وبس. تنساها. وتنسى إنها دخلت ورشتك في يوم من الأيام. ولو شفتك جنبها تاني، أو حتى معدّي من قدام بيتها، هلفق لك قضية مخدرات والعار يكون محاوطك ومحاوط اخواتك وابقي قابلني لو حد فكر فيهم اما لو فتحت مخك معايا هدوقك الشهد اي قولك؟"

ضحك يوسف. ضحكة مكسورة، خالية من الحياة.  

يوسف:  

"وانا بردو ليه شرط ."

المستشار عقد حاجبيه:  

"إيه هو؟"

يوسف:  

"تخليها تيجي. عايز أقولها الكلام ده بنفسي."

_أمام القسم. العاشرة مساءً._

كانت دُرة واقفة، تترقب خروجه كأنها على جمر. ما إن رأته يخرج، حتى ركضت نحوه.  

دُرة:  

"يوسف! حمدالله على سلامتك! كنت هموت من القلق عليك!"

كادت ترتمي في حضنه، لكنها توقفت. والدها كان واقفًا يراقب.  

نظر يوسف إليها. نظر إلى الفتاة التي باعت الدنيا لأجله، التي تحدت أباها، التي كانت مستعدة لخسارة كل شيء.  

يوسف بصوت ميت، خالٍ من الروح:  

"دُرة... احنا مننفعش لبعض؟."

تراجعت دُرة خطوة إلى الوراء، كأنها تلقت صفعة.  

دُرة:  

"إيه؟ إنت بتقول إيه؟ بعد كل اللي حصل؟ بعد ما وقفت قصاد أبويا عشانك؟"

بدأت الدموع تتجمع في عينيها.  

دُرة:  

هو بابا هددك تاني؟ قولي وانا اقفله عند حده بس بلاش تبقي ضعيف بالشكل دا

صرخ فيها يوسف لأول مرة في حياته، وكان صراخه أشبه بنزيف:  

 إحنا مش شبه بعض يا بنت الناس! إنتِ في دنيا وأنا في دنيا تانية خالص! طريقنا عكس بعض! فوقي بقى!"

أمسك المستشار بذراع ابنته:  

"يلا يا بنتي. كفاية بهدلة لحد كده..

استدارت، ودموعها تغرق وجهها، وركبت سيارة والدها التي انطلقت مبتعدة.  

ثم استدار هو وسار في الشارع المظلم وحده. ظهره محني. لأول مرة في حياته، ظهر الأسطى يوسف ينحني.

_أسبوعان مرا. الورشة ميتة._

يوسف لا يتكلم. يفتح الورشة في الثامنة صباحًا، ويغلقها في الخامسة. يصلح سيارة أو اثنتين في صمت قاتل.  

عبده يبكي كل يوم وهو يكنس الأرضية:  

"الأسطى مات وهو صاحي ياخلق

دُرة؟  

دُرة حبيسة غرفتها. والدها سحب منها السيارة، والهاتف، وحتى حاسوبها المحمول.  

المستشار وهو يلقي بجواز سفرها في درج مكتبه ويغلقه بالمفتاح:  

"موضوع التدريب والزفت ده انتهى. هتتجوزي ابن خالك الدكتور، ونسفرك لندن تكملي دراسة وتنسي القرف ده كله. ده آخر كلام عندي."

_اليوم الخامس عشر. الساعة الثالثة فجرًا._

رن هاتف الورشة الأرضي، فانتفض يوسف من نومه فزعًا. من يتصل في هذا الوقت؟  

يوسف:  

"ألو؟"

جاءه صوت عبده وهو يصرخ بانهيار:  

"إلحق يا أسطى... الورشة بتولع! الورشة كلها نار! تعال بسرعة!"

ارتدى يوسف أول ما طالته يداه، وركض حافيًا في الشارع. وصل ليجد النار تلتهم الباب الصاج، والدخان الأسود يتصاعد ليغطي سماء الحرفيين. الناس يحاولون الإطفاء بجرادل المياه.  

يوسف وهو يصرخ:  

"ميييين عمل كده؟! ميييين ابن الحرام دا منه لله شقايا وعمري بيروح؟

أمسك به عبده ليمنعه من الدخول:  

"ماتدخلش هتموت يا أسطا النار دي بفعل فاعل

الورشة. شقا عمره. إرث أبيه. ستره وستر أخواته. كلها تتحول إلى رماد أمام عينيه. ولمح الجوانتي الأحمر الخاص بدُرة، معلقًا على مسمار، وهو أول ما التهمته النيران.  

جثا يوسف على ركبتيه، على الأرض المبللة بالزيت والماء الأسود.  

ولأول مرة... بكى الأسطا يوسف. بكى بحرقة.  

يوسف:  

"يا أبويا... سامحني. معرفتش أحافظ على الأمانة. سامحني... ضيعت كل حاجة."

_في نفس الوقت. منزل دُرة._

كانت دُرة واقفة في الشرفة، ترى الدخان يتصاعد من ناحية الحرفيين. قلبها انقبض، وشعرت بسكين يغوص فيه.  

دُرة هامسة:  

"يوسف."  

طرقت باب غرفتها المغلق بجنون:  

"بابا! افتح الباب! الورشة بتولع! يوسف هيموت جوه! افتح!"

فتح والدها الباب ببرود قاتل:  

"خليه يولع. عشان تفوقي وتفهمي إن ده مش مقامك. بكرة الصبح طيارتنا للندن. انسي."

نظرت دُرة إلى والدها، الرجل الذي لم تعصِ له أمرًا في حياتها. ثم نظرت إلى الدخان. وفي لحظة، اختارت.  

دفعته بعيدًا عن طريقها، وركلت درج مكتبه بقدمها حتى كسرت القفل. خطفت جواز سفرها وخمسمائة الف جنيه كانت تخبئها. ارتدت أول عباءة سوداء وجدتها، وانتعلت 

ثم قفزت من شرفة الدور الأول.  

التوت قدمها، لكنها نهضت وتجاهلت الألم، وركضت. ركضت في الشارع في الثالثة فجرًا،  ودموعها، معها وحافية، باتجاه الحرفيين.


                    الفصل الثامن من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة