
رواية قدر ومكتوب الفصل السابع عشر 17 بقلم هدير ممدوح
كانت مروة داخل المطبخ تُحضر الطعام، ولم يكن هناك سواها.
ولجت هناء إلى الداخل، فتجمدت مكانها لثوانٍ، وأخذت تنظر حولها بتردد، تفكر هل تبقى أم تغادر قبل أن تراها الأخرى.
لكن في تلك اللحظة استدارت مروة، وما إن وقعت عيناها عليها حتى قالت بحدة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
_أهلًا بالحيّة... اللي حاولت تقلب الترابيزة عليّا.
رفعت هناء ذقنها قليلًا، واقتربت منها بخطوات واثقة وردت بمكر:
_اسمعي بقى، من النهاردة زي ما عبدالله جوزك، فهو جوزي أنا كمان، وكل ما تتقبلي النقطة دي أسرع، هتتعودي أكتر.
أطلقت مروة ضحكة ساخرة، ثم هزت رأسها قائلة:
_صعبانة عليا أوي يا روحي.
ثم اقتربت منها قليلًا وأضافت بنبرة متحدية:
_بس لازم تعرفي إن اللي محتاج يتقبل الواقع هنا هو أنتِ... عبدالله مش بيحب غير مروة وبس، إنما لو حابة تعيشي على الهامش، فدي حريتك.
اشتعل الغضب بعيني هناء، لكن قبل أن ترد، استطردت مروة وهي تراقب تعابير وجهها:
_على سيرة الحب، هو اللي بتحبيه ده غدر بيكِ ولا إيه؟
انتفضت هناء وهتفت بحدة:
_أشرف ما غدرش بيا.
رفعت مروة حاجبها وقالت بسخرية:
_آه صح، أنتِ اللي غدرتي بيه واتجوزتي غيره.
كبتت هناء غضبها بصعوبة وقالت:
_خلاص، كله نصيب، هو اتجوز وأنا اتجوزت وانتهينا.
تغيرت ملامح مروة قليلًا، وقالت بريبة:
_اتجوز؟ ابقي اتأكدي من معلوماتك الأول يا حلوة.
عقدت هناء حاجبيها وسألت بقلق واضح:
_تقصدي إيه؟
مالت مروة نحوها هامسة:
_يعني ممكن جدًا اللي وصلك المعلومة دي يكون بيكدب عليكِ.
اتسعت عينا هناء بصدمة، وقالت مروة ببرود قبا ان تغادر من أمامها:
_وبما إنك بقيتي زيي زيك هنا يلا، العشا عليكِ النهاردة، والحاج جابر مش بيحب التأخير.
وغادرت، تاركة هناء واقفة مكانها، تهمس لنفسها بقلق:
_معقول أمي تكون بتكدب عليا، أنا لازم أتأكد.
********
في غرفة فريد، اجتمع هو ونائل وعائشة.
كانت عائشة تجلس فوق الفراش، بينما جلس الشابان على الأريكة، وبينهما صينية صغيرة تحمل كأسين من العصير.
قال نائل وهو يخرج هاتفه:
_بعد اللي حصل، أبويا قام وساب تليفونه، وأمي بعتها تجيب مية، فاستغليت الفرصة وخدت التليفون .
قالت عائشة باهتمام:
_ولقيت الرقم؟
أومأ نائل برأسه وقال:
_آه، لقيت رقم متسجل باسم محمد حسين... وإن شاء الله يطلع هو.
وفجأة سعل فريد بعنف وهو يرتشف العصير، حتى كاد يختنق.
شهقت عائشة واقتربت منه سريعًا، ثم ضربت ظهره بقوة وهي تقول بلهفة:
_يا نهار أبيض... فريد، أنت كويس؟
تأوه فريد بعدما هدأت نوبة السعال وقال متذمرًا:
_أنا كنت هموت من إيدك.
ثم أشار إليها مازحًا نحو نائل:
_أهي دي الممرضة اللي بتقولوا عليها.
زفرت عائشة بقلق وقالت وهي تنظر له:
_مش وقت هزار، قلبي كان هيقف عليك.
نظر نائل إليهما مبتسمًا بخفة، بينما قال فريد بهدوء:
_ارجعي مكانك، أنا كويس.
عادت عائشة إلى مكانها، ثم قال فريد:
_طيب يا نائل، ابعتلي الرقم وأنا بكرة هتصرف.
أملى نائل عليه الرقم، ثم نهضت عائشة قائلة:
_طيب هسيبكم شوية وأروح أشوف سحر.
أومأ فريد برأسه، وما إن خرجت حتى قال نائل وهو يبتسم:
_هي بتحبك أوي على فكرة، شكلها طيبة وبنت ناس.
نظر إليه فريد بلا مبالاة وقال:
_حب إيه بس، مفيش الكلام ده.
عقد نائل حاجبيه متعجبًا:
_ومفيش ليه؟ دي مراتك يا بني، فكر فيها وشوف حياتك.
زفر فريد ببطء وقال:
_نائل، في قلبي مفيش غير أمل وبس.
نهض نائل وهو يهز رأسه بيأس:
_خليك كده لحد ما تخسرها يلا، أنا ماشي.
ساد الصمت الغرفة بعد خروجه، وبقي فريد شارداً قبل أن يتمتم بصوت خافت:
_لازم أحط حد للموضوع ده.
********
في منزل جابر، اجتمع الجميع حول مائدة العشاء.
تذوق جابر الطعام، ثم قطب وجهه وقال بتقزز:
_الأكل ده ماسخ، مين عامله؟
أجابت مروة ببرود:
_عمايل هناء يا حج.
توترت هناء وقالت سريعًا:
_والله يا حاج، مروة خلتني أطبخ وأنضف لوحدي، فاتوترت شوية.
رمقها جابر بنظرة حادة، ثم التفت إلى مروة:
_إيه يا ست مروة؟
قالت مروة بهدوء بارد:
_الست هناء قالت كلام و أظهر إنه أكبر منها.
تساءل عبدالله بضيق:
_قالت إيه؟
أجابت مروة:
_قالت إنها زيي زيها هنا، فبما إنها كده، من النهاردة شغل البيت يوم ليا ويوم ليها.
أيدتها عظيمة قائلة بحزم:
_عندك حق يا بنتي، هو ده الصح.
وأضاف عبدالله موجّهًا حديثه لجده:
_كده يا جدي، معندكش اعتراض.
لوّح جابر بيده وقال بجفاء:
_ابقي أظبطي أكلك يا هناء.
قالت هناء بخضوع ظاهري، بينما عيناها معلقتان بهاتف عظيمة الموضوع جوارها:
_حاضر يا حاج.
نهضت فجأة تحمل طبق الأرز واقتربت من عظيمة قائلة:
_دوقي الرز يا مرات عمي.
ثم تعثرت عمدًا، فاصطدم الطبق بكأس الماء وانسكب جزء منه على ثياب عظيمة.
شهقت عظيمة قائلة:
_يا بنتي ما تسيبي كل حاجة مكانها، وانا هاكل.
قالت مروة سريعًا:
_الأحسن تروحي تغيّري هدومك يا مرات عمي.
وفي تلك اللحظة، استطاعت هناء بخفة أن تلتقط الهاتف دون أن ينتبه أحد.
وتمتمت باعتذار مصطنع:
_أنا آسفة والله، مكنش قصدي.
ثم غادرت مسرعة.
********
دخلت هناء غرفتها وأغلقت الباب خلفها بسرعة.
فتحت الهاتف بين يديها، وكتبت الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب.
انتظرت بقلق حتى جاءها صوته من الجهة الأخرى:
_ألو... مين معايا؟
ارتجف قلبها ما إن سمعت صوته، وانهمرت دموعها فجأة، حتى سمع شهقاتها فقال بخفوت مشدوه:
_هناء؟
قالت بصوت متحشرج:
_أنت اتجوزت يا أشرف؟
زفر أشرف بعمق وقال:
_جواز إيه يا هناء، أنا أصلًا ناوي أمشي من هنا.
رفعت رأسها سريعًا وقالت بلهفة:
_يعني ما اتجوزتش؟
رد باستغراب:
_لا يا هناء، بس ناوي أبيع البيت، وآخد أمي ونسيب البلد نأجر شقة بعيد وأدور على شغل في القاهرة.
همست بغصة:
_وهتنساني؟
احتد صوته فجأة:
_أنتِ اللي عملتي كده عشان نرتاح، لازم أنساكِ وتنسيني وأول ما ألاقي مشتري للبيت همشي.
ثم أغلق الخط.
ظلت هناء تحدق في الهاتف غير مصدقة، قبل أن تنهار باكية وهي تهمس:
_خسرتِ كل حاجة يا هناء... حتى نفسك.
وظلت لدقائق غارقة في بكاء مرير، حتى اهتز الهاتف بيدها معلنًا عن وصول رسالة.
مسحت دموعها سريعًا وتمتمت بتوتر:
_لازم أرجّع التليفون مكانه.
سبحان الله وبحمده✨
في غرفة فريد...
عادت عائشة إلى الغرفة بخطوات هادئة.
كان فريد مستلقيًا فوق الفراش، والإضاءة خافتة، فظنت أنه غارق في النوم.
تنهدت بعمق وجلست على الأريكة، وأسندت رأسها للخلف قليلًا، لكنها انتفضت على صوته يأتيها فجأة وسط السكون:
_عائشة تعالي، عاوز أتكلم معاكي شوية.
شهقت بخفّة، ثم وضعت يدها فوق صدرها وقالت:
_حرام عليك يا أخس اتخضيت، أنا افتكرتك نايم.
اعتدل فريد في جلسته، ثم نهض واقفًا وأضاء المصباح، فعمت الغرفة بالإضاءة ، قبل أن يعود ويجلس فوق الفراش مرة أخرى.
ربت بيده على المساحة جواره وقال بهدوء:
_قربي، تعالي اقعدي.
عقدت حاجبيها بتعجب، لكنها اقتربت وجلست بجواره بحذر، ثم سألته:
_خير، في حاجة؟
زفر فريد ببطء، وكأنه يجمع كلماته بصعوبة، ثم قال:
_أنا حابب أكون واضح معاكي من البداية، عارف إن اللي هقوله مش سهل بس لازم نبقى صريحين مع بعض.
شعرت عائشة بانقباض حاد في صدرها، وتسارعت دقات قلبها دون إرادة منها.
و قالت بصوت هادئ بالكاد خرج:
_قول... أنا سمعاك.
خفض فريد بصره قليلًا، ثم قال:
_أنا وأنتِ اتجبرنا على الجواز ده، أنتِ عشان ظروفك، وأنا عشان وضعي وأكيد أنتِ فاهمة ده كويس.
أومأت برأسها ببطء، دون أن تنطق.
فتابع هو:
_إحنا مش هنستمر في الجوازة دي، أول ما كل المشاكل اللي حوالينا تتحل هطلقك، وتشوفي حياتك.
ثم أردف بنبرة عملية:
_وكل حقوقك هتاخديها كاملة، وممكن حتى نفضل أصحاب.
شعرت وكأن شيئًا انكسر بداخلها دفعة واحدة.
غامت عيناها، وسرحت بعيدًا...
تذكرت أحلامها الصغيرة التي نسجتها بصمت بعد شفائه.
بيت دافئ هادئ يجمعهما.
بعد صلاة الفجر يجلسان سويًا، يسبّحان الله ويحمدانه، وتعلو وجهيهما ابتسامة رضا.
تقرأ القرآن بقربه، وعيناها تلمعان بشيء من الحب، حياة بسيطة، هادئة، لا تطلب من الدنيا أكثر من قلب مطمئن لكنها ستظل مجرد أحلام.
انتبه فريد إلى شرودها ولمعة الدموع بعينيها، فمد يده يضعها فوق يدها قائلًا:
_عائشة... أنتِ فين، أنا بكلمك.
سحبت يدها فورًا، ثم نهضت واقفة وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
_إن شاء الله المسرحية دي تخلص قريب، عشان كل واحد يرتاح.
ثم أضافت ببرود :
_كويس إنك وضحتلي من البداية علاقتنا ماشية إزاي، عن إذنك.
رفع فريد رأسه إليها متعجبًا من تبدلها المفاجئ وقال:
_استني بس رايحة فين؟
أجابته وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه حتى لا يرى دموعها:
_مبقاش في داعي أفضل معاك في نفس الأوضة، هبات مع أختي الليلة.
أنهت كلماتها وخرجت سريعًا قبل أن تخذلها دموعها.
ظل فريد ينظر إلى الباب المغلق لثوانٍ، ثم زفر بضيق وتمتم:
_كده أحسن... عشان محدش فينا يتعلق بالتاني.
꧁꧁꧂꧂
في الصباح...
تحدثت ريم بدهشة وهي ترى حازم يجمع ثيابه داخل حقيبة سفر:
_وليه ما قولتش إنك مسافر؟
أغلق حازم الحقيبة وقال بهدوء:
_رجعت امبارح لقيتكِ نايمة، فقولت أقولك الصبح.
عقدت ريم ذراعيها بحزن طفولي، فاقترب منها وقبّل جبينها بحنو، ثم أبعد خصلة متمردة سقطت فوق وجهها وقال مبتسمًا:
_وحبيبتي زعلانة ليه، كلها يومين وراجع وبعدين أنا رايح إسكندرية، مش آخر الدنيا يعني.
ذمت شفتيها كالأطفال وقالت:
_بس الموضوع جه فجأة.
ربت على وجنتها برفق وقال:
_أوعدك مش هتأخر يلا تعالي نفطر مع الجماعة قبل ما أمشي.
هزت رأسها وقالت:
_ماشي، ثواني أغير البيجامة دي.
صلي على محمد 🌺
في غرفة سحر...
كانت عائشة مستلقية فوق الفراش، لكنها لم تنم.
تململت سحر قليلًا ثم اعتدلت تنظر إليها قائلة:
_اتخانقتوا تاني؟
اعتدلت عائشة وقالت بهدوء مرهق:
_لا... اتفقنا.
عقدت سحر حاجبيها:
_اتفقتم على إيه؟
أطلقت عائشة ضحكة ساخرة وقالت:
_الطلاق يا سحر.
صمتت لحظة، ثم تابعت بصوت مكسور:
_أنا كنت مجرد خدامة اشتراها ممدوح بيه لابنه، وبس.
اقتربت سحر وربتت على ظهرها قائلة بحنان:
_إحنا مش خدامين لحد يا عائشة، وبعدين هو الخسران، مفيش حد أحن ولا أحسن من أختي.
انهمرت دموع عائشة أخيرًا، وقالت بسخرية باكية:
_أنا وأنتِ ودموعنا، شكلنا هنحتاج نهرب من الدنيا قريب.
ضمتها سحر بين ذراعيها وسألتها مباشرة:
_بتحبيه؟
هزت عائشة رأسها وهي تبكي:
_آه أوي... بس مش جديد عليا طبيعي كل ما أحب حاجة أخسرها هو زي كل أحلامي اللي راحت.
أبعدتها سحر قليلًا، ونظرت لها بجدية:
_فين عائشة أختي اللي عمرها ما بتستسلم؟
ثم أضافت بابتسامة مشجعة:
_إوعي تبيني ضعفك قدامه خليكي قوية وسيبيه يلف حوالين نفسه، في الآخر هو اللي هيرجعلك.
مسحت عائشة دموعها دون اقتناع ، ثم نزعت الغطاء عن قدميها وقالت:
_يلا قومي، أنا هروح أشوف فريد، وأنتِ غيري وانزلي.
تمتمت سحر:
_تمام.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم💕
في غرفة فريد...
كان الهاتف ملتصقًا بأذنه، ينتظر الرد من الطرف الآخر.
حتى أتاه صوت رجل غليظ:
_ألو، مين معايا؟
اعتدل فريد سريعًا وقال بلهفة:
_الحاج محمد حسين؟
رد الرجل بحذر:
_أيوة... مين حضرتك؟
قال فريد:
_أنا من طرف حد تعرفه كويس، ولازم أقابلك ضروري.
قطب الرجل حاجبيه وقال بعدم فهم:
_مين يعني؟
أجاب فريد بإصرار:
_قولّي عنوانك بس، وأنا هاجيلك حالًا وهتفهم كل حاجة.
ساد صمت قصير، قبل أن يقول الرجل أخيرًا:
_طيب، اكتب عندك العنوان.
أملى عليه العنوان، فابتسم فريد براحة وقال:
_تمام، مسافة السكة.
وأنهى المكالمة.
في تلك اللحظة دخلت عائشة وقالت:
_صباح الخير مالك، في حاجة جديدة؟
التفت إليها فريد بحماس واضح، ثم اندفع نحوها يعانقها فجأة:
_نجحت، أخيرًا كلمته النهاردة هرجع ومعايا سر عمتي كله.
تجمدت عائشة بين ذراعيه، قبل أن يبتعد هو سريعًا.
رفعت عينيها إليه وقالت ببرود متعمد:
_فهمت، بس ياريت بعد كده متقربش مني بالشكل ده.
تجمدت ابتسامته وقال بدهشة:
_ليه؟
أجابته بنبرة جامدة:
_لأني بفضل إن أول واحد يقربلي بالشكل ده يكون جوزي فعلًا.
انعقد حاجباه وقال:
_جوزك؟
ردت عائشة ببرود:
_مش أنت قلت إننا هننفصل خلاص، خلينا واضحين.
ثم أضافت:
_المهم دلوقتي، نجهز ونروح.
قال فريد بضيق:
_أنا رايح لوحدي.
رفعت رأسها بتحدٍ واضح وقالت:
_لا، هاجي. ومجبر كمان تاخدني.
ثم أشارت لساقه وأضافت:
_نسيت إنك لسه محتاج حد يسندك، وكمان هنقولهم رايحين جلسة علاج طبيعي.
زفر فريد باستسلام وقال:
_ماشي يا عائشة، جهزي نفسك.
" في الأسفل"
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام، ما عدا نرمين...
قال حازم وهو يلتفت نحو والده:
ريم أمانة عندك يا بابا، تابع أكلها وشربها، وخلي دادة نعمة تصحيها تفطر، أصل اللي هيسيبها كده مش هتصحى غير على العصر.
ضحك ممدوح بخفة وقال بمزاح:
_ريم دي في عيني يا ابني.
نظرت له ريم بعتاب طفولي، فابتسم لها.
قالت أمال وهي تنظر إلى حازم:
إيه يا حازم، مش ناوي تقوم عشان تلحق ميعادك.
رمقها ممدوح بنظرة حادة وقال بصرامة:
حازم عارف مواعيده كويس وحدوده كمان، وإنتِ طول ما إنتِ قاعدة في البيت ده، التزمي حدودك.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ينهض حازم سريعًا وهو يقول محاولًا إنهاء التوتر:
_حصل خير يا والدي، وأنا فعلًا اتأخرت.
ثم انحنى يقبل رأس والده بحب، قبل أن يلتفت إلى ريم ويكرر نفس الحركة، فاحمرّ وجهها خجلًا.
قال بابتسامة:
_يلا، السلام عليكم.
ردد الجميع السلام، وغادر حازم.
في تلك اللحظة، هبط فريد برفقة عائشة التي كانت تعاونه على السير.
ما إن رأتهما سحر حتى سألت بدهشة:
_إنتِ خارجة يا عائشة؟
انتبه الجميع ونظروا إليهما، غافلين عن نظرات أمال المليئة بالكره لهم.
أجابت عائشة بهدوء:
_أيوة يا حبيبتي، فريد عنده جلسة علاج طبيعي.
قال ممدوح باهتمام:
_هتطلعوا من غير فطار يا بني؟
ابتسم فريد وقال:
_أيوة يا حج، حابب أفطر أنا وعائشة برا، عن إذنك عشان منتأخرش.
ظن ممدوح أن علاقتهما بدأت تتحسن، فقال بسعادة:
_طيب يا ابني، ربنا يهنيكم ويسعدكم، وعقبال ما أشوف عيالكم.
تلاقت أعين فريد وعائشة لثوانٍ قصيرة، قبل أن يقول فريد وهو يشد برفق على كفها الذي يستند عليه:
_مش يلا؟
خرجت عائشة من شرودها سريعًا، وتحركا نحو الخارج.
بعد فترة قصيرة...
وصل فريد وعائشة إلى المكان المقصود، تحديدًا أمام مقهى شعبي بسيط.
تنهد فريد بعمق، ثم قال وهو يتأمل الشارع من حوله:
_أول مرة أخرج بعد حوالي تمن شهور، كمية راحة مش طبيعية.
ثم أضاف بنبرة أخفض:
_طبعًا بابا فاكر إن نائل هو اللي وصلنا، أكيد فاهمة.
هزت عائشة رأسها بتفهم وقالت:
_فاهمة... بس إنت متأكد إن ده العنوان؟
ألقى فريد نظرة على اللافتة المعلقة فوق المقهى وقال:
_أيوة، هو قال قهوة المعلم... بصي، الاسم هو نفسه.
ثم التفت لها مضيفًا:
_يلا، متقلقيش أنا معاكي، أو لا خليكي إنتِ جوه العربية وأنا هنزل.
فتحت عائشة باب السيارة فورًا ونزلت قائلة بعناد:
_أنا مش هسيبك لحظة.
ابتسم فريد وهز رأسه بيأس لطيف:
_انتِ مفيش حد أعند منك فعلًا.
أخرج هاتفه من جيبه وقال:
_استني، هرن عليه عشان يطلعلنا.
رفع الهاتف إلى أذنه منتظرًا الرد، لكن قبل أن يأتيه صوت، وقع بصره على رجل يجلس أمام المقهى على طاولة صغيرة، يرفع هاتفه للأعلى ويلوح لهما بيده.
تبادل فريد وعائشة النظرات، ثم تمتم فريد:
_أظن هو ده... تعالي.
اقتربا منه، فألقى فريد السلام، فرد الرجل ببشاشة:
_أهلًا يا بهوات، اتفضلوا.
جلسا أمامه على نفس الطاولة.
وسأل الرجل وهو ينظر إليهما باستفهام:
_خير يا جماعة؟
تنحنح فريد وقال بهدوء متعمد:
إحنا جيران الست أمال... مرات حضرتك، أصل في أمانة عندنا وعايزين نوصلها لبنتها نرمين، مش إنت والدها برضه؟
أنهى حديثه وألقى نظرة سريعة على عائشة، فبادلته نظرة داعمة.
زفر محمد بضيق واضح وقال:
_يا عم، ليه رجعتوا في السيرة دي أنا صدقت خلصت من الست دي ونكدها.
ثم لوّح بيده بإهمال وأضاف:
_على العموم، إنتوا جايين السكة الغلط، أنا مش أبو نرمين.
اتسعت عينا فريد بصدمة، وقال بعدم تصديق:
_إزاي، يعني مين والد نرمين؟
أجاب الرجل ببساطة وكأنه يلقي خبرًا عاديًا:
_ممدوح... ممدوح هو أبو نرمين.
ثم أردف وهو يرتشف من كوب الشاي أمامه:
_وكمان معاها أخين، بس دول من أم تانية.
شهقت عائشة، بينما انعقد حاجبا فريد بقوة وقال بانفعال:
_أنت بتقول إيه! أمال دي تبقى أخت ممدوح.
ضحك محمد بسخرية وقال:
_أخت مين يا عم، أمال مش أخت ممدوح أصلًا.
تجمد الاثنان في مكانهما، ونظرا لبعضهما البعض بذهول تام..
يتبع..
دمتم بخير....