
رواية قدر ومكتوب الفصل الثامن عشر 18 بقلم هدير ممدوح
تجمدت ملامح فريد، وشعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه فجأة، بينما اتسعت عينا عائشة بعدم تصديق.
أطلق محمد ضحكة ساخرة قصيرة، ثم هز رأسه بأسف وقال:
_أنا اتورطت في الجوازة دي زمان، لكن البنت دي لا تخصني من قريب ولا بعيد، نرمين بنت ممدوح.
نظرت عائشة لفريد بقلق، بالكاد هي تحاول استيعاب ما تسمعه فكيف بحاله، ثم قالت بصوت هادئ رغم ارتباكها:
_ممكن يا عمي تفهمنا الموضوع ده من أوله؟
ضيق محمد عينيه بريبة وهو يتفحص وجهيهما، ثم سأل بحذر:
_إنتوا جايين من طرف مين بالظبط، وعاوزين إيه؟
أجاب فريد سريعًا محاولًا الحفاظ على هدوئه:
_قولنالك إحنا جيرانهم، وفي أمانة المفروض نوصلها للبنت، بس بصراحة كنا دايمًا حاسين إن أمال مخبية حاجة عن أهلها، خصوصًا إنها مش بتشوف حد منهم خالص.
قطب محمد حاجبيه وقال مستغربًا:
_بس اللي أعرفه إن أمها ماتت من زمان بعد ما عرفت المصيبة اللي بنتها عملتها.
ارتبك فريد للحظة، لكنه تماسَك وقال بسرعة:
_أه صح، اللي باعت الأمانة دول قرايب أمها، مبلغ بسيط يعني، ورث.
أطلق محمد ضحكة ساخرة، ثم قال وهو يهز رأسه:
_يا سلام، بعد السنين دي كلها أمال طلع ليها ورث الدنيا لسه فيها مفاجآت.
مال فريد للأمام قليلًا وقال بإصرار:
_طيب ما تحكيلنا، إيه حكاية أمال أصلًا؟
تنهد محمد بعمق، ثم حك ذقنه قبل أن يتكلم:
_هي مفهمة الناس إن ممدوح أخوها.
تبادل فريد وعائشة نظرة مذهولة، بينما أكمل محمد حديثه :
_ممدوح ده أنا كنت شغال معاه زمان.ط، راجل ربنا كرمه، ومراته ورثت فلوس ووسع شغله، والراجل لما يبقى معاه قرشين زيادة بيعمل إيه؟
تردد لحظة وكأنه ينتظر الجواب، فتمتمت عائشة بحذر:
_يتجوز؟
ابتسم محمد ابتسامة جانبية وقال بإعجاب ساخر:
_الله ينور عليكِ يا أستاذة، الراجل عينه زاغت على الشغالة اللي عندهم... أمال. رغم إن مراته كانت ست محترمة، وعنده منها ولدين حازم وفريد، انا لسة فاكر أسماءهم.
انعقد حاجبا فريد بقوة، وشعر أن الصورة بدأت تتضح أمامه تدريجيًا، فقال بصوت خافت:
_يعني ممدوح اتجوز الشغالة بتاعته، اللي هي أمال؟
أومأ محمد مؤكدًا:
_بالضبط جواز في السر، وأنا ومحسن كنا شهود عليه، لكن في يوم مراته كشفت الموضوع، وقلبت الدنيا عليه وخيرته بينها وبين أمال.
ابتلع فريد ريقه بصعوبة، وقال وهو يحدق في الفراغ:
_وطبعًا اختار مراته.
ضحك محمد بمرارة وقال:
_طبعًا، هيسيب بنت العز ويروح لمين؟
ضغط فريد على قبضته بقوة حتى برزت عروقه، بينما قال بصوت مبحوح:
_ونرمين؟... نرمين بنت ممدوح فعلًا؟
هز محمد رأسه بإيجاب، وقال:
_أيوة، وقتها أمال كانت حامل، وممدوح خاف لمراته تعرف، فجاب أمال عندي، وقعدتها مع أمي وأخواتي فترة لحد ما ولدت، وبعدها اتجوزتها أنا.
رفعت عائشة حاجبيها بدهشة، ثم قالت بسرعة:
_يعني نرمين اتسجلت باسمك؟
رد محمد وهو يشبك أصابعه أمامه:
_بالظبط، وده لمؤاخذة بعد ما أخدت قرشين حلوين من ممدوح بيه، فتحت بيهم مشروع، وأمال فضلت على ذمتي سنة كاملة، خلال السنة دي ممدوح كان بيزورنا باستمرار، ويجيب لبنته كل حاجة.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة أخفض:
_لحد ما مراته عرفت إن عنده بنت، ويومها الست طبت فجأة وماتت.
شهقت عائشة فجأة، ووضعت يدها على فمها من هول ما سمعت، بينما تصلب جسد فريد بالكامل، وقال بصوت يحمل غضبًا مكتومًا:
_وبعد موت مراته رجعت أمال ببنتها البيت؟
أجاب محمد باستهجان:
_طبعًا، وخلصت منها الحمد لله، دي كانت ست شيطانة دايما في مشاكل مع أمي ولخواتي، وانا بعد ما مشيت اتجوزت وخلفت وعشت حياتي.
ثم مال للأمام وأضاف:
_بس لسه بيني وبين محسن تواصل ده أيده اليمين لـ ممدوح بيه، لو عاوزين أوصلكم بيه عشان الأمانة،، أديكم رقمه.
نهض فريد فجأة، وملامحه متجهمة بشكل مرعب، وقال بصوت جامد:
_لا، اعتبر الأمانة وصلت لأصحابها.
وقفت عائشة بسرعة، ولحقت به وهي تنظر إليه بقلق واضح.
تابعهما محمد بعينيه باستغراب، ثم تمتم وهو يهز رأسه:
_إيه ده، وشه اتقلب مرة واحدة ليه؟
ثم ارتفع صوته يقول:
_يا أحمد! هاتلي كوباية شاي يا واد.
صلي على محمد 🌺
في منزل ممدوح...
خرجت نرمين من غرفتها بخطوات مترددة، لكن رأسها بها عاصفة من الأسئلة التي تكاد تمزقها من الداخل، توجهت مباشرةً إلى غرفة أمال، ودفعت الباب بقوة دون استئذان.
انتفضت أمال في مكانها بفزع، ثم اعتدلت سريعًا على الفراش وقالت بحدة:
_مش تخبطي الأول؟!
اقتربت منها نرمين ببطء، وملامحها جامدة على غير عادتها..
عدلت أمال جلستها، ثم قالت بنفاد صبر:
_خير؟ عاوزة إيه؟
كانت آلاف السيناريوهات تدور داخل عقل نرمين بعنف؛ من تكون؟ ابنة من هي؟ هل أمال حقًا والدتها؟ ومن الرجل الذي تحمل اسمه؟ ولماذا تشعر دائمًا أنها دخيلة في هذا البيت؟
قالت أمال بحدة أكبر عندما طال صمتها:
_اخلصي، عاوزة إيه؟.
رفعت نرمين عينيها إليها، وقالت بصوت ثابت يخفي خلفه انهيارًا:
_عاوزة أعرف أنا بعمل إيه هنا؟
عقدت أمال حاجبيها باستغراب، وقالت بسخرية:
_ودي فزورة ولا إيه.
استرسلت نرمين بصوت ضعيف:
_رغم إني معاكِ في نفس البيت، عمرك ما جيتي تسألي عني، تشوفي إذا كنت عايشة ولا ميتة، حتى ما سألتنيش كنت بعمل إيه في العمارة اللي شفتيني نازلة منها.
ضحكت أمال بسخرية مستفزة، وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_طيب يا ست، عاملة إيه، ويا ترى كنتِ نازلة من عند مين؟
شعرت نرمين وكأن كلماتها طعنة جديدة في قلبها، فصرخت بانفعال:
_كنت عند دكتور نفسي بسببك... بسبب ردودك السخيفة دي إنتِ دمرتيني، فاهمة، دمرتيني.
نظرت لها أمال ببرود قاتل، ثم قالت بنبرة لاذعة:
_دكتور نفسي، ليه و إنتِ مجنونة؟
ضحكت نرمين بمرارة، وقالت بصوت مرتفع:
_أه مجنونة، من عمايلك فيا خلاص اتجننت.
أشاحت أمال وجهها للجهة الأخرى بلامبالاة، ثم قالت وهي تمر بجانبها:
_ارجعي أوضتك وبطلي دلع وجنان.
لكن هذه المرة، قبضت نرمين على معصمها بقوة.
تجمدت أمال، ونظرت إلى يد ابنتها بدهشة، ثم رفعت عينيها إليها تنتظر تفسيرًا.
قالت نرمين بصوت مختنق، وكأن الكلمات تخرج من قلبها مباشرة:
_وطالما أنا بنت حرام يبقى مين أهلي؟
اتسعت عينا أمال بصدمة، وتجمد الدم في عروقها للحظة.
و صرخت أمال فجأة في وجهها :
_إيه الكلام الفاضي ده، أنا أمك، افهمي ده! ويلا على أوضتك.
ثم لوحت بيدها بعصبية وأضافت:
_ولا أقولك، خليكي... أنا هسيبلك الأوضة وأمشي.
وقبل أن تغادر، قالت بحنق:
_بقيت كارهة أشوف وشك.
تحركت بالفعل نحو الباب، لكن شيئًا ما أوقفها هذه المرة.
لأول مرة، شعرت أمال بوخز حاد في قلبها من أثر كلماتها... استدارت ببطء، لتنظر إلى نرمين المتجمدة في مكانها، شاحبة الوجه.
خفضت أمال صوتها قليلًا وقالت بخفوت:
_كل حاجة هتعدي وكله هيتضح، بس في الوقت المناسب.
ألقت كلماتها وغادرت الغرفة، تاركة خلفها حطام فتاة لم ترَ من أمها سوى القسوة والسم في الكلمات.
خرجت أمال من المنزل وهي تزفر بعمق، كأنها تحاول ابتلاع مرارة أيام كاملة.
تمتمت مع نفسها بضيق وهي تسير:
_هقسى عليها شوية، لحد ما كل اللي عاوزاه يحصل وده كله لمصلحتها.
وسارت لخارج المنزل، لكنها فجأة توقفت في منتصف الطريق.
حدقت أمامها بصدمة وهي ترى شخصًا يتحرك بحذر خلف المنزل.
عادت بذاكرتها سريعًا إلى الليلة الماضية، حين رأت من شرفتها طيف رجل يقف في الحديقة، وظنتها مجرد أوهام.
ضيقت عينيها، ثم نظرت لعباءتها المنزلية بتأفف وقالت:
_مناسبة وخلاص، كده كده محدش يعرفني.
خرجت عمدًا وأغلقت الباب الخارجي بعنف، حتى تلفت انتباه الرجل.
ثم تسللت بخفة حتى وصلت خلف الحائط الجانبي للمنزل، وفي اللحظة التي أطل فيها الرجل برأسه، فوجئ بها أمامه مباشرة.
حاول الفرار، لكنها قبضت على قميصه بقوة وقالت بحدة:
_تعالى هنا، وقولي بتعمل إيه، وعاوز مين؟
ارتبك الرجل وقال بتلعثم:
_ولا حاجة يا هانم، أنا بس كنت معدي من هنا.
شدت أمال على قميصه أكثر وقالت :
_كداب، أنا شوفتك امبارح في الجنينه اتكلم حالًا، مين باعتك، وجاي ليه؟ بدل ما أصرخ وألم عليك الناس وأوديك القسم.
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وقال في خوف:
_لا يا هانم قسم إيه بس، هقولك بس سيبيني.
هزته أمال بعنف:
_اخلص.
قال الرجل سريعًا:
_اسمي عماد، وأنا هنا عشان حماية الست ريم، وببعت أخبارها أول بأول لأهلها.
ضحكت أمال بسخرية وقالت:
_حمايتها، أكيد جابر هو اللي باعتك، صح؟
أومأ عماد برأسه بخفوت.
ولمعت عينا أمال فجأة بفكرة خطيرة، وقالت ببرود:
_رن عليه.
رمش الرجل بدهشة:
_هو مين؟
صرخت أمال فيه:
_بتستعبط، رن على جابر يلا.
أخرج عماد هاتفه بيد مرتعشة واتصل.
جاءهم صوت جابر من الطرف الآخر:
_إيه، في جديد؟
قال عماد بقلق واضح:
_حج جابر في ست ماسكاني، وأنا قلتلها إني هنا عشان حماية ست ريم..
انتزعت أمال الهاتف من يده فجأة وقالت :
_مفيش داعي للف والدوران يا جابر، أنا عارفة نواياك كويس، وفاكرة دخولك يوم كتب الكتاب.
ساد صمت قصير، قبل أن يأتيها صوته بوضوح:
_طالما عرفتي اسمي يبقى إنتِ ست قادرة إنتِ بقا عمتهم، صح؟
رفعت أمال حاجبها ، وقالت:
_وعرفت منين؟
أجاب جابر بغلظة:
_إنتِ الوحيدة اللي ملامحها كانت مقلوبة وقتها، باين إنك ما كنتيش عاوزة الجوازة دي.
ابتسمت أمال بخبث وقالت:
_بالضبط، زي ما أنت والراجل بتاعك مش غرضكم حماية ريم.
قال جابر بنفاد صبر:
_اخلصي، عاوزة إيه؟
ردت أمال بنبرة واثقة:
_أنا هساعدك وهمهدلك الطريق عشان تاخد ريم من هنا، من غير ما حد يشك.
جاءها صوته مهددًا:
_إوعي تكوني بتلعبي معايا، اللعب بالنار بيحرق صاحبه.
قالت أمال بمكر واضح:
_كنت لسه بتقول إنك فهمتني، ده انا قلت انك بتفهم اكتر من كده.
صمت جابر لثوانٍ، ثم قال أخيرًا:
_تمام... قولي خطتك.
بدأت أمال تسرد عليه ما فكرت به، وانتهت المكالمة بعد اتفاق واضح بينهما.
🌺🌺🌺
على الجانب الآخر، كان جابر يسير وسط أراضيه الزراعية برفقة عتمان عندما أنهى المكالمة.
نظر إليه عتمان بتردد واضح، ثم قال:
_جابر بيه...
توقف جابر عن السير، والتفت إليه ببطء وقال بجمود:
_شايف الكلام واقف على لسانك من بدري، قول.
تنحنح عتمان ثم سأل دفعة واحدة:
_ليه بتكره ست ريم كده؟
صمت جابر لثوانٍ طويلة، قبل أن يرد ببرود مخيف:
_وإنت عاجبك اللي عملته، كفاية هروبها، ميت لسان هيحكي علينا.
ثم سكت لحظة، وكأن ذكرى ما مرت بعقله، قبل أن يضيف بصوت أكثر قسوة:
_أنا بكره خلفة البنا، والبنت دي بالذات من صغرها بترد الكلمة بعشرة، قلت أجوزها وأرتاح منها، راحت هربت، تبقا تستاهل.
اشتدت ملامحه وهو يكمل:
_واللي أغلى منها راح دلوقتي جه دورها هي.
سبحان الله ويحمده🌺
في منزل جابر...
كان الجميع جالسين في الصالون، والمكان يسوده هدوء لا يقطعه سوى صوت التلفاز المنخفض.
نهض عبدالله من مكانه فجأة بعدما انهى كأس الشاي الخاص به، وقال بهدوء:
_هروح أشوف الأرض.
رفعت عظيمة رأسها إليه، وقالت بنبرة تحمل شيئًا من القلق:
_كلمت حازم نبهت عليه يا بني، أنا مش عاوزة أرن على أختك وأشغلها.
توقف عبدالله لحظة، وضرب جبهته بخفة كأنه تذكر شيئًا مهمًا، ثم قال:
_مش عارف إزاي راحت عن بالي، وأنا نازل هرن عليه، متقلقيش.
هزت عظيمة رأسها بهدوء، بينما قالت مروة بابتسامة خفيفة:
_ترجع بالسلامة.
التفت لها عبدالله وابتسم ابتسامة سريعة قبل أن يغادر، لكن هناء استقامت فجأة من مكانها، ولحقت به وهي تنادي بصوت مرتفع:
_عبدالله، عبدالله استنى
رفعت مروة حاجبيها بغيظ، ثم نهضت هي الأخرى سريعًا لتلحق بهما، تحت نظرات عظيمة التي ارتسمت على شفتيها ابتسامة من حالهم.
استدار عبدالله ناظرًا لهناء وقال:
_أيوة، في حاجة.
وقفت هناء أمامه مترددة قليلًا، ثم قالت بنبرة خافتة:
_كنت عاوزة أطلب منك حاجة.
أجابها عبدالله بهدوء:
_خير، سامعك.
قالت هناء:
_بابا خد مني تليفوني، وكنت عاوزة منك تجيبلي واحد.
أومأ عبدالله ببساطة وقال:
_تمام، هجيبلك.
ثم غادر .
استدارت هناء لتعود، لكنها تفاجأت بمروة تقف أمامها، تنظر لها بنظرة مشتعلة بالضيق.
مرت هناء من جوارها وكأنها لم ترها أصلًا، دون أن تنطق بحرف.
فقالت مروة بسخرية لاذعة وهي تتابعها بعينيها:
_عاوزة منك تجيبلي واحد، باردة ومستفزة... يا رب أخلص منكِ قريب.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم✨
كان فريد يقف أمام البحر، مستندًا بكوعه على السور ، يراقب الأمواج المتلاطمة بشرود،
وقفت عائشة بجواره، تتأمله بصمت للحظات قبل أن تتردد ثم تقول:
_أنت كويس؟
التفت إليها فريد ببطء، وقال بصوت منخفض:
_مش عارف، نرمين طلعت أختي.
تنهدت عائشة، ثم قالت برفق:
_عارفة إن اللي سمعته صعب، بس هتعمل إيه؟
أطرق فريد برأسه قليلًا، قبل أن يقول وأعينه تلمع بالدموع:
_أمي كانت مريضة قلب، كانت فاكرة إنها خلصت من الموضوع ده خلاص، وبعدين فجأة عرفت إن أبويا عنده بنت عشان كده ما استحملتش
.
شعرت عائشة بحزن على حاله ، فمدت يدها تربت على ظهره بحنو، وقالت بصوت دافئ:
_صدقني ده قدر ومكتوب... وهي دلوقتي في مكان أحسن من هنا بكتير.
فرت دمعة خائنة من عينه، فمسحها سريعًا بضيق، ثم تمتم:
_الحمد لله... الحمد لله على كل حال.
صمت قليلًا قبل أن يلتفت لها بابتسامة باهتة ويقول:
_تعبتك معايا النهارده يا عائشة.
لوحت بيدها بلا مبالاة مصطنعة، وقالت بنبرة مرحة:
_لا يعم، تعب إيه، ده أنا حتى زي مراتك.
ابتسم فريد رغماً عنه على قولها، ثم سألته :
_ناوي تعمل إيه؟
زفر فريد ببطء وقال:
_هواجه أبويا... بس بعد ما حازم يرجع من السفر.
هزت عائشة رأسها بتفهم، وقالت:
_وده الصح يا فريد.
التفت لها وقال محاولًا تغيير الأجواء:
_مش هوجع دماغك أكتر من كده، تعالي نفطر في أي مكان.
نظرت له بتردد وقالت بحرج:
_لا، مالوش لازمة.
لكن فريد قاطعها بإصرار:
_يلا بس، تعالي.
꧁꧁꧁꧂꧂꧂
في غرفة ريم...
كانت ريم مستلقية على الفراش، تتحدث في الهاتف مع حازم.
قال حازم من الطرف الآخر بنبرة قلقة واضحة:
_بنبه عليكي للمرة المليون إياكي تطلعي بره البيت عبدالله كلمني ونبهني ان جدك عرف بحملك.
زفرت ريم بضيق وقالت:
_خلاص بقى يا حازم، فهمت.
لانت نبرته قليلًا وقال بحنان:
_أنا بس خايف عليكي، خدي بالك من نفسك لحد ما أرجع.
ابتسمت ريم تلقائيًا، وقالت بهدوء:
_ما تقلقش، أوعدك مش هطلع غير و انت معايا، بس دلوقتي هروح أبص على نرمين.
قال حازم قبل أن ينهي المكالمة:
_ماشي يا حبيبتي، سلميلي عليها.
تمتمت ريم بابتسامة:
_يوصل يا حبيبي.
أغلقت الهاتف، ثم نهضت من فوق الفراش وتوجهت مباشرة لغرفة نرمين.
وقفت أمام الباب وطرقت عليه بخفة، وانتظرت لثوانٍ حتى فُتح الباب أخيرًا.
وما إن رأت ريم حتى ارتمت نرمين في أحضانها فجأة، اتسعت عينا ريم بدهشة، ثم ضمتها بحنان وهي تسمع شهقاتها المتقطعة.
قالت بقلق:
_مالك يا روحي، فيكي إيه؟
ابتعدت نرمين عنها قليلًا، فتمعنت ريم في ملامحها الذابلة، ووجهها الشاحب، وعينيها المتورمتين من كثرة البكاء.
قالت ريم بحنان:
_تعالي ندخل و نتكلم براحتنا.
دخلتا الغرفة، وأغلقت ريم الباب خلفها، ثم جلستا على الفراش.
سحبت ريم نرمين إلى حضنها، وقالت وهي تربت على شعرها:
_ابكي براحتك مش همنعك، بس قوليلي إيه اللي وصلك لكده؟
ظلت نرمين تبكي لثوانٍ طويلة قبل أن تهمس بصوت مكسور:
_أنا مخنوقة، وتايهة، وتعبت واللهِ تعبت.
أبعدتها ريم برفق، وأمسكت وجهها بين كفيها وقالت بقلق:
_حصل حاجة، مامتك ضايقتك تاني؟
نظرت لها نرمين، وقالت بنبرة خالية من الحياة:
_أنا وصلت لنهاية الطريق... طريق مفيش منه رجعة.
عقدت ريم حاجبيها بفزع وقالت بسرعة:
_تقصدي إيه؟
أجابتها نرمين :
_مش شايفة غير سواد قدامي، لحد إمتى هتحمل الإهانات دي، لحد إمتى هعيش في الكدبة دي، خلاص... أنا تعبت.
ارتجفت ريم بداخلها، وقالت بسرعة وقلق واضح:
_نرمين، إياكي تفكري تأذي نفسك لو محتاجة دكتور نفسي نروح سوا، أنا معاكي.
ضحكت نرمين بسخرية باهتة، وتذكرت كلمة أمها عندما وصفتها بالمجنونة، ثم قالت:
_بس أنا مش مجنونة... أنا بس هريح العالم كله مني.
انقبض قلب ريم بقوة، وشعرت برعشة خوف تسري في أوصالها واحتضنتها بقوة أكبر، فقالت نرمين بصوت خافت :
_ابقي قولي لأمي وخالي ممدوح... إني مش مسامحاهم.
اتسعت عينا ريم، وشددت على عناقها أكثر، بينما الخوف داخلها تضاعف.
يتبع...
دمتم بخير...