رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الثاني 2 بقلم عاصم زاهر خليل

رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الثاني 2 بقلم عاصم زاهر خليل


الرمح الصدئ والدم الساخن

​في منتصف الليل، حيث كان الجو بارداً لدرجة التجمد، كانت الرياح تعصف بأغصان الأشجار بعنف يصم الآذان. في تلك العتمة القارسة، كان عاصم يطوق جسده الذابل بذراعيه الصغيرتين محاولاً التشبث بآخر ما تبقى من دفء في جسده. بدأ الجوع يقرص معدته الخاوية بقسوة، ليذكره-رغماً عنه-أنه ما زال على قيد الحياة، رغم أنه أقسم قبل ساعات بأن قلبه لن ينبض بضعفٍ أبداً.

​وبين ألم الجوع القاتل والبرد الشديد، ومضت في مخيلته كلمات أخته الراحلة إسراء، وهي تخبره بأنه سيمضي في هذه الحياة وحيداً. تذكر مشهدها وهي مرمية على العتبة غارقة في دماء شرفها الطاهر، وفي تلك اللحظة بالذات، انبعثت في روحه جذوة عنادٍ مرعبة، واشتد عزمه على البقاء.. لن يموت هنا!

​بدأ عاصم نزوله الصارم من الجبل متجهاً نحو الجهة الأخرى، ومع أولى خطواته عند سفح الجبل، خطت قدماه داخل "الغابة السوداء". سُميت بهذا الاسم لأنه لم يكن هناك رجلٌ واحد يملك الجرأة ليطأ أرضها وحيداً، لكن عاصم، ورغم صغر سنه وجسده النحيل، اقتحم عتمتها بشجاعة مئة رجل، ولم يداخل قلبه ذرة من خوف.

​كانت الغابة موحشة، أشجارها شاهقة ومتشابكة لدرجة تحجب الضوء وتبعث الرهبة في النفوس حتى في وضح النهار، فما بالك بطفل في التاسعة من عمره يخترق مجاهلها في حلكة منتصف الليل؟!

​ما إن توغل عاصم في الداخل، حتى سرت قشعريرة في جسده؛ شعر وكأن عيوناً غير مرئية تراقبه من بين الظلال. التفت يميناً ويساراً، باحثاً في العتمة، لكنه لم يجد شيئاً. واصل تقدمه بثبات، وأثناء سيره، ارتطمت قدمه بقطعة حديدية قديمة وصدئة جداً، تشبه الرمح في تصميمها. انحنى وأخذها، متسلحاً بها ليدافع عن نفسه إذا ما هاجمه أي خطر مجهول.

​أكمل طريقه حتى بلغ منتصف الغابة، حيث أصبحت الأشجار أكثر كثافة وتشابكاً. هناك، لمحت عيناه شجرة توت بري تحمل بضع ثمرات. تحرك نحوها بلهفة، وتحت وطأة الجوع المبرح، خف حذره للحظة وتناسى شعور المراقبة الذي كان يلاحقه. مد يده الصغيرة ليقتطف التوت، ولكن فجأة.. انشق ظلام الغابة الدامس عن جسد رمادي ضخم!

​وثب باتجاهه ذئب شرس، كشّر عن أنيابه الفتاكة التي يسيل منها اللعاب جوعاً وفكاً يطلب الموت. تراجع عاصم خطوة إلى الوراء بغريزة البقاء، واستل القطعة الحديدية عن ظهره؛ ورغم أن قلبه كان يرتجف خوفاً، إلا أن روحه رفضت الاستسلام. قفز الذئب بضراوة عمياء وطرح الصغير أرضاً. استقر جسد الوحش الفروي الثقيل فوق صدره، كاد يسحق عظام قفصه الصدري، لكن عاصم جاهد بكل ما يملك من قوة برية ليتحرر من تحته. اقترب فم الذئب من وجهه، وأنفاسه الكريهة الساخنة تضرب بشرته، وكان على وشك قضم عنقه، لكن عاصم جمع كل قوته في قدميه وضرب بطن الذئب بدفعة هائلة، ليقذفه بعيداً ويتحرر من قبصته.

​نهض عاصم في الحال كالمجنون، والقطعة الحديدية مشهرة في يده. اندفع الذئب مجدداً في قفزة مميتة نحو عاصم، لكن هذه المرة، انخفض الصغير بذكاء نحو الأسفل، ووجّه ضربة قاطعة بالقطعة الحديدية نحو بطن الذئب مباشرة! اخترق النصل الحديدي الصدئ أحشاء الوحش وخرج من ظهره، لتتناثر الدماء الساخنة بغزارة وتغطي جسد عاصم بالكامل.

​سقط عاصم على ركبتيه بجانب جثة الذئب الهامدة، يلهث بعنف، وعيناه مثبتتان في الفراغ من فرط الذهول. وفجأة، كسر هدوء الليل القاتل صوت حوافر حصان تقترب بسرعة جنونية، وشعاع ضوء خافت يشق الأشجار الكثيفة. حاول عاصم غريزياً رفع رمحه الصدئ مستعداً لمواجهة الموت المحتوم، لكن جسده المنهك خانه، فخارت قواه وسقط على الأرض فاقداً الوعي.

​ومن بين ضباب الأشجار، ظهر فارس طويل القامة، شديد البنية، يمتطي جواداً أصيلاً. اتسعت عينا الفارس بذهول مرعب وهو يشهد هذا المنظر غير القابل للتصديق: طفل صغير غارق بالدماء، وبجانبه ذئب ضخم مقتول.. لقد كان الفارس "زاهر".

​ترجل زاهر سريعاً عن جواده، واقترب من عاصم ليتفقد إن كان حياً أم ميتاً. وعندما جثا بجانبه، تملكه الانبهار؛ طفل في التاسعة من عمره، ملثم بوشاح أبيض مدمى، والدم يغطي كامل جسده، وبجانبه ذئب صُرع بقطعة حديد صدئة تشبه الرمح!

​صدم زاهر لثوانٍ، ثم مد يده ليخلع الوشاح الأبيض عن وجه الصغير ليكتشف هويته، لكن عاصم، ورغم غرقه في اللاوعي والملامسة الوشيكة للإغماء التام، جاهد بآخر رمق لديه، وأمسك بيد زاهر بضعف، ونطق ببضع كلمات خرجت بصعوبة بالغة: «أرجوك.. لا تنزعه!».. قالها، ثم غاب عن الوجود بالكامل.

​احترم زاهر رغبة الصغير الجريء ولم يلمس الوشاح. رفعه بين ذراعيه الفولاذيتين بعناية، واعتلى صهوة جواده، متوجهاً بإنقاذ نحو قريته المجاورة لقرية عاصم.

​ومع انقشاع ظلام الليل وتنفس صبح جديد يحمل في طياته آلاماً وجروحاً لا دواء لها، وصل زاهر إلى أطراف قريته. أبطأ سرعة الحصان، وتجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر بذهول.. كانت معظم المنازل مهدّمة ومحترقة، وأصوات عويل النساء تملأ الأفق وتصم الآذان! لقد تعرضت قريته لنفس المجزرة السوداء التي حلت بقرية عاصم.

​ضربت الرعدة قلب الفارس، وتذكر زوجته وابنته الوحيدة اللتين تركهما بلا حميد في المنزل. صرخ في عقله: هل حدث لهما مكروه؟!

انطلق بالجواد بأقصى سرعته، وما إن وصل إلى بيته حتى قفز عن صهوة الجواد وعاصم ما زال مغمى عليه بين يديه. ركض نحو المدخل، ودفع الباب بقوة تحطيمية، ليتسمر في مكانه من هول المشهد.. كان المنزل مهدماً ومديراً بالكامل، ولكن زوجته وابنته لم يكن لهما أثر! وعلى الأرض، تمددت قطرات دماء طازجة، جعلت قلب الفارس الصنديد على وشك التوقف.

​انهار زاهر بالكامل، وجثا على ركبتيه وعيناه تفيضان بالدموع التي بدأت تنزل ببطء لأول مرة في حياته. ومن شدة الصدمة التي شلت حواسه، سقط عاصم من بين يديه على الأرض.

​أفاق عاصم إثر السقوط، وجسده يئن من الإنهاك، لكن ما أذهله هو المكان الغريب الذي وجد نفسه فيه، ومن هذا الرجل القوي الذي يبكي بنحيب بجانبه؟ وقف عاصم على قدميه بتثاقل، ونظر إلى أرجاء المنزل المهدم، فاستدعى عقله مشهد عائلته ومجزرة قريته فوراً. في تلك اللحظة، لم يضعف عاصم، بل اشتعلت في داخله عزيمة وقوة وإصرار على الانتقام لدرجة أنه نسي جوعه ولم يعد يشعر بأنه لم يذق طعاماً طوال يومه.

​تقدم الفتى بخطوات ثابتة نحو الفارس المنهار، ووضع كفه الصغيرة على كتف زاهر العريض. كانت عينا عاصم المشتعلة من خلف الوشاح تشعان بقوة وإصرار لا مثيل لهما على وجه بشر، وقال بنبرة حازمة: «لا أعرف من أنت.. ولكن أرجوك، لا تبكِ! لقد حدث معي ما هو أشد مروعة من هذا، ولم تبكِ عيني قط.. لكني أعدك، أنني سأصبح أقوى مقاتل في هذا العالم، وسأنتقم لعائلتي، وبعدها.. سأنتقم لك! أعدك بهذا».

​عندما تغلغلت كلمات عاصم في مسامع زاهر، صدم الفارس، وأدرك أن هذا الصغير قد مرّ بحدث جهنمي ومروع جعله يتحدث بهذه الصلابة في هذا السن المبكر.

​تماسك زاهر ونهض واقفاً بكل طوله، ونظر إلى الطفل قائلاً بنبرة ولد فيها أمل جديد: «لا أعلم ما الذي حلّ بك يا صغيري.. ولكن بهذه الكلمات وتلك العزيمة، أدركت أنني أنا الفارس الذي لا يهاب شيئاً ولم يخسر معركة طوال حياته، قد خسرت اليوم أمام طفل! لأنني بكيت بينما أنت لم تبكِ رغم فداحة مصابك. ولكن، بعد رؤية هذا الإصرار الحارق في عينيك، أعدك.. من اليوم، سأعلمك كل فنون القتال، والمبارزة بالسيف، والصيد بالسهام! ولن أتوقف عن تدريبك حتى تتفوق عليّ في كل شيء.. وبعدها، سنمضي وننتقم لعائلاتنا معاً! والآن...»

​كان زاهر على وشك إكمال عهده، ولكن قاطع كلامه صوت امرأة ينبعث من الخارج بنبرة لاهفة: «زاهر؟! وأخيراً عدت!»

​التفت زاهر بلهفة جنونية شقت صدره، وإذا بزوجته "سمية" واقفة وهي تحمل جرة ماء فوق رأسها، وبجانبها طفلة صغيرة تقارب السابعة من عمرها. لم يصدق زاهر عينيه، ركض نحوهما كالمجنون، وارتمى يحتضن زوجته بلهفة وحرقة وهو يهمس: «سمية! هل أنتِ بخير؟!»، ويرفع رأسه للسماء حامداً الله ومستعظماً شكره على سلامتهما.

​هنا، قاطعته الطفلة الصغيرة بعبوس طفولي لطيف، وقالت: «أبي! وأنا؟ هل لن تحتضنني أنا أيضاً؟»

جثا زاهر قبالتها فوراً، وضّمها إلى صدره بكل قوته، يستنشق عبير شعرها وهو يكرر بنحيب فرح: «الحمد لله على سلامتكما.. الحمد لله!»

​في هذه الأثناء، كان عاصم ما زال واقفاً عند عتبة الباب.. ينظر إلى مشهد العائلة المجتمعة، والضم الحنون الذي حُرِم منه للأبد. شدّ على قبضتيه الصغيرتين بكل غيظ وقهر حتى كادت عروق يديه تنفجر، واحمرّت عيناه بشدة، حتى خُيِّل للناظر أن جفونه تقطر دماً خالصاً من فرط الألم والحقد على من حرمه عائلته..



                   الفصل الثالث من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة