رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الثالث 3 بقلم عاصم زاهر خليل

رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الثالث 3 بقلم عاصم زاهر خليل


"حصانة الذئب وصدمة الفارس"

​بينما كان زاهر غارقاً في بهجته، يغمر زوجته وابنته بالأحضان والقبل، مستمتعاً بلم شمل العائلة الدافئ، كان عاصم يرقب المشهد من عند عتبة الباب بصمت قاتل. قبض بيمينه على شماله بقوة مفرطة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، واشتد احمرار عينيه من فرط الغيظ والقهر، حتى خُيِّل للناظر أنها ستقطر دماً خالصاً.

​لم يعد الصغير يطيق احتمال هذا التناقض الحارق، فصاح بنبرة حاسمة مزقت دفء المكان: «كفى!»

اتجهت كل الأنظار نحوه بغتة. شهقت سمية بذهول وقالت بنبرة يسكنها الخوف: «زاهر! من هذا الطفل؟! ولماذا يتلثم بهذا الوشاح الأبيض المغطى بالدماء، وتكسو ثيابه الأشلاء؟ أخبرني ماذا حدث!»

​سرد زاهر على زوجته باختصار قصة لقائه الصادم بالفتى في مجاهل الغابة السوداء، ثم التفت إليها وقال بلهفة: «أخبريني أنتِ الآن، ماذا حدث هنا؟ وأين كنتِ في هذا الوقت العصيب؟»

كانت سمية على وشك الإجابة، لكن حركة مفاجئة جذبت انتباه زاهر؛ كان عاصم قد أدار ظهره وبدأ يسير في الاتجاه المعاكس للبيت.

​ناداه زاهر بصوت جهوري: «يا طفل! توقف.. توقف يا ذئب!»

تراجع الصغير ووقف قبالته، فاقترب منه زاهر وسأله بعطف: «من أنت حقاً؟ وإلى أين أنت ذاهب في هذه العتمة؟ وكيف انتهى بك المطاف وحيداً في الغابة السوداء الخطرة؟ أخبرني بكل شيء، ويمكنني مساعدتك».

نظر إليه عاصم من خلف لثامه وقال بصلابة: «أولاً.. اسمي هو "الذئب"، وأنا من قرية تُدعى "الشعابية"».

وقصّ عاصم على الفارس كل ما حلّ بقريته وعائلته من مجزرة وإبادة، لكنه كتم في صدره اسمه الحقيقي وأسماء أفراد عائلته ولم يظهرها قط.

​تأثر زاهر بشدة وقال بأسى: «أنا آسف يا بني.. آسف لأنني جعلتك تشاهد فرحتنا بلم شمل عائلتي وأنت في هذه الحال. ولكن، أعدك عهد فرسان أنني سأساعدك وسننتقم لعائلتك معاً. والآن، يمكنك نزع هذا اللثام عن وجهك لندخل ونأكل، فيبدو أن الجوع قد نال منك».

رد عاصم بجمود لا يلين: «لن أنزعه أبداً.. لقد قطعتُ عهداً لوالدتي».

تعجب زاهر وسأله: «ولكن، كيف ستأكل وتشرب وهذا الوشاح يغطي وجهك؟»

أجاب عاصم: «عند الطعام أو الشراب، سأختبئ في مكان لا يراني فيه كائن».

تنهد زاهر محترماً رغبته: «كما تشاء.. والآن دعنا ندخل لتخبرنا سمية بما جرى».

​دخلوا جميعاً إلى المنزل، وما إن وطأت أقدام سمية وابنتها الدار، حتى صُدمتا بآثار الدمار الهائل وقطرات الدماء المتناثرة على الأرضية. قالت سمية برعب: «زاهر! ماذا حدث لمنزلنا؟!»

هنا تملكت الصدمة زاهر نفسه، التفت إليها وقال بعجلة واستنكار: «لا تقولي إنكِ لا تعرفين شيئاً عما حدث!»

أجابت سمية مدافعة عن دهشتها: «بالفعل لا أعلم شيئاً! عندما نفد الماء من الدار، أخذتُ "إسراء" وذهبت إلى البئر، وبما أنه بعيد نسبياً، خشيتُ أن تظل الطفلة وحدها في البيت فأخذتها معي، ولا علم لي بأي شيء آخر».

​في تلك اللحظة، ضربت صدمة صامتة وجدان عاصم؛ حين علم أن الطفلة الصغيرة تحمل اسم أخته الراحلة "إسراء". تحولت نظراته القاسية نحو الطفلة، ونظر إليها بحنان دافئ وغموض دفين.

تنفس زاهر الصعداء وقال: «لحسن الحظ أنكنّ غادرتنّ الدار، وإلا فلا أدري أي مصير كان ينتظركنّ! ولكن، ما يحير عقلي هو من الذي دمر المنزل هكذا؟ ولمن تعود هذه الدماء؟»

ثم التفت إلى زوجته وتابع: «أنتِ أعدّي لنا ما تيسر من الطعام، وأنا وإسراء والذئب سنبحث في الأرجاء عن أي أثر يدلنا على الفاعل».

​انتشروا في زوايا المنزل المهدم، يفتشون بعشوائية بين الحطام. بحثوا حتى نال منهم التعب دون جدوى، فجلسوا جميعاً في بقعة واحدة لالتقاط أنفاسهم. وعندما أقبلت سمية وتحمل الطعام، لمحت عينا عاصم الثاقبتان شيئاً يلمع بشكل غريب، عالقاً عند حافة الباب المكسور.

نهض عاصم وسار بتروٍ وهدوء حتى وصل إليه، وإذا بها قلادة ذهبية اللون، محاطة بكتابات ونقوش غامضة، غارزة في خشبة الباب المهشمة.

​انتزعها عاصم بيده الصغير، فلمحها زاهر ونهض بسرعة خاطفة، وانتزع القلادة من يد عاصم ليتفحصها بتمعن دقيق. سكنت الملامح وجه الفارس، وصاح بغضب: «اللعنة! يجب أن نرحل من هنا اليوم.. اليوم قبل أن يعودوا!»

سألته سمية بذعر: «ومن هم الذين سيعودون؟»

أجاب زاهر وعيناه تملؤهما الرهبة: «هل تعلمين ما هذه القلادة ولمن تعود؟ إنها رمز "السحرة" التابعين للملك! ولا أحد من البشر يمكنه مجابهتهم وجهاً لوجه. ولذلك، سنلوذ فوراً بأعماق الغابة السوداء؛ لقد عثرتُ في أحد الأيام هناك على كهف واسع جداً، سيكون مخبأنا المثالي في هذا الوقت، فحتى السحرة يخشون اقتحام الغابة السوداء، وهناك سأتمكن من تدريب "الذئب" بكل أريحية ودون أن يكتشف أمرنا أحد. والآن، لنتناول طعامنا، ومع حلول الظلام سنغادر».

​عندما جلس الجميع حول المائدة، بقي عاصم واقفاً ينظر إليهم دون نطق بكلمة. فهم زاهر على الفور أن الفتى يرفض خلع لثامه أمامهم، فغرف له طبقاً وافراً من الطعام وقال: «إذهب إلى غرفة إسراء وتناول طعامك هناك»، وكانت الغرفة تقع في مواجهتهم مباشرة.

​ما إن دخل عاصم وأغلق الباب، حتى التفتت سمية إلى زوجها وقالت بهمس يحمل الحيرة: «زاهر.. هذا الطفل، عيناه تشبهان تماماً عيني أختي التوأم التي اختُطفت ونحن في سن الخامسة عشرة.. تشبهها كثيراً، وكأن عيني أختي الراحلة تنظران إليّ من خلف ذلك الوشاح!»

صدم زاهر وقال بنبرة حازمة: «مستحيل يا سمية! بعد اختطاف أختك بأشهر قليلة، وصلتنا أخبار مؤكدة بأنها ماتت لأنها قاومت الخاطفين البغاة وكانت ستكشف هويتهم فقتلوها. وحتى عندما انضممتُ إلى سلك الفرسان، نبشتُ في هذا الأمر وتحققتُ ووجدتُ أنها ماتت بالفعل».

طأطأت سمية رأسها وقالت بأسى: «حسناً، لا تشغل بالك.. لعلي بالغت في تفكيري من فرط الصدمة».

​هنا، قطعت الطفلة إسراء الصمت الطويل بسؤال بريء: «أبي.. هل "الذئب" هو ابن خالتي؟»

ابتسم زاهر مسيحاً على رأسها وقال: «لا يا ابنتي.. ولكن من اليوم، اعتبريه أخاكِ الأكبر، وعندما تنادينه، ناديه بـ "أخي"، اتفقنا؟»

قفزت إسراء ببهجة وقالت: «اتفقنا!»

​انقضى بقية النهار سريعاً، وحل الظلام الحالك. كان عاصم ما زال مستلقياً في غرفة إسراء، يغط في نوم عميق، وجسده يتصبب عرقاً غزيرًا تحت وطأة كابوس مرعب يمزق روحه.

كان يرى في منامه أمه الراحلة، تمسد على رأسه بحنانها المعهود وتقول له: «يا بني.. عش حياتك ولا تحزن من أجلنا. لقد أتيتُ إليك الآن لأفشي لك سراً عظيماً لا يعلمه كائن في هذا الوجود غيري.. في أعماق الغابة السوداء، يوجد كهف جميل، لقد خبأتُ في جوفه شيئاً تفوق قوته كل خيال.. لقد....»

​وقبل أن تكمل الأم جملتها، انتفض عاصم واقفاً في فراشه يرتجف رعباً ويلهث بعنف، إثر طرقات متتالية على الباب. استجمع شتات نفسه على عجلة، وفتح الباب ليجد الصغيرة إسراء أمامه.

نظر إليها بحنان وقال: «ماذا هناك؟»

قالت الطفلة بلهفة: «سنغادر المنزل الآن يا أخي، ولولا ذلك ما كنتُ لأوقظك».

ربت عاصم على رأسها بلطف وقال: «لا مشكلة.. لنذهب الآن».

​حزم الجميع أمتعتهم على عجل، وتحركوا متسللين نحو الغابة السوداء. اعتلت سمية وإسراء صهوة الحصان الأقوى، بينما كان عاصم يسير بصلابة عن يمين الجواد، وزاهر يحرسهم ماشياً عن جهة اليسار. واصلوا مسيرهم الصامت وسط عتمة الليل الشديدة، حتى وصلوا أخيراً إلى أطراف الغابة السوداء.. وهناك، شلّت المفاجأة حركتهم!

​كان هناك "ساحرٌ" متشح بالغموض، واقفاً بانتظارهم عند مدخل الغابة مباشرة!

نظر الساحر إلى زاهر بابتسامة خبيثة تفوح بالمكر، وقال بنبرة متهكمة: «أوه.. صديقي القديم! أين تظن نفسك ذاهباً في عتمة الليل؟ لقد اشتقتُ إليك كثيراً يا زاهر.. تعال إلى هنا لأضمك، ونسترجع معاً أيام الطفولة الخالية!»

​برقت عينا زاهر بغضب لاهب، واستل سيفه قائلاً بوعيد: «إنه أنت إذن! لم أكن أتوقع وجودك هنا أبداً.. ولكن بما أن القدر قد ساقك إلى طريقي الآن، فاشهد على روحك، لأني سأقطع رأسك النجس اليوم!»

ضحك الساحر باستهزاء وقال: «وهل تظن حقاً أنك قادر على التغلب عليّ؟»

​وفي لمحة عين، مد الساحر يده بالهواء باتجاه زاهر، وقبض على أصابعه بعنف وكأنه يمسك بعنقه ويخنقه من بعيد. والغريب في الأمر، أن زاهر شعر بالخنق فعلياً! انقطع الهواء عن صدر الفارس، وبدأ جسده يرتجف. زاد الساحر من ضغط قبضته السحرية بقوة مفرطة، بينما كانت سمية وإسراء تصرخان وتبكيان بحرقة، ترجوان الساحر أن يترك زاهر، لكنه كان كالأصم لا يسمع عويلهما، واشتد الضغط حتى شارف زاهر على لفظ أنفاسه الأخيرة والوقوع صريعاً.

​في تلك اللحظة القاتلة، وثب عاصم بشجاعة مذهلة واستقر بجسده قبالة الساحر مباشرة، مشهراً في وجهه الرمح الصدئ، وصاح بغضب: «توقف.. توقف وإلا قتلتك الآن!»

انفجر الساحر بضحك مجنون وساخر، وقال بتحقير: «أنت؟! أنت من سيقتلني أيها الصغير؟!»

​أرخى الساحر قبضته عن زاهر-الذي سقط على الأرض يتنفس بعنف وتسارع-وحوّل طاقته السحرية وقبض يده باتجاه عاصم ليخنقه ويميته. ولكن.. حدث ما لم يكن في الحسبان! لم يحدث لعاصم أي شيء!

تعجب الساحر، وحاول مرة أخرى بقوة أكبر وبتركيز شديد، وقبض يده بالهواء.. ولكن عاصم بقي واقفاً كالجبل الصامد، دون أن يتأثر بذرة من السحر!

​تراجعت ثقة الساحر، وامتد الرعب إلى أوصاله، وبدأ يتأتأ بكلمات متقطعة وخوف مهيب: «مـ.. من أنت؟! لماذا.. لماذا لم يعمل سحري معك ي هذا؟! ما هذا الجحيم!»

​وقعت كلمات الساحر المرعوبة كالصاعقة على مسامع الجميع، وتملكت الصدمة زاهر وهو يراقب المشهد من على الأرض، ويحدث نفسه بذهول: من يكون هذا "الذئب" حقاً؟! إن كان هذا اسمه الفعلي.. وما هي خلفيته وسلالته حتى يخرّ السحر عاجزاً أمام جسده الطفولي؟!

​لكن الفارس المتمرس أدرك أن هذا ليس وقت الأسئلة، بل وقت الدماء! استغل رعب الساحر وانشغاله بالصدمة، فاستل سيفه بلمحة البرق، ونهض بخفة فارس خاض مئات الحروب. وبسرعة خاطفة لا تدركها الأبصار، لوّح بسيفه الفولاذي ضربة قاطعة هائلة.. فصلت رأس الساحر عن جسده، ليتدحرج الرأس على الأرض وعيناه ما زالتا متسعتين من فرط الرعب من عاصم..



                   الفصل الرابع من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة