رواية قدر ومكتوب الفصل السادس عشر 16 بقلم هدير ممدوح


رواية قدر ومكتوب الفصل السادس عشر 16 بقلم هدير ممدوح



دقت الساعة الواحدة مساءً.

كان حازم يتأفف بغيظ وهو يلج إلى المطبخ خلف ريم، ثم قال بضجر :
_يا بنتي ما نطلب أكل جاهز، أو ناكل أي حاجة موجودة مطلعة فراخ ليه، هو احنا هنطبخ الساعة واحدة بالليل؟!

وضعت ريم طبقًا ممتلئًا بالبصل فوق الرخامة، ثم التفتت إليه بنظرة حادة قائلة:
_اسكت بقى صدعتني امسك قطع البصل، وأنا هروح أشطف الفراخ.

عقد حازم حاجبيه بعدم تصديق، وأشار إلى نفسه قائلًا:
_أنا هقطع بصل! 

رفعت ريم حاجبها وقالت بإبتسامة مصطنعة:
_أيوة أنت، يلا خلص بقى.

أمسك حازم السكين على مضض وهو يتمتم بنبرة درامية:
_عجبي عليكِ يا زمن...

ثم رفع البصلة أمام وجهه وأضاف:
_ودي هقطعها إزاي بقى. 

ردت ريم وهي تفتح الماء على الفراخ:
_شرايح، ولا أقولك جوليان أحسن.

توقف حازم فجأة ونظر إليها بإستغراب:
_مين جوليان دي؟!

التفتت له ريم، ثم انفجرت ضاحكة وقالت:
_لا يا حبيبي، ده نوع تقطيع مش بني آدمة!

هز حازم رأسه بيأس وقال:
_الله يكون في عوني.

قالت ريم وهي تكمل عملها بحماس طفولي:
_أنا هعمل أحلى صينية بصل بالفراخ على طريقة الشيف نادية السيد، آه يا سلام... ومرة تانية هبقى أعمل كيكة الشمواه.

حدق حازم بها وقال بجدية:
_كيكة وشمواه، مش الشمواه ده نوع جزمة؟

تجمدت ريم مكانها لثانية، ثم نظرت له قائلة:
_لا... لا بجد أنت محتاج إعادة تأهيل يابني.

ابتسم حازم وقد بدأت عيناه تدمعان من البصل، وتساءل:
_وإنتِ تعرفي الشيف نادية دي منين أصلًا؟

قالت بفخر وهي تشير إلى هاتفها الذي تركته  جانباً:
_طبعًا أعرفها، بشوفها كل يوم على اليوتيوب.

قذف حازم عليها قشر البصل، فأطلقت شهقة مستنكرة وقالت:
_إيه ده يا قليل الذوق.. 

ثم اقتربت منه وانتزعت السكين من يده وهي تقول:
_اوعى كده، ليك ساعة في بصلة واحدة، زماني خلصت الأكل كله.

مسح حازم دموعه الناتجة عن البصل وقال بتذمر:
_خلصتي إيه، ده الأكل عاوز له كمان ساعة عشان يستوي.

لوحت ريم بيدها بلا مبالاة:
_مالكش فيه، اقعد على جنب واتفرج زي الشطار.

تنهد حازم واستند على الرخامة قائلًا:
_لا شطار إيه بقى، أنا هعمل لنفسي فنجان قهوة، شكل السهرة طويلة.

وبحركة سريعة وماهرة، أنهت ريم تجهيز الصينية وأدخلتها الفرن، ثم أغلقت الباب بابتسامة منتصرة.

ثم التفتت إليه فجأة وقالت بحماس:
_عاوز ولد ولا بنت، وهتسميه إيه؟

ارتشف حازم من فنجانه وقال بابتسامة دافئة:
_نفسي في ولد وأسميه إياد، بس طبعًا أي حاجة من عند ربنا هتبقى نعمة، وإنتِ؟

وضعت ريم يدها فوق بطنها بحنان وقالت بحالمية:
_أنا نفسي في بنت... هسميها يقين، هتبقى أحب ليا من نور عيني، هعيش معاها طفولتي كلها، هعملها سريحات قمر، وهجيب لها لبس حكاية، آه يا سلام بس تيجي بالسلامة. أنا مستنية بس أعرف الجنس عشان أبدأ أشتري كل حاجة.

ابتسم حازم لها بحب واضح وقال وهو يتأمل ملامحها:
_إن شاء الله تبقى بنوتة حلوة زيك قوليلي بقى، هتعملي إيه كمان؟

أسرعت ريم تفتح هاتفها، وهي تجلس أمامه على مقعد جاء به هو ووضعه داخل المطبخ، وعرضت عليه صور أطفال، وأخذت تحكي بحماس عن الألعاب والملابس وتسريحات الشعر، بينما كان ينظر لها مبتسمًا وكأنه يحاول حفظ ملامحها.

مر بعض الوقت، وفجأة استنشق حازم الهواء وقال بريبة:
_ريم... هو الأكل ريحته طلعت، ليكون اتحرق؟

وثبت ريم واقفة بفزع:
_لا، مستحيل!

واندفعت نحو الفرن، بينما لحق بها حازم ضاحكًا
.
فتحت هي الفرن بحذر، ثم أخرجت الصينية وقالت بانبهار:
_يا سلام، قمر... قمر والله، شامم الريحة؟

اقترب حازم منها وهو يبتلع ريقه وقال باشتهاء:
_أهو ده الكلام الصح، دلوقتي عرفت ليه بيقولوا أقرب طريق لقلب الراجل معدته.

وضعت ريم الصينية على الطاولة، بينما التقط حازم كيس الخبز من الثلاجة، ثم اتجهوا إلى الصالون. 

قال حازم وهو ينظر حوله بحذر:
_يا دي الكسفة لو حد شافنا دلوقتي.

جلست ريم على الأريكة وقالت وهي تسحب الطبق نحوها:
_فكك منهم بس وكل.

تناول حازم أول لقمة، ثم أغمض عينيه باستمتاع وهتف:
_جميلة، بس دسمة شوية، متأكدة إننا هناكل منها ومش هنتخن؟

قالت ريم وهي تمضغ الطعام بفم ممتلئ:
_لا، الشيف نادية بتاكل ومبتتخنش.

ضرب حازم كفًا بكف وقال مستسلمًا:
_يا دي الشيف نادية، خلصي بقى ونلم الزيطة اللي عملناها في المطبخ قبل ما حد يحس بينا.

ردت ريم بصوت متخشرج وهي مستمرة في الأكل:
_ماشي، بس بلاش كلام كتير وسيبني آكل.

ضحك حازم على شكلها الطفولي وقال:
_غريبة، أنا بسمع إن الحامل بترجع لما تشم ريحة الفراخ.

رفعت إصبعها بفخر وقالت:
_نحن نختلف عن الآخرون.

تأفف حازم باشمئزاز مصطنع:
_طيب ابلعي اللي في بوقك الأول وبعدين اتفلسفي.

ابتلعت ريم الطعام وقالت بخفوت:
_يكون أريح فعلًا.

فضحك حازم بصوت عالٍ، بينما استمرت هي في تناول الطعام بسعادة.

    
       صلي على محمد ✨

صباحًا في منزل جابر، وتحديدًا في غرفة عبدالله...
ولج عبدالله إلى الداخل، فرأى مروة جالسة على الفراش. وما إن رأته حتى اعتدلت في جلستها قائلة بقلق:
_كنت فين؟ وبايت برّه ليه؟. 

نزع عبدالله حذاءه، وجلس على المقعد الموجود أمام طاولة الزينة، ثم قال بضيق:
_مليت يا مروة، مليت من العيشة دي.

اقتربت منه مروة وقالت برجاء:
_خلاص، نمشي من هنا.

رد عبدالله بحدة مكتومة:
_قولتلك وجودي جنب جدي مهم، لازم أعرف تحركاته بخاف يأذي ريم، وعاوز أطمن عليها.

قالت مروة بضيق:
_ريم بقالها شهر متجوزة، وأهي بخير خلينا نمشي من هنا.

قال عبدالله بحدة:
_مش همشي من هنا غير لما أسجنه، وبعدين إنتِ ناسية اللي عملتيه امبارح، إحنا كده مش هنخلص منه أبدًا. 

قالت مروة بانفعال:
_البنت دي خبيثة، أصلًا لما دخلت عليها كانت بتعيط، وكنت ناوية أهربها تروح للي بتحبه ونخلص منها.

تنهد عبدالله وقال بنبرة هادئة:
_يا مروة، كل حاجة هتتحل بس بالصبر.

قاطع حديثهما صوت طرقات على الباب، فقال عبدالله:
_اتفضل.

دخلت عظيمة، وقالت بلهفة:
_أختك ريم حامل يا عبدالله.

قالت مروة بابتسامة:
_ألف مبروك يا مرات عمي.

استقام عبدالله واقترب من والدته قائلًا بدهشة:
_ده خبر حلو، بس مال وشك مخطوف ليه؟. 

ردت عظيمة بقلق:
_امبارح من فرحتي قولت الخبر قدام جدك، وهو وشه اتغير فجأة،  وأنا خوفت على أختك.

قال عبدالله بهدوء:
_متقلقيش، هكلم حازم وأنبه عليه ما يسيبهاش تطلع لوحدها.

هزت عظيمة رأسها وقالت:
_ماشي يا ابني هروح أحضر الغدا.

ولحقت بها مروة قائلة:
_وأنا هاجي معاكي يا مرات عمي.

         '        ꧁꧁꧁꧂꧂꧂

في غرفة فريد...
كان فريد مستلقيًا على فراشه، فقال بهدوء:
_يعني طلعت حامل فعلًا.

ردت عائشة، الجالسة مقابله على الأريكة:
_أيوة، وأول ما رجعنا امبارح حازم قالي أروح أقول لعمو ممدوح، وفرح جدًا لما عرف.

قال فريد بابتسامة خفيفة:
_وجود طفل في البيت هيفرح العيلة... كلنا متحمسين.

ثم تعجب من شرودها فيه، وقال:
_إيه، بتبصيلي كده ليه؟

ضحكت عائشة فجأة وقالت:
_يا نهار أبيض، ده إيه ده بس؟

قطب فريد حاجبيه وقال:
_هو إيه العبط ده كمان. 

اقتربت منه عائشة، وأمسكت وجهه بين يديها، تديره يمينًا ويسارًا تحت نظراته المتعجبة، وقالت:
_إزاي بس ما خدتش بالي من الدموية اللي في وشك دي، ولا سقيانك؟ يعني ده وش واحد عايش حياة صحية صعبة، ومش قادر يمشي. 

أزاح فريد يدها وقال بسخرية:
_عينك يا بابا... ابقي فكريني أرقي نفسي.

جلست عائشة بجانبه وقالت بجدية:
_فريد، اسمعني بجد أظن ده الوقت إن الكل يعرف إنك قادر تمشي.

رد فريد بحزم:
_مستحيل، مش هضيع كل اللي عملته، إنتِ مش عارفة أنا صبرت قد إيه، اللي عمل كده لو شافني واقف على رجلي، هيحاول للمرة التانية.

قاطعته عائشة قائلة:
_وده اللي عاوزة أوصله ليك، إحنا ممكن بسهولة نعرف مين السبب، لو ظهرت قدامهم وكمان إنت نفسك هتتحرك براحتك.

صمت فريد لثوانٍ، ثم قال:
_فهمتك يا عائشة... بس خليني أفكر.

              سبحان الله وبحمده 🌺

في منزل محسن...

وضعت سماح أكواب الشاي أمام زوجها وابنها، وقالت بمزاح:
_إيه يا واد، وحشك الشاي اللي بتعمله أمك؟

ابتسم نائل ورد:
_وهل في أحلى من كوباية الشاي بتاعتك يا أمي؟

جلست سماح بجانب زوجها، بينما رفع نائل كوبه يرتشف قليلًا، ثم قال بمغزى:
_بابا، بما إنك شغال مع عمي ممدوح من وإحنا صغيرين... تعرف واحد اسمه محمد حسين؟

تبدلت ملامح محسن فجأة، ووضع كوبه بسرعة وقال بتوتر:
_وإنت إيه اللي يخليك تسأل عنه؟

فهم نائل أن والده يعرفه، فقال بتريث:
_وأنا خارج من بيت عمي ممدوح، واحد وقفني وسألني عليه، قال إن عنده أمانة لازم يوصلها ليه، وجه يسأل.

قال محسن محاولًا التماسك:
_آه فهمت، بس مين الشخص ده؟

رد نائل:
_معرفوش، بس قولي تعرف حد بالاسم ده؟

قالت سماح بعفوية:
_مش ده اللي ممدوح بيه جوزه لأمال، وشال الليلة كلها يا محسن؟ هو قاعد يكلمك زي زمان. 

رمقها محسن بتحذير، فقال نائل بفضول أكبر:
_إيه يا بابا، بتبص لماما كده ليه، هو في حاجة مخبيها؟

احتد محسن قائلًا:
_اقفل يا بني على الحوار ده، ولو الشخص ده رجع، قوله ما تعرفش حاجة وخلاص.

هز نائل رأسه، وأكمل احتساء الشاي بصمت.

          ꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂

في غرفة حازم وريم...

قال حازم وهو يكمل ارتداء ملابسه:
_أنا هروح ألحق ساعتين في الشغل وراجع.

قالت ريم بحماس:
_وأنا بفكر أخرج، آخد عائشة وسحر ونرمين ونروح نجيب شوية حاجات للبيبي.

اقترب منها حازم، ومد يده يغلق آخر أزرار قميصه، وقال بدهشة:
_حاجات إيه يا بنتي، استني لما نعرف نوعه الأول، أوعدك أجيبله عيوني لو لزم الأمر، مش مجرد حاجات.

قالت ريم بابتسامة واسعة:
_أنا من فرحتي عاوزة أجيب حاجات السبوع من بكرة.

قهقه حازم قائلاً:
_طيب يا هبلة، تعالي نعدي على نرمين قبل ما أمشي.

أمسكت ريم بيده، وخرجا معًا حتى وصلا إلى غرفة نرمين. 

طرقت ريم الباب قائلة:
_نرمين، يا حبيبتي افتحي.

وقال حازم بجدية مرحة:
_الباب لو ما اتفتحش حالًا هكسره، يلا يا بت.

بعد ثوانٍ، فُتح الباب وظهرت نرمين من خافه، عانقتها ريم قائلة:
_أخيرًا شوفتك، وحشتيني.

و قال حازم:
_عاوز أفهم ليه قافلة على نفسك كده؟

قالت نرمين بصوت مرهق:
_عشان مش عاوزة أشوف وش ماما.

أمسكت ريم يدها وقربتها منها قائلة:
_طيب وعمته هتحرمنا من شوفتها ليه؟

انتبهت نرمين لبطن ريم وسألت بدهشة:
_إنتِ حامل؟

هزت ريم رأسها بنعم، فقالت نرمين بابتسامة خافتة:
_ألف مبروك... يتربى في عزكم. 

قال حازم بنبرة هادئة:
_طيب يلا بقى ننزل كفاية قعدة هنا، وإنتِ هتنزلي معانا من غير اعتراض. 

هزت نرمين رأسها في هدوء، ونزلوا جميعًا.

وجدوا سحر وممدوح يتحدثون بمرح، وما إن رأوهم حتى قال ممدوح بوجه مشرق:
_ألف مبروك يا بني، وربنا يقومك بالسلامة يا ريم.

رد حازم بخفوت:
_الله يبارك في عمرك يا حاج.

ثم نظر ممدوح إلى نرمين وقال بود:
_تعالي يا نرمين، اقعدي جنبي مبسوط بشوفتك يابنتي. 

جلست نرمين بجوار كرسيه المتحرك على الأريكة، وجلس الجميع.

وفجأة حملقت ريم بالقادم إليهم وهمست:
_فريد...

التفت الجميع، ليجدوا فريد قادمًا يسير على قدميه، مستندًا إلى عصاه وعائشة بجواره.

تسمرت ملامح حازم من الصدمة، ثم اندفع نحوه سريعًا وعانقه بقوة، وقال بصوت مختنق:
_مش قادر أصدق، إنت واقف على رجلك فعلًا؟

ابتعد عنه ينظر إليه بفرحة، بينما قال ممدوح متأثرًا:
_تعالى يا ابني... قرب مني.

اقترب فريد منه، فأمسك ممدوح يده يقبلها، لكن فريد سحبها سريعًا وقبّل جبين والده ثم عانقه.

تلقى فريد التهاني من الجميع... إلا أمال ونرمين.

كانت نرمين تنظر إليهم بشرود قاتل؛ ترى عائشة تضم أختها بحنان، وحازم ينظر إلى زوجته بعشق، وممدوح لا يكف عن التربيت على ابنه وكأنه عاد من الموت.

قطع شرودها صوت ممدوح:
_نرمين يا بنتي، تعالي نطلع الجنينة نحكي شوية.

صاحت أمال فجأة التى اندهشت من رؤية فريد يسير على قدميه وذهبت خلفه:
_مش قبل ما أنا و أنت نتكلم.

ساد التوتر فجأة ، فقال ممدوح في هدوء:
_تعالي يا أمال نتكلم في أوضتي.

توجهت أمال إليه، وأدارت كرسيه نحو الغرفة.

بينما وضعت عائشة يدها على كتف نرمين الشاردة  وسألت:
_مالك يا حبيبتي؟

قالت نرمين بسرعة، وهي تتهرب من الجميع:
_هروح أشوف خالي ممدوح و ارجع.

هزت عائشة رأسها، وذهبت نرمين خلفهم.

اقتربت من الغرفة، لكنها توقفت حين سمعت صوت ممدوح غاضبًا:
_وطي صوتك، أخرسي بقى.

قالت أمال بصوت مرتفع:
_لا، مش هخرس هقول الحقيقة، ولا إنت خايف نرمين تعرف إنها بنت حرام؟

شهقت نرمين، ووضعت يدها على فمها، و انهمرت دموعها بغزارة،  وتركت المكان وركضت للأعلى.

في الداخل، صاح ممدوح بإنفعال:
_نرمين مش بنت حرام، مليون مرة أقولك كده. 

ردت أمال بحدة:
_طالما أبوها مش معترف بيها، تبقى بنت حرام.

حاول ممدوح كبح غضبه وقال:
_إنتِ عاوزة إيه دلوقتي؟

عقدت أمال ساعديها وقالت ببرود:
_تعترف قدام الكل إن البنت دي بنتك إنت.

يتبع...


دمتم بخيرة ❤..



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة