
رواية قدر ومكتوب الفصل الرابع 4 بقلم هدير ممدوح
لحظات مليئة بالرعب، كاد قلبها أن يتوقف من شدة الخوف.
انهمرت دموعها بلا توقف، وهي ترى مصيرًا حالك السواد، نهايته الموت أمامها.
رأت أختها تُسحب من يديها إلى الغرفة، وما كان أمامها إلا التصرف بسرعة بديهة.
اندفعت سحر مسرعة نحو المطبخ، حاملةً بيدها سكينًا، وعلى حين غفلة طعنته في كتفه.
صرخ الرجل متألمًا، وترك يد عائشة، ممسكًا بالسكين المغروس في جسده.
لم يكن هناك وقت للصدمة، فاستقامت عائشة فورًا، أمسكت بيد أختها، وخطت فوق والدها النائم بين الرجال الآخرين.
فتحت باب الشقة بيدان مرتجفتين، بينما كان الرجل يصرخ ويلعنهم بأقذر الألفاظ.
خرجت الفتاتان أخيرًا من الشقة، وعيونهما تفيض بالدموع.
قالت سحر وهي تضع يدها على قلبها في وجل ودموعها تتساقط:
_هنعمل إيه دلوقتي يا عائشة، خايفة يخرج يلاقينا، انا مش عارفة عملت كده ازاي وضربته.
ردت عائشة في هدوء وهي تطمن أختها:
_ سحر اهدي مفيش وقت ننهار، تعالي نروح لخالتي كريمة، يلا.
وترجّلت الفتاتان إلى الطابق الأسفل.
دقات عنيفة على الباب جعلت حسين وكريمة ينتفضان فزعًا من فراشهم.
قال محسن وهو يجلس مذهولًا:
_خير يا رب، في إيه؟
ردت كريمة:
_ افتح الباب ونشوف يا أخويا.
نهض محسن مسرعًا، أزاح الغطاء وفتح الباب بحذر، ليتفاجأ بوقوف الفتاتين سحر وعائشة على العتبة، بوجوه شاحبة وأنفاس متقطعة.
صاحت كريمة بذهول:
_خير يا بنات، إيه اللي حصل؟
وشكم مصفّر كده ليه؟
ارتمت سحر في حضنها، ترتجف وتجهش بالبكاء:
_ طنط كريمة، بابا جاب رجالة غُرب، وواحد منهم حاول يتهجم علينا.
احمر وجه محسن غضبًا، وهتف بصوت جهوري:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا هطلع وأوريه الأدب الراجل ده.
تدخلت كريمة بحزم، محاولة تهدئته:
_اهدى شوية يا أخويا... ادخلوا يا بنات.
أبعدت سحر عنها بلطف، وأمسكت بيد عائشة المرتجفة، وقالت بقلق:
_ يا ساتر يا رب، إيدك تلج يا بنتي.
أغلق محسن الباب خلفهم، وهو يتمتم
_ ادخلوا يا بنات، ربنا يحفظكم ويستر عليكم.
جلست الفتاتان قرب كريمة، بينما جلس محسن قبالتهن، وجهه متجهم والنار تتقد في عينيه،
قال وهو يضرب كفًّا بكف:
_لازم أبلّغ عن الراجل ده.
صرخت عائشة بلهفة:
_ لا يا عمي بلاش، مش ناقصين فضايح، هو هيعملكم مشاكل، أنا عارفة أبويا عنيد وشراني.
ثم نظرت إلى كريمة بعينين ترجوان الحسم:
_ خالتي كريمة، إنتي رديتي على ست سماح بخصوص العريس.
رفعت كريمة حاجبيها باستغراب:
_ قلت أكلمها بكرة، بتسألي ليه؟
قالت عائشة بصوت خافت، وعينها إلى الأرض:
_ قولي لها إني موافقة، بس عندي شرط، ولازم هو كمان يوافق عليه.
تدخل حسين بنبرة رزينة:
_ عين العقل يا بنتي، المثل بيقول "ضل راجل ولا ضل حيطة" على الأقل يبقى عندك سند.
فاجأته كريمة بصوت محتدّ:
_عقل إيه وزفت إيه يا راجل.. لا يا بنتي، ما ترميش نفسك في جحيم جديد.
رفعت عائشة رأسها ببطء، ودمعة تترقرق في عينيها:
_أنا النهاردة كنت ممكن أضيع، ومش عايزة أعيش في خوف تاني.
قالت سحر بصوت مرتجف:
_وأناهفضل معاه يا عائشة.. وبعدين إيه موضوع العريس ده؟
التفتت إليها عائشة، أمسكت بيدها بقوة، وقالت بحزم:
_ مش قادرة اتكلم يا سحر ، وأنا عمري ما هسيبك متقلقيش.
" صلي على محمد*
الظلام يحيط بها من كل جانب، قدماها مقيدتان، وفمها مكمّم بشريط لاصق، حاولت الصراخ، لكن لم تخرج من حلقها سوى دموع انسابت بصمت من مقلتيها.
سمعت خطوات تقترب، وفتح الباب ببطء، تسلّل منه شعاع خافت من الضوء، تمعّنت في الرجل الذي دخل للتو، وارتبطت عيناها بنظراته الخبيثة التي جعلت جسدها يرتجف، وقلبها يخفق بشدة.
تقدم حتى أصبح أمامها مباشرة، ومال بجزعه، وواجهها قائلاً بصوت مشمئز:
_موتك هيكون على إيدي، وقبرك جاهز.
تعالت ضحكاته المرعبة، فأطلقت صرخة مدوّية، تردد صداها في الغرفة دون أن تشعر بها.
دقات عنيفة على الباب أيقظتها من ظلمات الكابوس، فتحت عينيها بذعر، ونظرت حولها فاطمأنت أنها في مكان آمن الآن.
اعتدلت في جلستها، ووضعت يدها على قلبها، وتمتم بخفوت:
_الحمد لله يا رب، كان كابوس مرعب.
استرسلت بحيرة:
_ بس هل أنا فعلاً سمعت حد بيخبط، ولا ده كان مجرد حلم؟
وفجأة، صدح صوت أذان الفجر تنهدت بعمق، وأزاحت الغطاء عنها، وهمست بإيمان راسخ:
_ هقوم أصلي، وأقرا قرآن شوية أطمن قلبي انه ربنا معايا.
انشق القمر، وأشرق الصباح، وتوهجت الشمس حتى ملأت الأنحاء نورًا ودفئًا.
*******
في منزل عائلة حازم، اجتمعوا حول مائدة الإفطار كعائلة، فاليوم كان الجمعة، وقد اتخذوا ذلك عادة أسبوعية، حرص فريد رغم ظروفه على النزول ومشاركة والده الإفطار.
ترأس ممدوح الطاولة كالعادة، وعلى يمينه حازم وفريد، بينما على الجهة الأخرى جلست عمته آمال.
الجميع يأكل بصمت، إلا من صوت أدوات المائدة المتقطع.
قطع هذا الصمت صوت فتاة تقول بنبرة مرحة:
_ أول ما الدادة قالتلي إن فيه ضيفة فرحت أوي، أخيرًا هلاقي حد أقعد معاه، كنت خلاص طهقت.
مالت السيدة نعمة لوضع أطباق إضافية أمامهم، بينما استمع حازم لحديثها دون أن ينظر إليها. قالت بنبرة دافئة:
_أنا قلت، مفيش غير الست نرمين تنزلها من أوضتها، لازم تغير جو شوي.
هز حازم رأسه بهدوء، دون أن يعلق.
جلست ريم بجوار نرمين في الجهة اليسرى من الطاولة، فقال ممدوح بود:
_عاملة إيه يا بنتي، أحسن شوية.
ردّت ريم بأدب:
_ الحمد لله، كويسة يا عمي.
سقط بصر ريم على الشاب الجالس بصمت، يجلس على كرسي متحرّك، ولم تكن تعرفه من قبل.
لاحظ ممدوح نظراتها، فسارع بالتعريف:
_ ده ابني فريد، يا ريم...
ثم التفت إلى فريد وأكمل:
_ ودي ضيفة عندنا، يا فريد.
لكن فريد ظل متابعًا طعامه في صمت، متجاهلًا الجميع، وكأن الحديث لا يعنيه.
تبادلت ريم معه نظرة سريعة، مليئة بالشفقة دون قصد، لكنها لم تمر عليه مرور الكرام، انعكست في نفسه كطعنة، فقال بجفاء:
_ أنا شبعت، الحمد لله.
بادرت ريم بالحديث، وقد ظنت أن نظرتها أزعجته:
_ أنا آسفة لو ضايقتك بحضوري، هروح أوضتي.
تبادل الجميع النظرات لوهلة، قبل أن تهتف آمال بسخرية:
_ وإنتِ مين يا حبيبتي عشان يسيب أكله عشانك ويقوم؟
جزّ حازم على أسنانه من الضيق، وقال محذرًا:
_ عمّتي...
تجاهلته امال ، ورفعت رأسها بتعالٍ.
هتف فريد وهو يضغط على عجلات كرسيه:
_بلاش سخافة، أكيد مش قمت عشان حضرتك، إنتِ ضيفة، ومن واجبنا نحترم الضيف، أنا بس شبعت، بلاش نكبر الموضوع.
وحرك كرسيه مبتعدًا عن الطاولة.
قالت آمال محاولة اللحاق به:
_استنى يا حبيبي، أنا هقوم أوصلك أوضتك.
رد فريد بامتعاض:
_زي ما انتي يا عمتي، أنا عارف طريقي كويس، هخلي حد يطلّعني.
وغادر دون أن يلتفت.
تنهد ممدوح وقال معتذرًا:
_متزعليش يا بنتي، فريد حساس شوية، زي ما شايفة حالته.
ابتسمت ريم بحرج:
_ أبدًا يا عمي مزعلتش خالص، أنا اللي آسفة لو حصل توتر بسببي.
ابتسم ممدوح وقال بلطف:
_ طب يلا يا بنتي، عشان خاطر الراجل الغلبان ده كملي أكلك.
هزت ريم رأسها وتمتمت بخفوت:
_ حاضر.
وبعد دقائق قليلة، وقفت وقالت:
_ الحمد لله، أنا شبعت.
رد ممدوح مستغربًا:
_ بس يا بنتي، إنتِ ما أكلتيش حاجة!
قامت نرمين سريعًا وقالت بحماس:
_ تعالى نطلع الجنينة أنا وانتي، ونطلب أحلى بيتزا.
أومأ ممدوح موافقًا، فابتسمت ريم بلطف وقالت:
_ لا واللهِ شكرًا، مش محتاجة حاجة، بجد شبعت.
لكن نرمين قبضت على يدها بلطف وقالت:
_تعالي بس...
وما هي إلا لحظات، حتى نهض حازم بدوره وتبع الفتاتين في صمت.
وصاح قبل أن يخرجوا من باب المنزل:
_ آنسة ريم.
التفتت ريم للخلف، فأشار حازم برأسه نحو نرمين، ففهمت مقصده فقالت بهدوء:
_ طيب، هجيب عصير من عند دادة نعمة وأرجع على طول.
وقفت ريم صامتة في انتظاره حتى تحدث، فحمحم هو قائلاً:
_ كنت في طريقي أصلي الفجر في الجامع، وسمعت صوتك بتصرخي، أنا خبطت على الباب بس مشيت بعدها، خير في حاجة دايقتك؟
علمت ريم أن صوت الطرقات كان بمثابة طوق نجاة لها من حازم، فابتسمت وقالت:
_ أنا كنت في كابوس، ويمكن لولا إنك خبطت على الباب وصحيت، ما كنتش هفوق منه.
قطب حازم حاجبيه متعجبًا:
_خير، شوفتي إيه، قدرتي تفتكري حاجة؟
نفت ريم سريعًا:
_ لا، بس كان كابوس صعب أنا كده مدينة لحضرتك للمرة التانية.
جاءت نرمين وهي تحمل بيدها كأسين من عصير المانجا، قائلة بمرح:
_ أنا جيت.
قال حازم قبل خروجه:
_ تمام، أنا لازم أمشي على الشغل، السلام عليكم.
ردت الفتاتان بالسلام وغادر حازم من أمامهم.
فغمزت نرمين لريم قائلة:
_ يلا بينا على برة ندردش شوية.
ومدت يدها تقول:
_امسكي يلا.
حملت ريم كأس العصير، وخرجت الفتاتان معًا.
*صلي على محمد *
كان ممدوح جالسًا على كرسيه المتحرك، يستمع للقرآن الكريم عبر التلفاز ويردد الآيات خلف القارئ.
تقدم منه محسن قائلاً:
_ممدوح بيه، عندي خبر هيفرح قلبك…
خفض ممدوح صوت التلفاز وقال:
_خير يا محسن.
مال محسن بجزعه وقال بجانبه في أذنه:
_ردت عليّ أم نائل وقالتلي إن العروسة وافقت.
ابتهج قلب ممدوح قائلاً:
_ الحمد لله.
تردد محسن قبل أن يضيف:
_بس في حاجة يا ممدوح بيه العروسة طالبة تقابلك، بتقول إن عندها شرط.
زفر ممدوح بعمق وقال:
_ خير يارب، حاضر أنا جاهز دلوقتي أقابلها وشوف لنا أي كافيه قريب من بيتهم وبلغها.
قال محسن:
_تحت أمرك يا ممدوح بيه.
*لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم*
اردفت سماح قائلة:
_ده انتي حظك حلو، وهتعيشي مرتاحة بيت كبير ومليان خدم وحرس، حاجة كده زي اللي بنشوفها على التلفزيون، والراجل يعيبه جيبه وبس يا بنتي.
تقدمت كريمة ووضعَت كأس الشاي أمام سماح، وهتفت بضيق:
_جيبه إيه وزفت إيه يا سماح يا اختي، أنتي عارفة اللي فيها، هنضحك على بعض.
لم تبالِ عائشة بالحديث، فقد كانت شاردة في عالم آخر، هي فقط تريد الهروب من سجن أبيها، حتى وإن كان الثمن أن تلقي بنفسها بين النيران.
دقات على الباب، فشهقت عائشة بفزع خوفًا من أن يكون والدها، فقالت كريمة بلهفة:
_ بسم الله عليكي يابنتي، مش هو متقلقيش، ده عمك محسن، جوز الست سماح جاي ياخدك عشان تقابلي أبو العريس، خليكي مكانك لو كان هو هندهلك.
هزت عائشة رأسها دون أن تنبس ببنت شفة، وذهبت كريمة لتفتح الباب، فرأت السيد محسن الذي قال على الفور:
_أخبارك حضرتك إيه يا حجة كريمة؟
العروسة مجهّزتش عشان نطلع، اديها خبر عشان أوصلها، اصلي سايب الحج ممدوح لوحده.
ردت كريمة بتفهم:
_ بخير يا اخويا الحمدلله، هي جاهزة هقولها اهو.
ونادت قائلة:
_ عائشة تعالي يا بنتي، عمك محسن جه.
ذهبت عائشة معه، وألقت السلام عليه، فرد بودّ:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يابنتي، يلا بينا.
أومأت عائشة برأسها موافقة، وتبعت محسن للخارج.
لم يمر وقت طويل، فقط عشر دقائق في السيارة، حتى وصلت عائشة مع العم محسن إلى الكافيه الذي يقدم المشروبات الباردة.
ترجل محسن من السيارة، ونزلت عائشة من الجانب الآخر، ودلفا إلى الداخل وأثناء سيرهم، أشار محسن إلى إحدى الطاولات التي كان يجلس عندها ممدوح قائلاً:
_ اهو ده ممدوح بيه، يا بنتي روحي يلا، وأنا هستناكِ بره.
هزت عائشة رأسها بصمت وتقدمت.
رأى ممدوح قدومها، وتركز بصره على عائشة، فتاة ضئيلة الحجم، من يراها يظنها في الخامسة عشر، وليس الرابعة والعشرين كما قالوا، ترتدي زيًّا محتشمًا وخمارًا زادها جمالًا، بشرتها بيضاء شاحبة قليلاً، خالية من مساحيق التجميل، وهذا أكثر ما أعجبه.
وصلت عائشة إلى الطاولة، وقالت:
— السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد ممدوح بهدوء:
_ وعليكم السلام، اتفضلي يابنتي، اقعدي تحبي تشربي إيه.
ابتسمت وقالت بسرعة:
_ متشكرة يا عمي، مش عاوزة حاجة.
لاحظ ممدوح ضيقها، فقال بتريث:
_أنا عرفت إنك وافقتي على فريد ابني رغم ظروفه اؤمريني يا بنتي، ايه هو شرطك؟
قالت عائشة بتوتر:
_ أنا عارفة إن البنت لما تتجوز بتنتقل لبيت جوزها، بس المرة دي أنا جاية أطلب من حضرتك إن أختي تعيش معايا، مش هسيبها لحد ما تتجوز وتلاقي شخص يستحقها، لإنها مالهاش غيري في الدنيا دي.
قال ممدوح بتردد :
_اعذريني يا بنتي، بس اللي أعرفه من محسن إن والدك عايش.
زاغت عيون عائشة وكأنها تحاول التهرب من الرد، وفي النهاية قالت:
_ بس وجوده زي عدمه، لو حضرتك مش موافق يبقى فرصة سعيدة.
استعدت لتقوم، فقال ممدوح بحزم:
_ اقعدي بس يا بنتي، اسمعيني للأخر، ساهلة أختك هتعيش مكرمة ومعززة في بيت أختها، وأنا موافق على الشرط ده.
قالت عائشة بلهفة:
_كمان يا ريت لو يتم كتب الكتاب في أسرع وقت.
هز ممدوح رأسه قائلاً:
_ بس الأصول بتقول إن لازم أشوف والدك، متنسيش إنه وكيلك.
قالت عائشة بحرج:
_مفيش مشكلة، بس أتمنى تيجي لوحدك مع عمي محسن، بلاش حد من عيلة حضرتك ييجي، عشان تتفق مع والدي.
تعجب ممدوح من قولها وقال:
_طيب يا بنتي، زي ما تحبي، ربنا يتمم بخير.
نهضت عائشة وهي تقول:
ان شاء الله انا همشي ، وهبعت لحضرتك عمي محسن.
غمغم ممدوح بخفوت:
_ماشي يابنتي.
************
جلستا الفتاتان أمام بعضهما، اردفت نرمين بمرح:
_ها يا ستي، تحبي نبدأ من فين حابة تسألي عن حد معين في البيت؟
سنحت لها الفرصة أخيرًا للتعرف، فقالت ريم بتساؤل:
_أستاذ حازم، بحسّه دايمًا شخص غامض وبارد كده.
قهقهت نرمين ضاحكة:
_ أستاذ مرة وحدة، بس هحكيلك يا ستي، ابن خالي حازم ده من ساعة وفاة والدته وإعاقة خالي، وهو بقى معقد شوية، الحادثة حصلت بعد تخرجه من الكلية على طول، وبعدها بكام سنة حصلت حادثة فريد طباعه كلها اتغيرت، بقى بيتصرف بجمود، وشال الهم بدري حياته عبارة عن ملفات وعقود ومشاريع وبس.
اردفت ريم بلهفة:
_ هو شغال إيه، وخريج كلية إيه، وعنده كام سنة؟
تبسمت نرمين وقالت:
_هو مهندس معماري يا ستي، واحنا عندنا شركة مقاولات عامة أسسها جدي زمان، وبعد وفاته مسكها خالي ممدوح، ودلوقتي حازم وهو عنده حوالي تسعة وعشرين سنة حاجة تانية تحبي تعرفيها عن أستاذ حازم.
ردت ريم بخجل:
_ لا، أنا بس كان عندي فضول أعرف، مش أكتر.
قالت نرمين:
_ماشي ياستي، بس قوليلي بقى، أنتي كلية إيه، وإيه حصلك وكل حاجة عنك.
همت ريم بالرد، فجاءهم صوت آمال مقاطعًا إياها:
_ انتِ يا قليلة الأدب، قعدة هنا وسايبة مذاكرتك، وفي الآخر تجيبي مجموع يقرف شبه وشك ده!
همست نرمين بصوت منخفض لا يسمعه سوى ريم:
_اهي، مرات أبويا جات.
تعجبت ريم من كلاهما، ووقفت حائرة لا تعلم ماذا تفعل.
هتفت نرمين بضيق:
_ ماشي يا ماما، بس خمس دقايق، البيتزا هتوصل وبعدها هروح أذاكر.
ردت آمال بحدة:
_ولا دقيقة كمان، يلا أخلصي، مش عاوزة أشوف وشك هنا.
دون أن تنبس نرمين ببنت شفة، رمقت والدتها بغضب وغادرت.
نظرت آمال لأثرها وعندما اختفت، بدلت نظرها إلى ريم الواقفة وقالت بلين مفاجئ:
_الجيل ده لازم نشد عليه، لأنه فاهم الحرية بشكل تاني خالص.
ابتسمت ريم بارتباك:
_ آه صح، عندك حق.
وتابعت آمال:
_بعتذر منك لو ضايقتك يا ريم، بس ولاد أخويا ممدوح خط أحمر بالنسبالي، بعد وفاة والدتهم، وأنا بقلق عليهم حتى من النسمة الطايرة.
تحدثت ريم في نفسها:
"أنا اللي ظنيت الست وحش وطلعت كويسة"
وردت بصوت هادئ:
_ لا حصل خير، ولا يهمك.
قالت آمال بود:
_ طيب يا حبيبتي، عن إذنك دلوقتي بقا البيت بيتك.
تمتمت ريم في هدوء:
_اتفضلي.
وغادرت آمال، وظلت ريم تتجول في الحديقة وتستكشف البيت.
🌹 صلي على محمد 🌹
في طريقهم إلى المنزل، كان محسن يقود السيارة،
تحدث محسن وهو ينظر للطريق أمامه:
_خير يا ممدوح بيه، شايفك سرحان.
قال ممدوح بضيق:
_بفكر إذا اللي بعمله ده صح ولا غلط، بس في نفس الوقت شايف ده الحل الوحيد لابني.
قال محسن:
_أنا شايف الجزء الأصعب في الموضوع هو إقناع فريد بيه.
ضحك ممدوح بسخرية:
_ ولسه دور إقناع أبو البنت.
هتف محسن بلا مبالاة:
_ لا يا بيه، عبده ده سهل، اقناعه قرشين وهيوافق على طول.
نظر له ممدوح بانتباه قائلاً:
_ هو الراجل ده من أي نو، تعرف عنه إيه.
قال محسن وهو يلتفت بالسيارة ليأخذ المسار الصحيح:
_ أنا مش ساكن في نفس الشارع، بس سمعته وحشة بيشرب، وبيجيب رجالة البيت يشربوا، وعلى طول يضرب بناته.
قاطعه ممدوح بحزم:
_ يعني واحد ميستاهلش النعمة اللي في إيده.
وصمت لثوانِ ثم قال:
_ والبنات؟
أجاب محسن بتريث:
_ البنات زي الفل يا ممدوح بيه، واديك شفت البنت، رغم أنها عايشة مع أب جاحد، لكنها محافظة على نفسها، لبس محتشم وبتصلي، وواخدة بالها من أختها الصغيرة، وكل الحمل كله عليها، يعني أدب وأخلاق مفيش زيه.
هز ممدوح رأسه داعيًا:
_ يسر يا رب، يسر…
يتبع.
دمتم بخير❤..