رواية أرض الدوم الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم رحمة نبيل

رواية أرض الدوم الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم رحمة نبيل



( بداية أم مفترق طرق؟ ) 


صلوا على نبي الرحمة .


تفاعل على الفصل 

الصرخة التي انطلقت من نورهان وهي تبكي مستنجدة بساڤا جعلت الأخيرة تهرول على الدرج حتى كادت تسقط مرات عديدة.


والصدمة التي علت وجوه الرجال من رؤية وجه ساڤا التي أُقيم لها عزاء منذ ايام طويلة، شلتهم وعطلت حركتهم لثواني كانت كافية لساڤا من الوصول له وهي تمسك أول شيء وقعت يدها عليه والذي كان مكنسة خشبية يدوية تهجم بها على أحدهم دون ثانية تردد .


وقبل أن يستوعب الرجل ما حدث كانت ساڤا تتركه وتركض صوب المطبخ تسحب سكين، ومن ثم هرولت صوبهم مجددًا وهي تركض له وصوت صراخها يعلو في المكان بشكل ارعب حتى الرجال أنفسهم حينما ابصروا نيتها الواضحة في القتل تعلو عيونها .


في اللحظة ذاتها التي اقتحم بها حاتم المنزل وهو يحمل سلاحه يصرخ برعب وقد اهتز قلبه من صرخات  نورهان التي وصلت له في الخارج، لكن توقف فجأة بصدمة وتجمد حينما أبصر أحد الرجال يحمل نورهان محاولًا الهرب بها من المكان، وآخر يقاوم السكين بيد ساڤا كي لا تغرزها بقلبه، ولم يفكر لثواني وهو يرفع سلاحه ويصوبه في ثواني على ذلك الذي كان يهرب بنورهان .


لتعلو صرخات الرجل ويسقط نورهان ارضًا بقوة، مما جعلها تطلق صرخة متوجعة وهي تقاوم وتزحف بعيدًا عن الرجل بخوف، لكن فجأة وهي تتراجع بجسدها للخلف شعرت بيد تضمها وتجذبها بقوة .


وقبل أن تستوعب أنها كانت للتو بين ذراعيّ حاتم يجذبها بعيدًا عن الرجال، وجدت الأخير يتركها منقضًا على الرجل يحمل رأسه بين يديه يضربه في الجدار بجنون جعل عيونها تتسع وهي تبحث في هذا الرجل عن حاتم الـ....لطيف ؟


انتهى حاتم من الرجل يتركه ليتهاوى ارضًا وينطلق صوب الرجل الذي كان ما يحاول النجاة بحياته من بين ذراعيّ ساڤا والتي كانت قد شوهت يده تقريبًا بالسكين، يجذبه بعيدًا عنها تاركًا ساڤا تتنفس بصعوبة وهي ما تزال تحمل سكين تقطر بدماء الرجل، تراقبه بعيون غاضبة قبل أن تلقي السكين وتركض صوب نورهان تحاول جذبها بعيدًا عن كل هذا والأخيرة فقط تبكي ولا تفهم ما يحدث أو ما كان على وشك الحدوث حتى .


_ هما ...هما ...عايزين ايه ؟


_ عايزين الحرق ولاد الـ*** .


سحب حاتم الرجلين بغضب شديد وهو يخرجهم من المنزل وقد قرر ربطهم في الملحق حتى يعود الجميع ويقررون ماذا يفعلون بهم .


ومن ثم عاد بعد دقائق للمنزل ينظر لنورهان نظرات غريبة قبل أن يتحرك بسرعة صوب نورهان التي تراجعت بتوتر للخلف بشكل جعله يتوقف ويستوعب ما يفعل وأين يقوده رعبه وخوفه عليها .


جلس أمامها ارضًا وهي ما تزال ساكنة بأحضان ساڤا يراقبها بعيون خائفة وضربات قلبه ما تزال مرتفعة حتى كادت تصيبه بالصمم .


_ منيحة أنتِ ؟


نورهان فزعت من جلوسه أمامها بهذا الشكل ترفع عيونها صوب ساڤا وكأنها تطلب منها التدخل والعون لتبعد حاتم عنها، لكن ساڤا كانت بالفعل ابتعدت تبحث عن هاتفها لتتحدث إلى أحمد بما حدث ...


وهنا أدركت نورهان أنها أصبحت أسيرة لحاتم .


وحاتم من شدة رعبه ولهفته لم يدرك ما يدور في رأسها يبحث عن أي إشارة منه تطمئنه، لا تزال صرخاتها تتردد في أذنه مصيبة إياه بالهلع .


_ نورهان الله يكرمك بس طمنيني أنك منيحة، ولك هزي راسك بفهمها.


نظرت نورهان لعيونه وهي ترى الرعب الساكن بها، كانت هذه أول مرة تبصر هكذا خوف في عيون أحدهم عدا عائلتها، شخص اختار بكامل حريته أن يخاف عليها، ويحبها ....


وهي حتى عاجزة خائفة عن أن تكون معه، سقطت دموعها دون شعور ولا تدري أبسبب الرعب الذي عاشته أم بسبب الاختناق الذي يقيدها في هذه اللحظة .


تهمس بصوت مرتجف خرج بصعوبة :


_ أنا...كويسة .


_ أكيد ؟


سقطت دمعة منها وهو لم يفهم سبب بكائها :


_ حدا منهم سوالك شيء ؟ ليش عم تبكي ؟


ونورهان لم تفعل سوا أنها دفنت وجهها بين يديها وهي تنفجر في بكاء حار أمام عيونه، يجلس عاجزًا حتى عن التربيت عليها، يراقبها بحزن وملامحه قد انكمشت بشكل غريب .


_ نورهان بالله ما تعملي هيك، بس خبريني لو فيكِ شيك بلا ما تبكي بــ


توقف عن حديثه وهو ينظر حوله يبحث عن ساڤا كي تراضيها فإن لم يستطع هو التربيت عليها، ليبحث عن يد تفعل ..


وكم اوجعته هذه الفكرة .


نهض يدور في المنزل باحثًا عن ساڤا، دخل المطبخ يحمل زجاجة مياه وبعض الفاكهة دون وعي ثم خرج يضعهم أمامها، ومن ثم تحرك دون كلمة يبحث عن ساڤا وهي ما تزال تراقب المياه والفاكهة والدموع عالقة في رموشها بعدم فهم ...


_ ولك وينها هي .


اخرج هاتفه وهو يتحدث بجدية :


_ بحاكي أحمد والكل ثواني بس .


وهي فقط كانت شاردة فيما أمامها لا تبصر شيء سوى مستقبل ضبابي يتوقف عند حدود خوفها من المستقبل، من التغيير، من عيش تجربة فاشلة أخرى ولو كانت كل الإشارات توحي بعكس ذلك .


هي عاشت كل ذلك سابقًا مع عادل .


عادل كان شابًا مبهرًا رائعًا مراعيًا ولطيفًا، كل كل شيء يمكن أن تحلم به فتاة، قبل أن يتحول لكابوس كل امرأة.


_ نورهان ..


رفعت عيونها حينما سمعت صوت تنظر له دون كلمة وهو فقط حدق بها بهدوء قبل أن يتنفس بصوت شبه مرتفع :


_ انا آسف إني اتأخرت عليكِ وعرضتك لهيك موقف و..


_ لا متقلقش، محصلش حاجة أنا كويسة .


وهو راقبها بعيون ضيقة وكأنه يبصر عكس ما تحاول قوله، لكنه لم يتحدث بكلمة في الوقت الذي أبصر به بطرف عيونه ساڤا تتحرك صوبهم، فجلس على ركبته أمامها بلا مقدمات يناظرها في عيونها بشكل جعلها تتفاجئ من فعلته، وهو فقط ابتسم بسمة صغيرة ساحرة :


_ إذا بدك الدلال بس اشري نورهان .


ونورهان لم تفهم مقصده في هذه اللحظة، وهو لم يتكرم حتى بتوضيح الأمر ينهض بسرعة كبيرة في اللحظة التي وصلت بها ساڤا يتحرك بعيدًا خطوات بسمع في الخلف صوت ساڤا تردد بجدية :


_ أحمد مش بيرد فاتصلت برايانا تبلغ أي حد عندها باللي حصل، أنتِ كويسة حد منهم عملك حاجة، حد جرحك ولا....


وكلمات أخرى لم تصل لعقل نورهان، بل فقط كانت تمر على أذنها وكأنها لا شيء وكل ما تسمعه هو جملة حاتم .


" إذا بدك الدلال بس اشري نورهان ."


ماذا يقصد بهذه الجملة ؟؟


ــــــــــــــــــــــــــــــ

كان التوتر يعلو في المكان بالكامل وقد بدأ معتز يسمع اصوات ضربات قلبه التي ارتفعت من الرعب، ابتلع ريقه يحاول التحدث وهو يبصر الرجال وقد بدأوا ينتشرون في المكان بأكمله، وعز الدين ينظر حوله وكأنه يبحث عن منقذ لهم .


لكن على عكس رغبته أبصر حبل الإعدام يقترب منهم، حبل خنقه هو ووالده متمثل في جسد عضلي يتشح بالاسود .


مسلم مبتسم بسمة واسعة خبيثة وهو يتحرك داخل الارض وهو يفتح ذراعيه وكأنه يرحب بالجميع وخلفه أحمد الذي كان يراقب نظرات الجميع باستمتاع أشد .


_ مأمون باشا منور الأرض كلها .


استدار الضابط والذي كان يُدعى مأمون يراقب مسلم يقترب منه ليبتسم له بسمة صغيرة يهز رأسه بهدوء، بينما مسلم نظر لمعتز بشر ونظرات الكره تملئ عيونه رغم البسمة التي تزين فمه :


_ زي ما أنت شايف انا قولت الموضوع ده ميتسكتش عليه، ومش بس كده لا ده لسه في ارض كمان في الجهة الجنوبية لو تحب اوصلك هناك .


حرك الشرطي عيونه في المكان، قبل أن يشير لرجاله بالتحرك :


_ اسحبوهم على البوكس أما نشوف موضوع الأراضي اللي فاتحينها على البحري كده .


وفي ثواني وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث كان رجال يسحبون عز الدين ومعتز تحت نظراتهم المصدومة من تحول الأحداث بهذه السرعة .


سحبوهم للخارج صوب أطراف القرية لعبور الجسر صوب سيارات الشرطة .


وما يزال الشرطي يقف مع مسلم يتحدث بجدية، عز الدين لا يعي ما يحدث يشعر بأنه ربما ...ربما كان يحلم .


لا بل كابوس، ما يحدث معه في هذه اللحظة كان كابوس وليس حلم سييء .


توقفت أقدامه فجأة قبل أن يعبر حدود الأرض يصرخ بصوت مرتفع :


_ اوعى منك ليه، أنتم مش عارفين أنتم بتلعبوا مع مين ؟


انتبه الشرطي لما يحدث فاستدار له باهتمام يتحدث للرجال بهدوء شديد :


_ فيه حاجة يا رجالة !؟


حاول أحد الرجال جذب عز الدين الذي بدا كما لو أنه التصق بالأرض أسفله :


_ الراجل ده مش راضي يتحرك معانا .


رفع مأمون حاجبه يستدير بهدوء صوب عز يبتسم له بسمة غريبة :


_ خير يا اخينا عندك اعتراض على شغلنا ؟


_ أنت اساسا...ملكش حق أنك تسحبنا بالشكل ده، اساسا الأرض دي مش بتاعتنا، احنا ملناش دخل بيها .


رفع الشرطي حاجبه ساخرًا :


_ مش أرضكم ؟ آمال ارض مين ؟! الست الوالدة ؟


نظر له عز الدين ثواني بينما والده أبصر ما ينتويه في عيونه ليمنعه بسرعة وهو يمسك يده بغضب شديد :


_ امشي يا عز الدين بلاش تصعب موقفنا انا هكلم المحامي يحصلنا و...


سحب منه عز الدين يده غاضبًا من كل ما يحدث هو يفقد حياته شيئًا فشيء، لذا لم يتوقف أو يفكر وهو يردد بجدية :


_ لا مش هنشيل طين غيرنا، احنا ملناش دعوة بالأرض دي، هي اساسا مش أرضنا، الأرض دي ارض عيلة المريدي يعني قانونًا هما اللي بيملكوا الأرض دي .


تنفس معتز بصوت مرتفع وقد أفسد غباء ولده كل ما يحدث معهم في هذه اللحظة، ولو كان يعقل لثانية لفضل دخول السجن على أن يبقى خارجه ويبصر انتقام هؤلاء الملاعين الذين يتحكمون في أمورهم .


_ ملك عيلة المريدي ؟ واسمها ارض الدوم ؟


تنفس عز الدين يصرخ بغضب شديد ينطق بما جعل بسمة مسلم تتسع بقوة وهو ينظر بطرف عيونه صوب أحمد الذي كان مصدومًا من نجاح خطة مسلم ودون جهد يُذكر :


_ بلا أرض الدوم بلا زفت الأرض دي بتاعة عيلة المريدي اساسا وعندي اللي يثبت كده .


_ وايه اللي يثبت كده يا استاذ عز الدين ؟


تحدث معتز بسرعة بغضب :


_ مفيش حاجة هو بيرغي بس مفيش حاجة، الأرض دي ارضنا ورثناها عن اهلنا، و..


_ ورق الملكية موجود في خزنة مكتبنا تثبت إن الأرض دي واللي فيها مش ملكنا .....


ــــــــــــــــــــــ


_ هو هيصحى امتى ؟


تحركت الطبيبة بعيدًا عن الفراش وهي تضع أدواتها جانبًا ومن ثم جلست على مكتبها تتنفس بحنق من هذا العدد الذي يضيق عليها المكان دون السماح لها حتى بطردهم .


_ هو كويس بس دي نزلة برد مع حمى واحتقان .


تشنجت ملامح يحيى وهو ما يزال يجلس على طرف الفراش يربت على خصلات عيسى بحنان :


_ كل ده وكويس ؟ آمال لو مش كويس هيبقى ايه ؟ زومبي ؟ 


رفعت له الطبيبة عيونها بحدة، وهو لم يتراجع في نظراته ولم يغير حديثه :


_ بتبصي كده ليه ؟


تفاجئت السيدة من مقدار وقاحة يحيى، بينما  رايانا تدخلت سريعا في الحوار تنقذ ما يمكن إنقاذه كما اوصاها مسلم قبل رحيله  :


_ بعتذر، بس هو متوتر بس عشان اخوه الصغير، ممكن حضرتك تكتبي بس العلاج اللي هيحتاجه وانا بنفسي هاخد بالي منه وهخليه ياخد العلاج في الميعاد .


زفرت الطبيبة بغضب شديد :


_ عشانك بس يا رايانا.


_ ولو مش عشانها هتعملي ايه ؟! هتضربيني ولا ايه ؟


ضربت الطبيبة على المكتب بغضب والآن فقط أدركت رايانا سبب توصية مسلم لها على يحيى وليس عيسى كما هو متوقع منه .


هذا الشاب يحتاج لحارس على لسانه، أعانك الله كارا .


ابتعدت من الخلف تتقدم الحوار وهي تبتسم بسمة واسعة تحاول بها أن تحسن الموقف :


_ معلش يا دكتور هو بس متوتر زي ما قولتلك على اخوه .


تجاهلت الطبيبة الأمر وهي تخط كلمات سريعة على ورقه ومن ثم قطعت الورقة تلقي بها على المكتب أمام يحيى :


_ ده العلاج، البرشام مرة بعد كل وجبة والحقنة مرة في اليوم وبإذن الله تابعوا معاه كمدات عشان الحرارة تهدى، ربنا يعينه عليكم .


ختمت حديثها تخرج من المكان مستأذنه بأن هناك مرضى أخرى ينتظرونها، ويحيى يتابعها بتشنج وغيظ شديد حتى خرج بالكامل فأخذ يقلد حديثها بضيق :


_ بالله دي دكتورة؟ انا قولت البلد دي نصها غشاشين .


هز رايانا رأسها بيأس شديد تحاول الحديث معه بهدوء :


_ هي عملت ايه بس دلوقتي، دي بتحاول تساعدك أنت واخوك .


_ تساعد نفسها بس الاول، مش فاهم الناس دي بتتخرج ازاي .


ختم حديثه ومن ثم استدار صوب عيسى يقترب منه يود الاطمئنان عليه :


_ عيسى ... أنت ياض ...اصحى طمني عليك وبعدين ارجع اتخمد تاني .


اتسعت عيون رايانا بصدمة من كلماته ومن هزاته لعيسى ولم  تكد تعترض على حديثه وما يفعل حتى سمعت أنين يخرج من عيسى، اقتربت بسرعة من جسده، بينما يحيى بالكاد ترك مساحة بينه وبين شقيقه وهو يربت على خصلاته بحب وحنان حتى كادت رايانا تعتقد أن الوقح الذي كان يتحدث منذ ثواني شخص آخر.


_ عيسى حبيب قلبي أنت سامعني ؟! لو سمعني قول اه...


تأوه عيسى بصوت مرتفع وهو يشعر بكامل جسده يأن وجعًا وقد كانت أطرافه كما لو أنها أثقل من الجبال الراسيات.


_ آه..


_ حبيبي الحمدلله طمنتني عليك، حمدلله على السلامة يا غالي .


تشنجت ملامح رايانا وهي تحرك عيونها بينهما بصدمة لا تفهم ما يقبع داخل رأس يحيى في هذه اللحظة .


_ هو ايه اللي طمنك ؟! الولد بيقولك اه .


_ ايوة ما انا اللي قولت ليه .


_ يابني أنت غبي ؟! شكله تعبان هروح انادي الدكتورة تشوفه .


ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوت يحيى يردد بجدية :


_ يا ستي انا اللي قولت ليه يقول كده، مش كده يا عيسى ؟ لو موافق قول اه.


تأوه عيسى بصوت مرتفع أكثر وقد كاد يبكي من التعب :


_ آه ..


_ تسلم يا غالي، ها صدقتي ؟!


وقبل تحدث رايانا بكلمة واحدة أطلق عيسى تأوه ثاني جعل يحيى يستدير له :


_ خلاص يا حبيبي مش فرح هي مرة وخلصنا .


لكن تأوهات عيسى لم تتوقف لتصرخ رايانا بخوف :


_ أنت بتقول ايه الولد تعبان ؟


اتسعت عيون يحيى بصدمة وهو يميل بسرعة على عيسى يهتف بصدمة :


_ ولا يا عيسى أنت تعبان بجد ولا بترد عليا ؟


_ آه ..


_ آه ايه بترد عليا ؟


_ آه .


_ يعني مش تعبان !


_ آه 


ولم يكد يطرح سؤال إضافي حتى انتفض على صرخة رايانا المرتعبة منه أكثر من خوفها على عيسى :


_ يا بني أنت عبيط ؟


وقبل التحكم بكلمة كانت تتركه تركض الخارج تصرخ باسم الطبيب تاركة يحيى يراقبها بعدم فهم ومن ثم نظر بطرف عيونه صوب عيسى قبل أن يقترب منه يميل ثواني مضيقًا عيونه وهو يحدق في وجهه ثواني ثم بكل بساطة قبل رأسه برقة وحنان يربت على رأسه :


_ الف سلامة يا عيسى تيجي فيا ولا تمسك يا حبيبي .


رماه عيسى بنظرات مرهقة متعبة، ليبتسم له يحيى بحب :


_ سامعني يا عيسى ؟


هز عيسى رأسه فربت عيسى على رأسه بحب ومن ثم استقام ولم يكد يتحدث بكلمة إضافية حتى سمع رنين هاتفه، أخرجه يحدق باسم نورهان ثواني قبل أن يجيب سريعًا :


_ ايوة يا نونو ..خير ؟


والصوت الذي وصل له من الطرف الثاني جعله ينتفض وهو يتحرك خطوات صغيرة بعيدًا عن عيسى مرددًا بصوت خرج منه حادًا :


_ نور مالك ؟؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جذب العسكري معتز عن عز الدين بصعوبة بعدما كاد الأخير يخنق ولده بين يديه وهو يصرخ في وجهه بجنون :


_ أنت اتجننت ورق ايه يا حيوان أنت اللي عندنا، الأرض دي بتاعتنا من أيام جدي ومن قبلها بكتير كمان .


استدار صوب الشرطي يردد بجدية :


_ لو عايز تاخدنا معاك اتفضل يلا خلينا نخلص .


رفع مأمون حاجبه مبتسمًا بسخرية :


_ تكونش مفكرني خدام اللي خلفوك ؟! وبعدين شايفك مطمن كده ومفكرها فسحة واللي معاك ممكن يخرجوك، حبيبي ده لو وزير الداخلية نفسه، باللي قدامي ده مش هتخرج من السجن لغاية ما عضمك يدوب، جرهم يابني على البوكس .


وبالفعل اقترب العساكر يسحبون الاثنين بقوة بعيدًا عن الأرض صوب البوكس وعز الدين يصرخ بصوت مرتفع وصدمة :


_ والله لا ....الأرض دي مش لينا، الأرض اساسا مش باسمنا، أدوني فرصتي عشان اثبت ليكم الموضوع الورق في البيت، هو مخبيهم في المكتب .


لم يهتم أحدهم بأي كلمة نطق بها وقد تم سحبهم بالفعل صوب السيارة التي كانت تنتظر على الطرف الآخر من البحيرة.


استدار مأمون صوب مسلم الذي كان يتابع ما يحدث بهدوء كبير دون كلمة واحدة حتى :


_ مالك ؟


ابتسم له مسلم بسمة صغيرة وقد شعر براحة لحظية لتخلصه منهم لوقت حتى لو كان مقدر لهم الخروج من السجن يوما، لكنه لا يعتقد أنه سيحدث بأي شكل من الأشكال .


_ لا بس بفكر قد ايه الحياة جميلة من غير ولاد الـ*** اللي عايشين معانا فيها .


ضحك مأمون بصوت مرتفع يربت على كتفه بحنان :


_ ربنا يوفقك يا صاحبي ويبعد عنك ولاد الـ *** يارب، رقمي معاك لو فيه حاجة حاببني اساعدك فيها قولي .


_ تسلم يا مأمون تعبتك معايا .


_ تعبتني ايه ده أنت جايبلي قضية سخنة فيها باذن الله ترقية محترمة، يلا اسيبك خليني اشوف شغلي .


ختم حديثه بغمزة صغيرة وكأنه يمنح مسلم التصريح ليكمل باقي خطته وينتهي من القادم .


ومسلم ربت على كتفه بامتنان يراقبه وهو يرحل ومن ثم أبصر الكثير من عناصر الشرطة وقد انتشرت في المكان تغلقه، وصوت أحمد يصدح جواره بتعجب .


_ أنا برضو مش فاهم ليه مخليناش عز الدين يجيب الورق بتاع الأرض وخلصنا .


_ لا دي سهلة، الأهم نخلص منهم، الورق كده كده عرفنا مكانه ومش هغلب الاقيه، بس كان لازم اخلص منهم .


تنهد تنهيدة مرتفعة يحاول أن يستشعر الراحة في الهواء، لكن هناك غصة تحكم حلقه لا يدري لها من سبب، ربما لأنه لم ينتقم كما يحب لها، كان يأمل ويتمنى لو قتلهم بيده. لكنه وعدها .


تصرفه كان عقلاني بحت، أن يبلغ الشرطة وهي ستتولى كل شيء لاحقًا، كان التصرف المنطقي الطبيعي الذي يمكن أن يتخذه أي انسان، وهو لم يكن يريد إرهاق عقله بهؤلاء قذرين .


اخرج هاتفه كي يطمئن على عيسى لكنه صُدم من كل الاتصالات التي لم ينتبه لها، اتصل بأول رقم ابصره في الهاتف يتصل به ووصله صوت رايانا التي قالت بلهفة :


_ مسلم ساڤا كلمتني قالتلي أنه فيه رجالة غريبة دخلوا عليهم البيت وحاولوا يخطفوا نورهان .


اتسعت عيون مسلم وشعر بتجمد جسده لثواني قبل أن يتحرك بهدوء تحول فجأة لهرولة مخيفة وأحمد يتابعه دون فهم :


_ ايه مسلم مالك !؟


لكن مسلم لم يتوقف وهو يتحدث بصوت لاهث لا يدري من الخوف أم الموقف :


_ نورهان كويسة ؟ ساڤا ؟ كلهم ؟


وأحمد بمجرد سماع اسم شقيقته وزوجته صرخ بخوف وهو يجذب يد مسلم يوقفه بقوة :


_ أنت بتقول ايه ؟ فيــــــه ايـــه مالهم ساڤا ونورهان ؟!


حاول مسلم جذب يده وهو يردد بضيق :


_ رايانا بتقول فيه رجالة دخلوا عليهم البيت وحاولوا يخطفوا نورهان و...


وقبل اكمال كلمته كان أحمد يهرول بعيدًا عنه بسرعة والرعب جعل وجهه شاحبًا ومسلم يتابعه يركض خلفه متحدثًا في الهاتف بجدية :


_ رايانا خليكِ عندك لغاية ما اجيلك، خليكِ مع عيسى ويحيى ...


قاطعته تقول بهدوء :


_ متقلقش انا كويسة روح بس شوف نورهان يا مسلم.


تنفس بصوت مرتجف :


_تمام خلي بالك من نفسك وهاجي اروحك .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وصل أحمد المنزل يقتحمه بسرعة تسببت في انتفاض جسد نورهان بين أحضان يحيى، والاخير رماه بشر يضمها أكثر مربتًا عليها بحنان ولطف :


_ ايه يا زفت أنت هتوقف قلب البنت ....متخافيش يا حبيبتي ده واحد متخلف .


ختم حديثه وهو يزيد من تربيتته على نورهان، تحت عيون حاتم الذي كان يتابع الأمر مبتسمًا بسخرية شديدة :


_ بلكي بيوقف قلبك أنت ونخلص .


_ بتقول حاجة يا حاتم يا حبيبي ؟


_ ايه سمعتني ولا بدك ياني عيدها عساها لحظة استجابة .


اشتعلت عيون يحيى ولم يكد يتحدث بكلمة حتى وجد جسده يتحرك من جوار نورهان بالقوة وأحمد يحتل مكانه وهو يجذبها لاحضانه بقوة، يتنفس بصعوبة :


_ أنتِ كويسة يا نور، حد اذاكِ ؟


_ أنا كويسة يا أحمد متقلقش ساڤا مقصرتش الله يكرمها، لغاية ما وصل ...حا..تم .


ترددت في نطق اسمه وكأن نطقه قد يتسرب معه بعض مشاعرها المتشوشة تجاهه، وهو ضم يديه لصدره يرفعه حاجبًا بسخرية من طريقة نطقها للاسم مقطعًا :


_ ما بعرف اسمي غالي لدرجة تقسطيه على مرتين .


اتسعت عيونها بقوة وهي تراقبه ومن ثم حركت عيونها في الجميع تتساءل إن كانوا سمعوا ما سمعت هي للتو، وقد بدا أن حاتم لم يعد يهتم بكبت كل الأفكار التي تدور داخل رأسه، شعر بضربة على ظهره من يد مسلم الذي حذره بعيونه ومن ثم تحرك يجلس على ركبته أمام نورهان :


_ المهم أنتِ بخير يا حبيبتي مش كده ؟؟ 


اتسعت بسمة نورهان له بحب تهز رأسها بنعم، وأحمد استدار صوب ساڤا ينظر لها نظرات غريبة جعلت الأخرى تعتدل في وقفتها بعدما كانت تستند مسترخية على الجدار خلفها .


_ أنتِ كويسة صح ؟


توترت ساڤا من كلماته ونظراته تهز رأسها بنعم :


_ ايوة كويسة متقلقش .


_ مشوفتش عملت ايه يا أحمد دي كانت رهيبة، ولا اكنها اتحولت، دي مسكت واحد فيهم عدمته العافية و...


كانت نورهان تتحدث وتتحدث وهي تصف ما فعلت ساڤا وأحمد مبتسم بسمة واسعة فاخرة وكأنه يسمع كيف نالت ابنته وسام شرف في أحد المجالات الصعبة، وساڤا فقدت النطق بسبب نظراته وبسماته لها .


حاولت الخروج من هذه الحالة تقول بصوت خافت متردد وهي ترفع هاتف نورهان في الهواء :


_ نورهان ممكن اتصل برايانا من عندك ؟


هزت نورهان رأسها ببسمة واسعة :


_ تليفونك يا ساڤا براحتك .


وهذا يذكر أحمد أنه يحتاج لشراء هاتف لها .


ويذكر مسلم أن يحيى هنا ورايانا وحدها مع عيسى.


نظر صوب يحيى الذي كان يجلس يستفز في حاتم يحرك له حاجبه متلاعبًا :


_ الا قولي يا حتوم صحيح الحمص الاردني غير الحمص اللي بنحطه مع الترمس هنا ؟


رفع حاتم حاجبه وهو يحاول أن يمتالك نفسه عن قتل يحيى، وفجأة ارتسمت بسمة واسعة حينما أبصر مسلم يقترب منه جاذبًا إياه من ثوبه بغيظ :


_ لما أنت هنا آمال مين اللي سيبته مع مراتي واخوك في المستشفى ؟


_ يا عم عيسى معاها .


_ عيسى التعبان ؟ يابني هتشلني .


حاول يحيى ابعاد يد مسلم عنه بضيق شديد :


_ يعني هيحصلها ايه مش أنت خلصت من حوار عمها ده خالص .


تركه مسلم بضيق شديد وهو يمسح وجهه وقد قرر التحرك للاطمئنان على عيسى ورايانا :


_ اه، أنت وحاتم عارفين هتعملوا ايه، أحمد قولهم التفاصيل، هروح اشوف رايانا واطمن على عيسى .


خرج بعد كلماته مباشرة وترك الجميع يراقبه بهدوء شديد قبل أن يتحدث يحيى وقد فشل رغم محاولاته في كبت تعليقه :


_ يا عيني على الراجل لما يحب، بيبقى زي اليويو كده .


وعلى ذكر مشاعر الرجل ابتسم وهو يخرج الهاتف بسرعة وقد شعر فجأة بشوف لكارا يتصل بها ينتظر سماع صوتها قبل أن يضع الهاتف على أذنه يدفع حاتم جانبًا بقوة حتى كاد الأخير يسقط على وجهه من الصدمة .


ويحيى لم يهتم وهو يهتف بكل رقة :


_ ميا كارا ....


ــــــــــــــــ


_ شكرًا.


استدارت له تراقبه يقف خلفها مضيقًا عليها مساحة المطبخ والتي تشعر بها بالفعل كسم الخياط في هذه اللحظة، تحاول التنفس بشكل طبيعي بعد نظراته في الخارج .


_ على ايه ؟


_ مساعدتك لنور .


توقفت ساڤا عما تفعل والذي لم يكن أي شيء بالمناسبة هي فقط كانت تحرك الاغراض والأواني أمامها تدعي انشغالًا لا تمتلكه في الواقع .


_ مساعدتي لنور ؟


ابتسم يهز رأسه لها وهو يقترب وهي تراقبه بعدم فهم تقريبًا قبل أن تتحدث بجدية :


_ هل مساعدتي لنور ده شيء المفروض اتشكر عليه يا أحمد ؟


_ أنا المفروض اشكرك على كل حاجة يا ساڤا، واولهم أنك وافقتي اساسا تتجوزيني .


ابتسمت بسمة جانبية موجوعة وكأن الحديث عن زواجهما كان اسوء تجربة قد مرت بها في الحياة :


_ أنا اللي طلبت يا أحمد.


_ وأنا منجبرتش يا ساڤا .


_ لا اتجبرت، اتجبرت يا أحمد أنا ....يا أحمد أنا كنت...


صمتت وهي تنظر ارضًا وكأنها تخشى حقيقة أنها أجبرت الرجل على انتشالها من حياتها، هي لم تجبره مباشرة على الزواج منها، أخبرته فقط أن يساعدها وهو وافق بشروطه .


سقطت دمعة منها وهي تحاول ألا تشعره بالغصة في صوتها، لكن ما كادت تتحدث كلمة حتى رفع هو النقاب عن وجهها بهدوء يراقبها بحب ولطف يمسح دموعها قبل أن يميل في حركة لم يكن حتى يدرك كيف فكر فيها ..


قبل عيونها بلطف يهمس بصوت خافت :


_ محدش بيقدر يجبرني على حاجة يا ساڤا، ومحدش بيتسمى مجبور لما بيعمل شيء بيتمناه، بالعكس بنسميه محظوظ وانا يا ساڤا ..


صمت يمنحها كامل الوقت لتستوعب ما ينطق به :


_ أنا محظوظ عشان كانت مكافأة حياتي ... أنتِ .


رفعت عيونها له بصدمة كبيرة تحاول أن تدرك عما يتحدث، وهو اطال النظر بها وتذكر كم مرة غرق بها سابقًا ووبخ نفسه، كم مرة تمنى لو يغوص بها بلا منقذ، كم مرة تمنى لو كان يمتلك الحق في ساڤا، كم مرة لعن كل ما يحيط بهم والذي ساهم في زيادة المسافة بينهما .


كانت تعجبه ...فقط تعجبه بكل مافيها .


أو هذا ما حاول أن يقنع نفسه به ذلك الوقت، أنه فقط معجب بها لأنها امرأة جميلة، لكن الآن يدرك أن ليس جمال ساڤا فقط، بل كان ....ساڤا بكل تفصيلة فيها .


_ ساڤا أنا مش متجوزك شفقة، أنا ممكن اعمل اي حاجة شفقة، لكن مش هتجوز واحدة شفقة .


صمت يراقبها وقد بدا أنها لا تفهم لغته أو ما شابه وهو ابتسم لها يميل برأسه متسائلا بجدية :


_ هو لو حد في الغجر عايز يقول لحد أنه بيحبه بيقولها ازاي ؟


وساڤا فقط راقبته بأعين متسعة وانفاس تخرج بصعوبة كبيرة، تحاول أن تبتلع ريقها كي تتحدث وهو لم ينتظر اجابتها :


_ حاسك مش فاهمة كلامي وخايف الكلمة دي بذات متفهميهاش ..


شعرت ساڤا أنها ستستقط ارضًا تدفعه بقوة بعيدًا عنها راكضة من أمام عيونه دون تفكير وهو يراقبها ببسمة جانبية قبل أن تتحول لضحكة صغيرة على ملامحها .


وساڤا فقط شعرت المكان يدور بها في هذه اللحظة تحتمي بغرفتها بعيدًا عن أي شيء وكل ما يدور برأسها أن أحلامها تتحقق لها في وقت لا تستطيع قبولها .


سقطت ارضًا وهي تدفن رأسها بين يديها، هي بها ما يكفيها من المصائب وبينهما الكثير من الأسوار التي قد تمنعها عيش حياة طبيعية مع أي رجل، وخاصة رجل كأحمد ..


رجل يستحق اجمل النساء وليس امرأة معطوبة نفسيًا تنفر النظرات وتمر بحالات رشره مثيرة للشفقة .


تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول التفكير في الخروج من هذا، كيف تهرب من كل ذلك، تهرب من شيء تتمناه من اعماق قلبها ؟؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


_ طب كده هنعمل ايه ؟


نظر وائل للرجل أمامه بهدوء كبير رغم أنه داخله يرتجف خوفًا حتى أنه خشي أن يسقط ارضًا فجلس على أول مقعد واجهه يدعي برودًا لا يمتلك نصفه :


_ في ايه ؟


_ يا باشا بقولك عيونا في البلد قالت إنهم اتقبض عليهم ومش بعيد يعترفوا علينا .


_ هما مش اغبيا اوي كده محدش يقدر يجيب سيرتنا وإلا هما عارفين ايه اللي ممكن يحصل ليهم .


نظر له الرجل بتوتر ورفض لهذا المبدأ يدرك أن الطبقة الاعلى منهم لن تكون راضية عن تصرفات وائل هذه :


_ انا شايف نبلغ الكبير وهو يتصرف عشان منندمش بعدين لما الدنيا تبوظ اكتر .


رفع له وائل عيونه وقد كانت مشتعلة من الغضب كانت هذه الفكرة تعني انتهاء عصره، وانتهاء عصره يعني انتهائه هو ليس غبيًا ليعتقد أن مثل هؤلاء الأشخاص قد يتركونه وشأنه بعدما وصل لهذا المستوى في الوحل.


_حسك عينك كلمة من اللي حصلت دي تطلع بينك وبين نفسك حتى سامع؟ 


ارتجف الرجل من صرخات وائل والذي كان كمن يقاتل بشراسة على كسرة خبز هي طوق نجاته :


_ يا باشا هو ...


_ بلا هو بلا هي اللي أقوله يتسمع الموضوع ده يتقفل هنا واللي جاي انا اللي هعمله بنفسي .


ابتعد الرجل عن طريقه وهو يراه يتحرك بشكل محموم صوب مكتبه وقبل أن يتبعه حتى اغلق وائل الباب بسرعة ثم ترك صوب المكتب يجذب حاسوبه صوبه يدور بعيونه على الشاشة أمامه.


_ ماشي يا ولاد المريدي، ماشي اصبروا عليا .


ـــــــــــــــــــــــــ


ابتسم وهو يراقبها تتحدث مع عيسى بكل حنان وكأنه طفلها الصغير وعيسى مسطح أمامها يتحدث لها بكل راحة لم يبصرها عليه مع أي امرأة عدا نورهان تقريبًا .


_ تعبتك معايا يا رايانا .


ابتسمت رايانا وهي تضع الطعام أمامه ومن ثم نظرت صوب مسلم تشير له بعيونها ليتحرك الاخير وهو يحمل الملعقة وبدأ يطعم شقيقه بحنان .


_ تعبك راحة يا عيسى مفيش أي تعب خالص متقلقش .


بدأ مسلم يضع الطعام أمام عيسى وهو يتحدث بهدوء :


_ محتاج تاخد بالك من نفسك اكتر يا عيسى أنت تعبك وحش يا أخي.


ابتسم له عيسى بسمة صغيرة ومن ثم منح كامل انتباهه لرايانا وهو يردد بلهفة ولطف :


_ رايانا أنتِ اكلتي ؟! تعالي كلي معايا الاكل كتير .


تشنجت ملامح مسلم وهو ينظر لشقيقه بصدمة وقد بدأ يسحب الطعام من أمامه يقربه من رايانا التي كانت تنظر له بحنان يشع من كل نظرة منها وكأنها تراقب قطًا لطيفًا على قارعة الطريق .


_بالهنا والشفا أنت يا عيسى، كل أنت بس عشان علاجك .


ابتسم لها عيسى بسمة واسعة جعلت مسلم يجذب رأسه بضيق وهو يردد بتحذير :


_ ولا ما تظبط هو أنت فاكر عشان تعبان مش هقدر اكسر عضمك ؟


رمته رايانا بنظرة مرعبة محذرة :


_ مسلــــم 


نظر لها مسلم بانزعاج كبير هو لا يمانع أن تكون هناك ألفة بينهما، لكن ليس لدرجة تثير جنونه كما الآن، ليس لدرجة أن تنظر له بنظرات يحبها هو .


وضع الصينية جانبًا بغضب وهو يتحرك بعيدًا عن الفراش يجذب رايانا له يخفيها خلفه وكأن عيسى سيأكلها بعيونه :


- أنت مش شايفة بيعاملك ازاي ؟


_ بعاملها ازاي؟؟ دي اختي ...اقوم اضربها بالجزمة طيب ؟


_ لا متعاملهاش اساسا .


نظرت له رايانا بصدمة كبيرة تحاول فهم ما يدور برأسه في هذه اللحظة، لكنها فجأة انفجرت في الضحك وهي تراقب تعابير وجهه الغاضبة، هذه التعابير التي تعلو وجه طفل صغير حاول آخر سحب لعبته المفضلة .


ومسلم يراقب ضحكتها بغضب شديد سرعان ما تلاشى واندمج في التماع عيونها ينبهر للمرة التي لا يعلم عددها بكل شيء فيها. 


رايانا ساحرته وحبيبته التي خرج بها من هذه الحياة، الشخص الوحيد الذي كان مستعدًا أن يلقي نفسه بالنيران _ بكل ما للكلمة من معنى _ لأجلها، المرأة الوحيدة التي أحبها ولا يدري كيف ومتى .


لكنه يعلم يقينًا أن حبال حياته متعلقة برايانا، هذه المرأة هناك هي سر احتفاظه بعقله حتى الآن.


_ أنتِ متأكدة أنه هتقدري تكملي معاه اساسا، ما تفكري يا رايانا أنتِ اختي وأنا مرضاش ليكِ البهدلة دي، والله لو كان مسلم القديم ما كان يتعز عليكِ .


كانت كلمات عيسى هي ما أخرج مسلم من شروده بريانا ليستدير له استدارة عنيفة جعلت الأخير يبتلع باقي كلماته بل ويحشر الطعام خلفها كي يمنعها الخروج مجددًا .


وصوت ضحكات رايانا يزداد وهي تردد بجدية :


_ نعمل ايه بقى يا عيسى خلاص .


_ هو فعلا خلاص، أنتِ لابسة في وشي باقي عمرك يا فروشكا .


التمعت عيون رايانا بقوة واتسعت بسمتها بشكل جعله يبتسم دون شعور :


_ ايه بتضحكي على ايه ؟


_ لا بس وحشتني فروشكا .


اتسعت بسمته أكثر وأكثر، حتى أصبحت تأخذ نصف وجهه تقريبًا .


_ عمري ما هنسى فروشكا أول حب ليا .


ولم تكد رايانا تتحدث بكلمة واحدة حتى قاطعهم عيسى بضيق مصطنع :


- يا عم مش قدامي، راعي اني مريض ووحيد وشريد.


_ وفقير .


_ ايوة وفقير برضو، خد مراتك يلا وروحوا كملوا رومانسية بعيد وانا هاكل واروح انا بقيت احسن .


مسح مسلم وجهه وهو يفكر ثواني :


_ لا خليك هوصل رايانا البيت وهرجع ليك على طول عشان اروحك .


ومن ثم أمسك بكف رايانا بهدوء يسحبها معه بحب شديد يخرج من المكان، تاركًا عيسى خلفه يتابعهم بيأس من تصرفات أخيه قبل أن يندمج في الطعام .


بينما مسلم تحرك مع رايانا بين طرقات القرية وهو يتنفس بصوت مرتاح .


أبصرت ارتياحه تتحدث بجدية :


_ شكلك مبسوط ؟


_ انا مبسوط طول ما أنتِ معايا يا رايانا .


اتسعت بسمة رايانا بقوة، وقد شعرت أن قلبها يقفز بين ضلوعها من كلماته، تخفض عيونها بتردد بعيدًا عنه .


_ مسلم .


_ عيوني .


_ هتفضل تحبني دايما يا مسلم مش هتندم في يوم أنك حبيتني ؟


توقفت أقدام مسلم أمامها يراقبها ببسمة واسعة قبل أن يتحدث بجدية :


_ بالله عليكِ ده شكل واحد ممكن يبطل يحبك، انا بقيت أتزف وينضرب ليا المثل عشان بحبك .


نظرت له رايانا نظرة تشبه تلك النظرة التي سقط لأجلها أول مرة، هذه المرأة أمامه لا تدرك ما يشعر به حينما يبصرها، مشاعر غريبة غير مفسرة، لا يدري هل ارتجافة صدر أمر خفقات، هو فقط لا يكون طبيعيًا حينما يبصرها .


وهذا شعور لا يكرهه بالمرة بل يتمسك به بحياته .


_ تعرفي يا رايانا ...


صمت يتأكد أنه يستدعي انتباهها .


_ اعرف ايه ؟


_ إني بحبك ؟


اتسعت بسمة رايانا بخجل ولم تجد ردًا سوى هزة رأس  صغيرة خجلة، ليبتسم هو بحب وهو يقترب يضمها ضمة قوية بحنان :


_ يبقى متنسيش أبدا إن مسلم بيحب رايانا ومش بيحب في الدنيا حد قد رايانا ....


ــــــــــــــــــــــــــــــــ


طرق الباب ينتظر ردًا وقد كان لا يحسن البقاء بعيدًا عنها لوقت طويل، لا يحسن الجلوس بعيدًا وقد اشتاق لها واشتاق لكل شيء بها .


ابتسم يطرق الباب ينتظر أن تطل عليه كعادتها، لكن سرعان ما تلاشت البسمة حينما أبصر وجه والدها أمامه:


_ عم محظوظ ..


_ اسمي محفوظ .


_ اظن احنا اتناقشنا كتير في كده، المهم فين المدام ؟


رفع محفوظ حاجبه بعدم فهم :


_ مدام مين ؟


_ مدام مين يعني هو أنت عندك كام مدام هنا ؟! 


اجابه محفوظ بسخرية لاذعة :


_ ولا واحدة المدام تعيش أنت.


_ الف رحمة ونور عليها، لكن أنا مش بناقش بؤسك دلوقتي انا بتكلم عن كارا هي فين ؟


_ وأنت عايز كارا ليه ؟!


_ دي أسئلة مش بنسألها عامة، بس طالما مصر هقولك وحشتني وعايز اشوفها .


اشتعلت عيون محفوظ بقوة فابتسم له يحيى :


_ شوفت اديك زعلت، ناديها بقى عشان عندي مشوار مهم وعايز اطمن عليها قبل ما امشي.


كان يتحدث بلهفة يود رؤيتها قبل المحرك مع حاتم لمنزل معتز للانتهاء مما يريدون .


ومحفوظ يقف أمامه بعناد شديد لم يتزحزح الا بعد دقائق حينما لانت ملامحه قليلًا يردد بصوت ضعيف :


_ هي جوا مش فاهم مالها من وقت ما رجعت من برة قافلة على نفسها وشكلها مش كويس، خايف يكون حد عملها حاجة.


تلاشى المزاح وكذا البسمة عن وجه يحيى وهو يتحفز لكلمات محفوظ :


_ مش فاهم مين ده اللي عملها حاجة ؟


_ معرفش هي مخرجتش لغاية دلوقتي ومش فاهم مالها بجد .


شعر يحيى بالخوف يتسرب بين أوردته وهو ينظر خلف محفوظ وقد تراجع كل لاجديته عن السطح :


_ طيب انا ممكن اقابلها معلش ؟؟ قولها بس اني مستني اشوفها .


هز محفوظ رأسه وقد رأى أن هذا افضل سبب يخرج به ابنته من وكرها في الداخل، يشير ليحيى أن يتحرك معه صوب المقاعد في البهو ومن ثم تحرك صوب غرفة ابنته يطرق الباب بهدوء شديد .


ويحيى في الخارج يسمع صوت محفوظ يردد بحنان :


_ كارا يحيى برة عايز يشوفك يا بنتي .


فرك يحيى يديه بقلة صبر وهو يفكر في السبب الذي ربما جعلها تحزن، ويتمنى فقط أن يكون والدها يبالغ .


لكن نظرة لعيونها الحمراء المنتفخة جعلته يدرك أن محظوظ لم يكن يبالغ بالمرة في الأمر.


انتفض عن مجلسه برعب وهو يتحرك صوبها بلهفة يهتف بخوف :


_ كارا مالك ؟؟


رفعت كارا عيونها له ترسم ابتسامة بصعوبة على وجهها :


_ ازيك يا يحيى ؟


_زفت يا ستي ملكيش دعوة بيا، قولي أنتِ بس مالك ؟


نفت كارا برأسها تحاول أن تبعده عن هذه النقطة وقد خرج صوتها أبح من كتمها للبكاء :


_ مفيش بس ...


صمتت ثواني وقد هبطت دموعها دون شعور تمسحها بسرعة عن وجهها :


_ حسيت بس اني مخنوقة شوية .


_ فقومتي قولتي قومي يا بنتي عيطي شوية واتسلي مش كده ؟


_ آه.


_ يا شيخة جاكِ اواا... انطقي قولي مالك متخلنيش اتعصب اكتر يا كارا .


نظرت له كارا ثواني قبل أن تنفجر في البكاء وهي تشكو له من بين دموعها بصوت متقطع جعل قلبه يتوجع عليها :


_ أنا...كنت في محل عم رجب و.. وأمها جات وشافتني وقعدت تلقح بالكلام وتقول حاجات عليا و..


_ بت مش فاهمك بطلي شحتفة وأنتِ بتتكلمي مش فاهم منك حاجة .


نظرت له كارا بصدمة ليتنفس بصوت مرتفع يحاول الهدوء ؛


_ من الاول أمها دي قصدك بيها أم مين ؟! ما هو لما تقولي امها هعرف منين ؟؟ أم أربعة وأربعين ؟!


_ أم مرات عز الدين .


هز رأسه وهو يشير لها لتكمل وهي تنفست بصعوبة :


_ هي دخلت لما لاقتني فى المحل قعدت تلقح عليا بالكلام اللي اعتقال بعد طلاقي من عز الدين .


مسحت دموعها وهو يراقبها ببسمة حنونة :


_ ايه اللي اتقال يا كارا ؟


_ اني ..أرض بور وعمري ما هكون ام و...يا يحيى والله العظيم أنا مفيش فيا حاجة أنا الدكتورة قالتلي اني عادي و...


_ طيب ما أنتِ عارفة اهو ليه بتعيطي طيب ؟


نظرت له بعدم فهم فبدأ يشرح لها بحب :


_ يا ستي احنا بنزعل لما حد يسم بدننا بكلام فينا واحنا عارفين أنه عيب فينا وبنهرب منه فبنزعل لما حد يواجهنا بيه، مش يبجح في وشنا بشيء احنا عارفين أنه مش فينا ؟


صمت يخرج من جيب بنطاله حلواها المفضلة يكمل ببساطة :


_ ويا ستي حتى لو، الاولاد دول رزق هنبكي ونعترض يعني؟؟ سيبها على ربك ومرة تانية لما حد يفتح بؤقه تجاهليه أو جيبيني وانا اسلخه بلساني .


حركت عيونها بين يده وعيونه قبل أن تثبتها على عيونه تبتسم له بسمة صغيرة سرعان ما التمعت بها عيونها وهي تهمس بصوت خافت دون شعور :


_ يحيى أنا ..بحبك .


ويحيى تجمد بأرضه وهو يحدق فيها بعيون متسعة يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي، وهي فقط فرت من أمامه بسرعة كبيرة تاركة إياه جامد بأرضه يتابع تحركها ببسمة غير مصدقة ولم يعيده لأرض الواقع سوى رنين هاتفه، لكنه فقط تجاهله وهو يردد بصوت عاشق .


_ احلو عمري ...احلو عمري في غمضة عين .....


ـــــــــــــــــــــــ


توقف أمام الباب بعد ساعات قصيرة ينظر للمنزل بحنق شديد قبل أن يستدير للخلف صوب حاتم يردد بضيق :


_ وبعدين ؟


_ شو بعدين خلنا ندخل ونخلص منها لها الليلة بلا ما تشرفني بشوفتك اكتر من ساعتين .


اغمض يحيى عيونه يستدير صوب حاتم يبتسم له بسمة مستفزة :


_ يا سلام مكنتش عارف والله لولاك هعمل ايه ؟! بقولك هنعمل ايه مش ناوي على ايه في المستقبل .


زفر حاتم بضيق وقد بدا أنه يمارس أقصى درجات ضبط النفس كي لا يقتل يحيى، أبعده من طريقه متحركًا صوب المنزل والذي يدرك يقينًا أن لا احد به سوى زوجته، وهم لا يحتاجون حتى لدخول المنزل فالمكتب منعزل بالخارج .


تحرك داخل البوابة الرئيسية ينظر حوله وكأنه يتبين إن كان هناك أي انسان حولهم .


ومن ثم تحرك صوب الملحق المنفصل والذي يتضمن جلسة الرجال والمكتب الخاص بالبارو.


توقف حاتم أمام المنزل قبل أن يخفض حقيبة زهره يخرج منها بعض الأدوات المعدنية مما جعل يحيى يقترب منه يراقبه بانبهار وصمت .


وحاتم أخرج مفتاح غريب الشكل وبدأ يحاول فتح باب الملحق وفي الخلف يحيى يبتسم بعدم فهم :


_ بتطفش اقفال؟! طول عمر مرات خالتي كانت تقول لنورهان روحي يا بنتي ربنا يرزقك باللي يفتح في وشك كل الابواب المقفولة، الدعوة اتحقق بالحرف .


رفع له حاتم عيونه بضيق ولم يهتم بالرد حتى سمع فجأة صوت فتح القفل فابتسم. 


_ ها شوفلي هالشوفة .


نهض عن الأرض ينفض بنطاله ومن ثم فتح الباب أمام يحيى غامزًا ليبتسم الأخير بانبهار يتحرك معه للمكتب وحاتم لحق به يخفي حقيبته وقد بدئا في ثواني يتحركون في المكان بحثًا عن أي أوراق تساعدهم .


وبعد ساعة أو أقل بقليل توقف يحيى في منتصف الغرفة بغضب وقد يأس من العثور على شيء :


- مش يمكن زفت الطين ده بيكدب أو أبوه اساسا كان مخونه ومرضيش يقوله المكان اللي بجد ؟


لم يتوقف حاتم عن البحث في أرجاء المكان :


_ ما بعتقد واحد متل هالكلب ما بيفوته هالشي، بلكي فيه شي خزنة هون ولا هون وبـ


وتوقفت كلماته حينما استشعر شيء غريب في أحد أدراج المكتب :


_ مو كأنك بحثت بهالدرج من شوي !


_ اه دورت فيه اكيد يعني مش هيسيب ورق في الدرج كده .


_ تخيل أنه سابه ؟


نظر له يحيى بعدم فهم وحاتم رفع عيونه له بغضب :


_ ولك أنت اعمى ولا شو الورق بوجهي .


تحرك له يحيى بعدم فهم ورفض لأن يتصف بهذا الغباء لدرجة أنه لم يبصر الورق، تحرك ونظر للمكان الذي يشير له حاتم .


_ ايوة بس ده ورق عادي ؟


_ وأنت شو بدك يكتبه ع ورق بفرة ؟؟


- لا بس الحاجات دي بتتحط في ملف بلاستيك وده ورق من غير ملف .


قلب حاتم عيونه وهو يسقط رأسه على الدرج يصرخ بصوت مرتفع :


_ يا الله انقذني منه لهالحمار .


_ الحمار ده هو أنت يا زبالة أنت يلا فاكرني هسكتلك عشان شامي وكلامك حلو، لا يا عنيا الحاجات دي تعملها مع البنات مش معايا .


لم يهتم به حاتم وهو يسحب الاوراق يغلق الدرج ومن ثم تحرك في المكان كي يرحل لكن فجأة توقف حينما أبصر شيء جعله يضيق عيونه يميل على المكتب يسحب ورقة تعلو الطاولة أمامه يقربها من عيونه يراقب الاسم الذي يعلوها حتى اتسعت عيونه شيئًا فشيء وقد أدرك لتوه شيئًا ...


ــــــــــــــــــــــــــ


ساعده واخيرًا على التسطح في الفراش ومن ثم ابتعد عنه يراقبه بحب يربت على رأسه بهدوء :


_ محتاج حاجة يا حبيبي ؟


نفى عيسى برأسه وقد كان ما يزال تحت تأثير المرض والأدوية ولم يعي سوى بعودة مسلم له كي يأخذه من المشفى .


خرج الأخير يرى نورهان تقترب من الغرفة مع وعاء ماء وقطعة قماشية ليبتسم لها بحنان :


_ تسلم ايدك يا نونو .


_ على ايه يا مسلم ده عيسى ...وسع ادخل اعمل ايه كمادات .


هز رأسه يبحث بعيونه عن أحمد ولم يبصره فأعتقد أنه مع زوجته لذا لم يشأ أن يزعجه :


_ حاتم مرجعش مع يحيى ؟


_ لا لسه محدش رجع .


اومأ يتحرك ناويًا أن ينتظرهم في الخارج كي يطمئن على ما فعلوه، اخرج هاتفه ينتوي الاتصال بمأمون، لكن سبقه اتصال آخر من رقمها، اتسعت بسمته يجيبها بلهفة :


_ فروشكا ؟


وكل ما وصل له في هذه اللحظة صوت صرخات شيما ونواح مرعب من بعيد بينما صوت الجدة يرن في سماعة هاتفه بصعوبة وكأنها تتوسل للكلمات أن تخرج من فمها .


_ مسلم يابني ...رايانا ...رايانا فيه حد ...حد جه واخدها من البيت .


ولثواني بدا لمسلم أنه لا يفهم بأي لغة تتحدث بها المرأة، فقط يسمعها تردد كلمات لا معنى لها عنده، وقد توقف قلبه لثواني قبل أن يشعر وكأن صاعقة ضربت كامل جسده .


_ هي ...مين ؟؟ قصدك ايه ؟ مين اللي اخدها ؟؟


وصوت نواح شيما في الخلف خلع قلبه من أضلاعه :


_ بنتـــي هاتولي بنتــــي، عايزة بنتـــي.


ارتجفت يد مسلم وكذا صوته وقد فقد القدرة على التفكير، بهذه السرعة ؟؟ بهذه السرعة أخذوها من أمامه، من أمام عيونه ؟


نظر حوله ثواني قبل أن يتحرك من المنزل بسرعة كبيرة وهو يتحدث في الهاتف :


_ مين ؟! حد من رجالة معتز ولا مين ؟


_ معرفش يا ولدي، معرفش غير أنه فجأة سمعنا صريخها وخرجنا لقينا ناس لابسة اسود اختفت بيها، معرفش دخلوا امتى وخرجوا امتى وازاي ..


شعر مسلم بتنميل في كامل أطرافه وتشنج جعل الحديث أشد صعوبة :


_ أنا .. أنا جاي... أنا جاي .


اغلق الهاتف يتحرك بصعوبة صوب المنزل وعقله يدور حول من يمكن أن يكون قد اختطفها ؟! ربما كانت خطة أخرى لمعتز كخطف نورهان وانتظر عودتها المنزل كي ينفذها، انتظر أن يتركها هو ويبتعد عنها حتى يأخذوها من بين يديه ولكن هو ...هو كان سيعود لها يقسم بالله كان فقط سيعيد عيسى ويعود سريعًا .


هو كان يطمئن عليها من ....


توقفت أقدامه فجأة على مشارف شارعها حينما ضربته ذكرى الكاميرات التي زرعها في غرفتها، توقف يتنفس بصعوبة وهو يبحث بين هاتفه باصابع متلهفة وعيون تكاد تخرج من وجهه لتسابق التسجيلات للحظة سلبها .


كانت معه منذ ساعة ...كانت بين أحضانه وأخذوها، كان ...كانت بين يديه والآن اين هي ؟


راقب الفيديو باهتمام شديد والذي كان طبيعيًا حتى قررت هي أن تجلس في الشرفة تمسك بين يديها أول مرة ثلج أحضرها لها تراقبها بأعين ملتمعة، قبل أن يبصر تحفز في جسدها .


متحفزة بشكل مريب وهي تحدق من النافذة قبل أن تنتفض فجأة للخلف تتراجع بسرعة حينما أبصرت أجساد تتشح في الاسود تقتحم المكان .


كانت تصرخ وهي تتحرك بسرعة لداخل الغرفة تحاول غلق الشرفة وكأن ذلك سينقذها، وقبل أن تتبع الصرخة الاولى بثانية أبصر أحد الرجال يلكمها بقوة لكمة أدت لاصطدام رأسها بباب الشرفة الزجاجي وسقوطها ارضًا بقوة يقسم بالله أن صداها رن في عقله وشعر بوجعها في رأسه.


كل ذلك كان يمكن أن يكون محتملًا، كل ذلك كان ليكون هينًا ما أن يعيدها من بين أيديهم أي كانوا رجال معتز أو ذلك الرجل وائل، كل ذلك كان سهلًا حتى ..


حتى ابصره، جحيمه على هذه الأرض، ماضيه الأسود الذي هرب منه، أبى أن يتركه يحيا سعيدًا فجاء ليسرق سعادته .


كانت هذه الحقيقة بمثابة صاعقة وهبطت فوق رأس مسلم الذي اسقط هاتفه ارضًا وامتلئت عيونه برعب خالص والدموع تسابقت على وجنته وشيء واحد اصابه بالشلل .


رايانا بين أيدي منظمته ..........


ـــــــــــــــــــــ


عدنا .....


مرحبًا لعنق الزجاجة، كل ما سبق كان مجرد تمهيد ..


دمتم سالمين .



                 الفصل الثلاثون من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة