رواية قدر ومكتوب الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم هدير ممدوح


رواية قدر ومكتوب الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم هدير ممدوح



الظلام يسود المكان، والسماءُ صافية، وقرص القمر يتوسطها مضيئًا الأرجاء، تحفّه النجوم اللامعة.

وأسفلها كان جسد ريم مُسجّى على الأرض بلا حركة، تنزف، ووجهها مليء بالجروح، تُركت وحيدة مهددة بالموت...

توقف صوت سيارة بالمكان، ليترجل عبدالله أمام ذلك البيت الصغير، أشعل مصباح هاتفه، واتجه نحو الباب، وحين رآه مفتوحًا، دلف إلى الداخل، لكنه تجمد مكانه فور أن وقعت عيناه على جسد ريم الجريح.

توقف لثوانٍ معدودة يحدق بها بصدمة، ثم اندفع نحوها وجثا بجانبها، وضع هاتفه أرضًا، ورفع رأسها إليه وهو يقول بذهول:
_ريم... ريم.

ضم جسدها إليه بقوة، ثم شعر بأنفاسها تخرج بصعوبة، فقال بلهفة:
_إنتِ كويسة، إنتِ عايشة يا روحي.

التقط هاتفه سريعًا، ثم حمل جسدها إلى السيارة، وضعها بالمقعد الخلفي، وصعد هو للأمام.

كان يقود بسرعة كأنه يسابق الريح، حتى تعالى رنين هاتفه، فرأى اسم حازم على الشاشة، فاستقبل المكالمة فورًا وقال بلهفة:
_لقيت ريم يا حازم.

جاءه صوت حازم مذهولًا:
_بتتكلم جد؟!

هز عبدالله رأسه، وعيناه تلمعان بالدموع وهو ينظر لجسدها الساكن عبر المرآة:
_هبعتلك عنوان مستشفى تعالى عليه، إحنا ربع ساعة ونوصل.

قال حازم بوجل:
_مستشفى إيه يا عبدالله، ريم مالها؟ قولي الحقيقة.

قال عبدالله وقد تحررت الدموع من مقلتيه:
_مش عارف يا حازم... مش عارف، بس هانت اهو، أنا بسوق بسرعة، وإنت تعالى على العنوان اللي هبعتهولك.

هز حازم رأسه وهو يضغط على المقود بجنون:
_تمام أنا قريب، إنتوا قدامكم كتير؟

رد عبدالله:
_مش كتير إن شاء الله.
وأنهى المحادثة.

وكلاهما يضغط على دواسة البنزين ليصل أسرع من الآخر.

وبعد ما يقارب النصف ساعة، وصل عبدالله أمام إحدى المستشفيات، هبط سريعًا من سيارته، واتجه إلى الباب الخلفي، حمل جسد شقيقته بين ذراعيه، وأسرع بخطواته إلى الداخل.

وفي تلك اللحظة وصل حازم، وما إن رآه حتى اندفع خلفه وهو يصيح:
_عبدالله. 

التفت عبدالله إليه للحظة، لكنه لم يتوقف، بل صرخ بأعلى صوته:
_محتاجين دكتور هنا بسرعة 

أسرعت الممرضات نحوهما وهن يدفعن الترولي، بينما وصل حازم إليهم، وما إن وقعت عيناه على ريم بتلك الحالة حتى تجمد مكانه، وقال بصوت مرتعش :
_ريم...

أمسك يدها وكاد يهز جسدها، لكن عبدالله أمسكه بقوة وهو يقول:
_اهدى يا حازم، اهدى.

هتفت إحدى الممرضات بسرعة:
_ابعدوا لو سمحتوا.

ونُقلت ريم على الفور إلى الطوارئ.

انهار حازم تمامًا، وبكى كطفل صغير فقد أمه للتو، ثم جلس على الأرض مستندًا إلى الحائط خلفه. 

وجلس عبدالله بجانبه، يربت على كتفه بصمت، بينما كانت دموعه تنساب على وجنتيه دون توقف.

صلي على محمد 🌺

على الجانب الآخر...
نفت عائشة برأسها وهي تقيس نبض نرمين، وتمتمت بخفوت:
_مفيش نبض...

شهقت نعمة بصوتٍ عالٍ، بينما دفعت أمال عائشة بعنف وهي تقول كمن فقدت عقلها:
_ابعدي عن بنتي... أنا بنتي عايشة.

وحملت رأس ابنتها تضمها إليها وهي تردد بانهيار:
_بنتي عايشة، مش هتسيبني.

كادت عائشة أن تسقط أرضًا، فاتكأت على كف يدها لتتوازن، وتساقطت دموعها رويدًا رويدًا على حال نرمين.

صاحت أمال بهستيرية:
_اتصلوا بالإسعاف، بنتي عايشة، يلا خلينا نوديها المستشفى.

كان الجميع في حالة صدمة، ينظرون إلى جسد نرمين بعدم تصديق... هل حقًا تلك الصغيرة رحلت عن عالمهم؟

أضافت أمال والدموع تغرق وجنتيها:
_اتحركوا يلا، بنتي بتروح مني.

دنا فريد منها وهو يقول بسرعة:
_ابعدي، هشيلها ونوديها المستشفى.

ابتعدت أمال، فمال فريد يلتقط جسد نرمين بين يديه، وحملها لينزل للأسفل، وخلفه عائشة ونعمة وأمال.

استيقظت سحر على أصواتهم، فلحقت بهم وهي تقول بلهفة:
_عائشة، في إيه مالها نرمين؟

ردت عائشة على عجل:
_أما نرجع، خليكي دلوقتي.

بالأسفل، استمع ممدوح إلى أصواتهم، فهتف من داخل غرفته:
_حد يفهمني في إيه؟

قال فريد وهو يركض بجسد نرمين إلى الخارج:
_دادة نعمة خليكي مع بابا، وحاولي تهديه.

غمغمت نعمة:
_حاضر يا ابني...
وأضافت بعد رحيلهم:
_جيب العواقب سليمة يارب.

بالخارج، صعدت أمال إلى المقعد الخلفي، ووضع فريد ابنتها بجانبها، بينما صعدت عائشة في الأمام بجواره، ثم انطلقوا سريعًا.

كانت أمال تعانق ابنتها بقوة، تخشى رحيلها، وقالت بقلبٍ مضطرب:
_مش بتتنفس، مفيش نفس خارج منها، مش حاسة بضربات قلبها، بنتي جسمها متلج.

وصاحت بانهيار وهي تهزها بين يديها:
_ردي يا بنتي، يا نور عيني ردي عليا، فوقي متسبنيش.

ولأول مرة، شعرت عائشة تجاهها بالشفقة، فبكت على حالها بصمت.

وصلوا إلى إحدى المستشفيات القريبة، فترجل فريد سريعًا، وفتح باب السيارة الخلفي، وحمل جسد نرمين وولج للداخل، وخلفه عائشة وأمال.

توجهوا إلى الغرفة المخصصة للطوارئ، ووضعوا جسد نرمين على الفراش الصغير، وجاءت الطبيبة المناوبة تقول بجدية:
_خير، إيه اللي حصل؟

ردت عائشة بسرعة:
_أخدت كمية دوا كبيرة.

قالت الطبيبة:
_استنوا برة، لو سمحتم. 

ثم التفتت إلى الممرضة قائلة:
_اندهي دكتور أحمد بسرعة.

أمسك فريد بيد أمال يسحبها إلى الخارج، وخلفهما عائشة.

بعد قليل، ولج طبيب آخر بدا عليه الكِبر والخبرة.

انتظروا فترة وجيزة، بدت فيها أمال كالمتغيبة، تقف مكانها متجمدة، بينما كان فريد يذهب ويعود في الممر وقد تلفت أعصابه، وعائشة تعلم بخبرتها أن حالة الفتاة ليست على ما يرام.

فُتح الباب أخيرًا، وخرج الطبيبان.
 اقتربوا منهم جميعًا، وتحدثت أمال بلهفة مرتجفة:
_بنتي عايشة صح، عملتلها غسيل معدة وفاقت، مش كده؟

قالت الطبيب بأسف:
_البقاء لله، شدوا حيلكم.

بكت عائشة وخرجت شهقاتها مكتومة، واغرورقت عينا فريد بالدموع، بينما هجمت أمال على الطبيب تمسكه من تلابيب قميصه وهي تصرخ:
_إنت كداب، قول بنتي عايشة، قول 

اقترب فريد يبعدها عن الطبيب، بينما قال الطبيب بعملية:
_مقدرين حالتك يا مدام، بس حسب خبرتي البنت روحها فارقت الحياة من ساعات، لو جات بدري عن كده كان ممكن نلحقها.
وأضاف:
_هنخلص الإجراءات وتقدروا تستلموها.

ثم رحل ومعه الطبيبة الأخرى.
صاحت أمال بفجعة:
_بنتي كانت بتصارع الموت لوحدها وأنا محسّتش، كانت مستنياني وأنا ملحقتهاش. 

ثم دفعت باب الغرفة التي بها جسد ابنتها، وكانت الممرضة تغطيها بالملاءة البيضاء حتى وجهها، فقالت أمال بحدة وهي تنزع الغطاء عنها:
_بنتي... يا روحي.
وأخذت تقبل جبينها ووجهها بقبلات متفرقة.

وخارج الغرفة، اقتربت عائشة تربت على يد فريد قائلة:
_شد حيلك.

فاجأها فريد بعناقٍ مفاجئ، فبادلته العناق، وقال من بين شهقاته:
_أختي ماتت يا عائشة، حتى ما استنش تعرف الحقيقة.

ردت عائشة بغصة باكية:
_الله يرحمها، هي في مكان أحسن من هنا.

ابتعدا عن بعضهما على صوت صراخ أمال، وهي تبكي بحرقة، بينما قالت الممرضة:
_يا مدام شدي حيلك، لازم ننقل الجثة من هنا.

دفعتها أمال وهي تصرخ:
_اخرسي! أنا بنتي عايشة، محدش يقول ماتت.

وعادت تلثم وجهها ويديها، ثم وضعت رأسها بالقرب من نرمين وهمست بانكسار:
_إنتِ عارفة، أنا بس كنت مستنية ناخد منهم كل حاجة ونمشي لمكان بعيد، ونعيش حياة حلوة أنا وإنتِ، مكنتش عاوزاكي تعيشي اللي عيشتي، عشان كده كنت بقسى عليكي.

ثم هزت جسدها باكية:
_ها، قومي يا بنتي، ردي عليا، أبوس إيدك أنا قلبي هيقف.

دنا فريد منها محاولًا سحبها بعيدًا، فقالت أمال بانهيار:
_فريد، بص دي أختك، آه والله أختك من أبوك، قولها تقوم، قولها تقوم أبوس إيدك.

سحبها فريد بعيدًا عن جسد نرمين، لتصرخ أمال وهي تحاول الإفلات منه:
_سبني، إنت بتبعدني عنها ليه، سبوني دي بنتي أنا. 

وسحبت الممرضة جثمان نرمين إلى الخارج.

وفجأة سقطت أمال مغشيًا عليها، ولم يستطع فريد التماسك، فجلس أرضًا بانهيار و جسدها بين يديه.

صاحت عائشة:
_عاوزين دكتور بسرعة. 

تم نقلت أمال إلى إحدى الغرف، وبعد فحصها خرج الطبيب قائلًا:
_زي ما كنت متوقع انهيار عصبي، اديناها مهدئ وهتفوق الصبح إن شاء الله.

هز فريد رأسه، وغادر الطبيب من أمامهم، فتساءلت عائشة بقلق:
_هنقول لوالدك إزاي دلوقتي، وكمان مش عارفين حازم عمل إيه؟. 

أخرج فريد هاتفه من جيبه، وأجرى اتصالًا مع نعمة.

على الجانب الآخر، خرجت نعمة من غرفة ممدوح بعدما أغلقت الباب بهدوء، وقالت بصوت منخفض وهي تستقبل مكالمة فريد:
_أيوة يا فريد، طمني يا ابني... نرمين كويسة صح؟

رد فريد بهدوء مكسور:
_بابا جنبك يا دادة؟

نفت نعمة قائلة:
_لا يا ابني، طلعت من أوضته، سبته نايم قولتله إن ست نرمين أغمى عليها، فضل قلقان وبعدين قالي هنام اطلعي.

قال فريد:
_طيب كويس.

ردت هي بقلق:
_نرمين كويسة يا ابني؟

انسابت دمعة هاربة من مقلتيه وهو يقول:
_خسرنا نرمين يا دادة، ادعيلها بالرحمة.

شهقت نعمة وهي تضرب صدرها بكف يدها، وقالت باكية:
_إنا لله وإنا إليه راجعون... الله يصبر قلوبنا يا بني، كان عندي أمل لما تاخدوها على المستشفى تخف وتبقى كويسة... لله ما أخذ ولله ما أعطى، والحمد لله رب العالمين.

هكذا رثت نعمة نفسها والعائلة، بينما جاءها صوت فريد الباكي:
_الحمد لله يا دادة، إحنا إن شاء الله هنرجع الصبح.

أجابته نعمة من بين دموعها:
_الله يصبر قلوبنا يا ابني.

وأنهت المكالمة.

سبحان الله وبحمده ✨

نهض حازم واقفًا من على أرضية المستشفى، وصاح بغضبٍ وتوتر:
_كل ده جوه! هما اتأخروا ليه كده؟!

قال عبدالله بضيقٍ وقلقٍ واضح:
_مش عارف... مش عارف.

بعد ثوانٍ معدودة خرجت الطبيبة، فتوجها إليها سريعًا، وقالا بصوتٍ واحد:
_ريم كويسة؟

ردت الطبيبة بعمليةٍ هادئة:
_المدام اتعرضت لضربٍ موحش، وللأسف خسرنا الجنين.

قاطعها حازم بسرعةٍ ولهفة:
_وريم؟ ريم كويسة؟

أجابت الطبيبة موضحة:
_المدام حالتها مستقرة دلوقتي، في كدمات على الوجه وباقي جسمها، بس قدرنا نسيطر على النزيف.

تحدث حازم بقلق:
_طيب، أنا عاوز أشوفها.

ردت الطبيبة بهدوء:
_الصبح تقدر تشوفها، دلوقتي هي تحت تأثير البنج، عن إذنكم.

غادرت الطبيبة من أمامهم، فقال عبدالله بإرهاق:
_تعالى نقعد هنا، الساعة أربعة دلوقتي، خلاص هانت.

جلس حازم على أحد المقاعد وبجانبه عبدالله، ثم تساءل فجأة بنبرةٍ قاتمة:
_جدك اللي عملها صح؟

هز عبدالله رأسه وقال:
_أيوة هو وعتمان كان معايا، بس شكله هرب، كنت عاوزه عشان يشهد عليه.

أردف حازم بحدةٍ وغضب:
_العيل اللي أنا خسرته ده دمه في رقبة جدك، وأنا مش هسيب دمي.

أجابه عبدالله بامتعاضٍ:
_واللي كانت هتروح فيها دي أختي، وأنا مش هسيب حقها هيتعاقب على اللي عمله... بس نطمن على ريم وتخرج بالسلامة، وهيبقى لينا قعدة تانية.

هز حازم رأسه بصمت، وساد الهدوء أرجاء المكان.

              ꧁꧁꧁꧂꧂꧂

في منزل جابر...

تسللت هناء ببطءٍ حتى خرجت من غرفتها، تحمل حقيبة خلف ظهرها شبيهة بحقيبة الطلاب المدرسية، وبيدها هاتفها.

نزلت لمنتصف الدرج، ليأتيها صوت جابر الحاد يقول:
_عماد، إنت راجع بدري ليه، ماتت صح؟

عند تلك الجملة وضعت هناء كفها على فمها بصدمة، ثم هبطت لآخر الدرج حتى وصلت إلى الصالون، ووقفت بالقرب منهم خلف أحد الأعمدة، وأضاءت شاشة هاتفها ووجهت الكاميرا نحوهم.

نكس عماد رأسه بتوتر وقال:
_اختفت.

قال جابر بحدةٍ وعصبية:
_هي إيه اللي اختفت يا واد، إحنا سبناها سايحة في دمها، ريم زمانها ماتت وشبعت موت!

حملقت بهم هناء بذهول، ليتابع عماد بتلعثم:
_رجعت عشان أحفر وأواري جثتها زي ما قلت، بس مالقتش الجثة فص ملح وداب.

أمسكه جابر فجأة من تلابيب قميصه وهو يهدر بغضب:
_فص ملح وداب إزاي يعني؟ وإحنا سايبينها متلقحة زي الأموات، انطق عملت إيه ووديت الجثة فين؟

حاول عماد إبعاد قبضة جابر عنه وقال بخوف:
_قلت أخطفها خطفتها، قلت هات نسوان يسقطوها الأول جبت، و شوفت عدموها العافية لحد ما روحها طلعت، بس صدقني أنا روحت لقيتها اختفت.

ابتعد عنه جابر وهو يفكر بقلقٍ واضح، وقال:
_مين عرف المكان وراح خدها، عبدالله أنا بعدته عن هنا، وجوزها كان مسافر وحتى مستحيل يلاقيها ويعرف مكانها...

وصمت لثوانٍ قبل أن يقول بتفكير:
_عتمان، اصبر هنكلمه ونشوف.

أجرى جابر اتصالًا بعتمان، ليأتيه صوت الأخير المرتبك:
_جابر بيه، أنا لسه كنت هكلمك، عبدالله لقى أخته، وطلع عارف المكان وأخدها على المستشفى، وأنا هربت قبل ما الشرطة تيجي.

صاح جابر بغضب:
_أغبياء، أغبياء!

وأغلق الهاتف بعنف، ثم أردف بحقد:
_مش هسمح لحد يدمرني، عشرين سنة مرت و أنا اللي خانق بنتي بإيدي لحد حس ولا شاف، ودلوقتي عاوزين يدمروني؟ لا مش هسمح.

قال عماد بتوتر:
_أعمل إيه دلوقتي يا جابر بيه؟

رد جابر بعصبية:
_روح من وشي، اختفي الساعة دي لحد ما نشوف هترسى على إيه.

انتهت هناء من التصوير وهي تبتسم بانتصارٍ خبيث، وقالت هامسة:
_حظك يا جابر إنك وقعت بإيدي.

ثم عادت بخفةٍ إلى درجات السلم وغادرت للأعلى.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم🌹

أشرقت الشمس معلنة عن يومٍ جديد...
في الصباح...

توجه حازم للغرفة التي بها ريم، مال عليها يقبل رأسها، ثم جلس على طرف الفراش يتفحصها.

ملامح شاحبة خالية من الحياة، وجهها مليء بالجروح والكدمات الزرقاء، وآثار أظافر تركت أثراً عليه.

بعد ثوانٍ معدودة رفرفت ريم بأهدابها وقالت بهمسٍ ضعيف:
_حازم...

مال حازم عليها واضعًا جبينه على جبينها برقة، وقال بصوتٍ مختنق:
_لو تعرفي حازم مات كام مرة في الساعات اللي عدت، عشان بس يسمع اسمه من بين شفايفك.

امتلأت مقلتاها بالدموع، ورفعت يدها تمسد على بطنها وهي تقول بألم:

_خسرنا الجنين... صح؟

ابتعد حازم عنها قليلًا، أمسك بيدها ولثم كفها قائلًا بحنان:
_المهم إنك بخير، وإنك كويسة.

هربت الدموع من مقلتيها ورددت بانكسار:
_يعني ابني راح من قبل ما أشوفه صح؟

هز حازم رأسه عدة مرات بصمتٍ مؤلم.

اعتدلت ريم في جلستها وقالت بغصةٍ باكية، وهي تضع يدها على خصرها:
_طب ليه، أنا كنت مستنياه، وكنت هحبه أوي، كان هيبقى عوضي ودنيتي.

ضمها حازم إليه وقال بحنان:
_إرادة ربنا ياريم، ربنا وحده أعلم فين الخير، وصدقيني هيعوضنا.

أمسكت ريم بملابسه وأراحت رأسها على كتفه وهي تقول بانهيار:
_كانوا رابطين إيدي، مقدرتش أحميه يا حازم، ضربوني جامد... هو اللي قتل ابني.

أبعدها حازم برفق، وأزاح الدموع عن وجنتيها قائلًا بحزم:
_جدك مش هنسيبه، وهنجيب حقك.

ظلت ريم تبكي لدقائق حتى هدأت من تلقاء نفسها.

تعالى رنين هاتف حازم، فأخرج الهاتف من جيبه وقال بخفوت:
_فريد بيرن عشان يطمن، آخر مرة كلمته وأنا بسوق العربية في طريقي ليكي.

لم ترد عليه ريم، بل بدت شاردة، فزفر هو بضيقٍ على حالها، ثم استقبل المكالمة:
_ألو يا فريد، إحنا لقينا ريم، طمن بابا عندك.

قال فريد بلهفة:
_طيب الحمدلله...

وصمت لثوانٍ قبل أن يضيف بصوتٍ مبحوح:
_في حاجة لازم تعرفها يا حازم.

قال حازم بقلق:
_خير يا فريد، بابا جراله حاجة؟

عند تلك النقطة انتبهت ريم إليه، وتابع فريد عبر الهاتف:
_لازم تيجي حالًا.

قال حازم بحدة:
_انطق يا فريد، في إيه؟!

قال فريد بصوتٍ باكٍ:
_خسرنا نرمين يا حازم.

رد حازم بعدم استيعاب:
_يعني إيه خسرنا نرمين؟!

اعتدلت ريم في جلستها وتسألت بقلق:
_مالها نرمين يا حازم؟

جاءه صوت فريد الباكي:
_نرمين ماتت... أختنا اتوفت يا حازم.

تمتم حازم دون وعي، والصدمة تكسو ملامحه:
_ماتت...

يتبع.


دمتم بخير 💗..




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة