رواية فتنه زكريا الفصل الرابع 4 والخامس 5 بقلم نور محمد


رواية فتنه زكريا الفصل الرابع 4 والخامس 5 بقلم نور محمد


صوت خطوات الرجالة الضخمة على الزلط بتاع المشتل كان بيقرب زي دقات طبول الحرب. كانوا تلاتة، لابسين عبايات سودا، وملامحهم قاسية ومخيفة، واحد فيهم كان بيبص يمين وشمال كأنه صقر بيدور على فريسته.

"زكريا" حس بقلبه هيقف، لكنه استجمع كل ذرة إيمان وشجاعة جواه. رجع إيده لورا، ومسك إيد "فتنة" اللي كانت بترتعش بعنف، وعصر عليها بخفة عشان يطمنها، ووقف بجسمه كله مداريها ورا ظهره العريض.

— "يا صاحب المشتل.. يا باشمهندس!"

الصوت كان أجش ومخيف. زكريا رسم على وشه ابتسامة هادية مصطنعة، ورد بثبات:

— "أهلاً يا رجالة.. أؤمروا، المشتل كله تحت أمركم."

الراجل اللي في النص، واللي باين عليه إنه الكبير بتاعهم، قرب من زكريا وعينيه بتفرز المكان حتة حتة:

— "لا مؤاخذة يا هندسة، إحنا مش جايين نشتري.. إحنا بندور على حاجة ضايعة مننا. عربيتنا عطلت على الطريق الزراعي امبارح بالليل في عز المطر، ومضيعين أمانة غالية.. مشوفتش حاجة غريبة وإنت مروح؟ حد غريب، أو.. بنت؟"

كلمة "بنت" نزلت على "فتنة" زي الصاعقة. رغم إنها ورا زكريا ومتغطية بالطرحة، لكن ريحة الرجالة دي، وصوتهم، فتحوا جواها أبواب الجحيم. 

ذكريات الضرب، السلاسل، والعتمة هجمت عليها في ثانية. بدأت تنهج بصوت مسموع، وجسمها كله بينتفض تحت العباية، وطلعت منها أنة مكتومة جداً، أنة رعب حقيقية!

الراجل الكبير لقط الصوت، وعينيه ضاقت بشك، وبص على الكيان الأسود اللي مستخبي ورا زكريا:

— "مين اللي وراك دي يا باشمهندس؟ وليه بترتعش إكده؟"

الراجل خطى خطوة لقدام، ورفع إيده كأنه هيمدها يكشف الطرحة!

في اللحظة دي، زكريا متأخرش ثانية.. بذكاء وسرعة بديهة، خبط برجله قصرية زرع فخار كبيرة كانت جنبه، القصرية وقعت على الأرض اتدشملت ميت حتة، وعملت صوت عالي جداً خلى الرجالة ترجع لورا بخضة.

— "يا ساتر يا رب!"

قالها زكريا وهو بيمثل الخضة، وبعدين بص للراجل بملامح حادة وجادة جداً:

— "دي أختي يا محترم.. عيانة ومسحورة، وفيها مس من الجن، ومبتحتملش تشوف حد غريب ولا تسمع دوشة، وإنتوا خضيتوها.. خير؟ في حاجة تانية أقدر أساعدكم بيها؟"

الراجل بص للزرع المكسور، وبعدين بص لزكريا اللي ملامحه كانت صارمة وفيها غيرة الصعيدي على أهل بيته. تراجع الراجل خطوة، وقال بخشونة:

— "لا مؤاخذة يا هندسة، ربنا يشفيها.. عموماً، لو لمحت حد غريب ولا بنت تايهة، اتصل على الرقم ده.. وفي مكافأة عشرين ألف جنيه للي يلاقيها."

رمى كارت على الترابيزة الخشب، ولفوا ظهرهم ورجعوا للعربية الجيب. بمجرد ما العربية اتحركت واختفت من المكان، زكريا ركب ركبه على الأرض، وحس إن روحه بتتسحب منه.

لف لـ "فتنة".. كانت قاعدة على الأرض في الطين، ضامة نفسها، وحاطة إيديها على ودانها بتسدها بكل قوتها، وبتبكي بدموع صامتة بس بتشوي القلب.

زكريا مقدرش يستحمل يشوفها كده، نزل جنبها ومسك إيديها نزلهم من على ودانها بالراحة:

— "مشوا.. مشوا خلاص والله.. أنا هنا، مفيش حد هيلمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس."

شالها بين إيديه وهي منهارة، ودخلها العربية، وقفل المشتل ورجع بيها على البيت بسرعة. مكنش ينفع يفضلوا بره دقيقة واحدة.

أول ما دخلوا وقفل الباب بالمفتاح والترباس، "فتنة" جريت استخبت تحت السرير زي ما بتعمل كل مرة تخاف فيها. بس المرة دي، زكريا مكنش هينفع يسيبها.

السلسلة الفضة اللي في رقبتها دي مش مجرد اسم.. دي العلامة اللي ممكن توصلهم ليها في أي وقت. لازم تتشال فوراً.

راح جاب "قصافة سلك" حديد كبيرة من عدة الشغل بتاعته، وقرب من السرير. نزل على الأرض وبصلها.

— "فتنة.. اطلعيلي.. عشان خاطري."

بصتله بعيون غرقانة دموع ومردتتش.

مد إيده، ومسك طرف العباية بتاعتها وشدها بالراحة. استجابتله المرة دي وطلعت ببطء، بس عينيها وقعت على القصافة الحديد اللي في إيده.. شهقت برعب، وحاولت ترجع لورا! الأدوات الحديد بالنسبة لها معناها "تعذيب".

— "لا لا.. متخافيش.. بصي.. بصي!"

زكريا بسرعة جاب حتة حبل قديم، وربطه حوالين معصم إيده هو، ومسك القصافة وقطع الحبل قدامها. الحبل وقع.

— "شايفة؟ دي بتفك الخنقة.. أنا عايز أفك الحديدة اللي بتخنقك دي، عايز أحررك منها."

بصت للحبل المقطوع، وبعدين بصت لعينيه اللي كانت مليانة رجاء وحنية. الثقة اللي اتبنت بينهم في الكام ساعة اللي فاتوا كانت أقوى من خوفها.

قربت منه ببطء شديد، ورفعت راسها لفوق، وميلت رقبتها كأنها بتقدم رقبتها باستسلام تام للي هيعمله.

الموقف كان بيقطع قلب زكريا. إيده كانت بتترعش وهو بيقرب القصافة الحديد من رقبتها البيضا الرقيقة.

— "بسم الله.. استحملي.. ثانية واحدة."

دخل القصافة في حلقة السلسلة الفضة التخينة، وضغط بكل قوته. السلسلة كانت قديمة ومصمتة، خدت مجهود كبير منه لحد ما سمعوا صوت  قوي.. السلسلة اتقطعت!

زكريا سحب السلسلة بالراحة، ووقعت في إيده.
"فتنة" حطت إيدها على رقبتها بسرعة.. مفيش حديد، مفيش خنقة، مفيش تقل كان ملازمها من وهي طفلة! فضلت تحسس على رقبتها بذهول، وبعدين بصت لزكريا، وبصت للسلسلة المرمية على الأرض، كأنها مش مصدقة.

لأول مرة، ومن غير أي مقدمات، "فتنة" هي اللي بادرت. رمت نفسها في حضن زكريا!

لفت دراعاتها الضعيفة حوالين رقبته، ودفنت وشها في كتفه، وبدأت تعيط. بس دي مكنتش عياط رعب ولا وجع، ده كان عياط إنسانة كانت مسجونة في قفص ضلمة ولقيت اللي يكسر القفل ويفتح الباب للنور.

صوت بكاها كان بيزلزل البيت، وزكريا، اللي اتفاجئ تماماً وتصلب في مكانه لثواني، مقدرش يمنع نفسه. رفع إيده المرتعشة، وطبطب على ظهرها بحنية الدنيا كلها، ودموعه كانت بتنزل على حجابها الصوف وهو بيهمس:

— "أنتي حرة يا فتنة.. أنتي حرة وفي أمان ربنا، حقك عليا من كل وجع شُفتيه."
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد 

بعد ما هديت ونامت من كتر التعب والبكا، زكريا قعد على الترابيزة في الصالة، وولع اللمبة الصغيرة، ومسك الدلاية الفضة التقيلة.

الختم بتاع "عائلة النجعاوي" كان بارز. مسك مفك صغير من عدته، ولاحظ إن الدلاية دي عبارة عن جزئين مقفولين على بعض زي الكتاب الصغير بس متلحمين.

قعد يحاول يفك اللحام بالمفك بحذر شديد عشان ميبوظهاش. بعد ربع ساعة من المحاولات، الغطا الفضة اللي ورا اتفك ووقع.

زكريا قرب الدلاية من النور. مكنتش فاضية من جوه!

كان فيها حتة ورقة صغيرة جداً، متطبقة كذا تطبيقة لحد ما بقت قد عقلة الصباع، ولونها أصفر من كتر القدم.

بإيدين بتترعش، زكريا فرد الورقة بالراحة عشان متتقطعش.

الورقة مكنتش رسالة.. كانت صورة!

صورة صغيرة مقصوصة من صورة أكبر، لست في قمة الجمال.. جمالها هو هو بالظبط جمال "فتنة"، كأنها هي بس أكبر في السن، والست دي كانت لابسة لبس هوانم راقي جداً مش لبس صعيدي، ومبتسمة ابتسامة فيها حزن.

أما ظهر الصورة، فكان مكتوب عليه بخط إيد بحبر أحمر كأنه مكتوب بالدم:

"بنتي وحتة من روحي.. لو في يوم حد لقاكي ولسه فيكي الروح، دوري على عمك 'راشد الكيلاني' في الإسكندرية.. هو الوحيد اللي هيحميكي من شياطين النجعاوي.. متنسيش اسمك، أنتي مش جارية، أنتي فتنة الكيلاني."

زكريا قرأ الكلام، وحس إن الأوضة بتلف بيه.
دي مش مجرد بنت اتخطفت.. دي وراها تار، وعائلات كبرى، وقصة دم! عائلة النجعاوي في الصعيد، وعائلة الكيلاني في إسكندرية! وهو، الشاب البسيط بتاع المشتل، بقى في نص الإعصار ده.

بص لـ "فتنة" اللي نايمة بسلام على السرير بعد ما ارتاحت من السلسلة. ملامحها البريئة متستاهلش الجحيم ده كله.

طبق الصورة، ورجعها في جيبه، وقام وقف وهو حاسس بمسؤولية جبال نزلت على كتافه.

البيت ده مبقاش أمان، والقرية كلها مبقتش أمان. لو النجعاوية شموا خبر إنها معاه، مش بس هياخدوها، دول هيمحوه من على وش الأرض هو والمشتل بتاعه.

لازم يهرب بيها. بس هيروح فين؟ ولإسكندرية إزاي وهو ميعرفش حد هناك؟

وقبل ما يكمل تفكير، سمع صوت خبطتين تقال جداً على باب البيت الخارجي.. خبطات مش بتاعت جيران، خبطات ناس جاية تقتحم!


#الحلقه_الخامسه
الخبطتين كانوا زي زلزال ضرب أركان البيت القديم، وكل خبطة وراها كانت بتسحب الروح من جسد "زكريا".

على السرير، "فتنة" انتفضت من نومها مفزوعة، عينيها وسعت برعب وبدأت تتراجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وصوت أنينها المكتوم بدأ يعلى. زكريا جرى عليها، وفي ثانية كان حاطط إيده على بقها بحنية بس بحزم:

— "شـشـش.. اكتمي نفسك خالص يا فتنة، حياتي وحياتك في خطر دلوقتي."

الخبط بره زاد، وبدأ يرافقه صوت أجش.. نفس الصوت بتاع الراجل الكبير في المشتل:

— "افتح يا باشمهندس زكريا.. عارفين إنك جوه، افتح بالذوق أحسن ما نكسر الباب على دماغك."

زكريا بص حواليه بسرعة البرق. البيت صغير ومفيش فيه مكان يستخبى فيه نملة، لكن افتكر "البدروم" الصغير تحت الأرض في أوضة والدته، كانت بتخزن فيه الغلة والجبنة القديمة زمان، ومقفول بباب خشب متداري تحت سجادة قديمة.

سحب فتنة من إيدها، وهي ماشية معاه بتترعش ومش قادرة تصلب طولها. دخل الأوضة، شال السجادة، ورفع الباب الخشب.. ريحة كتمة وتراب طلعت من المكان الضلمة.

فتنة شافت الضلمة تحت، شهقت ورجعت لورا، رافضة تماماً تنزل لمكان بيفكرها بقبرها اللي عاشت فيه ١٣ سنة!

— "عشان خاطري يا فتنة.. عشان خاطري انزلي، دول هياخدوكي مني!"

الكلمة دي.. "هياخدوكي مني"، كأنها سحر. بصت في عينيه اللي كانت بتلمع بالدموع والخوف عليها، وبدون مقاومة، نزلت رجليها في الحفرة الضلمة.

زكريا نزل وراها بسرعة، وقفل الباب الخشب فوقهم، وسحب السجادة من تحت عشان تغطي الشق.

المكان تحت كان ضيق جداً، يادوب واخدهم هما الاتنين وهما قاعدين القرفصاء. زكريا خدها في حضنه، كتم وشها في صدره عشان صوت نفسها المنهوج ميطلعش، وهي كلبشت في قميصه بضوافرها كأنها بتستمد منه الحياة.

ثواني وسمعوا صوت كسر الباب الخارجي. دخلوا.

صوت خطوات تقيلة بتدب على بلاط الصالة، كأنهم جيش مش تلات رجالة.

— "فتشوا البيت حتة حتة، الواد بتاع الكشك اللي على أول الطريق حلف ميت يمين إنه شافه داخل بحد متغطي معاه."

صوت "دياب" كبير الرجالة كان بيرن فوق دماغهم.

زكريا كان حاضن فتنة، بيقرأ آية الكرسي في سره بقلب بيرتجف. الخطوات دخلت أوضة والدته.. بقوا واقفين فوق السجادة اللي تحتها الباب الخشب بالظبط! تراب خفيف نزل من الشقوق على وش زكريا وفتنة.

فتنة حست بالاختناق، جسمها بدأ ينتفض بهيستريا، كانت هتكح من التراب. زكريا بصلها برعب، ملقاش حل غير إنه يضغط وشها أكتر في صدره، ويهمس في ودنها بصوت لا يُسمع:

— "يا رب.. يا رب أعمي أبصارهم، يا رب احميها."

فوق الأرض، واحد من الرجالة ضرب الدولاب برجله فكُسِر بابه:

— "مفيش حد يا معلم دياب.. البيت فاضي مفيهوش غير هدومه وهدوم حريمي قديمة باينها بتاعت أمه."

دياب رد بغل:

— "الواد ده بيلعب بينا.. ومخبي البت في حتة. بس هيروح مننا فين؟ عيوننا في كل شبر في البلد. يلا بينا، هنستناه بره لحد ما يظهر."

صوت الخطوات بدأ يبعد، وبعدها سمعوا صوت باب البيت بيترزع وراهم.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد 

زكريا فضل مكانه متحركش لمدة عشر دقايق كاملة، خايف يكونوا عاملين كمين جوه. لما اتأكد إن السكوت تام، زق الباب الخشب بالراحة، وطلع راسه. الأوضة متدمرة، الهدوم مرمية على الأرض، والدولاب مكسور.

طلع، وسحب فتنة اللي كانت شبه فاقدة الوعي من كتمة النفس والخوف. نيمها على السرير، وجاب مية مسح وشها لحد ما بدأت تفتح عينيها وتتنفس بصعوبة.

بصت لزكريا، ولأول مرة تحط إيدها على خده، كأنها بتأكد إنه لسه عايش ومسابهاش.

زكريا قعد على ركبه قدامها، ومسك إيديها الاتنين بقوة:

— "احنا مش هينفع نفضل هنا دقيقة واحدة يا فتنة.. البلد كلها بقت متراقبة، والنجعاوية مش هيهدالهم بال غير لما يقلبوا عليكي الأرض."

قام وقف بحسم. الشاب البسيط اللي كان كل طموحه يكبر المشتل بتاعه ويعيش في سلام، لقى نفسه مضطر يضحي بعمره كله، ببيته، بشغله، وبذكريات أهله، عشان ينقذ روح بريئة ربنا بعتهالها.

فتح درج مقفول في الدولاب المكسور، طلع حصالة صفيح كان بيحوش فيها قرش على قرش عشان يتجوز أو يوسع شغله. 

كسرها، وطلع الفلوس.. كانوا حوالي خمستاشر ألف جنيه. حطهم في جيبه الداخلي، وجاب شنطة سفر قماش قديمة، حط فيها عبايتين لفتنة، وغيارات ليه، والأهم.. "الصورة" اللي لقاها في السلسلة.

لبسها العباية السودا التقيلة تاني، ولف الطرحة على وشها، ولبس هو جاكت تقيل.

— "اسمعيني كويس.. احنا هنخرج من الباب الخلفي بتاع المطبخ، بيطل على الزراعات ورا البيت. هنمشي في الطين وسط الغيط لحد ما نوصل للطريق السريع الناحية التانية.. مش هنركب عربيتي عشان أكيد مراقبينها. مهما حصل، مهما سمعتي.. متطلعيش صوت. اتفقنا؟"

هزت راسها بخوف، وماسكة في إيده كأنها خايفة يتبخر.

فتح باب المطبخ الخلفي بالراحة. الهوا البارد ضرب في وشهم. الليل كان كاحل مفيش فيه نجمة بتنور، كأن السما متآمرة معاهم عشان تخبيهم.

نزلوا في الطين بتاع الغيط. الزرع كان طويل بيخبي حركتهم، بس الطين كان بيغرز في رجليهم بتقل. زكريا كان بيمشي ويشدها وراه، وكل شوية يبص وراه يشوف في حد لامحهم ولا لأ.

"فتنة" كانت بتتكعبل وتقع في الطين، بس مكنتش بتطلع صوت زي ما طلب منها. كانت بتقوم وتكمل، عينيها متعلقة بظهره العريض اللي بيمثلها جدار الحماية الوحيد في العالم ده.

بعد أكتر من ساعة مشي متواصل في البرد والطين، وصلوا للطريق السريع. الإسفلت كان فاضي تماماً.

وقف زكريا ينهج، وبيبص حواليه.. لمح كشافات عربية نقل تقيل (تريلا) جاية من بعيد. شاورلها بسرعة.

العربية وقفت بصوت فرامل قوي. السواق نزل القزاز:

— "رايح فين يا بلدينا في الصقعة دي؟"

زكريا بلهجة فيها رجاء:

— "على إسكندرية يا أسطى.. أو أي طريق يوصلنا هناك، معايا أمانة ولازم اوصلها، وهندفعلك اللي تطلبه."

السواق بص لزكريا، وبص للكيان الأسود المتغطي بالطين اللي واقف وراه بيرتعش. قلبه حن:

— "اركبوا يا بني.. إسكندرية طريقي، خلي الفلوس في جيبك ربنا يستر طريقكم."

ركب زكريا، ورفع فتنة ركبها جنبه في الكابينة الواسعة بتاعت التريلا. السواق قفل الباب واتحرك.

جوه الكابينة كانت دافية. زكريا سند راسه على الكرسي، وحس إن جبل انزاح من على صدره مؤقتاً، بس عارف إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ هناك.. في إسكندرية.

بص جنبه.. لقى "فتنة" ساندة راسها على كتفه، عينيها كانت بتغمض من التعب، بس إيديها الصغيرتين كانوا مكلبشين في كف إيده بقوة، ومبتسمة ابتسامة خفيفة جداً، ابتسامة طفلة لقت أبوها اللي ضاع منها.

زكريا رفع إيدها، وباسها بحنية، وبص للطريق قدامه وهو بيهمس:

— "يا رب.. طريقنا ضلمة وإنت نور السماوات والأرض.. دُلنا."
يتبع...نور محمد


                 الفصل السادس من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة