
"لم تعد تملك طريقًا للعودة"
طال الصمت في أرجاء المكان بعد سؤاله المباشر الذي وجهه إليهم جميعًا، فكان السكون مخيفًا إلى حد بدا معه الهواء نفسه متجمدًا بين الجدران، وكأن الكلمات قد فقدت قدرتها على الخروج من الأفواه، فجلس موسى في مكانه بثبات مستفز، وقد ارتسمت على ملامحه تلك السخرية الفجة التي كانت تزيد من رهبة حضوره، بينما كانت الوجوه المقابلة له غارقة في الخوف والارتباك.
لم يكن يفهم سبب ذلك الرعب الذي يملأ عيونهم كلما نظروا إليه، أو ربما كان يفهمه جيدًا ويتلذذ برؤيته، فاعتدل في جلسته أكثر إلى جوار غالية التي كانت ترتجف ارتجافًا واضحًا، حتى إن أنفاسها كانت تتعثر داخل صدرها كلما شعرت بقربه، ثم سأل بصوت خشن امتزجت فيه السخرية بالاستفهام:
-مين غالية؟
تبادلن النظرات المرتبكة قبل أن تجمع فريدة ما تبقى لديها من شجاعة، ثم رفعت يدها المرتعشة وأشارت نحو أختها قائلة بصوت متقطع بالكاد خرج من بين شفتيها:
-هي..
ثم أكملت بعد لحظة وقد اكتسبت جرأة لم تعرف من أين جاءت، وقالت برجاء اختلط بالبكاء:
-نجمة أختي أغلى حد عندي بعد وفاة أهلي، لو سمحت طلعها من هنا ولو عايزنا نمشي من هنا، هنمشي يا بيه والله ومش هتشوف وشنا أبدًا.
تنفست غالية ببطء بعد فترة طويلة من حبس أنفاسها، إلا أن راحتها لم تدم سوى لحظات، فقد عاد الخوف ليضرب قلبها بقوة حين رأت موسى يخفض رأسه نحو الأرض ويهزها ببطء، وكأنه يقاوم رغبة في الضحك أو التفكير، فكان وضعه وحده كافيًا لإثارة الذعر في نفوس الجميع.
استمر على حاله لثوان بدت أطول من الزمن نفسه، ثم رفع رأسه أخيرًا وقال لفريدة بصوت خافت ساخر:
-امسحي دموعك يا قمر، متخافيش مش هعمل حاجة في أختك، أنا مبأذيش حلوين وبالذات لو زي أختك كده.
نهض بعدها في هدوء ونفض ثيابه بيده، بينما كانت الأنظار كلها معلقة به، لم يجرؤ أحد على الكلام أو الاعتراض، بينما اتجه هو نحو غالية وانحنى قليلًا ليحرر وثاقها بنفسه، ثم أمسك بمرفقها وساعدها على الوقوف.
كانت غالية تشعر بالمهانة أكثر من شعورها بالخوف، لم ترغب به أن يلمسها أو يساعدها، لكنها لم تملك القوة للاعتراض، وما إن استقرت واقفة حتى استدار موسى وكأنه ينوي المغادرة، إلا أن صوتها المرتجف أوقفه:
-طرحتي متعلقة.
توقف مكانه دون أن يلتفت إليها مباشرة، فظل ساكنًا للحظات ثم أدار رأسه ببطء نحو الجهة التي أشارت إليها، حيث كانت حجابها معلق بجوار المصباح القديم، فتقدم بخطوات هادئة وثابتة ومد يده فأخذها ثم استدار نحوها.
وحين التقت عيناها بابتسامته الساخرة الثابتة شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، فكان يقترب منها بثقة مفرطة كأنه صاحب قرار المصائر جميعًا.
مدت يدها لتأخذ الحجاب منه لكنه تجاهل طلبها الضمني، ورفعها بنفسه ووضعها فوق رأسها بكل أريحية وكأن الأمر طبيعي للغاية، أما هي فحبست أنفاسها من جديد، وما إن انتهى حتى تراجعت خطوة للخلف، ورفعت رأسها نحوه قائلة بنبرة مشحونة بالغضب والانتقام:
-الراجل اللي ضربني وقلعني طرحتي أنا مش مسامحاه، وليا حق عندك المفروض أخده.
اتسعت عيناه بدهشة حقيقية هذه المرة، ثم رفع حاجبيه وقال بتهكم واضح:
-حق عندي أنا؟!
هزت رأسها بثبات، رغم أن عينيها كانتا تمتلئان بالدموع التي أبت أن تسقط، وقالت بنبرة محتقنة:
-أيوه حقي عندك انت، هو مش واحد من رجالتك؟ يبقى حقي عندك انت.
ساد الصمت للحظة ثم أخذت ابتسامته تتسع شيئًا فشيئًا، حتى تحولت إلى ابتسامة ماكرة أثارت الرعب في نفوسهم جميعًا، ثم قال بصوت يحمل قدرًا كبيرًا من التسلية:
-أول مرة في حياتي حد يحط عليا حق، وعشان كده احنا لينا قعدة طويلة ونقعد نتصافى فيها.
ثم استدار متجهًا نحو الحاجة فايقة، وانحنى قليلًا نحوها وهمس بخبث:
-انتي عايزة فريدة تشتغل كمان عندك، ولا متنازلة ليا.
نظرت الحاجة فايقة إلى غالية التي كانت تتوسل إليها بعينيها أن ترفض، وأن تفعل أي شيء يمنعها من الذهاب معه، لكن المرأة تماسكت سريعًا وقالت بابتسامة مضطربة:
-يا خرابي احنا عينينا ليك يا موسى باشا، رشيد كلها تخدمك ومنزهقش أبدًا، بس يعني انت لو هتاخد اختها تخدمك، سيبلي البت فريدة تخدمني لغاية ما أشوف لي حد، انت عارف السن ومبقتش خلاص قادرة أخدم نفسي.
ابتسم موسى وقال بنبرة مرحة يغلبها المكر:
-متقوليش على نفسك كده يا حاجة فايقة، ده انتي فيكي صحة اكتر مني، بس خلاص خديها ولما تزهقي منها ابعتهالي، زوقك حلو وعجبني.
شعرت فريدة بالقشعريرة من كلماته، بينما ازداد قلق غالية أضعافًا، ومن بعدها استدار موسى وغادر المكان بخطوات واثقة، أشبه بخطوات ملك يغادر مجلسه بعد أن أصدر أوامره الأخيرة، أشار إليهم أن يتبعوه فتحركوا خلفه على مضض.
كانت الممرات الواسعة والظلال الممتدة حولهم تزيد من رهبتهم، وكلما ابتعدوا عن الغرفة شعرت غالية بشيء من الراحة لأنها أخيرًا ستخرج من ذلك المكان المخيف، وقبل أن يبلغوا باب القصر اقتربت من فريدة وهمست بسرعة:
-روحي مع فايقة واوعي تقفي معايا ومتخفيش، وأنا أول ما الأمور تتظبط هتصل بيكي.
فتحت فريدة فمها لتحتج، لكن نظرة غالية الحازمة أسكتتها فورًا، فاستسلمت مرغمة واتجهت نحو الحاجة فايقة، حينها تولت فايقة الحديث بنفسها، وقالت لموسى:
-نمشي احنا يا بيه؟ ولا اخد البت مقصوفة الرقبة دي معايا وابعتها على بلدها تاني.
وأشارت برأسها نحو غالية، فكانت غالية في تلك اللحظة تنظر إلى صالح بعينين مشتعلتين بالغضب، فلم يعد الخوف وحده ما يسكن قلبها، بل رغبة عارمة في الانتقام أيضًا، وبعد فترة قصيرة قطع ضحك موسى تلك النظرات المشحونة وهو يقول:
-لا تاخديها فين؟ ده احنا ورانا حسابات تتصفى، امشي انتي يا حاجة فايقة.
هزت فايقة رأسها بطاعة ثم دفعت فريدة أمامها وغادرت، أما غالية فبقيت في مكانها تراقب صالح الذي لم يتوقف عن النظر إليها بنظرات وقحة أثارت اشمئزازها، فكان التوتر بينهما يتصاعد بصمت، حتى جاء صوت موسى حاسمًا لينهي الموقف:
-تعالي انتي ورايا وانت يا صالح روح اتطمن على الحج ومصعب.
امتثل صالح للأمر فورًا بينما شعرت غالية بأن قلبها ينقبض من جديد، فكانت تعلم أنها خرجت من محنة، لكنها في الحقيقة كانت تتجه نحو أخرى أكبر وأكثر غموضًا وهي تتجه خلف موسى بخطوات مرتجفة فذلك الرجل لا يمكن تحديد ماهية الحديث معه أو معرفة بأي شكل سينتهي الحوار معه.
***
وقفت غالية أمامه بجسد يوشك أن ينهار من فرط الإرهاق والتعب، وقد أثقلت الساعات الطويلة كاهلها حتى شعرت أن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها أكثر، فكانت تقف بصعوبة واضحة، تحاول جاهدة أن تُخفي ضعفها ووهنها خلف ملامح جامدة متماسكة، بينما كان هو يجلس خلف مكتبه في راحة تامة، مسترخياً كأن ما تمر به لا يعنيه في شيء.
رفع عينيه إليها ببطء وأخذ يتأملها تأملاً طويلاً أثار في نفسها شعوراً بالاختناق، فلم تكن نظراته عادية بل حملت شيئاً من الاستمتاع الغريب وعبثاً ساخراً استفز كل خلية داخلها، حتى شعرت وكأن ناراً خفية تشتعل في صدرها مع كل ثانية تمر، فكان ينظر إليها كما لو أنه يقرأ ما يدور في أعماقها، وكأن تعبها وغضبها ورفضها يمنحانه متعة خاصة لا تفهمها.
أما هي فقد كانت تحارب عاصفة هوجاء تعصف بداخلها رغبة عارمة في الانتقام كانت تنهش روحها بلا رحمة، فشعرت وكأن هناك عشرات الأصوات تتصارع في رأسها، تدفعها دفعاً إلى التقدم نحوه والانقضاض عليه، لتقتص منه ومن رجاله ومن كل ما مثله لها من ظلم وقهر، وكلما ازدادت تلك الابتسامة الساخرة التي ترتسم على شفتيه، ازداد معها غضبها حتى كادت تفقد سيطرتها على نفسها.
اشتدت قبضتها شيئاً فشيئاً حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وتعالت أنفاسها رغماً عنها، لكنها وبرغم كل ما كان يعتمل في داخلها أجبرت نفسها على الثبات، فكانت تعلم أن أي انفعال غير محسوب قد يكلفها الكثير، ولذلك تماسكت بصعوبة وهي تحاول ألا تمنحه متعة رؤية ضعفها أو انفجارها.
استمر الصمت بينهما للحظات طويلة بدت كأنها ساعات كاملة، قبل أن تقطعه هي أخيراً بصوت شبه حاد، خرج محملاً بالضيق والإنهاك:
-عايزاني ليه يا بيه؟ ما تسيبني امشي؟!
أمال رأسه قليلاً إلى الجانب وأخذ يدقق النظر في ملامحها كما لو كان يدرسها دراسة متأنية، ثم انفرجت شفتاه عن ضحكة قصيرة ساخرة، لم تكن عالية لكنها كانت كافية لإشعال المزيد من الغضب في قلبها،ثم سألها بخبث واضح:
-وانتي عايزة تمشي؟
تجاهلت ضحكته المستفزة بكل ما أوتيت من قوة، وأبقت ملامحها جامدة قدر الإمكان، ثم أجابت بجدية امتزجت بمرارة لم تستطع إخفاءها:
-اه ماليش أكل عيش هنا، أنا قولت هشتغل عند واحد بيحكم بالعدل وكبير البلد وهاكلها بالحلال وهتطمن وأنا في بيته، بس الظاهر كنت غلطانة.
ما إن انتهت من كلماتها حتى لاحظت تغيرًا طفيفًا في نظراته، لم يكن تغيرًا كبيرًا لكنه كان كافيًا لتشعر بأنها أصابت شيئاً ما في داخله، ومع ذلك لم يبدُ عليه الانزعاج، بل بدا وكأنه يستمتع أكثر بتلك المواجهة.
اقترب بجسده من حافة المكتب، ووضع كلتا يديه فوق سطحه مستنداً عليهما، فبدا في تلك اللحظة أكثر هيبة وخطورة، خاصة عندما تحدث بنبرة منخفضة تحمل في طياتها تحذيراً خفياً:
-قولتلك قبل كده بخاف من الناس اللي ردودها جاهزة، بقلق منهم، بحس دايمًا إن نواياهم مش سالكة من ناحيتي.
عقدت حاجبيها باستنكار واضح ثم أشارت إلى نفسها ساخرة:
-ونيتي مش هتكون سالكة ليه لا مؤاخذة، يا باشا شوف انت مين وأنا ابقى مين؟! أنا واحدة على الله حكايتي، قولت اسمي بس وعينك ما تشوف إلا النور.
لم يدم أثر السخرية على وجهه طويلاً، فجأة خفتت ملامحه وحل محلها ذلك الجمود المخيف الذي جعل الجو كله يبدو أكثر ثقلاً، وعندما تحدث خرج صوته منخفضاً لكنه كان يحمل شراسة جعلت الكلمات تبدو كأنها أوامر لا تقبل النقاش:
-اهو اسمك ده بقى ميتقالش تاني في القصر طول ما انتي هتشتغلي هنا.
ساد الصمت للحظة ببنهما، فتجمدت غالية مكانها وهي تحاول استيعاب ما قاله، لم يكن الأمر مجرد طلب بل بدا وكأنه قرار نهائي صدر بالفعل، فشعرت بانزعاج شديد من تلك الطريقة الآمرة التي يتحدث بها، وكأنها لا تملك رأياً أو حقاً في الاعتراض، فرفعت رأسها إليه وقالت بحدة واستنكار:
-هو انت هتشغلني هنا يا بيه؟ ما قولتلك أنا مش عايزاة لا مؤاخذة.
تحركت ابتسامة خفيفة عند طرف شفتيه، لكنها لم تكن ابتسامة ودودة بأي حال، فكانت أقرب إلى ابتسامة شخص يدرك تماماً أنه يملك زمام الأمور، ثم أجابها بفظاظة متعمدة:
-مش بمزاجك...بمزاجي، هتشتغلي هنا وهتبقى خدامتي الخاصة.
اتسعت عيناها فجأة وشعرت وكأن كلماته سقطت فوق رأسها كالصاعقة، فلم يكن الأمر متعلقًا بما قاله فحسب، بل بالطريقة التي نطق بها عبارته وبالثقة المستفزة التي ارتسمت على ملامحه وهو يلقي قراره وكأنه حقيقة لا تقبل الرفض أو النقاش.
تسارعت دقات قلبها بعنف واشتعل الغضب داخلها من جديد، فكانت متوترة ومشتتة وعقلها الذي اعتاد توقع الأسوأ اندفع فورًا إلى تفسير حديثه بأكثر المعاني سوءًا، لذا شعرت بالاختناق من فكرة أن تصبح تحت سلطته المباشرة، وأن تُجبر على البقاء بالقرب منه طوال الوقتء لذلك تراجعت خطوة إلى الخلف بصورة تلقائية، كأن غريزتها الأولى كانت الابتعاد عنه وعن دائرة نفوذه.
رفعت رأسها بشموخ واضح، وأجبرت نفسها على الثبات رغم الاضطراب الذي يعصف بداخلها، ثم قالت بنبرة حاسمة لا تحتمل الشك:
-لا كله إلا كده، كله إلا الحرام.
اختفت الضحكة الساخرة من على وجهه في لحظة، وحل محلها تعبير ممتعض، فبدا وكأن صبره بدأ ينفد أو ربما شعر بالملل من الطريقة التي تفسر بها حديثه، زفر بضيق وهو يهز رأسه ثم ارتفعت نبرة صوته شيئًا فشيئًا وهو يقول بحنق واضح:
-حرام!! انتي دخلتيني في جو افلام الستينات ليه يا حاجة انتي؟!
تجمدت للحظة وفجأة أدركت أن سوء الفهم قد يكون قد سبقها إلى الحديث، فشعرت بشيء من الإحراج يتسلل إلى داخلها، لكنها حاولت إخفاءه بسرعة، ولم تكن مستعدة لمنحه فرصة الشماتة أو الاستمتاع بارتباكها، لذلك عدلت من وقفتها وحاولت أن تجعل نبرتها أكثر هدوءًا وهي تبرر ما قصدته:
-ما انت يا باشا واحد أعزب هشتغل خدامتك الخاصة ازاي يعني؟!
نظر إليها لثوانٍ طويلة وكأن السؤال بالنسبة إليه في غاية السذاجة، ثم أجاب بكلمات مقتضبة خرجت ببرود تام، وكأنه لا يرى في الأمر ما يستحق كل هذا الجدل:
-مسؤولة عني، أول ما ادخل من باب القصر تشوفي كل طلباتي بس كده.
ساد الصمت للحظة قصيرة، كانت هي تخوض معركة مختلفة تمامًا داخل رأسهاء فعندما تأكدت أن الأمر لا يحمل ذلك المعنى الذي ظنته، بدأت أفكارها القديمة تعود إلى السطح من جديد، تذكرت هدفها الحقيقي وتذكرت السبب الذي جعلها تتحمل كل هذا منذ البداية، فكانت تحمل في داخلها رغبة دفينة في الانتقام، رغبة ظلت تنمو يومًا بعد يوم حتى أصبحت جزءًا من كيانها، وفجأة أدركت أن القدر ربما يفتح أمامها الباب الأول لتحقيق ما تريد ألا وهو ذلك القصر....ذلك المكان الذي ظنت أنه سيظل بعيد المنال.
إذا أصبحت من المقربين داخله وإذا تمكنت من التحرك بين جدرانه بحرية، فستصبح أمامها فرص كثيرة لمعرفة سر قتل أخيها ومراقبة الجميع عن قرب، لتعرف من المتسبب في قتله، وكلما اقتربت من مركز القوة اقتربت أكثر من تنفيذ خطتها.
لهذا السبب لمعت عيناها فجأة ببريق خفي، وسرعان ما أخفته خلف ملامح بدت سعيدة ومتحمسة أكثر مما ينبغي، ثم سألت بطمع متعمد:
-والمرتب حلو؟!
راقب تغير ملامحها السريع ولاحظ ذلك الانتقال الغريب من الرفض والتشدد إلى الاهتمام المفاجئ بالمال، فمال برأسه قليلًا ثم غمز لها بطرف عينه بوقاحة واضحة وقال بتهكم:
-جميلة وطماعة أموت في كده، اديني في الوقاحة اكتر هحبك.
عقدت شفتيها بضيق مصطنع ثم ضربت كفًا بكف وهي تقول بحيرة مفتعلة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني يا بيه لما أسأل على المرتب حقي اللي هاكل منه عيش ابقى طماعة؟!
هز رأسه ببطء وهو يراقبها بعينين ضيقتين، فكان يشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي في هذه الفتاة، لم تكن خائفة بالقدر الذي ينبغي أن تكون عليه، ولم تكن مطيعة كما اعتاد من الخدم والعمال الذين يقفون أمامه، فكانت ترد بسرعة وتجادل بلا تردد، وتملك قدرة غريبة على تحويل أي حديث إلى معركة كلامية،. وذلك تحديدًا ما جعله حذرًا منها.
فعاد صوته إلى الخشونة مجددًا، لكنها هذه المرة كانت خشونة مغلفة بتهديد واضح لا يخفى على أحد:
-ردودك! بتخوفني وأنا لما بخاف بدخل أي حد المكان اللي دخلتيه تحت، بحب أدفن خوفي بإيديا.
كان التهديد صريحًا بما يكفي ليجعل أي شخص يتراجع خطوة إلى الخلف، ولكن غالية لم تفعل بل على العكس اقتربت خطوة واحدة من المكتب، وكأنها تتعمد اختبار حدود صبره، ثم رفعت ذقنها قليلًا وقالت بنبرة ماكرة تخفي وراءها قدرًا كبيرًا من التحدي:
-اتعود على ردودي يا بيه أنا من صغري لساني مسحوب مني.
ساد الصمت بينهما من جديد ولكنه صمت مخيف ومتوتر، لم يكن أي منهما مستعدًا للتراجع، فظل ينظر إليها طويلًا، متأملًا تفاصيل وجهها ونظراتها الجريئة، فكان هناك شيء يثير فضوله فيها....شيء مختلف عن كل مَن قابلهم من قبل، وربما لهذا السبب وجد نفسه معجبًا بقدرتها على المواجهة رغم أنها تقف أمامه وحدها بلا سند.
أما هي فكانت تشعر بالاختناق من نظراته المطولة، وكانت تتمنى لو تستطيع اقتلاع تلك العينين الساخرتين اللتين تلاحقانها باستمرار، أو على الأقل أن تمحو تلك النظرة الواثقة المستفزة من وجهه، وفجأة رفع يده وأشار بإصبعيه نحوها في حركة حملت تهديدًا صريحًا هذه المرة ثم قال:
-عجبتيني، وعشان كده أنا بعون الله هقصهولك لو جبتيلي صداع.
تنفست بهدوء وهي تتراجع بجسدها خطوة إلى الخلف، محاولة أن تخفي ذلك التوتر الخفي الذي بدأ يتسلل إلى أعصابها، فكانت تدرك أن الوقوف أمامه يشبه السير فوق حافة سكين حادة؛ كلمة واحدة في غير موضعها قد تشعل غضبه، ونظرة واحدة خاطئة قد تضعها في مأزق لا تعرف كيف تخرج منه،
ومع ذلك لم تكن من النوع الذي يتراجع بسهولة، لذا رفعت حاجبها الأيسر قليلًا ثم قالت بسخرية خفيفة حاولت بها كسر حدة الموقف:
-يا باشا بلاش الشر يبقى طريق تعاملني بيه، عشان أنا لما بخاف بهرب.
لم تتغير ملامحه بل على العكس ازدادت عيناه ثباتًا وهو يجيبها دون تردد:
-هجيبك لو كنتي فين، المهم أول قاعدة هنا في القصر، اسمك ميتقالش أبدًا ولو حد سألك على اسمك قولي نسيتيه.
اختفت السخرية من وجهها للحظة، هذه المرة لم يكن يمزح بل شعرت بذلك بوضوح، فكان يتحدث بجدية مطلقة، وكأنه يضع قانونًا جديدًا لا يُسمح لأحد بمخالفته، لذا عقدت حاجبيها وهي تحدق فيه باستغراب، كلما ظنت أنها بدأت تفهمه، اكتشفت جانبًا جديدًا يزيده غموضًا، لماذا ذلك الأسم تحديدًا؟
ولماذا يبدو مصممًا إلى هذه الدرجة على محوه من داخل القصر؟ فكان الأمر أكبر من مجرد رغبة في فرض السيطرة، لكنها لم تُظهر شيئًا مما يدور داخل رأسها، واكتفت بالسؤال وهي تميل برأسها قليلًا:
-لو حبيت تناديني؟!
اتكأ بجسده إلى الخلف في مقعده، ثم أجاب ببرود أثار استغرابها أكثر:
-لا انتي مش هتحتاجي أناديكي، انتي هتفهميني من عيني على طول.
لثوانٍ قليلة ظلت تحدق به دون رد، ثم ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة وهي تهز رأسها، فلم تكن تعرف إن كان مغرورًا إلى هذه الدرجة فعلًا، أم أنه اعتاد أن ينفذ الجميع أوامره قبل أن ينطق بها، لكن المؤكد أنها لم تقابل شخصًا يتحدث عن نفسه بهذه الثقة المستفزة من قبل، فقالت:
-وماله نجرب، وبالنسبة لحقي؟!
رفع حاجبه باستفهام واضح:
-انهي حق؟!
اختفت الابتسامة من وجهها تدريجيًا، وعادت إلى ذاكرتها صورة الرجل الذي اعتدى عليها، فتذكرت الألم وتذكرت الإهانة، وتذكرت كيف انتُزع منها حجابها بكل قسوة وكأن كرامتها لا تساوي شيئًا، فاشتدت ملامحها وهي تقول:
-حقي من الراجل اللي ضربني وقلعني طرحتي، هو مش من رجالتك؟!
ساد صمت غريب لم تستطع تفسيره، أما هو فظل ينظر إليها بلا انفعال ظاهر وكأن السؤال لم يفاجئه، ثم قال فجأة:
-تعالي خدي حقك مني أنا لو ده هيرضيكي!
في البداية ظنت أنها لم تسمع جيدًا، لكن ما فعله بعد ذلك جعلها تدرك أنه كان يعني كل كلمة قالها، حيث مد يده ببطء نحو أحد الأدراج القريبة منه، ثم أخرج سلاحًا ناريًا ووضعه فوق سطح المكتب أمامها مباشرة، صوت ارتطام المعدن بالخشب اخترق الصمت داخل الغرفة أما هو فظل هو جالسًا مكانه هادئًا وساكنًا،
يراقبها فقط والابتسامة الساخرة الممزوجة بثقة غريبة لم تغادر وجهه وكأنه يعرف مسبقًا ما الذي سيحدث، أو ربما كان يختبرها فشعرت غالية بأنفاسها تتباطأ وتسارعت دقات قلبها في الوقت نفسه.
نظرت إلى السلاح ثم إليه...ثم عادت تنظر إلى السلاح من جديد، فكان الوضع كله أشبه بحلم غريب، كم مرة تخيلت الانتقام؟ كم مرة تمنت أن تقتص ممن ظلم أخيها؟ كم مرة رسم خيالها مشاهد الثأر؟ لكن شيئًا مختلفًا كان يحدث الآن، لأن الخيال شيء والواقع معه شيء آخر تمامًا، أما هو فرفع نظره إليها منتظرًا وكان يتوقع على الأرجح أن تتراجع أو أن تخاف، أو أن تدرك استحالة ما عرضه عليها لكنها فاجأته.
تقدمت نحو المكتب خطوة ثم أخرى حتى وصلت إليه، ومدت يدها بالفعل نحو السلاح، في تلك اللحظة اختفت ابتسامته قليلًا، فحتى هو لم يكن يتوقع منها تلك الجرأة، أمسكت المسدس بين يديها فكان أثقل مما تخيلت، أخذت تتفقده ببطء، بينما كانت عيناها تنتقلان بينه وبين السلاح، أما هو فظل صامتًا ويراقب كل حركة تقوم بها، وكلما مر الوقت ازداد فضوله.
حتى رفعت المسدس أخيرًا، ووجهت فوهته نحوه مباشرة، توقفت أنفاس الغرفة كلها وأصبح الهواء نفسه ملبدًا بغيوم الشر، لكن المدهش أنه لم يتحرك ولم يهرب...لم يصرخ، لم يحاول حتى إبعاد السلاح عن نفسه، ظل ينظر إليها فقط بعينين ثابتتين، وبثقة أثارت غيظها أكثر من أي شيء آخر.
مرت ثوانٍ طويلة بدت كأنها دقائق كاملة، ثم اهتزت أصابعها قليلًا، وانخفض بريق الغضب من عينيها شيئًا فشيئًا، قبل أن تقول أخيرًا بصوت خافت حمل صدقًا لم تستطع إخفاءه:
-تتقطع إيدي قبل ما أعمل كده يا بيه.
ساد الصمت من جديد، لكن هذه المرة كان مختلفًا وأكثر عمقًا وأشد وقعًا، أنزلت السلاح ببطء ثم وضعته فوق المكتب بإهمال هادئ وكأنها ترفض حتى مجرد الاحتفاظ به بين يديها، بعدها رفعت عينيها إليه ونظرت له نظرة غامضة ومبهمة وممتلئة بأشياء كثيرة لم تقلها....غضب...وألم....وكبرياء، وشيء آخر عجز هو عن تفسيره.
ولأول مرة منذ بداية حديثهما وجد نفسه عاجزًا عن قراءة ما يدور داخلها، لكن شيئًا واحدًا استطاع إدراكه بوضوح، أن هذه الفتاة ليست كما تبدو، وأن خلف جرأتها ولسانها السليط قلبًا يرفض الظلم، حتى عندما يُمنح فرصة الانتقام بيده.
فمرت لمحة إعجاب خافتة في عينيه دون أن يشعر، ثم مال برأسه قليلًا وقال:
-شاطرة... بتفهمي يا...
توقف لحظة، وكأن لسانه كاد ينطق باسمها قبل أن يتذكر قراره الحاسم، ثم أكمل بابتسامة جانبية خفيفة:
-يا اللي مالكيش اسم.
وعلى غير المتوقع، شعرت غالية بأن العبارة الأخيرة كانت أشد إزعاجًا لها من المسدس نفسه، لأنها للمرة الأولى بدأت تشعر أن الرجل الذي أمامها لا يحاول إخفاء اسمها فقط.،بل يحاول إخفاء حقيقة كاملة لا تعرف عنها شيئًا بعد، وقبل أن تنطق بحرف قال هو بأمر قاطع لا جدال فيه:
-انتي خلاص سامحتي في حقك من ناحية صالح، فمتحاوليش تعملي مشاكل معاه، عشان صالح ده أنا بحبه واللي بيحبه موسى عزام مفيش مخلوق يقدر يلمسه أو يأذيه، يلا اطلعي روحي على المطبخ وهما هيفهموكي تعمل إيه!
اخفت قبضتها المنقبضة بقوة وقالت بطاعة وهي تتحلى بالصبر أمامه:
-حاضر يا بيه.
***
دخلت فايقة إلى الشقة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقد بدا عليها الانفعال الشديد والتوتر المفرط، حتى إن صدرها كان يعلو ويهبط بسرعة ملحوظة، ألقت بحقيبتها جانبًا ثم اتجهت نحو الأريكة وجلسـت عليها بعنف، بينما كانت ملامح وجهها تعكس مزيجًا من الغضب والضيق والخوف الذي حاولت عبثًا إخفاءه خلف كلماتها الحادة.
هتفت بعصبية شديدة وهي تضرب بكفها على ذراع الأريكة:
-لا واقسم بالله أنا مش هقدر استحمل كل يومين اتشد على قصر عزام.
كان التوتر لا يزال مسيطرًا على أجواء المكان، بينما جلست فريدة في صمت تام، تخفض رأسها قليلًا وتتشبث بأطراف ثوبها في توتر واضح، فكانت تدرك أن فايقة لا تتحدث بدافع الغضب فقط بل بدافع الخوف أيضًا، لذلك فضلت الصمت وعدم مقاطعتها، لكن ذلك لم يخفف من حدة انفعال فايقة التي استمرت في حديثها بغيظ وهي توجه إليها اللوم والعتاب:
-وانتي ياختي قعدت احفظك وافهمك تعملي إيه بالظبط وفي الآخر تغلطي غلطة زي دي، كنتي هتودينا في ستين داهية.
صمتت قليلاً ثم اشارت نحو نفسها بقهر وغل من موافقتها على هذا الأمر من بدايته:
-بس اقولك أنا اللي غلطانة واستاهل ضرب الجزم، عشان سمعت كلام أم ناصر ووافقت ادخل اللعبة دي.
ساد الصمت للحظات قصيرة لم يُسمع خلالها سوى صوت أنفاسهما المتفاوتة، ثم رفعت فريدة رأسها قليلًا وقد بدا الحزن على وجهها بوضوح وقالت بصوتها الرقيق الهادئ محاولة تهدئة ثورتها:
-خلاص الموضوع خلص وانتهى وهو ماخدش باله، وان شاء الله مش هيتكرر تاني ومش هنروح وغالية هتاخد بالها من تصرفاتها معاه.
لم تكد تُتم كلماتها حتى ارتفع رنين هاتفها معلنًا عن اتصال وارد، وما إن وقعت عيناها على الاسم الظاهر على الشاشة حتى أشرقت ملامحها فجأة، وكأن شعاعًا من النور اخترق ظلام قلبها، فنهضت بسرعة وأجابت بلهفة واضحة:
-غالية حبيبتي انتي كويسة؟
وصلها صوت غالية من الطرف الآخر منخفضًا وحذرًا، وكأنها تتحدث في مكان لا يسمح لها برفع صوتها، فكانت نبرتها صارمة على غير عادتها تخفي خلفها قلقًا كبيرًا حاولت السيطرة عليه:
-اه كويسة، اسمعيني يا فريدة حاولي تركزي في ردودك وكلامك ومتغلطيش تاني حتى لو خوفتي، وخليكي مع الحاجة فايقة ومتحاوليش تخرجي برة البيت أبدًا أبدًا، وأنا هعرف اتصرف واجيلك ومتحاوليش تجيلي خالص حتى لو متصلتش بيكي، سلام..
لم تمنحها فرصة للرد إذ أغلقت الاتصال مباشرة بعد إنهاء حديثها، فبقي الهاتف بين يدي فريدة للحظات طويلة، وهي تحدق في شاشته المظلمة وكأنها تنتظر أن يعود الاتصال من جديد، شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها وتجمعت الدموع في عينيها شيئًا فشيئًا حتى غامت رؤيتها، فهمست بصوت مكسور امتزج فيه الحزن بالاشتياق:
-حاضر يا غالية.
لم تكن الكلمات القليلة التي سمعتها كافية لتطمئنها، بل زادت من خوفها وقلقها، فكانت تعلم أن أختها تحاول حمايتها، لكنها في الوقت ذاته شعرت بعجز موجع لأنها لا تستطيع الوقوف إلى جانبها أو مساعدتها في أي شيء، أما فايقة فقد أطلقت زفرة طويلة تدل على نفاد صبرها، ثم نهضت من مكانها وهي تتمتم بضيق:
ـ أنا قايمة أنام أصل ضغطي هيرتفع، كل شوية تعيطلي هو انتي فاكرة نفسك جاية ملاهي لاند ياختي، محدش قالك على المرار الطافح اللي هتشوفوه.
ورغم قسوة كلماتها الظاهرة إلا أن الخوف هو المحرك الحقيقي لها، فكانت تشعر أن الأمور تخرج عن السيطرة شيئًا فشيئًا، وأن أي خطأ صغير قد يجر عليهم جميعًا عواقب لا تُحمد،
فاتجهت إلى غرفتها بخطوات متسارعة، ثم أغلقت الباب خلفها بقوة، فاهتزت جدران الشقة الهادئة لذلك الصوت المفاجئ.
أما فريدة فبقيت وحدها في غرفة الجلوس، وساد المكان صمت فجأة، حتى بدا وكأنه يطبق على صدرها، فنظرت حولها بعينين دامعتين ورأت المقاعد الخالية والجدران الساكنة والأركان المظلمة التي زادت شعورها بالوحدة.
ففي تلك اللحظة تفتقد غالية بشدة، لطالما كانت أختها الملجأ الذي تهرب إليه كلما ضاقت بها الدنيا، والكتف التي تستند إليها عند الخوف، والصوت الذي يبعث الطمأنينة في قلبها مهما كانت الظروف قاسية، لكنها الآن بعيدة عنها ولا تعرف متى ستراها مجددًا.
انهمرت دموعها بصمت وأسندت رأسها إلى ظهر الأريكة وهي تحاول مقاومة ذلك الشعور القاسي الذي استقر في قلبها، فشعرت أن الأحداث تتسارع من حولها بصورة مخيفة، وأنها أصبحت عالقة داخل دوامة لا تعرف كيف ستخرج منها ولا كيف ستنجو منها.
أغمضت عينيها للحظة وتمنت من أعماق قلبها أن تنتهي تلك المحنة سريعًا، وأن تعود الأيام كما كانت من قبل؛ أيامًا بسيطة هادئة لا يطاردها فيها الخوف، ولا يهددها فيها المجهول في كل لحظة.
****
أما غالية فظلت جالسة في المطبخ منذ فترة ليست بالقصيرة، تراقب العاملات وهن يتحركن بين الخزائن والطاولات بانشغال واضح، فكانت كل واحدة منهن تؤدي عملها بدقة وسرعة، وكأنهن اعتدن نظامًا صارمًا لا يسمح بالتقصير أو التراخي.
في البداية ظنت أن تجاهلهن لها أمر عابر، أو ربما بسبب انشغالهن بالأعمال المتراكمة، لكن مرور الوقت جعل الأمر يبدو غريبًا بعض الشيء، لم تحاول أي واحدة منهن فتح حديث معها أو حتى إلقاء أسئلة الفضول المعتادة التي تُوجه غالبًا إلى الوافدين الجدد.
جلست بهدوء فوق مقعدها الخشبي، تحاول إخفاء الصداع الذي كان يزداد حدة داخل رأسها شيئًا فشيئًا، فكانت تشعر وكأن مطرقة ثقيلة تضرب جانبي رأسها بلا توقف، لكنها أصرت على التزام الصمت وعدم إظهار ضعفها أمام أحد.
واكتفت بمراقبة كل ما يدور حولها بعينين يقظتين، فكانت تعلم أن الصمت أحيانًا يكشف ما لا تكشفه كثرة الأسئلة، وبالفعل لم يطل انتظارها كثيرًا، فقد بدا أن هدوءها الشديد أثار فضول إحدى العاملات واستفزها في الوقت نفسه، لذا اقتربت منها الفتاة بخطوات متأنية وهي تتظاهر بالبحث عن شيء داخل أحد الأدراج القريبة منها، ثم ألقت عليها نظرة جانبية وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها عفوية:
-صالح قالنا إنك هتبقي مسؤولة عن الروماني.
رمشت غالية عدة مرات وهي تحاول استيعاب الكلمة التي سمعتها، فكان الألم المتصاعد في رأسها يجعل تركيزها أصعب من المعتاد، لذلك عقدت حاجبيها قليلًا وسألت بعدم فهم حقيقي:
-مين الروماني؟!
توقفت العاملة عن الحركة للحظة ثم التفتت إليها بالكامل وقد ارتفع أحد حاجبيها في استنكار واضح، فبدا وكأنها غير مصدقة لما سمعته، وقالت بدهشة:
-متعرفيش الروماني؟! جاية تشتغلي في قصره ومتعرفيش مين هو؟!
شعرت غالية أن قطع الأحجية بدأت تتجمع أمامها، ومن طريقة حديث الفتاة ونبرة التبجيل التي صاحبت الاسم، استنتجت أن المقصود ليس سوى موسى، لذلك سألت بحذر وهي تخفض صوتها:
-قصدك يعني موسى بيه؟
هزت الخادمة رأسها مؤكدة، بينما ظل التعجب يملأ ملامحها وكأنها لا تزال غير مستوعبة جهل غالية بذلك اللقب، أما غالية فابتسمت ابتسامة صغيرة ساخرة، حاولت أن تخفي بها فضولها الحقيقي ثم قالت:
-معلش لسه جديدة على البلد معرفش القاب، هو ليه سموه الروماني؟
ما إن طرحت السؤال حتى اتسعت عينا الخادمة أكثر، وكأنها فوجئت باضطرارها إلى شرح أمر تراه بديهيًا للغاية، ثم قالت بنبرة امتزج فيها الإعجاب بالفخر:
-ليه سموه الروماني؟ قولي هو في حاجة تانية تليق عليه غيره؟!
توقفت لحظة وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم تابعت بحماس واضح:
-هو روماني عشان حلو وتقيل ومفيش حد يقدر عليه بعون الله حتى عاصم عزام نفسه ميقدرش عليه، ده شبح كبير اوي في نفسه.
خفضت صوتها قليلًا وأضافت بإعجاب ظاهر:
-انتي لسه بس متعرفيش موسى باشا، ده خطير موت.
استمعت غالية إلى كلماتها بصمت، وكانت نظراتها تتجه إلى نقطة بعيدة أمامها بينما تتزاحم الأفكار داخل رأسها، خطير؟
ربما كانت تلك الكلمة الوحيدة التي اتفقت فيها مع الخادمة، لكن مفهوم الخطورة عندها كان مختلفًا تمامًا، فهي لم ترَ فيه ذلك البطل الأسطوري الذي تتحدث عنه النساء بإعجاب وانبهار.
بل رأت رجلًا غامضًا ومتقلب المزاج، يحمل داخل عينيه أشياء يصعب تفسيرها، رجلًا يتصرف أحيانًا بسخرية مدهشة، ثم يفاجئ الجميع بأفعال لا يمكن توقعها.
تذكرت مواقفه الأخيرة وطريقته في السيطرة على المواقف، ونظراته التي كانت تفضح كثيرًا مما يحاول إخفاءه، وتذكرت أيضًا جنونه الذي يظهر فجأة دون مقدمات، عندها ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة خافتة، وهزت رأسها بخفة وهي تتمتم باستهجان:
-هو فعلاً شبح كبير.
لم تكد غالية تغرق مجددًا في دوامة أفكارها المتشابكة حتى اخترقت الخادمة شرودها مرة أخرى، فكانت الفتاة تراقبها منذ فترة بعينين فضوليتين، وكأنها تحاول اكتشاف سر تلك الوافدة الجديدة التي ظهرت فجأة داخل القصر وأصبحت محط اهتمام الجميع دون أن تفصح عن شيء يخصها، فاقتربت منها قليلًا مجددًا وهي تتأكد من انشغال بقية العاملات بأعمالهن، ثم همست بخفوت وكأنها تشاركها سرًا صغيرًا:
-اسمك إيه بقى؟ شكلنا هنبقى صحاب.
رفعت غالية رأسها نحوها ببطء، فكانت مرهقة نفسيًا وجسديًا، والصداع لا يزال يضغط على أعصابها بقوة، لكنها رغم ذلك لم تفقد قدرتها على المراوغة، لذا تنهدت بعمق ثم التزمت الصمت لثوانٍ قليلة قبل أن تقول بابتسامة مصطنعة متعمدة:
-ماليش اسم.
رمشت الخادمة عدة مرات بعدم استيعاب ثم ضحكت بخفة قائلة:
-هو في حد مالوش اسم؟
أمالت غالية رأسها قليلًا وأجابت بنفس الابتسامة السخيفة التي تعمدت رسمها فوق وجهها:
-لا ليا بس المفروض مقولش لحد عليه؟
اتسعت ابتسامة الخادمة وهي تخرج بعض الأكواب من الخزانة وتضعها فوق الصينية المعدنية ثم قالت ساخرة:
-ليه عليكي تار؟!
للحظة قصيرة انطفأت الابتسامة عن وجه غالية، فلم تكن الخادمة تعلم أن سؤالها العابر أصاب موضعًا حساسًا للغاية،
لكنها أخفت كل ذلك خلف ابتسامة باهتة وقالت:
-اسمي نجمة.
وما إن خرج الاسم من بين شفتيها حتى وقع ما لم تتوقعه،
فقد تجمدت الخادمة في مكانها فجأة، وانزلقت الأكواب من بين أصابعها لتسقط على الأرض بقوة، متحطمة إلى عشرات القطع الزجاجية الصغيرة، فدوى صوت الكسر في أرجاء المطبخ، والتفتت جميع الرؤوس نحوهما في اللحظة نفسه،
أما الخادمة فكانت تحدق في غالية بعينين متسعتين وكأنها سمعت اسمًا محرمًا لا يجوز النطق به.
أدركت غالية حينها خطورة الموقف فورًا، فبادرت سريعًا بالحديث محاولة إبعاد انتباه الجميع:
-في إيه ما تاخدي بالك من الكرسي.
ثم هبطت إلى الأرض وبدأت تجمع شظايا الزجاج المتناثرة حولها وكأن الأمر مجرد حادث عرضي، وبعد لحظات قصيرة عاد الجميع إلى أعمالهم بعدما زال فضولهم، أما الخادمة فقد جلست أمامها مباشرة، ولم تعد ملامح المرح أو الفضول ظاهرة على وجهها، فحل محلها توتر حقيقي ونظرة تحذير صادقة.
خفضت صوتها إلى أقصى درجة ممكنة وهمست:
-بلاش تقولي اسمك ده هنا.
عقدت غالية حاجبيها باستغراب:
-ليه؟
ترددت الفتاة قليلًا ثم أضافت:
-عشان هيعملك مشاكل كبيرة اوي.
ازداد فضول غالية أكثر فأكثر، فمنذ دخولها القصر وهي تشعر أن الجميع يتعامل مع بعض الأمور وكأنها أسرار مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو حتى التساؤل عنها، فكانت تلتقط بين الحين والآخر نظرات غامضة، وهمسات مبتورة تنقطع فور اقتراب أي شخص، وأسماء تُذكر بحذر شديد ثم يُسدل عليها الصمت فجأة.
كلما حاولت فهم ما يدور حولها، وجدت نفسها أمام ألغاز جديدة أكثر تعقيدًا من سابقتها، ولهذا لم تستطع كبح فضولها هذه المرة، فرفعت بصرها نحو العاملات المنتشرات في أرجاء المطبخ، ثم مالت قليلًا نحو الخادمة وهمست بحذر شديد حتى لا يلتقط أحد حديثهما:
-ايوه ليه بردو هيعملي مشاكل كبيرة؟ كله ببخوفني ومحدش قالي ليه؟
ترددت الخادمة للحظة ثم ألقت نظرة سريعة حولها وكأنها تتأكد من أن أحدًا لا يصغي إليهما، وبعدها اقتربت أكثر وخفضت صوتها إلى حد كاد يختفي:
-عشان على اسم الست هانم مرات عثمان بيه.
شعرت غالية بانقباض خفي داخل صدرها، أما الفتاة فأكملت:
-من الآخر ام موسى باشا.
ساد الصمت بينهما للحظة قصيرة، ثم تابعت الخادمة بصوت أكثر خفوتًا:
-وماتت مقتولة غدر.
ارتجفت أصابع غالية دون إرادة منها، بينما كانت الخادمة تتحدث وكأنها تروي حكاية قديمة يعرفها الجميع:
-ومن وقتها اسمها وهي خط أحمر للبلد كلها ولموسى باشا بالذات، هما اه انتقموا واخدوا بتارها بس دمها لسه حي وكأنها ماتت امبارح، أحسنلك شوفيلك اسم تاني.
ابتلعت غالية ريقها بصعوبة، وشعرت أن أجزاء كثيرة من الصورة بدأت تتضح أمامها، فتذكرت ذلك الغضب العنيف الذي اشتعل داخل موسى عندما نطقت باسم نجمة أمامه، وتذكرت كيف تبدلت ملامحه في لحظة واحدة، وكيف نظر إليها بعينين امتلأتا بالشك والعداء، بل وتذكرت اتهامه الصريح لها بأنها تعمل لصالح عاصم عزام، وأن ظهورها المفاجئ لم يكن مصادفة كما ادعت، حينها فقط بدأت تفهم سبب تلك الثورة الغاضبة التي لم تستوعبها في ذلك الوقت، فترددت قليلًا قبل أن تستجمع شجاعتها، ثم همست بسؤال آخر:
-اللي قتلها عاصم عزام ده!
رفعت الخادمة رأسها نحوها، وكانت قد انتهت من جمع آخر قطعة زجاج مكسورة من الأرض، ثم قالت وهي تنهض:
-لا.....
توقفت لحظة قبل أن تضيف بنبرة هادئة أثارت القشعريرة في جسد غالية:
-اهل أمه اللي قتلوها.
شعرت غالية وكأن قلبها توقف عن النبض لثانية كاملة، لكن الخادمة تابعت حديثها دون أن يتغير صوتها أو تتبدل ملامحها:
-وعثمان باشا قتل أم عاصم بردو.
اتسعت عينا غالية بصدمة بالغة، أما الخادمة فهزت كتفيها ببساطة وقالت:
-وواحدة قصاد واحدة..
ثم أضافت ببرود شديد:
-بس انتي فاكرة هي اتقفلت على كده؟!
رفعت غالية رأسها إليها في ترقب، فأكملت الفتاة:
-ده من وقتها وبحور الدم اتفتحت ومتقفلتش إلا بالعهد، لو مكنش في عهد كان زمان البلد كلها ولعت.
ظلت غالية تنظر إليها في ذهول، لم تكن الصدمة فيما سمعته فقط، بل في الطريقة التي سمعته بها، فكانت الخادمة تتحدث عن جرائم قتل ممتدة عبر السنوات بنفس الهدوء الذي قد تتحدث به عن وصفة طعام أو خبر عابر، لا حزن ولا غضب ولا دهشة، وكأن تلك الأحداث أصبحت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، وكأن الدماء تحولت مع مرور الزمن إلى مجرد أرقام وحكايات متوارثة يتناقلها الناس دون اكتراث.
عادت الخادمة إلى عملها بعد ذلك وكأن شيئًا لم يكن، أما غالية فظلت جالسة في مكانها، تحدق أمامها بشرود عميق، فكانت تشعر أن كل كلمة سمعتها قد سحبتها خطوة أخرى نحو عالم لم تكن تتخيل وجوده، عالم يحكمه الانتقام، وتتحكم فيه الأحقاد المتوارثة، وتُقاس فيه العدالة بكمية الدم المسفوكة لا بالقانون.
وضعت يدها فوق رأسها محاولة السيطرة على الصداع الذي أخذ يشتد تدريجيًا، لكن الألم الحقيقي لم يكن في رأسها، بل في قلبها، فكل حقيقة تكتشفها تجعلها تدرك أكثر حجم الورطة التي ألقت بنفسها داخلها بتهور، لقد جاءت وهي تظن أنها تخوض مخاطرة محدودة يمكن السيطرة عليها.
لكنها الآن بدأت ترى الحقيقة كاملة، لقد اقتربت من هاوية سحيقة لا تعرف أين ينتهي قاعها، والمخيف أكثر أنها لم تعد تملك طريقًا واضحًا للعودة.
***
في اليوم التالي...
جلست عائشة داخل عيادتها الصغيرة في حالة من الملل والضيق، وهي تتأمل المقاعد الخالية أمامها للمرة التي فقدت القدرة على عدها، فمرت ساعات الصباح بطيئة وثقيلة، لا طرقات على الباب ولا مرضى، لا أمهات يحملن أطفالهن،
ولا حتى استفسار عابر من أحد سكان البلدة.
ورغم كل ما بذلته خلال الأيام الماضية من محاولات لتعريف الناس بوجود عيادة أطفال جديدة، ورغم اللوحة الصغيرة المعلقة أمام المبنى، والأخبار التي تعمدت خالتها نشرها بين الأهالي، إلا أن أحدًا لم يأتِ.
وكأن العيادة غير موجودة من الأساس، فتنهدت ببطء وهي تسند ظهرها إلى المقعد، ثم ألقت نظرة أخيرة حول المكان،
فكانت تشعر أن الجدران تضيق عليها شيئًا فشيئًا، وخاصةً أن
منذ الصباح كان طفلاها برفقة عاصم، لذلك لم يكن هناك ما يشغلها أو يجبرها على البقاء داخل العيادة.
ولهذا اتخذت قرارها أخيرًا، ونهضت من مكانها وأغلقت كل شيء، ثم خرجت من العيادة قاصدة التجول قليلًا داخل البلدة،
ربما يساعدها ذلك على التخلص من ذلك الشعور الخانق الذي يلازمها منذ وصولها إلى هنا.
كانت الشمس تميل نحو الاعتدال والطرقات تعج بحركة الأهالي المعتادة، فسارت بخطوات هادئة دون وجهة محددة،
تمر بين البيوت القديمة والمتاجر الصغيرة، وتراقب وجوه الناس التي بدأت تحفظ ملامحها شيئًا فشيئًا، لكنها رغم ذلك لم تشعر يومًا بأنها أصبحت جزءًا من هذا المكان، بل كانت تشعر دائمًا أنها غريبة ومراقبة، وأن هناك حاجزًا غير مرئي يفصلها عن الجميع.
كانت غارقة في أفكارها حين أوقفها صوت رجل كبير في السن،
التفتت نحوه لتجد شيخًا وقورًا يقف على جانب الطريق،
كان يمسك مسبحة بين أصابعه ويحرك حباتها ببطء، بينما ترتسم على وجهه ابتسامة بسيطة توحي بالهدوء والوقار،
فقال بصوت منخفض مهذب:
-السلام عليكم يا بنتي، ممكن آخد من وقتك دقيقتين.
شعرت عائشة بشيء من التوتر، لكن هيئة الرجل الهادئة دفعتها إلى التوقف، فأجابت بأدب:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل.
أخذ الشيخ نفسًا طويلًا وكأنه يجمع كلماته بعناية، ثم قال بصوت خافت:
-يا بنتي أنا من طرف أهل ابوكي، انتي قاطعة صلة رحمك ليه؟ الناس عايزين يعتذرولك على اللي عملوه معاكي، وانتي مبترديش عليهم وكده الذنب هيقع عليكي انتي، لإنك انتي اللي رافضة، يا بنتي كله إلا صلة الرحم، عشان ربنا يباركلك في اولادك وحياتك.
زمت شفتيها بضيق واضح، ثم قالت بصوت حاولت السيطرة على انفعاله:
-حضرتك متعرفش هما عملوا معايا إيه؟
افتعل الحيرة على وجهه ولكنه قال بهودء:
-يا بنتي هما مادين ايدهم بالسلام مينفعش ترفضيها، لا حول ولا قوة إلا بالله معرفش شباب اليومين دول مبيقدروش ليه قيمة الأهل، لينا كلام تاني ان شاء الله، بس حاولي تفكري في كلامي ده كويس.
وغادر بالفعل قبل أن يمنحها فرصة للرد أو توضيح أي شيء، فبقيت هي تنظر إلى أثره باندهاش، حيث كانت تشعر أن أهل هذه البلدة يملكون قدرة غريبة على إصدار الأحكام دون معرفة التفاصيل، وكأن مجرد كونهم أكبر سنًا يمنحهم الحق في تقرير ما يجب عليها فعله، فتنهدت بضيق ثم أكملت سيرها، لكنها لم تبتعد كثيرًا، فبعد عدة خطوات فقط استوقفها ضجيج مفاجئ صادر من أحد المحال القريبة.
فكان هناك هرج شديد وتجمع كبير للرجال والنساء، توقفت تلقائيًا تلقي نظرة بفضول، ثم اتجهت نحو مصدر الأصوات أكثر محاولة معرفة ما يحدث، وما إن اقتربت حتى اخترق أذنيها صوت امرأة تصرخ بجنون:
-يالهوي ابني وقف حاجة في زوره يالهوي.
ارتفع صراخها أكثر وهي تبكي:
-الحقوه... ابني بيموت!
شعرت عائشة بأن جسدها تحرك تلقائيًا قبل أن تفكر، فهي طبيبة قبل أي شيء، وشاهد كهذا كان كافيًا ليستدعي كل خبرتها المهنية فورًا، فأسرعت تخترق الجموع المتكدسة حول الطفل، وكان الجميع يحاول المساعدة بطريقته الخاصة، أحدهم يربت على ظهره، وآخر يهزه بعنف، وثالث يصرخ طالبًا الماء، لكن لا أحد كان يتصرف بالشكل الصحيح.
وصلت أخيرًا إلى الطفل، فكان وجهه يميل إلى الاحمرار الشديد وعيناه ممتلئتين بالخوف والاختناق، فمدت يديها نحوه بسرعة قائلة:
-أنا دكتورة أطفال... اديني الولد بسرعة.
ثم كررت برجاء أكثر إلحاحًا:
-من فضلك، اديني الولد.
لكن المفاجأة جاءت من والد الطفل نفسه، فما إن وقعت عيناه عليها حتى تصلب وجهه بالكامل، وكأن وجودها أخطر من حالة ابنه، فاحتضن الطفل بقوة أكبر وهتف بعنف:
-لا دي لا....كله الا انتي.
ارتفع صراخها أكثر وهي تبكي:
-الحقوه... ابني بيموت!
شهقت الأم وهي تبكي بحرقة:
-سيبهولها... الواد بيموت!
لكن الرجل بدا وكأنه اتخذ قراره، فصرخ مجددًا:
-قولت لا.
تجمدت عائشة في مكانها لثوانٍ، غير مصدقة ما تسمعه.
ثم نظرت إلى الطفل الذي كان يكافح لالتقاط أنفاسه، فقالت متوسلة:
-لو سمحت... أنت بتضيع الوقت، سيبني أنقذه.
لكن الرد جاء أسوأ مما توقعت، إذ تقدم بعض الرجال وأبعدوها عن الدائرة المحيطة بالطفل، وقال أحدهم بنبرة حاول أن يجعلها مهذبة:
-لو سمحتي ابعدي.
وأضاف آخر بحدة أكبر:
-احنا مش عايزين مشاكل مع حد.
شعرت عائشة وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها، فحاولت التحدث، وحاولت شرح أنها طبيبة مجددًا وأنها تستطيع المساعدة، وأن الطفل قد يموت، لكنها توقفت فجأة، لأنها رأت نظراتهم الحقيقية فكانت عبارة عن خليط مخيف من غضب لكره....توتر، وخوف أيضًا.
وكأن مجرد اقترابها من الطفل يشكل خطرًا عليهم، فالجميع تقريبًا كان ينظر إليها بتلك الطريقة، الجميع...باستثناء الأم، تلك المرأة المسكينة التي لم تكن ترى سوى ابنها المختنق بين يديها.
وفجأة صدر صوت سعال قوي من الطفل، ثم اندفع الجسم العالق من حلقه أخيرًا، وسقط على الأرض، وفي اللحظة التالية عاد الهواء إلى رئتيه، فبدأ بالبكاء وهو أجمل صوت يمكن أن يسمعه الجميع في تلك اللحظة.
تعالت صيحات الفرح والحمد، واحتضنت الأم طفلها وهي تبكي من شدة الراحة، أما عائشة فبقيت واقفة في مكانها، تشاهد الوضع بصمت، ثم تراجعت عدة خطوات إلى الخلف، فكانت تشعر بشيء أثقل من الإهانة، شيء أقرب إلى الخوف.
رفعت عينيها تنظر إلى الوجوه المحيطة بها، وجوه تعرف أنها لم تفعل لهم شيئًا، ومع ذلك كانت تحمل تجاهها كراهية واضحة لا تستطيع فهم مصدرها، ولأول مرة منذ قدومها إلى هذه البلدة، شعرت أن هناك شيء آخر، شيء خفي....شيء يجعل الناس ينفرون منها قبل أن يتعاملوا معها، ومع كل يوم يمر كانت تزداد يقينًا بأن هذا المكان يخفي أسرارًا أخطر بكثير مما كانت تتصور.
إلا أن ظهور تلك المرأة قطع عليها استسلامها لذلك الشعور المؤلمء فكانت تقف على جانب الطريق، تحاول جاهدة أن تتمالك نفسها بعد ما تعرضت له منذ دقائق قليلة، لم تكن الإهانة وحدها هي ما يؤلمها، بل ذلك الإحساس القاسي بالرفض الذي أحاطها من كل جانب.
شعرت وكأنها غريبة وسط أناس لا يريدون وجودها بينهم،
وكادت الدموع أن تنتصر عليها أخيرًا، لولا أن صوتًا نسائيًا دافئًا اخترق شرودها فجأة.
-مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟
رفعت عائشة رأسها نحو مصدر الصوت، فكانت امرأة تجاوزت منتصف العمر بقليل، ترتسم على وجهها ابتسامة بدت للوهلة الأولى حانية ومليئة بالعطف، فشعرت عائشة بشيء من الارتباك، ونظرت حولها بتشتت وكأنها تبحث عن مخرج من ذلك الضيق الذي يطبق على صدرها.
بل إنها شعرت فجأة بحاجتها لرؤية عاص، رؤيته فقط فهمست بصوت خافت:
-معرفش مكنوش راضيين اساعدهم.
بدت المرأة متعاطفة للغاية، فربتت على كتفها برفق وقالت:
-معلش يا دكتورة مش كل أهل الوادي هيحبوكي.
ثم أضافت بنبرة ودودة:
-تعالي يا حبيبتي تعالي معايا.
توقفت عائشة في مكانها قليلًا، فكان داخلها شيء يدعوها للحذر، لكن المرأة سارعت إلى طمأنتها قائلة:
-متخافيش، أنا همت خالة عاصم.
ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وأردفت:
-والله كنت نفسي اتعرف عليكي من زمان.
شعرت عائشة بشيء من الارتياح، فوجود شخص قريب من عاصم ويتحدث معها بهذه الوداعة بدا كفرصة للخروج من تلك الحالة النفسية السيئة التي تعيشها، لذلك وافقت وسارت إلى جوارها، وخلال الطريق لم تتوقف المرأة عن الحديث، فكانت تتحدث عن الوادي وأهله، وعن العائلات القديمة وتاريخها، وعن الأراضي والزراعات والمناسبات التي تجمع السكان، فكانت تمتلك قدرة كبيرة على جذب الانتباه، حتى إن عائشة وجدت نفسها تنصت إليها باهتمام حقيقي، ومع مرور الوقت بدأت تشعر أن توترها يتراجع شيئًا فشيئًا، إلى أن توقفتا أخيرًا أمام قصر كبير يفرض هيبته على المكان.
رفعت عائشة رأسها تتأمله، فكان البناء شامخًا وعريقًا، يحمل ملامح الثراء والنفوذ الممتد عبر أجيال طويلة، فقالت همت بفخر واضح:
-ده قصر عيلة وهدام، عيلتنا.
ثم تابعت وهي تنظر إلى القصر باعتزاز:
-عيلة والدة عاصم، الله يرحمها.
وأشارت إلى الداخل قائلة:
-اتفضلي يا حبيبتي، وانا هتصل على عاصم يجي يقعد معانا شوية.
هزت عائشة رأسها موافقة، فقد شعرت خلال الطريق بقدر كبير من الود والترحاب، ولم تجد سببًا يدفعها إلى الرفض، دخلت إلى القصر بخطوات هادئة، لكن ما إن وطئت قدماها الداخل حتى شعرت بأن شيئًا غريبًا قد حدث، فقد تبدلت الوجوه فجأة،
وساد الصمت للحظات قصيرة، كانت نظرات الدهشة والتوتر واضحة على ملامح الموجودين، وكأن وجودها بينهم لم يكن متوقعًا على الإطلاق، لكن همت تجاهلت كل ذلك وتقدمت بخطوات واثقة قائلة بصوت مرتفع:
-دي الدكتورة عائشة السوالميء، مفاجأة حلو صح؟
ثم أضافت بابتسامة عريضة:
-نورتي بيتنا يا دكتورة، والله شرف كبير لينا.
حاول الحاضرون مجاراتها ببعض عبارات الترحيب المتفرقة، بينما جلست عائشة في المكان الذي أشارت إليه، ثم استأذنت همت قائلة:
-هاجي بعد شوية، اجبلك بس احلى كوباية عصير.
وغادرت متجهة إلى المطبخ، أغلقت الباب خلفها، وفور أن أصبحت بمفردها اختفت تلك الابتسامة الودودة التي كانت تزين وجهها طوال الوقت، وحل محلها تعبير قاسٍ ومظلم، تقدمت نحو أحد الأدراج بخطوات هادئة، ثم أخرجت زجاجة صغيرة كانت مخبأة بعناية، حدقت فيها طويلًا، وبدا أن سنوات من الغضب والحقد تتجمع داخل عينيها في تلك اللحظة، أطبقت أصابعها حول الزجاجة بقوة، ثم همست بصوت خافت يحمل مرارة دفينة:
-تعالى خدها جثة يا عاصم ووريني هتعمل بيها ايه؟
وسكتت لثوانٍ قبل أن تكمل بنبرة مشبعة بالانتقام:
-طالما مش قادر تاخد بتار أمك.
وبينما كانت تقف هناك غارقة في أفكارها السوداء، كانت عائشة في الخارج تجلس دون أن تعلم أنها دخلت بإرادتها إلى مكان قد يتحول خلال لحظات إلى أخطر فخ وقعت فيه منذ وصولها إلى الوادي، ولم تكن تدري أن الود الذي استقبلها قبل قليل ربما لم يكن سوى قناع يخفي وراءه نوايا أخرى أكثر ظلمة مما تتخيل.