رواية في ظلال الوادي الفصل الثامن عشر 18بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل الثامن عشر 18 بقلم زيزي محمد



                       "تهور مفاجئ"

تيبست في مكانها كأن جذورها انغرست في الأرض فجأة، وعجزت قدماها عن حملها خطوة واحدة، فكانت أنفاسها تتصاعد متقطعة وعنيفة، بينما راحت عيناها المتسعتان تحدقان في الفراغ أمامها بذهول ورعب، غير قادرة على استيعاب ما حدث منذ لحظات قليلة.

لقد مرت الرصاصة بمحاذاتها في لمح البصر، حتى إنها كادت تشعر بحرارة اندفاعها قرب جسدها، ولو لم ينحرف جسدها تلقائيًا في تلك اللحظة العابرة عندما لمح بصرها كلب موسى يتهادى أمامها، لكانت الرصاصة قد استقرت في جسدها الآن، ولما كانت تقف هنا تتنفس وترتجف، بل لكانت جثة هامدة ملقاة على الأرض!!

ارتجفت أطرافها بعنف وشعرت بقشعريرة باردة تزحف على طول عمودها الفقري، فكان قلبها يخبط داخل صدرها بقوة مؤلمة حتى خُيل إليها أن الجميع قادرون على سماع صوته، أما عقلها فقد ظل عالقًا عند تلك اللحظة المرعبة، يعيدها مرارًا وتكرارًا كأنها مشهد لا يريد التوقف.

رفعت رأسها ببطء والتفتت نحوهم، تنظر إليهم بعينين ممتلئتين بالرعب والصدمة، فحملت نظراتها اتهامًا واضحًا، حتى وإن كان مهزوزًا بفعل الخوف الذي شل قدرتها على التفكير السليم، ولكنها تفاجئت عندما لم ترى ارتباكًا أو اعتذارًا، أو حتى ذرة قلق على ما حدث، فوجئت ببرود تام يكسو وجوههم، وكأن إطلاق رصاصة كاد يودي بحياة إنسانة أمر عادي لا يستحق الالتفات إليه.

تعلقت عيناها بموسى أولًا فقد كانت مقتنعة أن الرصاصة خرجت من سلاحه هو، ولكنها تفاجأت به يمسك معصم أخيه ويرفع يده التي كانت تحمل السلاح إلى الأعلى، ثم قال بنبرة باردة تحمل سخرية قاتلة لم تخفها ملامحه الجامدة:

-معلش كان بينضف السلاح.

تجمدت للحظة وهي تحدق فيه غير مصدقة ما تسمعه، أكان ذلك تفسيره حقًا؟ أكان يتعامل مع ما حدث وكأنه حادث بسيط لا يستحق أكثر من هذه الجملة الساخرة؟ ثم أشار إليها بطرف إصبعه إشارة مقتضبة لم تحتمل تأويلًا آخر.

في تلك اللحظة تحركت غريزتها قبل عقلها، واستدارت مندفعة هاربة بأقصى ما تستطيع من سرعة، وكأن الموت يطاردها من الخلف، فتعثرت خطواتها من شدة الارتجاف لكنها لم تتوقف،  لم تكن تعرف إلى أين تذهب، ولم يكن في ذلك المكان كله ركن تشعر فيه بالأمان سوى المطبخ؛ المكان الوحيد الذي تعرف تفاصيله جيدًا، والذي أمضت فيه معظم وقتها منذ وصولها.

دفعت الباب ودخلت بسرعة ثم استندت إليه للحظات وهي تحاول التقاط أنفاسها، شعرت بأن الهواء لا يكفي رئتيها مهما استنشقت منه، فكانت يداها ترتجفان بشدة حتى إنها ضمتهما إلى صدرها محاولة إخفاء اهتزازهما.

وبخطوات متثاقلة توجهت نحو أحد المقاعد الخشبية القريبة وجلست عليه، شعرت بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها أكثر من ذلك، وضعت يدها فوق صدرها محاولة تهدئة ضربات قلبها المتسارعة، بينما راحت أفكارها تتزاحم داخل رأسها بشكل فوضوي، هل كان الأمر حقًا حادثًا عرضيًا؟ أم أن الرصاصة كانت موجهة إليها بالفعل؟ ولماذا بدا الجميع هادئين إلى هذا الحد؟ كلما حاولت إقناع نفسها بأنه مجرد خطأ، عادت لتتذكر نظراتهم الباردة، فتشعر بالخوف يتضاعف داخلها من جديد.

وسط دوامة أفكارها لم تجد شخصًا يمكنها اللجوء إليه سوى أم ناصر، لذلك أخرجت هاتفها خلسة من بين طيات ثيابها، بعد أن تأكدت أن أحدًا لا يراقبها، وارتجفت أصابعها وهي تكتب الرسالة واضطرت إلى مسح الكلمات أكثر من مرة بسبب ارتعاش يدها، وفي النهاية أرسلت إليها رسالة قصيرة تطلب منها فيها أن تراها في أقرب وقت ممكن، أيًّا كانت الطريقة، مؤكدة أن الأمر عاجل ولا يحتمل التأجيل.

فأعادت إخفاء الهاتف داخل صدرها بسرعة، وكأنها تخشى أن يُكتشف أمرها، ثم رفعت يديها المرتجفتين لتعدل وضع حجابها الذي اختل أثناء هروبها، محاولة استعادة شيء من اتزانها المفقود، بعدها رفعت رأسها ببطء نحو باب المطبخ، وظلت تحدق فيه بترقب شديد. 

                                                ***

أما في الحديقة فلم يتغير شيء في هيئة موسى الظاهرية، وكأن الرصاصة التي انطلقت قبل دقائق لم تكن سوى حدث عابر لا يستحق الانفعال، كان جالسًا في مكانه بكل هدوء، مستندًا إلى ظهر مقعده بينما تتنقل عيناه بين والده وأخيه بنظرات غامضة يصعب تفسيرها.

بدا وكأنه يستمتع بحالة الغضب التي تشتعل داخلهما أو ربما كان يتعمد تأجيجها أكثر، وقد تحقق له ذلك بالفعل عندما ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية مستفزة، قبل أن يقول بنبرة صلبة لا تخلو من السخرية:

-عيب اوي لما تنشن متعرفش تجيبها، عيلة عزام المفروض تتبرى منك.

ألقى مصعب السلاح جانبًا بعصبية واضحة، فارتطم بالأرض محدثًا صوتًا حادًا، ثم قال بصوت مكتوم بالغضب:

-ليه هو أنا قتال قتلة زيك، أنا يوم ما فكرت اقتل كانت رصاصتي لواحدة فكرت تهين اسم أمي، نجمة هانم.

كانت نبرته تحمل دفاعًا عن نفسه أكثر مما تحمل هجومًا على أخيه، إلا أن الغضب المتراكم داخله جعله يبدو وكأنه على وشك الانفجار، عندها تدخل والدهما وقد بدا أن غضبه اتخذ منحى آخر تمامًا، فبدلًا من التركيز على الرصاصة التي كادت تصيب فتاة بريئة، انشغل بما اعتبره إهانة موجهة إلى اسم زوجته الراحلة، ووجه نظره الجامد إلى موسى وقال بلهجة صارمة:

-انت ازاي تسمح لواحدة زي بنت الـ*** تهين اسم أمك يا موسى، البت وكأنها قاصدة تكيدنا وتغيظنا، دي أكيد تبع عاصم بيضربنا في اللي يوجعنا.

ظل موسى صامتًا لوهلة ثم مط شفتيه بملل واضح، وكأن الحديث بأكمله لا يستحق اهتمامه، قبل أن يرد ببرود شديد:

-لا مش هو اللي باعتها.

انعقد حاجبا والده أكثر وزفر بقوة وهو يحدق فيه بشك واضح، ثم سأله بحدة:

-وانت متأكد اوي كده ليه؟

رفع موسى يده وأشار بإصبعه إلى رأسه في حركة مستفزة، ثم قال بنبرة هادئة زادت من حنقهما:

-عشان عندي مخ بفكر بيه، وبشغله كمان مش راكنه على الرف ولا سايبه يصدي.

ثم أدار رأسه نحو أخيه وأكمل حديثه متعمدًا أن يجعل كلماته أكثر إيلامًا:

-ومش بفرفشه على حسب المزاج.

كان التلميح واضحًا إلى درجة جعلت وجه مصعب يشتعل غضبًا، انتفض من مكانه قليلًا والتفت إليه بعينين تقدحان شررًا، ثم صاح بعصبية مفرطة:

-قصدك إيه؟

لكن موسى لم يبدُ متأثرًا بثورته، بل على العكس بدا وكأنه وجد في غضبه تسلية جديدة، فمال قليلًا نحوه وربت على فخذه في حركة تحمل قدرًا هائلًا من الاستفزاز ثم قال ساخرًا:

-اقعد يا اخر العنقود، اقعد يا دلوع أبوك، عاصم عمره ما يبعت حد يكدني في أمي، لإنه عارف أنا مش هسكتله وهكيد أم اللي جابت أم اللي جابت امه الله يرحمها.

تنفس موسى بضيق مصطنع، ثم هز رأسه بأسف مبالغ فيه، قبل أن يتمتم بنبرة يختلط فيها العبث بالسخرية:

-كده يا جماعة ينفع نجيب سيرة الميتين، استغفر الله العظيم، مش كفاية الذنوب اللي واحد بيعملها، كمان سيرة الميتين.

ورغم الكلمات التي خرجت منه في هيئة وعظ عابر، إلا أن ملامحه لم تكن توحي بأي ورع حقيقي، بل بدت وكأنها محاولة جديدة للالتفاف حول النقاش والهروب من النقاط التي لا يرغب في مواجهتها، فأبعد مصعب يد أخيه عنه بعنف، وكأن مجرد لمسته تثير داخله نفورًا لا يستطيع إخفاءه، ثم قال بقسوة واضحة:

-موسى فكك من جو الشيوخ اللي بيطلع فجأة ده عشان تهرب من أي ضغط.

ارتفعت إحدى حاجبي موسى باستنكار ساخر، ثم وضع ساقًا فوق الأخرى بكل أريحية، وكأنه يجلس في مجلس لا يخصه أي توتر أو خلاف، وبعد لحظة قصيرة قال بكبرياء ظاهر وغرور متعمد:

-ما عاش ولا كان اللي يضغط عليا يا مصعب.

ثم أشار إلى صدره بإبهامه وأكمل بثقة مستفزة:

-أنا لما حد يفكر يضغطني، ممكن أنفجر في وشه.

توقفت كلماته لحظة ثم مالت ابتسامته إلى جانب فمه وهو يضيف بتهديد:

-وأظن محدش هيحب يجرب انفجاري، هبقى عامل زي النووي كده، أسيب خراب ورايا وأمشي.

كان يتحدث وكأنه يصف حقيقة لا مبالغة فيها، الأمر الذي زاد من اشتعال غضب أخيه، فنهض مصعب من مكانه دفعة واحدة مرة أخرى، حتى تحرك المقعد خلفه بعنف، ثم أشار إليه بإصبع مرتجف من فرط الانفعال وقال بصوت مرتفع:

-شوفت يا بابا اهو بيهدد تاني، انت جايبني ليه اصلاً اقعد معاه، لا عمره احترمني ولا كبرني، دايمًا بيصغر مني.

تابعه عثمان ما يحدث بصمت، بينما ظل موسى جالسًا مكانه دون أن يتحرك، وكأن ثورة أخيه لا تعنيه من قريب أو بعيد،
رفع عينيه إليه ببطء واستقرت نظراته عليه بثبات جعل مصعب يتوقف للحظة، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد كحد السكين:

-لما تنزل لميا بنت عمتك من فوق ودانك هاحبك واكبرك.

لكن موسى لم يكتفِ بذلك، بل أكمل بنبرة أكثر استفزازًا وهو يميل إلى الخلف:

-إن شاء الله حتى لو على أبوك شخصيًا معنديش مانع.

ثم رفع كتفيه بلا مبالاة وأضاف:

-كله صلة رحم في الآخر.

كانت كلماته كافية لإشعال ما تبقى من أعصاب مصعب،
فضرب الطاولة التي أمامه بكل قوته حتى اهتزت بعنف، وتناثرت الأكواب والأشياء الموضوعة فوقها في فوضى عارمة، وارتطم بعضها بالأرض محدثًا ضجيجًا حادًا قطع هدوء الحديقة، فانعقد فك موسى بقوة للحظة وظهرت شرارة غضب خاطفة في عينيه، لكنه سرعان ما أخفاها.

حيث كان واضحًا أنه يبذل جهدًا حقيقيًا للسيطرة على أعصابه، ربما لأنه يعرف جيدًا أن انفلاته هذه المرة لن ينتهي بخير،
أما مصعب فقد بدا أبعد ما يكون عن الاتزان، فعلى صدره وهبط بعنف، وارتجفت يداه من شدة الغضب، بينما صاح في وجه أخيه:

-وإنت مالك ومال لميا أصلًا؟!

ثم تقدم خطوة للأمام وأكمل بانفعال متزايد:

-سيبنا في حالنا يا أخي! إيه اللي حرق دمك بالشكل ده؟

أشار إلى نفسه بعصبية وهو يتابع:

-أصلًا لو اتجوزتها محدش له حق يحكم عليا، دي حياتي وأنا حر فيها.

ثم ضحك ضحكة قصيرة مشوبة بالاستفزاز وأضاف:

-وبعدين يا عم، إنت الخسران ولا أنا؟!

ارتسمت على شفتي موسى ابتسامة مستفزة، تلك الابتسامة التي كانت كفيلة وحدها بإشعال أعصاب مصعب دون حاجة إلى كلمة واحدة إضافية، ثم أجاب بوضوح شديد وبنبرة امتلاك لم تعجبه إطلاقًا:

-وأنا محبش اللي مني يخسروا ولا حد يجي عليه.

ما إن انتهى من جملته حتى شعر مصعب وكأن شيئًا انفجر داخله، واتسعت عيناه بغضب وتحرك في مكانه بعصبية مفرطة، ثم صرخ بأعلى صوته:

-ياعم انت مالك.

وأشار إليه بعنف وهو يكمل:

-حقيقي انت مالك.

كان صوته يعلو أكثر مع كل كلمة، حتى بدت ملامحه أقرب إلى شخص فقد السيطرة على نفسه بالكامل.

-وأنا عمري ما كنت من اللي منك يا موسى.

نهض عثمان من مكانه محاولًا التدخل قبل أن يتطور الأمر أكثر، لكنه بدا منزعجًا أكثر من كونه حازمًا، ونظر إلى ابنه الأصغر وقال بضيق:

-مصعب انت اتجننت احترم اخوك الكبير.

فانفجر موسى ضاحكًا ضحكة عالية لم تحمل أي مرح، بل كانت مليئة بالسخرية والاستهزاء، وللمرة الأولى لم يوجه سخريته إلى مصعب بل صوبها مباشرة نحو والده، وهو يصفق بيديه تصفيقة خفيفة ساخرة، ثم قال:

-لا الحمد لله إنك صحيت يا حج عثمان، لسه فاكر تقوله يحترمني.

تجمد وجه عثمان للحظة، فقد اعتاد وقاحة موسى، لكنه لم يعتد أن تأتي بهذا القدر من الاستخفاف العلني أمام مصعب،
أما مصعب فلم ينتظر رد والده بل أجاب نيابة عنه، وقد تحول غضبه إلى هجوم مباشر:

-عاملني كويس الاول واتعلم احترم اللي حواليك.

اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجه موسى، وحل محلها ذلك البرود المعروف عنه، البرود الذي كان يسبق عادة كلماته الأكثر قسوة، فنهض من مكانه ببطء وسوى ثنيات ملابسه دون استعجال، وكأنه أنهى عرضًا مسليًا بالنسبة له، ثم نظر إلى أخيه نظرة طويلة قبل أن يقول:

-ابوك نسي يربيك ويربيني للأسف، ولا اسكت احسن أبوك يروح عند عمتك ويشتكيني للبلد كلها.

ثم غادر المكان بهدوء ظاهري تاركًا خلفه فوضى من الكلمات الحادة والوجوه المحتقنة، لم يلتفت إلى والده أو أخيه، ولم يهتم بما تركه وراءه من غضب واستياء، وكأن الأمر انتهى بالنسبة إليه بمجرد أن قرر المغادرة، لكن الحقيقة كانت مختلفة،
فخلف ملامحه الجامدة كان غضب دفين يغلي بصمت، غضب اعتاد أن يخفيه خلف سخريته وبروده، حتى صار من الصعب على الآخرين تمييز اللحظة التي يوشك فيها على الانفجار.

كانت عيناه مظلمتين على نحو غير مألوف، وفكه مشدودًا بقوة وهو يشق طريقه عبر أروقة القصر الطويلة، ولكن انتباهه انصرف فجأة إلى شيء آخر، أو بالأحرى... إلى شخص آخر.

فقد لمحها تتسلل خارج المطبخ بحذر واضح، تنظر حولها بين الحين والآخر قبل أن تتابع سيرها بخطوات مترددة عبر أحد الممرات الجانبية، توقفت أفكاره عندها واختفى ما عداها للحظات، راقبها بصمت ثم غير اتجاهه دون تردد، متبعًا إياها بخطوات هادئة تكاد لا تُسمع.
                                              ****
كانت غالية تتحرك بحذر شديد، وكأنها تخشى أن يراها أحد، وحين وصلت إلى نهاية الرواق توقفت أمام نافذة صغيرة تطل على الحديقة، اقتربت منها قليلًا ثم رفعت رأسها تنظر إلى الخارج، فبدت وكأنها تبحث عن شيء ما أو عن شخص ما،
كانت عيناها تجولان في الحديقة بتوتر واضح، قبل أن تهمس لنفسها بصوت خافت:

-راحوا فين دول؟!

وما إن انتهت من كلماتها حتى جاءها صوته من الخلف مباشرة:

-أنا هنا معاكي، بتدوري على مين؟

شهقت غالية شهقة مرتعبة وصرخة قصيرة أفلتت منها دون إرادة، استدارت بسرعة كبيرة حتى كادت تفقد توازنها، وللحظة شعرت أن قلبها توقف عن النبض، فكان يقف قريبًا منها بصورة لم تتوقعها، قريبًا أكثر مما ينبغي مما جعلها تراجعت خطوة غريزية إلى الخلف، لكن ظهرها اصطدم بحافة النافذة، فأدركت أنه لم يعد هناك مجال للابتعاد أكثر، ازدادت أنفاسها اضطرابًا
وحاولت أن تتجنب النظر إليه مباشرة، إلا أن ذلك كان أصعب مما توقعت.

فشعرت بحضوره القريب يربك أفكارها ويشتت تركيزها، بينما وقفت هي متجمدة في مكانها لا تعرف كيف تتصرف، أما هو فكان يراقب ارتباكها بصمت، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة بدت وكأنه يستمتع بردة فعلها أكثر مما ينبغي.

ابتلعت ريقها بصعوبة ثم همست بتوتر:

-ابعد.

مال برأسه قليلًا متظاهرًا بعدم السماع، وقال بنبرة هادئة تحمل قدرًا واضحًا من السخرية:

-إيه؟ مسمعتش؟

رفعت يدها وأشارت إليه بإصبع مرتجف قليلًا، محاولة أن تبدو أكثر حزمًا مما تشعر به في الحقيقة:

-ابعد يا بيه، مينفعش كده.

لكن كلماتها لم تحقق النتيجة المرجوة، بل على العكس فقد ازدادت ابتسامته اتساعًا قليلًا، ثم رفع ذراعيه وأسند كفيه إلى الجدار على جانبيها، ليغلق المسافة المتاحة أمامها دون أن يلمسها، فتجمدت مكانها تمامًا وانخفض رأسها تلقائيًا.

شعرت بحرارة الخجل تزحف إلى وجهها، بينما راحت أنفاسها تتسارع أكثر فأكثر، فأخذ عقلها يبحث بجنون عن أي طريقة للهروب من هذا الموقف، وأي منفذ يمكن أن تنجو عبره من ذلك الحصار المربك، لكنها لم تجد شيئًا، ولم تسمع سوى صوته مجددًا، وهذه المرة كان أكثر هدوءًا وتركيزًا:

-بتدوري على مين؟

رفعت غالية رأسها أخيرًا، فالتقت عيناها بعينيه مباشرة،
للحظة قصيرة بدا وكأن الرواق الضيق اختفى من حولهما، ولم يبقَ سوى ذلك الاشتباك الصامت بين نظراتهما، فكانت عيناه حادتين ونافذتين تحملان قدرًا من التحدي والشك يكفي لإرباك أي شخص يقف أمامه.

أما هي فرغم التوتر الذي يسري في عروقها، أجبرت نفسها على الثبات واستمر الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن تقطعه هي بابتسامة بريئة زائفة وقالت:

-ما انت عارف، عليكم! قولت اشوفهم مشيوا ولا هلاقيني واخدة طلقة في دماغي وأنا معدية.

لم تكد تنهي جملتها حتى تبدلت ملامحه واختفت تلك الابتسامة العابثة التي كانت تزين وجهه، وحل محلها شيء أكثر ظلمة، وفي حركة سريعة أخرج مسدسه من خلف ظهره،
فاتسعت عيناها للحظة وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان قد رفع السلاح ووضع فوهته بجوار رأسها مباشرة، فتجمد جسدها بالكامل، وشعرت ببرودة المعدن قريبة منها بصورة جعلت الدم ينسحب من وجهها، أما هو فمال قليلًا نحوها وهمس بصوت منخفض يحمل تهديدًا صريحًا:

-الطلقة دي هتكون من سلاحي أنا وبإيدي أنا، فعيشي براحتك ومتخافيش من حد إلا مني أنا، دايمًا خافي مني.

اهتز شيء داخلها رغم محاولاتها المستميتة للتماسك، لم تكن خائفة من السلاح وحده، بل من الطريقة التي قال بها كلماته،
ومن الثقة الباردة التي تملأ صوته، ومن إحساس الضعف الذي فرضه عليها للحظة، وقد كرهت ذلك الشعور بشدة، كرهت أن ترى نفسها عاجزة أمامه، بل إن عقلها رسم لها لثانية خاطفة صورة وهي تنتزع السلاح من يده وتوجهه نحوه، كأن جزءًا مظلمًا داخلها كان يحرضها على التمرد، لكنها طردت الفكرة سريعًا، وأجبرت نفسها على الهدوء، ثم قالت ببرود مفاجئ:

-ربنا يهديك.

ارتفع حاجباه معًا في دهشة حقيقية هذه المرة، وأبعد السلاح عنها وهو يحدق فيها وكأنها تحدثت بلغة لا يفهمها، ثم أطلق ضحكة قصيرة متعجبة وقال:

-نعم؟

تنفست غالية ببطء عندما ابتعد خطوة للخلف، وللمرة الأولى منذ دقائق شعرت أن الهواء عاد إلى رئتيها، لكنها لم تتراجع.
بل قررت أن تنتزع زمام الحديث منه، فقالت بنبرة هادئة ظاهرها اللين، بينما كانت كلماتها تحمل انتقادًا حادًا:

-بدعيلك بالهداية يا بيه، أنا من وقت ما جيت القصر ده وحاسة الشياطين منتشرة في كل مكان، لا بجد إيه الشر اللي جواكم ده هو انتوا ازاي عايشين كده يا موسى بيه، ماتعرفوش حاجة عن السلام والطيبة؟!

استمع إليها حتى النهاية، ثم ابتسم لكنها لم تكن ابتسامة إعجاب، بل ابتسامة تهكم واضحة، فقال ساخرًا:

-أنهي سلام؟ سلام زي سلامك كده؟! انتي بعيدة اوي عن أي حاجة تخص السلام، انتي جواكي واحدة شريرة وعايزة تنتقمي؟ من مين وليه؟ ماعرفش! بس هعرف.

لم تتغير ملامحها كثيرًا، بل قالت بهدوء زاده استفزازًا:

-اوقات في ناس بتفتكر كل اللي حواليهم شبههم، يعني الشرير بيشوف الشر في كل الناس، والشكاك بيفتكر الكل بيكدب عليه، واللي قلبه مليان غضب بيشوف الدنيا كلها بتحاربه، الشراني يا بيه عمره ما بيشوف الطيب اللي قدامه، بيدور على نسخة منه وسط الناس.

سألها فجأة بخبث:

-وأنا إيه؟

كادت أن تلقي بابتسامة ساخرة نحوه ولكنها تماسكت وقالت ببراءة متعمدة استفزته لدرجة أنه استمتع بكل كلمة تنطق بها:

-طيب...طيب اوي يا بيه؟ طيب لدرجة انك شكاك في كل اللي حواليك، مبتديش الأمان لحد، بس مسيرك تديني الأمان وتفهمني صح وتعرف إنك ظالمني.

اكتفى بالتحديق بها وسألها بمكر ساخر:

-انتي عارفة الكذاب بيروح فين؟

ردت بنبرة عابثة للغاية وهي ترفع حاجبيها بعدم فهم فكانت تعبيرتها جميلة وتتناسب مع جمال ملامحها:

-النار يا بيه بس ليه؟ 

ضاقت عيناه وهو يحدق فيها طويلًا، كان متأكدًا أنها تستفزه عمدًا، ومتأكدًا أكثر أنها تعرف كيف تدفعه إلى حافة أعصابه بكلمات قليلة، فقال ببرود مخيف:

-هتزوريها قريب على كدبك ده، يلا روحي شوفي شغلك وبعد كده خدي بالك أنا مش بس عيني عليكي أنا بعد عليكي أنفاسك.

كان يقصد أن يخيفها، أن يراها ترتبك أو تتراجع، لكنها فاجأته مرة أخرى، إذ مالت برأسها قليلًا وقالت بجدية مزيفة:

-طيب حاسب لتتلخبط في العد وترجع تعيد من الاول.

حدق فيها موسى وكأنه غير مصدق ما سمعه، أما هي فابتسمت ابتسامة صغيرة سرعان ما أخفتها، ثم قالت:

-بضحك معاك يا بيه، مبتعرفش تضحك، الابتسامة في وجه أخيك صدقة!

كادت عضلة في فكه أن تتحرك من شدة محاولته كبت رد فعله، فهي كانت أول شخص منذ زمن طويل يتعامل مع تهديداته وكأنها مجرد كلمات عابرة، وأول شخص يرد على سخريته بسخرية مماثلة دون خوف ظاهر، أما غالية فقد استغلت لحظة صمته وانحنت برأسها قليلًا استعدادًا للمغادرة وهي تقول بأدب:

-عن إذنك يا بيه، تأمرني بحاجة؟!

لم يجب فورًا، بل ظل ينظر إليها بطريقة مختلفة هذه المرة، وكأنه يحاول فهمها، أو فك لغز يزداد تعقيدًا كلما اقترب منه، ثم قال أخيرًا بصوت هادئ على غير عادته:

-سلامتك، عايز سلامتك، عشان دي بقت اهم حاجة عندي دلوقتي.

ارتبكت وهي تمر من جانبه ولكنها استمعت إليه يهمس بنبرة عابثة:

-الشباك ده مبيبصش على الجنينة الكبيرة، دي جنينة تانية صغيرة، بلاش تبصي فيها كتير وبالذات بليل عشان فيها عفاريت.

ابتلعت لعابها بقوة وهي تحرك رأسها بخفة على غبائها، وقد سارت بسرعة كبيرة مبتعدة عن مرماه، بينما هو ظل ينظر في أثرها بهدوء شديد وتفكير غامض.

                                            ****
في اليوم التالي..

ظل الوضع على حاله دون أي تغيير يُذكر، لم يطرق باب العيادة مريض واحد منذ أن فتحت أبوابها في الصباح، وكأن المكان قد كُتب عليه الصمت منذ أيامه الأولى، جلست خلف مكتبها الصغير، تستند بمرفقها إلى سطحه الخشبي وتضع كفها أسفل ذقنها، بينما كانت عيناها شاردتين في الفراغ، لم يكن الملل وحده ما يرهق روحها بل كانت الهموم تتزاحم داخل رأسها حتى كادت تخنقها.

ألقت عائشة نظرة طويلة على أرجاء العيادة بعدما أنفقت معظم ما ادخرته طوال سنوات عملها في القاهرة، لقد كانت تتخيل أنها بعد انتقالها إلى تلك البلدة، ستبدأ حياة جديدة وتؤسس مكانًا يليق بخبرتها واسمها، لكن الواقع كان أكثر قسوة مما توقعت، فلا مرضى ولا دخل ولا حتى بارقة أمل توحي بأن الأيام القادمة ستكون أفضل.

زفرت ببطء ثم فتحت حقيبتها الجلدية وأخرجت محفظتها الشخصية، وراحت تعد ما تبقى معها من نقود للمرة التي لا تعرف عددها خلال ذلك الأسبوع، قبل أن يتبدل لون وجهها شيئًا فشيئًا، فقد أوشكت الأموال التي سحبتها من البنك قبل مجيئها إلى الوادي وما بقي منها بالكاد يكفي لتسيير أمورها لأيام معدودة.

أغلقت المحفظة ببطء شديد وكأنها بذلك تغلق آخر أبواب الاطمئنان في حياتها، أخذت تفكر في مصاريف أطفالها ونفقاتها الشخصية هي وخالتها، ومع كل فكرة كانت تشعر بأن الجدار يضيق حولها أكثر، حتى أصبح التنفس نفسه مهمة شاقة.

ورغم محاولاتها المستميتة لإبعاد تفكيرها عن عاصم، فإن عقلها كان يعود إليه في كل مرة دون استئذان، لم يكن وجوده في حياتها مجرد عبء نفسي، بل أصبح عائقًا أمام كل قرار تحاول اتخاذه، وكلما فكرت في البقاء داخل تلك البلدة، وجدت نفسها تصطدم بالعقبات ذاتها بينما كانت فكرة العودة إلى القاهرة تبدو أكثر منطقية مع مرور الوقت.

 لكنها كانت تدرك أن العودة لن تكون سهلة أبدًا، فإقناع عاصم بالسماح لها بالمغادرة لن يكون أمرًا يسيرًا، والأسوأ من ذلك أنها تخشى أن يستغل الأمر لينتزع منها أطفالها، وهي الفكرة التي كانت تبث الرعب في قلبها كلما خطرت على بالها.

أغمضت عينيها للحظات محاولة استعادة هدوئها، إلا أن طرقات خافتة على باب العيادة قطعت سلسلة أفكارها دفعة واحدة،
انتفضت من مكانها في الحال واستعادت شيئًا من حماسها وهي تظن أن أول مريض قد جاء أخيرًا، فعدلت من هيئتها سريعًا ورسمت على وجهها ابتسامة مهنية، ثم سمحت للطارق بالدخول.

لكن ابتسامتها اختفت في اللحظة التالية، عندما دخل رجل ملثم بخطوات هادئة فأصابها الذعر وتراجعت خطوة إلى الخلف، وقد تسارعت أنفاسها وهي تحدق فيه بحذر شديد،
فقالت بتوتر واضح:

-انت مين؟!

رفع الرجل يده ببطء ثم أزاح اللثام عن وجهه، لتظهر ملامحه التي تعرفت إليها فورًا، فارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يقول:

-أنا الشيخ اللي كنت قبلتك قبل كده يا بنتي!

انخفض توترها قليلًا لكنها لم تستعد اطمئنانها بالكامل، أشارت إليه بالجلوس وهي تقول بصوت ما زال يحمل أثر الارتباك:

-اتفضل يا شيخ....معلش كنت قولتلي اسمك إيه؟!

توقف لثوانٍ وغابت عيناه في شرود قصير، فكان يعلم أن ذكر اسمه الحقيقي قد يورطه إذا أخبرت عاصم بزيارته، لذلك لم يتردد في اختراع اسم آخر، فعاد ينظر إليها بثبات وقال في هدوء:

-أنا الشيخ عبد الحميد، معلش إن كنت خوفتك، بس رجالة عاصم عزام مبيسبوش حد في حاله؟

تأملته عائشة في صمت ثم رفعت حاجبيها باستغراب وقالت:

-وانت خايف من عاصم أو رجالته ليه؟

جلس في مكانه براحة وأسند ظهره إلى المقعد، ثم أطلق ضحكة خافتة امتزجت بشيء من السخرية وهو يجيب:

-عشان أكيد هيسألك وانتي هتقوليله عني وهتقوليله السبب اللي بجيلك عشانه، وهو وقتها مش هيسيبني في حالي.

قطبت جبينها وقالت في تعجب صادق:

-هيعملك إيه يعني؟ 

اتسعت ابتسامته الساخرة وهز رأسه ببطء كأن السؤال نفسه يثير دهشته، ثم قال:

-يوووووه كتير، انتي شكلك متعرفيش عاصم عزام!!!

ساد الصمت من قبلها للحظات بينما راحت عائشة تراقب ملامحه بعينين تضيقان شيئًا فشيئًا، فلم تستطع تحديد إن كان الرجل يحاول إخافتها عمدًا، أم أنه يتحدث عن تجربة عاشها بالفعل، لكن نبرة صوته كانت تحمل قدرًا من اليقين جعل كلماتِه تترك أثرًا في نفسها رغم محاولتها تجاهله.

تنهدت بهدوء ثم شبكت أصابعها فوق المكتب وقالت بحذر واضح:

-لا أعرفه كويس، بس اللي مش فاهمة إيه إصرارك انك تكلمني في موضوع أهلي، مش انت جاي تكلمني بردوا في موضوع أهلي؟

ثبت الشيخ نظره عليها للحظات طويلة وغابت الابتسامة عن وجهه تمامًا، فأخذ نفسًا عميقًا وكأنه كان يستعد لفتح باب ظل موصدًا لسنوات ثم قال بصوت هادئ لا يخلو من الغموض:

-الله ينور عليكي قصرتي عليا كتير، أنا يا بنتي بعمل خير، وبرجع الود والمحبة بينك وبين أهلك، وكله لوجه الله.

انعقد حاجباه في أسف وأطرق برأسه لحظة قبل أن يرفع عينيه إليها من جديد، فكان يتحدث بهدوء شديد وكأن كل كلمة يختارها بعناية حتى لا ينفرها أكثر:

-طيب يا شيخ عبد الحميد حقيقي أنا مقدرة مجهودك وانت بتعمل خير، بس أنا مش عايزة أي تواصل ما بيني وبينهم.

انعقد حاجباه في أسف وأطرق برأسه لحظة قبل أن يرفع عينيه إليها من جديد، فكان يتحدث بهدوء شديد وكأن كل كلمة يختارها بعناية حتى لا ينفرها أكثر:

-ليه يا بنتي الجحود ده، اهلك حقيقي عرفوا غلطهم من ناحيتك وعايزين يرجعوا الود تاني ما بينكم، طيب اديهم فرصة.

لم تستطع منع ابتسامة ساخرة من الظهور على شفتيها، لكنها كانت ابتسامة تحمل مرارة سنوات لا استهزاء بالرجل نفسه،
فقالت بصرامة وهي تنظر إليه مباشرة:

-هو أصلاً عمر ما كان فيه بينا ود، هما باين فهموك غلط.

ساد الصمت للحظات ولم يبدُ على الشيخ أي انفعال، بل ظل ينظر إليها بعينين يغلب عليهما الأسى الزائف، ثم قال بصوت خفيض:

-يا بنتي اللي مالوش اهل في الدنيا دي بيداس، خدي من اهلك عزوة وسند وطالما هما مادين ايدهم مترفضيهاش، ونصيحة مني اقعدي معاهم واسمعيهم.

أخذت عائشة شهيقًا عميقًا ثم أجابت ببرود واضح:

-خليهم يجوا هنا واسمعهم.

ارتسمت على وجه الشيخ ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت، ثم هز رأسه نافيًا:

-لا يبقى انتي ناوية عاصم عزام يولع نار في الوادي، واهل الوادي مش هيسكتوا أساسًا.

عقدت حاجبيها في حيرة وقد بدأت تشعر أن هناك خيوطًا كثيرة تنقصها لفهم ما يجري حولها، فقالت باستغراب:

-ليه هما عملوا إيه، خلوا كل الناس تكرههم كده؟!

تنهد الشيخ تنهيدة طويلة وكأن السؤال أعاده سنوات إلى الوراء، ثم قال:

-لا مش هما بس أهل الوادي بيكرهوا أي حد من رشيد والعكس بردو، وطالما عايزة تعرفي، يبقى تعرفي من صحاب الشأن، عن إذنك.

توقفت عائشة عن الكلام وأخذت تراقب ملامحه في صمت، فكانت تشعر أن الرجل يعرف أكثر بكثير مما يقوله، لكنه يتعمد كشف الأمور بالتدريج، فنهض الشيخ من مقعده ببط، وأعاد ترتيب عباءته، ثم وضع كفه على الوشاح واخفى وجهه واستدار نحو الباب، وقبل أن يغادر التفت إليها للمرة الأخيرة وقال بنبرة امتزج فيها الرجاء باليقين:

-ادي فرصة لعمك وردي عليهم يا دكتورة.

ثم خرج بهدوء كما دخل وأغلق الباب خلفه برفق، فبقيت عائشة جالسة مكانها تحدق في الباب المغلق، بينما كانت كلماته تتردد داخل رأسها بلا توقف، ورغم تمسكها برفضها فإن فضولًا غريبًا بدأ يتسلل إلى قلبها، يدفعها للتساؤل عما جرى بين عائلتها وأهل الوادي.

لم تمضِ سوى لحظات على مغادرة الشيخ حتى انفتح باب العيادة مرة أخرى، وأطلت شريهان برأسها إلى الداخل، وقد بدت على وجهها علامات الاستغراب والقلق، فكانت قد لمحته من الأعلى وهو يغادر بخطوات متعجلة، يخفي ملامحه خلف لثامه، فأثار ذلك فضولها على الفور.

دخلت وهي تنظر نحو الباب الذي خرج منه الرجل قبل قليل، ثم التفتت إلى عائشة قائلة بقلق:

-مين ده يا عائشة، ومخبي وشه ليه، شوفته وأنا بنشر الغسيل وهو خارج.

تنهدت عائشة وهي تستند إلى ظهر المقعد ثم أجابت بهدوء:

-ده الشيخ اللي كنت حكيتلك عنه قبل كده، ومخبي وشه خايف ان عاصم يعرف انه له يد في الصلح بيني وبين اهلي.

عقدت شريهان حاجبيها بدهشة وقالت:

-وعاصم هيعملوه ايه؟

هزت عائشة كتفيها في حيرة ثم قالت:

-معرفش، بس خالتو انتي متفتكريش ماما مثلا حكتلك عن غلطة اهل بابا عملوها زمان فخلوا كل الناس تكرههم.

جلست شريهان على المقعد المقابل لها وأطلقت زفرة طويلة قبل أن تجيب:

-لا أمك أصلاً مكنتش بتحبهم ولا هما بيحبوها، وابوكي على قد حبه ليها إلا إنه كان ودني وأي حاجة من ناحية اهله يخبيها ويرفض يحكيها، وبعدين انتي مالك باللي عملوه.

نظرت إليها عائشة نظرة طويلة ثم قالت بنبرة جادة يغلب عليها الإصرار:

-لا ليا طالما هعيش هنا في المكان ده لازم افهم كل حاجة، على الأقل يبقى عندي رد لأي حاجة.

هزت شريهان رأسها وقالت ببساطة:

-خلاص اسألي عاصم.

ابتسمت عائشة ابتسامة خالية من المرح، وقالت وهي تهز رأسها بالنفي:

-سألته كذا مرة رفض يقولي، أنا مش هسأله تاني، والمرادي هسأل أعمامي نفسهم.

شهقت شريهان واتسعت عيناها في ذهول وهي تقول:

-يا خرابي! انتي ناوية تقابليهم يا عائشة بجد؟

أومأت برأسها في هدوء وقد بدا القرار محسومًا بالنسبة إليها وقالت:

-اه، اشوف عايزين مني إيه!  حرفيا كلهم بيتصلوا بيا ومبردش، وكمان عندي أسئلة كتير محتاجة عليها إجابات واضحة منهم.

بدت شريهان أكثر توترًا وأخذت تعبث بطرف عباءتها وهي تقول:

-طيب هتروحي هناك ازاي، مش بتقولي في واد بلطجي هناك وقليل الادب.

تنهدت عائشة وقالت بثقة هادئة:

-قبل ما اروح لازم استأذن عشان مجابش مشاكل لعاصم ولا لحد، كفاية لغاية كده شيلته همي اوي.

رمقتها شريهان بنظرة ممتلئة بالقلق ثم قالت بحزم:

-طيب اعملي في حسابك هجي معاكي مش هسيبك.

ابتسمت عائشة ابتسامة صغيرة امتزج فيها الامتنان بالحنان، ثم مدت يدها وربتت على يد خالتها برفق:

-لا أنا عارفة كويس إنك مبتحبهمش ولا بتطقيهم خليكي هنا عشان كمان عاصم مياخدش باله والولاد يفضلوا معاكي.

قطبت شريهان جبينها وقالت باعتراض:

-والولاد أهم من سلامتك يعني؟

ابتسمت عائشة ابتسامة مطمئنة وقالت بهدوء:

-سلامتي هتبقى أحسن لما أبقى مطمنة عليهم، خليكي معاهم وكمان عاصم ميحسش بحاجة ولا ياخد باله إني خرجت مخصوص أقابلهم، لحد ما أعرف الحقيقة... مش عايزة أكبر الموضوع.

نظرت إليها شريهان طويلًا وقد أدركت من ملامحها أن قرارها لم يعد يقبل النقاش، فاكتفت بإطلاق زفرة ثقيلة بينما تسلل إلى قلبها شعور غامض بأن تلك الزيارة لن تكون عادية، وأن الماضي الذي ظل مدفونًا لسنوات طويلة يستعد أخيرًا ليكشف عن وجهه الحقيقي.

أما عائشة فظلت صامتة لعدة لحظات تحدق في شاشة هاتفها وكأنها تخوض معركة صامتة مع نفسها، فكانت أصابعها تتحرك فوق الشاشة ثم تتراجع، وكأنها تعجز عن اتخاذ القرار الأخير، لم تكن ترغب في سماع أصواتهم، ولا في استعادة ذكريات حاولت دفنها لسنوات، لكن فضولها لمعرفة الحقيقة كان أقوى من عنادها.

أغمضت عينيها لبرهة ثم سحبت نفسًا عميقًا، وضغطت على اسم عمها، ارتفع رنين الهاتف عدة مرات لكنها لم تنتظر طويلًا، إذ جاءها صوت عمها فهمي سريعًا، وكأنه كان ممسكًا بالهاتف ينتظر تلك اللحظة منذ أيام، ثم قال بلهفة امتزجت بفرحة لم يحاول إخفاءها:

-اهلاً يا بنت اخويا، أخيرًا قررتي تردي عليا!

زمت عائشة شفتيها في ضيق، وشعرت بانقباض في صدرها بمجرد سماع صوته، لم يكن الأمر كرهًا لشخصه وحده، وإنما لأن ذلك الصوت أعاد إليها سنوات كاملة من الجراح والخذلان، ومع ذلك تماسكت وأجبرت نفسها على مواصلة الحديث،
فقالت بوجه جامد ونبرة خالية من أي دفء:

-الشيخ عبد الحميد له فضل يخليني اتراجع عن قراري وارد عليكم بعد اللي عملتوه فيا آخر مرة.

ساد الصمت للحظة قبل أن يصلها صوته هذه المرة أكثر خفوتًا، وقد غلب عليه الخجل والندم الزائف:

-معلش يا بنتي، كانت ساعة شيطان ودلوقتي احنا حابين نرجع الود.

أغمضت عينيها في ضيق ثم قاطعته بلهجة حاسمة:

-قبل ما اوافق اسمعكم، محتاجة تجاوبوني على شوية أسئلة.

أجابها بسرعة، وكأنه يخشى أن تتراجع عن قرارها:

-وماله يا بنتي تعالي، وإحنا هنجاوبك على كل اللي إنتِ عايزاه.

توقفت عائشة لحظة وكأنها ترتب كلماتها بعناية، ثم قالت بصوت جامد فاجأه:

-محتاجة رقم اللي اسمه موسى ده، مش هو كبيركم؟ قبل ما اجاي لازم يكون عارف عشان ميحصلش أي مشاكل، يا تكلموه انتوا يا اكلمه أنا ويستحسن أكلمه أنا عشان اتاكد بنفسي إن مفيش أي مشاكل.

طال الصمت هذه المرة حتى خُيل إليها أن الاتصال انقطع، قبل أن يأتيها صوته مترددًا وقد بدا عليه التعجب من طلبها:

-حاضر يا بنتي.

لم تُضف شيئًا آخر، أنهت المكالمة بهدوء ثم أنزلت الهاتف من على أذنها، وأطلقت زفرة طويلة خرج معها جزء من التوتر الذي كان يعتصر صدرها منذ بداية الاتصال، فرفعت رأسها نحو شريهان التي كانت تراقبها في صمت طوال المكالمة، وقالت بصوت حاولت أن تجعله قويًا، لكنه خرج مهتزًا رغمًا عنها:

-كده صح وهرتاح وأنا هناك أكتر.

هزت شريهان رأسها في صمت، لكنها لم تستطع إخفاء القلق المرتسم في عينيها، فكانت تعرف أن عائشة تحاول أن تبدو ثابتة، إلا أنها كانت ترى ارتجافة أصابعها وهي لا تزال تقبض على الهاتف.

أما عائشة فأسندت ظهرها إلى المقعد وأراحت رأسها للحظة، بينما أخذت تحدق في السقف بشرود، لقد اتخذت الخطوة الأولى نحو الماضي... ولم يعد أمامها سوى أن تواجهه، مهما كانت الحقيقة التي تنتظرها هناك.
                                            ****
في رشيد...

ما إن أنهى الحاج فهمي المكالمة حتى أنزل الهاتف ببطء، وظل ينظر أمامه في شرود، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الحيرة والفضول معًا، فكان يدرك أن ما أقدمت ابنة أخيه على التفكير فيه ليس بالأمر الهين، وأن كل خطوة تخطوها قد تجر خلفها تبعات لا يمكن التنبؤ بها، فأخذ يقلب الأمر في رأسه، بينما خيم الصمت على المجلس للحظات، وكأن الجميع ينتظر من يكسر ذلك السكون الغريب.

عندها تقدمت فايزة عزام قليلًا وأسندت ظهرها إلى المقعد، ثم قالت بصوت واثق لا يخلو من الحزم:

-انت خايف من إيه يا حاج فهمي، بنت اخوك بتفهم في الأصول وفعلاً قبل ما تخطي رشيد لازم تعرف كبيرها.

لم يعجب كوثر السوالمي ذلك الحديث فاعتدلت في جلستها، وقد انعقد حاجباها في ضيق واضح، ثم قالت بنبرة حملت شيئًا من الاعتراض والهجوم:

-انتي مش على بالك حاجة يا فايزة متزعليش مني، وموسى ابن اخوكي مش هيسكت.

ارتسمت على شفتي فايزة ابتسامة جانبية توحي بما تخفيه أكثر مما تظهره، ثم نظرت إليها نظرة ماكرة وقالت بشر دفين:

-لا ده واطي وخبيث وهيسكت ويعديها عشان يكيد في عاصم محدش يعرفه قدي.

ثم حولت بصرها إلى الجميع وأخذت تتحدث بثقة وكأنها تلقي عليهم خطة أعدتها بعناية منذ زمن:

-يا جماعة أنا جيتلكم عشان اساعدكم ومش عايزة غير الخير ليكم، أنا عمري ما انسى وقفتكم معانا زمان، لولاكم مكنش بقى في رشيد أصلاً، بس عشان بنت اخوكم تيجي هنا وتمهد دخولكم للوادي لازم الراسين الكبار يوافقوا والدكتورة هي اللي في ايدها كده، وبعدين اكسبوها في صفكم وهتاخدوا شهد عاصم عزام في حجركم طالما طلعت مراته ومخلفة منه عيلين.

ساد الصمت مجددًا إلا أن كلماتها بقيت تتردد داخل عقولهم، فقد كانت تتحدث بثقة العارف بخفايا الأمور، وتنتقي ألفاظها بعناية حتى تبدو نصيحتها خالصة لوجه المصلحة، بينما كانت تخفي خلف كل كلمة مقصدًا آخر لا يدركه الحاضرون.

فكان الحاج فهمي يرمقها بنظرات متفحصة، يحاول أن يستشف ما وراء حديثها، بينما أخذت كوثر تراقب ملامحها في صمت، فهي تعرف أن فايزة عزام لا تتحرك بدافع الخير وحده، وأن وراء ابتسامتها الهادئة نارًا لم تنطفئ بعد، أما جمال فكان في عالم آخر لا يعرف عنه أحد 

نهضت فايزة من مكانها بهدوء وسوت طرف عباءتها، ثم ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت:

-فكروا واوعوا تعملوا حركة غدر.

ثم غادرت المنزل بخطوات متأنية لا تبدو عليها العجلة، وكأنها تعلم أن البذرة التي ألقتها في نفوسهم ستنبت وحدها دون حاجة إلى مزيد من الكلام، ولم تكن تلك الزيارة وليدة الصدفة؛ فقد جاءت إليهم قبل يومين على نحو مفاجئ، وعرضت عليهم مساعدتها في إعادة الود بينهم، بينما كانت في الحقيقة تنسج خيوطًا معقدة لخطة لا يعلمها أحد.

فهي صاحبة الفكرة التي أوحت بها إلى الشيخ فراس حين نصحته بأن يتظاهر بالورع والزهد أمام عائشة، حتى يلين قلبها ويطمئن عقلها إليه، وقد آتت تلك الحيلة ثمارها على نحو فاق توقعاتها، حتى أصبحت الخطوة التالية أقرب من أي وقت مضى، وها هي ترى أن الدكتورة ستدخل قلب رشيد بنفسها، دون أن تضطر هي إلى بذل جهد كبير.

كانت تشعر أن رقعة الشطرنج بدأت تتحرك كما تريد تمامًا، وأن كل قطعة تسير إلى مكانها دون أن تدري أنها تُقاد بإرادتها هي،
وما إن ابتعدت عن المنزل حتى أخرجت هاتفها واتصلت بابنتها لمياء، وما إن أجابتها حتى انطلقت ضحكة ممتزجة بالحقد والشماتة، وقالت:

-النهاردة هخدلك حقك، البت الدكتورة شكلها هتيجي رشيد ولو موسى وافق، ولو جت وديني لأبعت خبر لعاصم واخليها مجزرة هنا في رشيد وكله فوق راس موسى وترجع بحور دم من تاني، أنا جاية وحكيلك كل حاجة.

أنهت المكالمة ثم أغلقت الهاتف ببطء، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة لم تحمل ذرة رحمة، ورفعت رأسها إلى السماء وهي تتمتم بحماس، وقد تلألأت في عينيها شرارة انتقام طال انتظارها:

-والله يا دكتورة سهلتي عليا كتير اوي وقصرتي الطريق من غير أي مجهود.

                                             ****
دخلت غالية المطبخ بخطواتٍ متعجلة، وما تزال أنفاسها تحمل أثر المكالمة التي أنهتها قبل لحظات مع أختها، فكانت قد أسرعت إليه بعد أن أغلقت الهاتف، وقد خف عنها بعض القلق بعدما اطمأنت عليها أخيرًا.

دفعت باب المطبخ برفق وهي تتوقع أن تستقبلها الحركة المعتادة؛ أصوات الأواني المتصادمة وهمسات الخدم المتداخلة، ورائحة الطعام التي اعتادت أن تملأ المكان في مثل هذا الوقت، ولكن السكون الذي استقبلها كان غريبًا، حتى إنها توقفت عند العتبة دون أن تخطو خطوة أخرى.

جالت بعينيها في أنحاء المطبخ الواسع، فوجدته خاليًا تمامًا من الخدم، وكأن الجميع اختفى في اللحظة نفسها، انعقد حاجباها في دهشة واضحة وارتسمت على وجهها علامات الاستفهام، بينما راحت تتلفت حولها في حيرة، تحاول أن تفهم سبب ذلك الفراغ المفاجئ.

لكن دهشتها ما لبثت أن تحولت إلى صدمة، فقد استقرت عيناها على موسى، الذي كان يقف بكل هدوء إلى جوار الموقد، وكأنه صاحب المكان الوحيد، كان ممسكًا بالإناء الفخاري الذي وضع به قهوته، يقلب محتواه بملعقة صغيرة في بطء، بينما يدندن بكلمات أغنية شهيرة، وقد بدا مستمتعًا بها إلى حدٍ أثار استغرابها.

فقال بصوتٍ خافت في البداية ثم أخذ صوته يعلو تدريجيًا مع اللحن:

-وليه طيب؟ عشان طيب! عشان يعني اللي في قلبي على لساني، بتكسرني وتخسرني بتخسر حب مش سهل تلاقيه تاني.

أنهى المقطع ثم هز رأسه بإعجاب مصطنع، وكأن كلمات الأغنية قد لامست شيئًا في داخله، قبل أن يزفر زفرة قصيرة ويقول بسخرية واضحة:

-بهاء سلطان ده عليه حاجات بتوصف أحاسيس الواحد.

ثم التفت إليها ببطء وقد لمح وقوفها عند الباب، فارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية مستفزة، وأرسل إليها غمزة متعمدة قبل أن يقول بضحكة ساخرة:

-ينفع ادخل المطبخ مالاقكيش واضطر اعمل قهوتي بنفسي.

شعرت غالية بوخزة ضيق وهي تنظر إليه، فلم تكن تدري أهو يمزح أم يتعمد استفزازها كعادته، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا؛ أن الوقوف أمامه يتطلب حذرًا شديدًا، فهو لا يمكن توقع ردود أفعاله، وقد ينقلب مزاحه إلى غضب في لحظة واحدة.

ابتلعت ريقها ثم تحركت نحوه بخطوات متعجلة، لكنها بقيت حذرة في كل حركة، حتى وقفت بجواره مباشرة، مدت يدها بهدوء وأخذت الملعقة الصغيرة من بين أصابعه، محاولة إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن، ثم قالت بنبرة امتزج فيها التوتر بالاعتذار:

-هات يا بيه وأنا اعملها، معلش كنت بكلم أختي بطمن عليها.

ترك لها الملعقة دون مقاومة لكنه لم يبتعد، بل ظل واقفًا إلى جوارها، قريبًا منها بما يكفي ليزيد توترها، عقد ذراعيه أمام صدره وأخذ يراقبها وهي تتولى تقليب مزيج القهوة بعينين ثابتتين، حتى شعرت بثقل نظراته على حركاتها.

ساد صمت قصير في الأجواء لم يقطعه سوى صوت الملعقة وهي تصطدم بجدار الإناء الفخاري في إيقاع هادئ، ثم خرج صوته خشنًا وباردًا، خاليًا من أي لين:

-استأذنتي؟!

توقفت يدها عن الحركة للحظة وظنت أنها لم تسمع جيدًا،
رفعت رأسها إليه ببطء وعقدت حاجبيها في استنكار، ثم نظرت إليه بسخرية واضحة وهي تتعمد التوقف عن تقليب القهوة وقالت:

-نعم؟!

ثبت نظره عليها ولم يتغير شيء في ملامحه، فكان ينظر إليها بجدية جعلت سؤاله يبدو أشبه باستجواب لا يحتمل المزاح،
أعاد السؤال ولكن هذه المرة بصورة أوضح، وبنبرة أكثر صرامة، وهو ينطق كل كلمة ببطء مقصود:

-استأذنتي قبل ما تكلميها؟؟

اتسعت عيناها قليلًا من فرط الدهشة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة لم تستطع منعها، لكنها سرعان ما أخفتها وهي تتذكر مع مَن تتحدث، ورغم الحذر الذي كانت تتمسك به بكل قوتها حتى لا تجر على نفسها متاعب جديدة مع ذلك المجنون، فإن استغرابها كان أكبر من أن تخفيه، فقالت بسخرية مبطنة:

-هو أنا عشان اكلم اختي استأذن؟! ده في عرف مين؟!

ظل ينظر إليها لحظة كاملة دون أن يرمش، ثم رفع يده وأشار إلى نفسه بكبرياء متعمد، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة متغطرسة زادتها نبرة صوته فظاظة، وقال:

-في عرفي أنا!

هزت رأسها بإيجاب ساخر، ثم ألقت الملعقة إلى جوارها في هدوء متعمد، واكتفت بمراقبة القهوة وهي تغلي ببطء فوق الموقد، فانعكس لونها الداكن على عينيها الشاردتين، بينما خرج صوتها مملوءًا بملل واضح، وكأنها قررت مجاراته بدلًا من الدخول في نقاش تعلم مسبقًا أنه لن ينتهي:

-اه، طيب يا بيه ولو إن ماعرفش ليه! بس حاضر.

ما إن أنهت عبارتها حتى مال موسى برأسه إلى أحد الجانبين، وقد تبدلت ملامحه فجأة، فاختفت القسوة التي كانت تكسو وجهه قبل لحظات، وحل محلها تعبير مستمتع، واتسعت ابتسامته حتى بدت أشبه بابتسامة طفل وجد لعبة جديدة يلهو بها، فتأملها لثوانٍ ثم سألها وهو يضحك ضحكة واسعة يغلب عليها العبث:

-حاسك بتاخديني على قد عقلي؟

رفعت كتفيها بلا مبالاة وكأن السؤال لا يستحق منها تفكيرًا طويلًا، ثم ضحكت ضحكة صغيرة خرجت منها بعفوية لم تحاول إخفاءها، بل بدت وكأنها تؤكد حديثه بكل جرأة وقالت:

-أكل العيش يا بيه!

رفع يده وأشار بإصبعه نحو فمها في جرأة خالية من أي حرج، ثم قال بنبرة يغمرها شر دفين، رغم بقاء ابتسامته على شفتيه:

-لسانك عايز قطعه، بوظتي مزاجي.

اختفت ابتسامتها تدريجيًا وتراجعت خطوة إلى الخلف بحذر، واضعة مسافة بسيطة بينهما، ثم سألته ببرود متعمد، بعدما شعرت أنها نالت القدر الكافي من إثارة أعصابه لهذا اليوم:

-طيب اطلع برة واسيبك تغني انت وبهاء سلطان؟

استدارت لتغادر لكنها لم تكمل سوى خطوة واحدة، فجاءها صوته حاسمًا، فأجبرها على التوقف في مكانها:

-لا...

التفتت إليه باستغراب فإذا به ينظر إليها نظرة غريبة، ثم قال بجرأة فجة لم تكن تتوقعها:

-اقفي وقوليلي إيه رأيك في أحاسيسي؟!

اتسعت عيناها ثم زفرت أنفاسها في ضيق، وأغمضت عينيها لثانية وكأنها تستعيذ بالله من غرابة ما تسمعه، وعندما أعادت النظر إليه كانت تحذره بعينيها أكثر مما تفعل كلماتها، وقالت بانزعاج واضح:

-لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بيه الكلام ده ميصحش ما بينا.

انعقد حاجباه في دهشة صادقة، حتى إنه نظر إليها وكأنها هي من تتحدث بكلام لا يُفهم، ثم قال بنبرة استنكارية، بينما ارتسمت على وجهه ملامح الحيرة:

-كلام إيه؟ أنا بقولك إيه رأيك في إحساسي بالغدر من ناحيتها، هي ليه أصلاً تعمل فيا كده؟!

ازدادت حيرتها وراحت تحدق في وجهه محاولة استكشاف ما إذا كان يمزح أم يتحدث بجد، لكنها لم تجد سوى تلك الملامح الغامضة التي اعتادت أن تربكها، وفي الوقت نفسه كانت تراقب القهوة التي قاربت على النضج حتى لا تفور، وأخيرًا سألت بفضول امتزج بالحذر:

-هي مين يا بيه؟ 

هز كتفيه بلا اكتراث ثم قال بنبرة عادية للغاية، فكانت غرابتها هي أكثر ما بث الخوف في قلبها:

-معرفش، بس عيشي معايا إحساس بالخيانة، عشان نفكر في الانتقام الصح.

تنهدت بغيظ وشعرت أن محاولة فهمه مضيعة حقيقية للوقت، فهو ينتقل من فكرة إلى أخرى دون أي مقدمات، حتى بات جنونه أمرًا يصعب التنبؤ به، فأطفأت النار أسفل الإناء الصغير ثم صبت القهوة في الفنجان بعناية، قبل أن تتقدم نحوه وتمده إليه وهي تقول بنبرة هادئة، امتزج فيها النصح بشيء من الشفقة:

-حاول تفكر في الخير، بلاش تفكيرك يبقى كله شر، عشان نفسيتك، أنا خايفة عليك والله.

ثم قالت بابتسامة مستفزة:

-اتفضل يا بيه قهوتك اهي.

تناول موسى الفنجان من يدها دون أن يقول كلمة، وظلت عيناها تراقبانه في انتظار أن يرتشف أول رشفة، لكنه وعلى غير المتوقع استدار في هدوء تام نحو الحوض، ثم أمال الفنجان وسكب القهوة كلها داخله دفعة واحدة، دون أن يتذوق منها قطرة واحدة، فظل ينظر إلى القهوة وهي تنساب داخل الحوض، ثم التفت إليها مبتسمًا ابتسامة مستفزة مقصودة، وقال بمنتهى البرود:

-مبشربش قهوة معجبتنيش.

تجمدت في مكانها لثوانٍ، ثم تكورت أصابعها في قبضة مشدودة من شدة الغضب، واشتعلت عيناها وهي تهتف بنبرة كادت تتحول إلى هجوم صريح:

-وانت كنت شربتها؟!

وقبل أن يجيبها دوى رنين هاتفه في المكان، قاطعًا التوتر الذي كاد ينفجر بينهما، فأخرج هاتفه من جيبه ثم أشار إليها بإصبعه في حركة آمرة كي تلتزم الصمت، قبل أن يجيب بنبرة رجولية عابثة:

-الو، مين؟

وصل إليه صوت عائشة من الطرف الآخر، وكان متحشرجًا على نحو واضح، رغم محاولتها المستميتة لأن يبدو ثابتًا وقويًا:

-أنا الدكتورة عائشة، فاكرني؟

اتسعت ابتسامته فور سماع صوتها، ولمع في عينيه بريق غريب ثم أجابها بعبث لم يحاول إخفاءه:

-وأنا اقدر انساكي! خير يا دكتورة إيه اللي فكرك بيا؟!

استمع إلى صوتها المتحشرج وهي تجيب بتوتر:

-كنت عايزة آجي عندك في البلد أزور اهلي يعني، بس كنت محتاجة موافقتك عشان ميحصلش مشاكل.

ظل صامتًا لثوانٍ يطرق بإصبعه على ظهر الهاتف، قبل أن يطلق همهمة طويلة توحي بأنه يفكر، ثم قال بنبرة امتزج فيها العبث بالاستفهام:

-امممم إيه رجعتوا الشمل من تاني؟! 

جاءه صوتها أكثر جفافًا هذه المرة:

-ميخصكش يا أستاذ موسى، وان شاء الله أنا مش هطول متقلقش.

قال بنبرة هادئة تحمل في طياتها ما هو أبعد من الكلمات:

-رغم أنه يخصني بس ده أول طلب تطلبيه مقدرش ارفض، بس سؤال هو عاصم عزام يعرف بالاتصال ده!!

تلعثمت للحظة حتى كادت تجيبه بعفوية ثم تماسكت سريعًا، وقالت بعدما ابتلعت ارتباكها:

-لـ.....اه...ميخصكش بردو يا أستاذ موسى.

ضحك ضحكة قصيرة أعقبها صمت، وكأنه استمتع بتوترها أكثر من استمتاعه بإجابتها نفسها، ثم قال بنبرة عملية:

-طيب يا دكتورة هبعتلك عربية عند مدخل وادي زفت العرين يستناكي هناك وتيجي رشيد من مدخلها الكبير.

-تمام شكرًا، عن إذنك.

انقطع الاتصال فأنزل موسى الهاتف عن أذنه، وما إن انطفأت الشاشة حتى انفجر ضاحكًا ضحكات متقطعة، يهز رأسه في تعجب واضح، فلم يكن يسخر منها بقدر ما كان مستمتعًا بطريقة تفكيرها الساذجة، وبمحاولاتها المستمرة لأن تبدو قوية أمامه، بينما كان يرى ارتباكها من أول كلمة حتى آخرها.

ظل يضحك للحظات ثم رفع رأسه دون انتباه...فتفاجأ بها تقف أمامه مباشرة، كانت تنظر إليه في صمت كامل، وقد صبت كامل تركيزها عليه طوال المكالمة، حتى إنها لم تشعر بنفسها وهي تتأمله بتلك الطريقة، فالتقت عيناه بعينيها، ولم يحتج إلى أكثر من لحظة حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة مستفزة، ثم غمز لها بوقاحة وقال:

-أنا عارف إني متقاومش.

رمقته بنظرة امتلأت بالاشمئزاز المتعمد، ثم رفعت شفتيها في ازدراء واضح وأشاحت بوجهها عنه دون أن تكلف نفسها عناء الرد، راقب رد فعلها ثم اقترب منها خطوة وهمس ساخرًا، وكأنه يحدث نفسه:

-الدكتورة دي متربية عشر مرات، بس واقعة مع ناس ميعرفوش حاجة عن التربية إذا كان أنا ولا عاصم ولا حتى عيلتها، حقيقي مشفق عليها.

كانت كلماته كافية لإشعال فضولها، لكنها قاومت رغبتها في السؤال، فقد تعلمت أن كل سؤال تطرحه عليه يفتح بابًا جديدًا من الأحاديث الغريبة التي لا نهاية لها، لذلك فضلت الصمت
وانتظرت منه استكمالاً.

ولما طال صمتها انعقد حاجباه في ضيق، وقال بنبرة محتدمة: 

-انتي مبتدنيش رأيك ليه؟ هو أنا بكلم نفسي؟!

زفرت بهدوء وقالت بشيء من الضيق:

-هو أنا أعرف مين دي ولا إيه ظروفها!!

ابتسم ابتسامة ساخرة وأجابها فورًا:

-وانتي فاكرة إني ممكن أقف واحكيلك.

ثم أشار إليها بإصبعه وهو يكمل بعبث:

-إنتي هتصاحبيني؟

ولم يمهلها فرصة للرد، فاستدار فجأة نحو باب المطبخ، ورفع صوته مناديًا بقوة:

-صالح.

فأتى صالح بعد ثوانٍ ووقف انتباه إليه متجاهلاً نظرات غالية التي كانت تنم عن شر وانتقام شديدان، فقال موسى بحدة وصرامة:

-خد رجالتك وهتلاقي الدكتورة عائشة واقفة عند مدخل وادي الزفت العرين هاتها وتعالى على القصر هنا، وهات عيلة السوالمي كمان.

فأومأ صالح رغم فضوله ولكنه التزم الصمت والتفت يغادر ينفذ ما أُمر به، حتى التفت موسى إليها وقال بعبث ساخر:

-اعملي فشار وتعالي ورايا.

ــــــــــــــــــ
قراءة ممتعة ❤️


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة