رواية في ظلال الوادي الفصل التاسع عشر 19بقلم زيزي محمد


رواية في ظلال الوادي الفصل التاسع عشر 19 بقلم زيزي محمد


                   "انفجار شريهان"

وضعت غالية طبق الفشار أمامه كما طلب، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، واقفة في مكانها بملامح جامدة تخفي خلفها قدرًا لا بأس به من الضيق، بينما جلس موسى فوق مقعده الضخم في منتصف القاعة الفسيحة، كأنه يعتلي عرشًا لا ينازعه عليه أحد.

جلس متراخيًا في هيئة توحي بالعبث واللامبالاة، إلا أن عينيه كانتا على النقيض تمامًا؛ يقظتان وحادتان، تراقبان أدق التفاصيل، فكانت ابتسامته الساخرة تزداد اتساعًا كلما وقع بصره على الباب الرئيسي للقصر، وكأنه ينتظر عرضًا مسليًا أعده بنفسه، ويعلم يقينًا أن الفصل الأمتع لم يبدأ بعد، لدرجة أنه بدى في قمة استمتاعه، عندما أدرك أنه يستمتع بمراقبة الناس وهم يتحركون داخل رقعة الشطرنج التي رسمها بعناية.

وقفت غالية أمامه وقالت بعملية شديدة، تحاول إنهاء الأمر سريعًا:

-تأمر بحاجة تانية يا بيه!

هز رأسه نافيًا وقال ببرود يخالف تلك الابتسامة المستقرة على شفتيه:

-لا بس خليكي مصحصحة عشان لما انادي عليكي تحضري في ثانية.

أومأت برأسها في صمت إلا أن نظراتها لم تستقر عليه طويلًا، ففي اللحظة نفسها التفت موسى ناحية الممر المؤدي إلى الباب، بعدما لمح صالح يقترب بخطوات ثابتة، ثم أعاد بصره إلى غالية فوجدها تحدق في مساعده بنظرة لم تستطع إخفاء ما فيها من ضيق واشمئزاز، اتسعت ابتسامته أكثر، وقال بصوت مرتفع يحمل سخرية واضحة:

-تعالى هنا يا صالح، أحسن في ناس ناوية تاكلك بعينيها وأنا خايف عليك.

ألقت غالية نظرة مقتضبة نحوه امتلأت باستهجان مكتوم، لكنها سرعان ما أدارت وجهها وسارت بخطوات ثابتة، ترفع رأسها بكبرياء مصطنع، وكأنها صاحبة هذا القصر لا مجرد خادمة فيه، فراقبها موسى وهي تبتعد، ثم قال بنبرة متهكمة علت قليلًا:

-اهدى على نفسك ياللي زمان هدك، هدك إيه بقى؟ انتي ميقدرش عليكي غير القوي.

لم تلتفت إليه ولم تمنحه حتى رفاهية الرد، بل واصلت سيرها وكأنها لم تسمع حرفًا، فكان تجاهلها بالنسبة إليه استفزازًا ممتعًا فانطلقت ضحكاته العالية تتردد في أرجاء القاعة، ضحكات بدت وكأنها صادرة عن رجل وجد أخيرًا ما يكسر ملله الطويل،
لكن صوت صالح قطع تلك الضحكات وهو يقول بفضول ممزوج بالحذر:

-انت سايب البت دي ليه هنا يا موسى باشا وانت حاسس إنها مش سالكة وجاية لغرض؟

زفر موسى ببطء ثم مط شفتيه إلى الأمام وقال بوجوم مفاجئ:

-ميخصكش يا صالح، طالما أنا عايز كده يبقى مالكش الحق إنك تتدخل في أي قرار باخده.

أومأ صالح في هدوء وكأن هذه النبرة ليست جديدة عليه، فقد اعتاد تقلباته المزاجية، وعرف أن الجدال معه لا يثمر إلا مزيدًا من العناد، فقال بخشونة امتزجت برغبة واضحة في الانتقام:

-تحب نوصل خبر لعاصم عزام إن الدكتورة جاية رشيد؟

ابتسم موسى ابتسامة غامضة وارتسم بريق خطير داخل عينيه، ثم أجاب في هدوء أثار ريبة صالح أكثر من أي انفعال:

-لا الحبايب كتير وهيوصلوا هما بمعرفتهم.

أومأ صالح مرة أخرى ثم استدار وانصرف نحو الباب الرئيسي، تاركًا موسى وحده في القاعة الواسعة، فساد السكون مجددًا من حوله، بينما هو نظر إلى طبق الفشار الموضوع أمامه، لكن نظرته لم تكن نظرة رجل يستعد لتناول طعامه، بل نظرة شخص يفتش عن شيء داخله لم يطرحه بعد، فأخذ يتأمل الحبات في صمت، بينما أخذ الشك ينهش داخله شيئًا فشيئًا، فلم يكن من عادته أن يثق بسهولة، بل كان الشك عنده عادة قديمة تسبقه دائمًا إلى الناس.

ظل صامتًا للحظات ثم رفع رأسه فجأة، وأشار إلى إحدى الخادمات التي كانت تمر بالقرب منه بالصدفة، وقال بلهجة آمرة لا تقبل التأخير:

-ناديلي البت الجديدة.

لم تمضِ سوى لحظات حتى حضرت، وقد بدا على وجهها أن صبرها أوشك على النفاد، لكنها تماسكت وقالت بجمود:

-نعم يا بيه!

أشار بيده إلى طبق الفشار ثم قال بصوت صلد، خلا تمامًا من سخريته المعتادة:

-كُلي.

تجمدت ملامحها للحظة واتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها، فقد فهمت مقصده من أول وهلة، لم يكن يطلب منها أن تأكل مشاركة بل كان يختبرها، ولكنها استعادت رباطة جأشها سريعًا ومدت يدها في هدوء، والتقطت حبة فشار ثم وضعتها في فمها أمام عينيه، ومضغتها ببطء وكأن الأمر لا يعنيها، فظل يراقبها دون أن يرمش، وفجأة تغيرت ملامحها وضمت شفتيها وهي تتظاهر بالانزعاج، ثم اندفعت خطوة نحوه وقالت بصوت خافت امتزجت فيه السخرية بالمشاكسة:

-امممم تصدق مالح، اعملك غيره.

مد يده سريعًا وأمسك بمعصمها قبل أن تلتقط الطبق، ثم رفع عينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة أكثر اتساعًا، بينما لمعت عيناه بخبث واضح، وقال بهدوء أربكها أكثر من أي تهديد:

-لا...

ثم أضاف وهو يدفع الطبق قليلًا نحوه:

-بحبه كده.

وظلت عيناه معلقتين بها لا تنظران إلى الطبق ولا إلى الطعام، بل إليها هي وحدها، كأنه كان يبحث في ارتجافة جفن، أو اضطراب نفس أو زلة تعبير، عن الحقيقة التي أخفتها بإتقان، أما غالية فرغم ثبات ملامحها كانت تدرك أنها لا تقف أمام رجل يشك في الطعام فحسب، بل أمام رجل اعتاد أن يقرأ البشر كما تُقرأ الكتب المفتوحة وأن أي خطأ مهما بدا صغيرًا قد يكون ثمنه باهظًا.

ساد بينهما صمت لم يكن خاليًا من الكلام، بل امتلأ بنظرات متبادلة حملت من التحدي أكثر مما كانت تحمله الكلمات نفسها، فكانت الصالة الواسعة ساكنة إلى حد أن صوت أنفاسهما بدا واضحًا، بينما ظل موسى مسترخيًا في مجلسه، وكأن ما يحدث أمامه مجرد لعبة أخرى يستمتع بإدارتها.

كسرت غالية ذلك الصمت وقالت بنبرة ثابتة تخفي وراءها استياءً واضحًا:

-طالما بتشك فيا بتشغلني عندك ليه؟

رفع حاجبه قليلًا ثم مال برأسه إلى أحد الجانبين، وكأن السؤال راقه، قبل أن يجيب ببرود شديد:

-أنا بشك في صوابع ايدي، اثبتيلي انتي العكس.

لم تهتز ملامحها بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، أقرب إلى السخرية منها إلى الهدوء، وقالت وهي تثبت عينيها في عينيه:

-مش محتاجة اثبت، الوحش هيفضل عايز يشوف كل الناس اللي حواليه وحشين يا بيه.

توقفت ابتسامته لوهلة ثم اتسعت من جديد، لكن هذه المرة حملت شيئًا من التسلية الحقيقية، فرفع يده إلى صدره في حركة تمثيلية مبالغ فيها، وقال باستنكار ساخر:

-أنا وحش؟ امال أنا شايف نفسي حلو ومفيش مني اتنين ليه؟ 

رمقته بنظرة جامدة ثم أجابت باقتضاب، دون أن تمنحه ما ينتظره من انفعال:

-اسأل نفسك!

ضحك بخفوت وهز رأسه وكأنه سمع إجابة أعجبته رغم أنها لم تكن في صالحه، ثم قال بنبرة كسولة لا تخلو من التهكم:

-معنديش وقت اسأل، المهم أنا مقتنع بإيه.

ثم لوح بيده في إشارة واضحة إلى انتهاء الحديث، وأضاف:

-يلا وقتك خلص معايا لحد دلوقتي.

أخفضت غالية رأسها إيماءة خفيفة، لا تحمل خضوعًا بقدر ما تحمل رغبة في إنهاء هذا اللقاء، ثم قالت بصوت هادئ يخفي ما يموج داخلها:

-أنا دايمًا في الخدمة يا بيه.

                                               ****

خرجت عائشة بخطوات مترددة، تتلفت حولها بين الحين والآخر، وكأنها تخشى أن يوقفها أحد قبل أن تبلغ وجهتها، فكان القلق يسكن ملامحها بوضوح، بينما أخذت تبحث بعينيها عن الطريق المؤدي إلى البوابة الرئيسة للوادي، فلم تكن تعرف المكان معرفة كافية، لذلك سألت كل مَن تصادفه عن اتجاه البوابة، علها تخرج سريعًا لتنتظر السيارة التي أرسلها موسى كي تقلها إلى رشيد.

لكن إجابات أهل الوادي جاءت كما اعتادتها منذ وطئت قدماها ذلك المكان؛ كلمات قليلة وعبارات مقتضبة، ونظرات لا تُفصح عما يدور خلفها، فكانوا يجيبونها بقدر السؤال ثم يمضون في طريقهم، وكأنهم يخشون الإطالة في الحديث معها.

أثار ذلك الأمر فضولها أكثر مما هدأه، حيث شعرت أن كل زاوية في ذلك الوادي تخفي حكاية، وأن كل وجه مر بها يحمل سرًا لم يُروَ بعد، أخذت تتساءل في نفسها لماذا كل هذا التكتم؟ وما الذي يجعل الجميع يتعاملون بذلك الحذر المريب؟ ولماذا كلما اقتربت من معرفة شيء جديد عن ماضي عائلتها، وجدت الأبواب تُغلق أمامها في اللحظة الأخيرة؟

أخيرًا بلغت البوابة الرئيسة وتنفست الصعداء وهي تراها أمامها، ثم وقع بصرها على السيارة التي كانت تقف في الخارج وكأنها تنتظرها منذ وقت طويل، فلم تتردد كثيرًا؛ فتحت الباب وصعدت إلى المقعد الخلفي ببساطة، فقد كانت بطبيعتها تُحسن الظن بالناس، ولم يخطر ببالها أن تشك في نوايا مَن حولها، مهما تكاثرت المواقف التي كان من المفترض أن تجعلها أكثر حذرًا.

انطلقت السيارة تشق الطرق بسرعة كبيرة، وتتابعت المنعطفات أمامها حتى بدأت معالم الطريق تتبدل شيئًا فشيئًا، لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى أدركت أنهم قد دخلوا رشيد،
في تلك اللحظة انقبض قلبها دون إرادة منها، حيث كان اقترابها من تلك البلدة يعني اقترابها من مواجهة عائلتها مجددًا، وتلك المواجهة كانت تثير داخلها مزيجًا معقدًا من الخوف والارتباك. 

 ولكن دهشتها ما لبثت أن غلبت كل تلك المشاعر عندما انحرفت السيارة عن الطريق المؤدي إلى منزل عائلتها، واتجهت نحو قصر موسى، فاتسعت عيناها في صدمة، وأخذت تتأمل المبنى الشاهق الذي تعرفه جيدًا، لم يكن غريبًا عليها؛ فقد سبق أن جاءت إليه في أكثر لحظات حياتها ألمًا، يوم جاءت تبحث عن طفلتها وتأخذها بين ذراعيها بعد اختفائها. 

ازدادت ضربات قلبها عنفًا وهي ترى السيارة تتوقف أمام البوابة الحديدية الضخمة، فالتفتت إلى السائق الذي أطفأ المحرك، وقالت بصوت امتزج فيه التوتر بالغضب:

-انت جايبني هنا ليه؟ في إيه؟

التفت إليها الرجل بهدوء لا يخلو من الجدية، ثم قال:

-معنديش علم يا دكتورة، بس موسى باشا قالنا اجيبك هنا، تقدري تدخلي وتسأليه.

زفرت عائشة بضيق واضح، ثم دفعت باب السيارة وهبطت منها بخطوات سريعة، وقد أخذ الغضب يتصاعد في صدرها شيئًا فشيئًا، رفعت رأسها نحو القصر المهيب بحنق متزايد.

وقفت لحظة أمام البوابة لكنها فوجئت بالحراس يفتحونها لها على الفور بكل احترام وتقدير، وكأنهم كانوا يتوقعون وصولها منذ البداية، فنظرت إليهم باستغراب، ثم لم تستطع منع نفسها من عقد مقارنة سريعة بين هذا الاستقبال وما رأته داخل الوادي؛ هناك كانت الكلمات شحيحة والوجوه جامدة، أما هنا فكانت الأبواب تُفتح قبل أن تطلب، والاحترام يسبقها إلى الداخل.

سارت في الممر الحجري الطويل، تحيط بها الحدائق المنسقة بعناية، فيما كانت نافورات المياه ترسل خريرًا هادئًا يتناقض تمامًا مع العاصفة التي كانت تعصف داخل صدرها، وما إن بلغت القاعة الواسعة حتى وقعت عيناها على موسى.

فكان يجلس في منتصف الساحة بكل أريحية، مستندًا إلى مقعده الفاخر يضع ساقًا فوق الأخرى، وبين يديه وعاء كبير من الفشار، يلتقط منه الحبات واحدة تلو الأخرى، وكأنه يشاهد عرضًا مسليًا لا ينتظر سوى بداية أحداثه.

أثار منظره غضبها أكثر، إذ بدا مستمتعًا إلى حد الاستفزاز، بينما كانت هي تعيش حالة من القلق والتوتر منذ غادرت الوادي،
تقدمت نحوه بخطوات متسارعة، وتوقفت أمامه مباشرة ثم قالت بحدة وهجوم لم تحاول إخفاءه:

-أنا طلبت منك موافقة ادخل البلد دي، بس متجبنيش هنا، أنا محتاجة أروح لأهلي.

رفع موسى إحدى حاجبيه في هدوء، ثم تناول حبة فشار أخرى، ومضغها ببطء متعمد، قبل أن يبتسم ابتسامة جانبية وقال بعبث مستفز:

-هجيبلك أهلك هنا، مينفعش تروحي هناك.

قطبت عائشة حاجبيها، وحدقت فيه بعدم فهم بينما ازدادت ضربات قلبها اضطرابًا، فكانت تشعر أن حديثه يخفي وراءه أمرًا أكبر مما يقوله، لذا قالت باستغراب امتزج بالضيق:

-ليه؟ هما عارفين على فكرة كل حاجة و...

قاطعها قبل أن تكمل وقد اختفت الابتسامة عن وجهه لتحل محلها ملامح أكثر جدية:

-المشكلة مش في أهلك، المشكلة في أهل رشيد مش هيسمحوا بوجودك هنا، لأنهم عارفين كويس انتي مين؟

اتسعت عيناها في حيرة، وبدت الكلمات كأنها اصطدمت بعقلها دون أن تجد لها تفسيرًا:

-هو إيه اللي أنا مين؟! مش فاهمة؟ هي مش عيلة أبويا هنا وبتحبوهم ولا بتكرهوهم بردو زي ما أهل الوادي بيكرهوهم.

هز موسى رأسه نافيًا، ثم اعتدل في جلسته ووضع وعاء الفشار إلى جواره، وقد بدا أن المزاح انتهى تمامًا:

-لا عيلة السوالمي مننا محدش يقدر ينكر ده.

ثم ثبت نظره عليها وأضاف بصوت منخفض لكنه حاسم:

-بس انتي مش مننا.

ثم تابع موسى دون أن يحيد بعينيه عنها بنبرة مبطنة بالسخرية:

-مش انتي تبقي مرات عاصم عزام ومخلفة منه عيلين ولا هما مش عيالك؟!

ما إن أنهى جملته حتى اشتعل الغضب في عينيها، فاندفعت نحوه بخطوات سريعة، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة قصيرة، ورفعت سبابتها في وجهه، وقالت بحدة لم تستطع السيطرة عليها:

-مش من حقك تكلمني كده، ولا تسألني أسئلة انتي مالكش دخل فيها.

لم يتراجع موسى ولم تبدُ عليه أدنى علامات الانزعاج، فظل ينظر إليها بثبات بارد، وكأن انفعالها لم يكن مفاجئًا بالنسبة إليه،
ثم قال بصوت اتسم بالصرامة:

-طول ما إنتي موجودة في أرضي وتحت حكمي، هيسري عليكي اللي بيسري على كل أهل رشيد.

ازدادت أنفاسها اضطرابًا، وشعرت أن كلماته تضغط على أعصابها أكثر فأكثر، لكنها لم تسمح له بأن يرى ترددها،
رفعت رأسها بكبرياء وقالت بثقة امتزجت بالغضب:

-لا مفيش حد هيمشي حكمه عليا، لا انت ولا غيرك؟

مال موسى بجسده إلى الخلف، وعقد ذراعيه أمام صدره، ثم نظر إليها نظرة طويلة حملت شيئًا من السخرية، قبل أن يقول بهدوء مستفز:

-وعاصم بيمشي كلامه عليكي؟ ولا لسه ميعرفش إنك هنا؟ 

توقفت الكلمات في حلقها للحظة، فراقب ارتباكها بعينين ثاقبتين ثم أكمل بنبرة خافتة، لكنها أصابت هدفها بدقة:

-على فكرة لو عرف هيولعها نار بس المرادي فيكي مش فينا.

تغير لون وجهها في لحظة، وانعقد قلبها بخوف حاولت عبثًا أن تخفيه، فلم تكن تخشى المواجهة بقدر ما كانت تعرف جيدًا طبيعة ردود فعل عاصم عندما يفقد أعصابه إن علم بمجيئها هنا مجددًا، وذلك الإدراك وحده كان كافيًا ليبعثر شيئًا من ثباتها.

ابتسم موسى ابتسامة بالكاد ظهرت، ثم اقترب خطوة واحدة وقال بصوت أقرب إلى الهمس:

-وممكن ياخد عيالك منك.

ارتجفت عيناها دون إرادة، لكنه لم يمنحها فرصة لاستيعاب وقع كلماته، بل أردف ساخرًا:

-اه صحيح يا دكتورة بما إنهم عيالك وانتي مراته ليه قاعدة في بيت وهو في بيت، شكلكوا بتنفصلوا بهدوء!

رفعت رأسها إليه بعينين مشتعلتين، وقالت بانفعال:

-انت مالك ومال عاصم بجد؟! شكله حارقك اوي عشان كده بتحاول تجيب سيرته في جملة مفيدة.

ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم هز رأسه قائلًا:

-عاصم عمره ما كان في جملة مفيدة، هو في جمل سيئة كتير.

ثم ثبت نظره عليها وتلاشت السخرية تدريجيًا من ملامحه وهو يضيف:

-بس خدي بالك أنا اعرف عنه حاجات انتي متعرفيهاش.

شعرت بانقباض خفي في صدرها، إلا أنها لم تُعلق، أما هو فأكمل ببطء متعمد، وكأنه ينتقي كلماته بعناية ليصيبها في أضعف نقاطها:

-يعني مثلاً اعرف إنه هو لا متجوزك ولا دول عيالك.

تجمدت في مكانها، وللمرة الأولى منذ بداية الحديث، بدت الصدمة واضحة على ملامحها، بينما كان هو يتابع مراقبة كل تغير يطرأ على وجهها، ثم أردف بابتسامة جانبية:

-ويا سلام لو اهلك عرفوا كده هياخدوكي هنا تعيشي غصب.

اشتعلت عيناها بالغضب حتى بدا وكأنها على وشك الانفجار،
فاقتربت منه خطوة أخرى، وقالت بصوت منخفض لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ:

-لو جيبت سيرة لأهلي بحرف من ده، عدواتك مش هتبقى مع عاصم، هتبقى معايا أنا.

رفع حاجبيه وكأن تهديدها أثار فضوله أكثر مما أخافه، ثم ابتسم ابتسامة واسعة وقال بلهجة عبثية:

-إيه هتعملي إيه قولي فضولي بيقولي اجرب عداوتك.

وصمت لحظة قبل أن يضيف وهو ينظر إليها من أعلى إلى أسفل بنظرة ماكرة:

-يا ترى بسمسم ومسكرة ولا حادقة ومالحة.

لم تنتظر حتى ينهي سخريته، لكنه أكمل غير عابئ بانفعالها:

-طيب يوم ما تحبي تموتيني هتموتيني بالحقنة ولا بالسماعة اللي بتكشفي بيها على أحباب الله القطاقيط اللي بيجولك العيادة.

حدقت فيه عائشة غير مصدقة ما تسمعه، وقالت بحدة:

-انت بتقول إيه؟ 

رفع كفيه باستسلام مصطنع، واتسعت ابتسامته أكثر:

-بهزر

استدارت دون أن تنتظر ردًا، وأضافت وهي تخطو نحو الباب:

-هزارك سخيف عن إذنك أنا رايحة لأهلي وهمشي من هنا بمعرفتي.

ما إن وضعت يدها على مقبض الباب حتى جاءها صوته هادئًا، على غير عادته الساخرة، حتى أجبرها على التوقف:

-خليكي يا دكتورة لو خرجتي برة القصر ممكن تاخديلك طلقة كده ولا كده، وأنا مش مسؤول عنك.

تجمدت في مكانها للحظات ولم تلتفت إليه لكن كتفيها انقبضا تلقائيًا، بينما أخذت تستوعب كلماته التي جاءت ببرود غريب، وكأنه يخبرها بحقيقة لا تقبل النقاش، فأردف وهو ينهض من مقعده للمرة الأولى منذ وصولها، وسار ببطء حتى وقف على بعد خطوات منها:

-اهلك هيجولك هنا واتكلمي معاهم ده عشان حمايتك.

ثم ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المستفزة التي باتت تثير أعصابها في كل مرة، وأضاف بنبرة مازحة:

-انتي غالية عندي اوي، مش كفاية بتربي ولاد الغالي.

استدارت إليه بسرعة وحدقت فيه بغيظ ظاهر، وقالت وهي تكاد تعض على كلماتها:

-انت حقيقي اكتر انسان مستفز شوفته في حياتي.

ضحك ضحكة قصيرة، ثم هز رأسه وكأنه يعترض على حكمها:

-لا انتي لسه مشوفتيش الاستفزاز الحقيقي.

قطب حاجبيه متصنعًا التفكير، ثم قال وهو يشير بسبابته إلى إحدى الزاويا وكأن فكرة طريفة خطرت بباله:

-أنا عندي هنا واحدة عدت ليفل الاستفزاز هجبهالك ترازيكي شوية.

رمقته عائشة بنظرة جامدة، قبل أن تقول باستخفاف:

-لا شكرًا إنت لوحدك عامل شغل اتنين.

ابتسم باتساع وأجابها بثقة:

-صدقيني بعد خمس دقايق معاها هترجعي تعتذريلي، وتقولي إني كنت راجل محترم وهادي.

أطلقت زفرة طويلة وهي تغمض عينيها للحظة، ثم تمتمت بضيق:

-واضح إن القصر ده مفيهوش حد طبيعي.

ضحك موسى هذه المرة بصوت مسموع، بينما ارتسمت على وجهه ملامح استمتاع خالصة، وقال وهو يتجه نحو تلك الزاوية وكانت تحديدًا المطبخ:

-أهو... بدأتي تفهمي المكان.

ثم اختفى من المكان بكل بساطة بعدما أربكها، نظرت للباب مجددًا بتفكير وشعرت بالخوف الحقيقي أن تتلقى بالفعل رصاصة خائنة، فعادت بأدراجها نحو إحدى المقاعد وجلست باستيحاء وهي ترفع هاتفها تجري اتصالاً بعمها ليسرع مجيئه فهي فلم تعد تحتمل وجودها.

ولم تلتفت عائشة إلى تلك الفتاة التي خرجت من المطبخ وهي تحمل صينية صغيرة استقرت فوقها أكواب من العصير المثلج، فكانت تسير بخطوات حذرة وعيناها معلقتين بالصينية، تخشى أن تنسكب منها قطرة واحدة، حتى اقتربت من عائشة ثم رفعت رأسها قليلًا وقالت بأدب جم:

-العصير يا هانم، موسى بيه قالي اجيبلك عصير ساقع يروق أعصابك...

رفعت عائشة رأسها على مهل، وأزاحت خصلات شعرها التي انسدلت فوق وجهها ثم نظرت إلى الفتاة نظرة عابرة، قبل أن تتجمد ملامحها فجأة، فاتسعت عيناها في ذهول، وكأن الزمن قد توقف للحظة، فلم تصدق ما تراه أمامها.

كانت الملامح قد نضجت قليلًا لكن الابتسامة الهادئة، والعينان الواسعتان والخجل الذي يكسو قسمات الوجه... كلها كانت كما هي لم تتغير رغم مرور السنوات.

ارتسمت على شفتي عائشة ابتسامة واسعة امتزجت بالدهشة والفرحة، وقالت بصوت خرج تلقائيًا، يحمل شوق سنوات طويلة:

-مش معقول!  غالية.

أما غالية فما إن سمعت اسمها يخرج بذلك الصوت المألوف، حتى رفعت رأسها بسرعة، وفي اللحظة التالية شعرت وكأن الأرض تميد بها.

اتسعت عيناها إلى أقصى حد، وشحب وجهها حتى كاد يخلو من الدم، بينما ارتجفت يداها اللتان تحملان الصينية، ولولا أنها تماسكت في اللحظة الأخيرة لسقطت بما عليها أرضًا، فهمست بصعوبة، وقد خانها صوتها من شدة الصدمة:

-د...دكتورة عائشة؟!

لم تكن تتخيل ولو للحظة أن ترى طبيبتها السابقة أمامها في تلك البلدة النائية بعد كل تلك السنوات.

كانت آخر مرة رأتها فيها داخل عيادتها بمدينة المنصورة، حين كانت تعمل سكرتيرة لديها، ويومها كانت عائشة تعاملها بكل احترام واحتواء ولم تشعرها يومًا بأنها مجرد موظفة، بل كانت تعاملها كأخت أصغر، تشجعها على التعلم، وتحثها دائمًا على ألا تتخلى عن أحلامها مهما كانت الظروف قاسية.

لكن تلك الأيام انتهت سريعًا، فشقيقها إيهاب -رحمه الله- أصر على بقائها في المنزل، ومنعها من الاستمرار في العمل، فانقطعت صلتها بالدكتورة عائشة تمامًا، وبعدها بفترة قصيرة اختفت عائشة هي الأخرى من المنصورة، وغادرت إلى القاهرة في ظروف غامضة دون أن تعرف غالية إلى أين ذهبت أو ماذا حدث لها، حتى أصبحت أخبارها مجرد ذكريات تتناقلها الألسنة دون يقين.

لم تنتظر عائشة أكثر من ذلك، فتقدمت نحوها بخطوات سريعة، وقد غمرتها سعادة صادقة لم تشعر بمثلها منذ زمن، ومدت ذراعيها تريد احتضانها بحرارة.

وما إن اقتربت أكثر حتى أسقطت غالية الصينية عمدًا منها، لتيقظ عائشة من فرحتها الظاهرة، ثم علت نبرتها بأسف كبير:

-أسفة يا هانم، حقك عليا.

ثم جثت على ركبتيها تجمع قطع الزجاج المتناثرة بسرعة، بينما كانت تتحاشى النظر إلى عائشة مباشرة، وفي اللحظة التي انحنت فيها أكثر همست بكلمات بالكاد تحركت بها شفتاها، لكنها تعمدت أن تصل إلى أذن عائشة وحدها:

-اوعي تقولي اسمي أو تبيني إنك تعرفيني.

تجمدت عائشة في مكانها، فاختفت ابتسامتها في لحظة، وحل محلها ارتباك شديد، لم تفهم سبب ذلك التحذير المفاجئ، لكنها التقطت نبرة الخوف المختبئة خلف همس غالية، وأدركت أن الأمر أخطر مما يبدو.

رفعت عينيها تبحث عن تفسير، فوقع بصرها على موسى الذي
كان يقف بعيدًا عنهما، وقد خرج لتوه من جهة المطبخ، يتابع ما حدث بنظرة يغلب عليها الاستغراب وكأنه لم يفهم سبب توتر الموقف المفاجئ.

فأسرعت عائشة تحاول تدارك الأمر قبل أن يلاحظ شيئًا،
ابتلعت دهشتها ثم قالت بنبرة بدت طبيعية قدر استطاعتها:

-خلاص يا....

توقفت في منتصف الجملة ثم نظرت إلى الفتاة وكأنها تراها للمرة الأولى، وسألت بابتسامة مهزوزة حاولت أن تبدو عفوية:

-اسمك إيه؟

لم تتح لغالية فرصة للإجابة، فقد اقترب موسى بخطوات واثقة، واضعًا كلتا يديه داخل جيبي سرواله، ثم أجاب بدلًا منها بصوت قوي لا يقبل النقاش:

-ملهاش اسم.

انعقد حاجبا عائشة في استغراب واضح، والتفتت إليه بسرعة قائلة:

-هو في حد مالوش اسم؟!

في تلك الأثناء كانت غالية قد انتهت من جمع ما تناثر على الأرض، فاعتدلت في وقفتها ومسحت يديها بطرف ثيابها،
ثم نظرت إلى موسى نظرة خاطفة حملت قدرًا واضحًا من التحدي، قبل أن تلتفت إلى عائشة وتقول بثبات متعمد:

-ليا اسم يا هانم، بس موسى بيه بيخاف منه، اسمي نجمة جلال الدين.

لم يكن في صوتها خوف هذه المرة بل شيء يشبه الشماتة الصغيرة، وكأنها وجدت فرصة لتستفزه أمام ضيفته،
وما إن أنهت جملتها حتى أشارت لعائشة إشارة خفية تدعوها إلى الصمت وعدم السؤال، ثم تراجعت عدة خطوات إلى الخلف، واختفت سريعًا داخل المطبخ قبل أن يمنحها موسى فرصة أخرى للكلام.

تابعتها عائشة بعينيها في حيرة متزايدة، ثم عادت بنظرها إلى موسى الذي كان يقف في مكانه مغمض العينين بقوة، حتى برزت عروق عنقه ووجهه بوضوح، بينما انقبض فكاه في محاولة ظاهرة للسيطرة على غضبه.

للحظة شعرت عائشة بأنها عاجزة تمامًا عن فهم ما يجري حولها، فكل شخص في ذلك المكان يخفي شيئًا، وكل كلمة تُقال تحمل معنى آخر لا تدركه، وفي تلك اللحظة تحديدًا تمنت لو أن عاصم كان موجودًا، ليس لأنها احتاجت حمايته وإنما لأنها شعرت أنه الوحيد القادر على فهم هذه العلاقات المعقدة وتفسير ما يدور أمامها.

وقبل أن تسأله عن سبب انفعاله، سمعته يتمتم بين أسنانه بضيق مكتوم:

-جيبتها تغيظك، غاظتني ومشيت بنت الـ.....

كدت تبتسم رغم توترها من طريقته الساخطة، إلا أن ابتسامتها اختفت سريعًا عندما سمعت وقع خطوات جديدة تقترب من الساحة، فالتفتت نحو مصدر الصوت، ولم يكن سوى عمها فهمي يسير باتجاهها بخطوات هادئة، وعلى وجهه ابتسامة واسعة بدت وكأنها تحمل شوق سنوات.

أخذت عائشة تبحث بعينيها سريعًا خلفه، فلم تجد عمها جمال ولا عمتها كوثر، لذا تنفست الصعداء دون أن تشعر، وشعرت بشيء من الارتياح لغيابهما، فقد كانت تعلم أن وجودهما سيجعل اللقاء أكثر صعوبة وتعقيدًا.

اقترب فهمي منها أكثر، ومد ذراعيه وكأنه يستعد لاحتضانها،
لكنها بدافع غريزي تراجعت إلى الخلف خطوة كاملة،
وارتسم الخوف على وجهها دون إرادة منها، وانكمش جسدها في حركة دفاعية وكأنها توقعت أن يهجم عليها لا أن يعانقها، 
توقف فهمي في مكانه وقد انعقدت الدهشة على ملامحه، بينما راقب موسى المشهد بعينين ضيقتين.

ثم مال برأسه نحو فهمي وهمس بجوار أذنه بصوت خافت، لكنه لم يخلُ من السخرية:

-تمثيلك بايخ زيك، اهدى شوية عشان مبحبش الاغبياء.

ثم ابتعد عن فهمي بخطوات هادئة، والتفت إلى عائشة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، وقال بنبرة يغلب عليها العبث:

-متخافيش من عمك يا دكتورة ميقدرش يعمل حاجة من غير إذني.

راقبته عائشة بصمت ولم تُعلق، بينما كان هو يتصرف وكأنه السيد المطلق لذلك المكان، لا يتحرك فيه أحد إلا بأمره، ولا يُقال فيه شيء إلا بعلمه.

أطلق زفرة هادئة ثم نظر إلى فهمي وإليها بالتبادل، وقال باستمتاع واضح:

-يلا استمعتوا قبل ما عاصم يطب علينا ويقلبها مجازر.

أنهى عبارته ثم استدار مبتعدًا بخطوات وئيدة، وجلس على أحد المقاعد البعيدة المطلة عليهما، والتقط وعاء الفشار من جديد وأخذ يتناول منه الحبات واحدة تلو الأخرى، بينما كانت عيناه تتابعان المشهد كله في صمت وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا يعرف نهايته مسبقًا.

نظرت إليه عائشة للحظة، ورغم أن معرفتها بموسى لم تكن طويلة فإنها أدركت خلال تعاملها القصير معه أنه يتعمد استفزازها بصورة مباشرة، لهذا قررت تجاهله تمامًا.

وأشارت إلى عمها فهمي أن يجلس، فقد أرادت إنهاء ذلك اللقاء بأسرع وقت ممكن قبل أن يتعقد أكثر، وجلس فهمي أمامها وما إن استقر في مقعده حتى مال نحوها قليلًا وهمس بامتعاض:

-ينفع تحرجيني كده يا بنتي؟

زمت عائشة شفتيها وشعرت بمرارة الماضي تعود لتضغط على قلبها من جديد، فكم حاولت أن تدفن تلك الذكريات، لكنها كانت تخرج من بين الركام كلما رأت أحدًا منهم، رفعت عينيها إليه وقالت بحدة لم تستطع اخفائها:

-مش طبيعي أبدًا يا عمي لما تطلب اسامحكم، فاسامحكم عادي كده بكل بساطة على الأقل هاخد وقتي، صح ولا إيه؟

أطرق فهمي برأسه لحظة ثم نفخ الهواء من صدره في ضيق، قبل أن يجيبها بعد تردد:

-متزعليش مني يا عائشة يا بنتي، يعني عايزنا نعرف إنك متجوزة عاصم عزام ومخلفة من عيلين ونسكت ونعديها عادي كده.

لم تتغير ملامحها بل مالت نحوه قليلًا، وثبتت عينيها في عينيه، وقالت بصوت حاسم:

-ايوه، ليه بتكرهوا عاصم وليه أهل الوادي بيكرهوني ويتمنوا موتي، عملتوا فيهم إيه يا عمي؟

انقبضت ملامح فهمي فجأة، فأغلق عينيه للحظة وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم فتحهما وقال بحذر شديد:

-عشان زمان لما عزام الجد مات، وعياله مسكوا في بعض وحصل بينهم مجازر قتل، أرض الوادي اتقسمت للاتنين والعهد اتكتب بإيد ناس كبيرة وحطوا شرط التصويت، 
العائلات الكبيرة تصوت لعثمان عزام ولا سعد اخوه الكبير، واللي عدد أصواته اكتر هو اللي يحكم الوادي، وعشان احنا كنا قريبين شوية من سعد ابو عاصم كان واثق إننا هنقف معاه ونصوت،  بس احنا صوتنا للي احنا شايفينه احق بإنه يحكمنا ومن وقتها كرهونا واتمنعنا نروح الوادي وبيوتنا اتاخدت وأراضينا.

انعقد حاجبا عائشة في دهشة حقيقية، ثم قالت وهي تهز رأسها بعدم استيعاب:

-هو ده السبب يعني؟! يكرهوني لدرجادي!!

ارتبك فهمي للحظة لكنها كانت لحظة عابرة أخفاها سريعًا،
ثم قال بثقة بدت متقنة أكثر مما ينبغي:

-ايوه هو ده السب بس.

وأشار إليها بإصبعه محذرًا:

-وأي حاجة تسمعيها تانية ملهاش أساس من الصحة، الحقيقة هي دي وبس، متسلميش ودانك لحد.

حدقت فيه طويلًا، فكان شيء ما في نبرته يثير الشك داخلها،
وشعرت أنه يحكي نصف الحقيقة فقط، وأن النصف الآخر ما زال مخفيًا خلف كلماته، قبل أن تنطق اقترب منها أكثر، وهمس بصوت خافت:

-بلاش تدخلي في عدواة ولاد عزام، احنا دخلنا زمان ودوقنا المرار، وطلع علينا اشاعات وخسرنا حاجات كتير اوي، احنا خوفنا عليكي من جوازك من عاصم عزام، ازاي قدر يضحك عليكي ويوهومك بالجواز وكمان تخلفي منه.

وتوقف لحظة قبل أن يضيف بنبرة امتزج فيها التعجب بالريبة:

-امال الدكتور قالنا إنك استحالة تخلفي ليه لما كنتي متجوزة الدكتور أحمد ابني.

عادت الذكريات تضربها بقوة، ففترة زواجها من أحمد والإهانات التي تعرضت لها، وكلمات العجز والاتهام التي كانت تُلقى على مسامعها كل يوم، حتى صدقت هي نفسها أنها السبب في كل شيء، فشعرت بقلبها ينقبض لكنها رفضت أن تُظهر ضعفها،
وابتسمت ابتسامة باردة حملت من السخرية أكثر مما حملت من الفرح، وقالت:

-حكمة ربنا بقى يا عمي، اتجوز من حد غير ابنك الدكتور واخلف عيلين، بس قولي صحيح هو خلف من مراته التانية أصل سمعت طراطيش كلام من دكاترة زمايلنا إنها ممشياه على عجين ميخلبطوش، وحكمت عليه متخلفش عشان مستقبلها المهنى.

اشتدت قبضة فهمي على ذراع المقعد، وبدت عضلات فكه وكأنها على وشك الانفجار، لكنه تمالك نفسه بصعوبة وحاول أن يحافظ على ابتسامته المصطنعة، وقبل أن يرد قطع رنين هاتفها حدة التوتر، فنظرت إلى الشاشة فإذا بالمتصل خالتها،
أجابت سريعًا وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى سمعت صوتها المرتجف:

-عائشة الولاد كانوا المفروض يوصلوا من ساعة، مجوش بعت اسأل محدش رجع برد، أنا خايفة، انزل أنا اروح لعاصم؟؟

انتفضت عائشة من مكانها دفعة واحدة، تبدلت ملامحها في لحظة وغاب كل ما عدا طفليها عن عقلها، فقالت بحسم وهي تنهض:

-أنا جاية، متروحيش في مكان، سلام.

ثم تحركت وتجاهلت عمها عن قصد واقتربت من موسى قائلة:

-عايزة ارجع الوادي تاني لو سمحت.

هز موسى رأسه بإيجاب وأشار لأحد رجاله قائلاً:

-وصلها زي ما جيبتها.

ثم التفت نحو عائشة وابتسم باستفزاز:

-متقطعيش الجوابات...

ثم همس بسخرية لنفسه:

-ربنا يستر وعاصم ميقطعش نفسك.

                                             ****

عادت عائشة إلى الوادي لكنها لم تكن تسير بقدر ما كانت تجر قدميها جرًا، وكأن الخوف وحده هو الذي يدفعها إلى الأمام،
فكانت أنفاسها متلاحقة ونبضات قلبها تتسارع بصورة مؤلمة، حتى خُيل إليها أنها تسمع دقاته أعلى من صوت خطواتها.

لم يغادرها القلق منذ أنهت مكالمتها مع خالتها، بل كان يتضخم مع كل دقيقة تمر ويغرس مخالبه في قلبها الغض، حتى باتت عاجزة عن التفكير في أي شيء سوى طفليها، ترددت كلمات موسى في رأسها رغماً عنها.

هزت رأسها بعنف محاولة طرد كلماته، ولكنها عادت تتردد داخلها بإلحاح أشد، مصحوبة بصورة عاصم حين يغضب؛ ذلك الوجه الذي تعرف جيدًا كيف تتحول ملامحه إلى صرامة مخيفة عندما يفقد أعصابه.

أسرعت في إخراج هاتفها للمرة العاشرة وربما أكثر وضغطت على اسمه، وضعت الهاتف على أذنها وهي تدعو الله أن يجيب،
حاولت مرة أخرى ثم أخرى، وفي كل مرة كان الصمت هو الرد الوحيد.

شعرت بأن أعصابها توشك على الانهيار، فازدادت خطواتها سرعة حتى كادت تركض، غير عابئة بالتعب الذي بدأ ينهش جسدها، ولا بالهواء الذي صار يدخل إلى رئتيها بصعوبة، 
لم يكن يشغلها سوى سؤال واحد، أين طفلاها؟

وحين لاحت بوابة قصر عاصم من بعيد خفق قلبها بعنف، وكأنها وصلت إلى آخر محطة يمكن أن تجد فيها إجابة،
اندفعت نحو البوابة دون أن تهدئ من سرعتها، حتى توقفت أمام الحراس وهي تلهث من شدة الركض.

رفعت رأسها سريعًا وسألت بلهفة امتزجت بالخوف:

-عاصم جوه؟

تبادل الحراس النظرات فيما بينهم، ثم تقدم أحدهم خطوة إلى الأمام ومد ذراعه يعترض طريقها قبل أن تخطو خطوة أخرى،
نظر إليها بوجه جامد وقال بصوت خشن لا يحمل أي تعاطف:

-إنتي جاية عايزة إيه؟

رمشت عدة مرات غير مصدقة ما تسمعه، فلم تكن تتوقع أن يُطرح عليها هذا السؤال أساسًا، لذا رفعت عينيها إليه وقد ارتجفت ملامحها كما ارتجف صوتها، وقالت بتوسل لم تستطع إخفاءه:

-عايزة أولادي...

ثم أشارت إلى الداخل بعجلة وأضافت:

-أوعى... وسع، خليني أدخل لهم.

تشبثت بعيني الحارس وكأنها تبحث فيهما عن ذرة رحمة، لكن ملامحه بقيت صلبة، لا توحي بأنه ينوي أن يفسح لها الطريق،
عندها شعرت عائشة بأن الخوف الذي كان يسكن قلبها طوال الطريق بدأ يتحول إلى ذعر حقيقي.

وللمرة الأولى منذ سنوات أحست بعجز كامل؛ عجز أم تقف على بُعد خطوات من طفليها، بينما يفصل بينها وبينهما باب مغلق، ورجال لا يسمحون لها حتى بالعبور.

فعادت تصرخ بجنون في وجهه:

-بقولك دخلني، عايزة اولادي، عاااصم.

-مالكيش عيال هنا، يلا اتكلي على الله.

تجمدت للحظة ثم سرعان ما اشتعلت عيناها بالغضب والهلع معًا، لم تستوعب كيف يمنعها من دخول المكان الذي تعلم يقينًا أن طفليها بداخله، فاندفعت نحوه دون تفكير، ودفعته بكل ما أوتيت من قوة محاولة تجاوزه، وهي تصرخ بانفعال أفقدها اتزانها:

-انت بتقول إيه؟! ابعد من قدامي!

حاول الحارس إيقافها مجددًا وهو يمد ذراعه ليمنعها من العبور، لكنها لم تكف عن المقاومة وأخذت تنادي بأعلى صوتها وقد اختلط رجاؤها بغضبها:

-عااااصم!... عاصم!

تردد صوتها في أرجاء القصر الواسع، لكنها لم تسمع سوى صدى صرختها يعود إليها، فازدادت يأسًا فصرخت مرة أخرى، وهذه المرة كان صوتها مبحوحًا من شدة الانفعال:

-عاصم!... سيبني أدخل... عاصم!

كانت تناديه وكأنها تتشبث بآخر خيط من الأمل، مؤمنة أنه إن سمع صوتها فلن يسمح لأحد بأن يقف في طريقها، لكن لم يجبها أحد، ظل الباب موصدًا والحارس ثابتًا في مكانه، يؤدي ما أُمر به دون أن تهتز له شعرة.

وحين حاولت الالتفاف من جواره لتقتحم المدخل، اضطر إلى دفعها بقوة ليمنعها من العبور، لم تكن تتوقع تلك الدفعة،
فاختل توازنها في لحظة وتراجعت خطواتها إلى الخلف بعشوائية، قبل أن تسقط بقوة على الأرضية الحجرية الصلبة،
ارتطم مؤخر رأسها بالأرض ارتطامًا عنيفًا، فتردد صوت الضربة في المكان، أعقبه صراخ حاد خرج منها دون إرادة.

شهقت من شدة الألم وأغمضت عينيها بقوة، بينما رفعت يدها المرتجفة إلى رأسها تحاول أن تخفف من الوجع الذي انفجر في جمجمتها كالنار.

لثوانٍ تشوش كل شيء أمامها، فاهتزت الرؤية وتداخلت الأصوات في أذنيها حتى بدت بعيدة ومبهمة، بينما أخذ الألم يزداد حدة مع كل نبضة من نبضات قلبها.

أما الحارس، فتراجع خطوة إلى الخلف وقد بدت على وجهه علامات الارتباك، لم يقصد أن يؤذيها بذلك القدر، لكنه لم يجد وسيلة أخرى ليمنعها من اقتحام القصر، فاقترب آخر منه قائلاً بهمس مترقب:

-إيه اللي عملته ده، عاصم باشا لو عرف إنك أذيتها مش هيطلع عليك الصبح.

فارتبك للحظات وهو ينظر لصديقه:

-هي اللي وقعت لوحدها.

لكن الحارسين لم يكملا ما كانا يهمان به، إذ انتفضا فجأة على وقع صراخ مدو جاء من بعيد، أعقبه وابل من الحجارة وكل ما طالته يد صاحبة الصراخ يتساقط نحوهما بلا هوادة.

تراجع الاثنان خطوة إلى الخلف في دهشة، وحاولا حماية وجهيهما من المقذوفات المتلاحقة، بينما كانت هي تندفع نحوهما كالإعصار، لا يوقفها خوف ولا تردعها هيبة ولم تكن سوى شريهان.

اشتعل الغضب في عينيها، وارتفع صوتها حتى دوى في أرجاء المكان وهي تصرخ:

-بتضربوا بنتي يا شوية كلاب؟! ده أنا هوريكوا أسود أيام حياتكم!

ولم تكتف بالصراخ بل اندفعت نحوهما بكل ما أوتيت من قوة، وراحت تنهال عليهما بحقيبتها، تضرب هذا وتدفع ذاك بينما الشتائم تتساقط من فمها تباعًا، وقد أعماها الغضب عن أي حساب للعواقب، فتبادل الحراس النظرات في ارتباك.

لم يتوقعوا أن تقتحم امرأة وحدها المكان بهذه الجرأة، ودون أن تبدي أدنى خوف من أسلحتهم أو نفوذ من يعملون لديه،
ولما أوشكت الأمور على الخروج عن السيطرة، تقدم حارس ثالث بخطوات حذرة، رافعًا كفه في محاولة لإيقافها، وقال بصرامة:

-ابعدي يا ست انتي احسنلك.

استدارت إليه في لحظة وثبتت عينيها في عينيه بثبات أربكه، ثم أشارت إليه بإصبعها وقالت بلهجة لا تحتمل المساومة:

-ولا قول للي مشغلك يجيلي حالاً ويكلمني، يا أما وديني هقلبها فوق راسكم حالاً.

ساد الصمت لثوانٍ بينهم، حتى الحراس أنفسهم ترددوا في الرد عليها، فقد كانت تتحدث بثقة امرأة لا تخشى شيئًا، وكأنها مستعدة لخوض معركة بمفردها إن لزم الأمر، ولكن ما إن وقع بصرها على عائشة حتى تبدلت ملامحها بالكامل.

فاختفى الغضب وحل محله خوف ممزوج بوجع عميق،
حيث كانت عائشة لا تزال ملقاة على الأرض تحاول النهوض، إلا أن جسدها لم يعد يقوى على حملها.

فأسرعت شريهان إليها وجثت بجوارها، وأسندتها برفق حتى وقفت بصعوبة ثم أخذت تنفض الغبار عن ملابسها المرتجفة، بينما راحت تتحسس وجهها ورأسها بقلق، وكأنها تتأكد أنها ما زالت بخير، وقالت بصوت اختنق من شدة تأثرها:

-قومي يا ضنايا، قومي يا حتة من قلبي، اسمالله عليكي وعلى اسمك، وحياتك لاخدك حقك واجبلك عيالك لغاية عندك.

رفعت عائشة عينيها إليها، فكان الألم أكبر من أن يُحكى، والانكسار أعمق من أن تصفه الكلمات، فتحركت شفتاها محاولة الحديث لكن صوتها لم يخرج.

لم تستطع سوى أن تنظر إليها بعينين امتلأتا بالدموع، قبل أن تنساب دمعة صامتة فوق خدها، ثم أخرى حتى غلبها البكاء الذي خرج بلا صوت، وكأن روحها هي التي تبكي لا عيناها.

تنهدت شريهان بحرقة ثم أمسكت وجهها بين كفيها وقالت بحزم تخفي خلفه خوفًا شديدًا:

-روحي يا عائش انتي دلوقتي، وأنا هجبلك عيالك لغاية عندك، انتي كويسة؟!

لكن عائشة لم تُجب، حتى أنها ابتلعت شهقة مؤلمة، وأبعدت يدي شريهان عنها برفق، ثم استدارت تمشي دون أن تعرف إلى أين، فكانت خطواتها متثاقلة وغير متزنة، أشبه بخطوات شخص يسير وهو غائب عن وعيه.

لم تعد ترى الطريق بوضوح، فكانت الشوارع تتداخل أمام عينيها، والوجوه تمر من حولها كظلال باهتة، بينما يدور رأسها بعنف إثر الضربة التي تلقتها، والانهيار النفسي الذي مزق ما تبقى من صلابتها.

ظلت تمشي بلا هدف، وكان كل شيء من حولها يبتعد تدريجيًا، حتى الأصوات صارت مكتومة، وكأنها تأتي من مكان بعيد،
وما إن وصلت إلى ساحة واسعة تعج بالبائعين والمارة، حتى خانتها قدماها تمامًا.

ترنحت للحظة وحاولت التمسك بأي شيء يحفظ توازنها، لكن أصابعها لم تمسك سوى الهواء، وفي اللحظة التالية سقط جسدها أرضًا بلا حراك.

فارتفع صوت ارتطامها بالأرض والتفتت إليها عشرات الوجوه،
فساد المكان هرج ومرج، وتوقفت حركة المارة للحظات بينما أخذ البعض يحدق فيها من بعيد دون أن يقترب، حتى أنه تبادل آخرون النظرات ثم ابتعدوا في حذر وكأنها تحمل وباء يخشون أن ينتقل إليهم بمجرد لمسها.

وبقيت عائشة ممددة على الأرض فاقدة الوعي، شاحبة الوجه إلى حد مخيف، وقد التصقت خصلات شعرها بوجهها المغبر، بينما كانت أنفاسها الخافتة بالكاد تُثبت أنها لا تزال على قيد الحياة.

فبدت في تلك اللحظة كروح أنهكتها الدنيا حتى استسلمت، وكأنها تسير نحو قدر لا تعلم إن كان يحمل لها نجاة أم نهاية لها.
                                                ***
أما داخل القصر..

دخل أحد الحراس وأملى على فايز ببعض الكلمات مما حدث بالخارج وأنهى حديثه بقوله:

-الدكتورة مشيت وخالتها برة مدورة الضرب في الرجالة وعمالة تهددنا، أخرج اديها رصاصتين اسكتها.

انعقد حاجبي فايز بغضب وقال بهمس حانق:

-انتوا يا شوية متخلفين، ازاي الحمار اللي برة ده يوقعها، عاصم باشا لو عرف هيبتنا كلنا جنب شوقي في المخزن.

ارتبك الحارس وحاول الدفاع عن صديقه:

-ليه؟ هو مش عاصم باشا هو اللي أمرنا نقولها مالكيش عيال ونمشيها؟!

اقترب فايز منه وقال بغيظ من غبائه:

-يا غبي ونبه عليكم وعليا إننا نعاملها براحة وقال مرتين منأذيهاش وهددنا علني لو أذينها في الكلام حتى هيطلع روحنا في ايده.

-طيب اعمل إيه في الست المجنونة اللي برة دي، أنا خايف الرجالة متسكتش اكتر من كده.

نظر فايز لغرفة مكتب عاصم بتفكير وشعر بقرب نهايته الوشيكة، فهمس بحيرة:

-طيب اوصله ازاي، ده قافل المكتب عليه ومشغل جورج وسوف، مش هقدر ادخله.

ومن ثم قطع تفكيره صوت بكاء الصغيرة ليلة تركض من الأعلى وهي تبكي بهلع شديد وتطلب النجدة من والدها:

-بابا الحقني....بابا الحقني بسرعة.


                الفصل العشرون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة