
"رصاصة غادرة"
تابعت عائشة نظرات الجميع الموجهة إليها بابتسامة حذرة، محاولة إخفاء ما بدأ يتسلل إلى قلبها من شعور غامض بعدم الارتياح، فكانت نظراتهم تختلف كثيرًا عن نظرات تلك السيدة التي استقبلتها في البداية؛ فلا دفء فيها ولا ترحيب، بل كانت تحمل شيئًا من التحفظ والريبة، وكأن وجودها بينهم أيقظ ذكرى قديمة لم يرغب أحد في استعادتها.
أطرقت عائشة قليلًا وهي ترمش بأهدابها الطويلة في حرج، ثم حاولت النهوض معتقدة أن الوقت قد حان للمغادرة، إلا أن صوت الرجل الذي يُدعى محمود أوقفها قبل أن تخطو خطوة واحدة، حيث قال بنبرة شبه حادة وهو يثبت عينيه عليها:
-انتي راجعة الوادي ليه تاني؟
توقفت عائشة في مكانها ثم عادت لتجلس باعتدال وهي توجه كامل انتباهها إليه، فبدا الارتباك واضحًا على ملامحها، وقالت بعد تردد قصير:
-آآ...أنا عمري ما جيت هنا أصلاً، بس يعني جيت اسكن في بيت أبويا، هو في إيه؟
ساد الصمت للحظات في أجواءالقصر، وكأن سؤالها البسيط كشف عن شيء لا يريد أحد الحديث عنه، حينها تدخل سالم وقد أدرك أن الأجواء بدأت تتوتر على نحو غير محمود، فقال بصوته الهادئ الرزين:
-مفيش يا دكتورة، نورتينا.
التفتت إليه عائشة وهزت رأسها شاكرة بابتسامة صغيرة، ولكن انتباه الجميع انصرف فجأة نحو باب المطبخ، فقد خرجت همت وهي تحمل كوبًا من العصير، وعلى شفتيها ابتسامة غريبة ملتوية تخفي خلفها ما لا يمكن الاطمئنان إليه، فتقدمت بخطوات ثابتة نحو عائشة، ولم يظهر عليها أدنى قدر من التردد أو الخوف، ثم مدت يدها بالكوب قائلة بلطف مصطنع:
-اتفضلي يا دكتورة.
تناولت عائشة الكوب بصفاء نية، وشكرتها بابتسامة رقيقة دون أن تدرك ما يدور في رؤوس الجالسين حولها، أما همت فقد جلست في مكانها وهي تنظر إلى أخواتها بنظرات انتصار خفية، وكأنها أنجزت أمرًا كانت تنتظره منذ وقت طويل، وفي تلك اللحظة أغمض سالم عينيه لثوانٍ معدودة، وشعر بانقباض حاد في صدره، فكان يعلم ما الذي قد يحدث لو شربت عائشة ذلك العصير، لكنه بدا عاجزًا عن التصرف دون أن يثير عاصفة من الأسئلة والشكوك.
رفعت عائشة الكوب نحو شفتيها، لكن قبل أن ترتشف منه، ارتفع صوت نادية فجأة وهي تسألها بسرعة وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا للغاية:
-هو انتي دكتورة إيه؟
توقفت عائشة عن الشرب ونظرت إليها باستغراب خفيف، ثم أجابت برقة:
-دكتورة اطفال.
واستطردت بابتسامة ودودة:
-بالمناسبة أنا فتحت عيادة صغيرة في بيتي لو حابين تجيبوا اولادكم اتطمن عليهم في أي وقت أنا موجودة.
تنفست نادية الصعداء للحظة بعدما نجحت في إشغالها، لكنها ما لبثت أن رأت الكوب يعود مجددًا نحو فم عائشة، فسارعت تسألها بلهفة أكبر:
-ويا ترى الكشف بكام؟
ارتفعت حاجبا عائشة قليلًا من غرابة السؤال، إذ بدا لها أن الأمر لا يستدعي كل ذلك الاهتمام لكنها أجابت بهدوء:
-أنا عنيا ليكم، تعالوا واتطمنوا على ولادكم من غير ما تدفعوا جنية.
ابتسمت ابتسامة بسيطة ثم رفعت الكوب مرة أخرى،
فشعرت نادية بأن الوقت ينفد، وأنها على وشك الفشل في مهمتها، فكانت تبحث بعينيها عن أي شيء يمكن أن يشغل عائشة للحظات أخرى، إلا أن صوت همت جاء هذه المرة حادًا ومليئًا بالاستياء:
-جرى إيه يا نادية ما تسيبي الدكتورة تشرب العصير!!!
التقت عينا نادية بعيني نهلة زوجة سالم، التي كانت تقف في إحدى زوايا القاعة تراقب المشهد كله بقلق بالغ، فكانت هي مَن أخبرت عاصم بوجود عائشة داخل القصر ولم يبقَ أمامها سوى انتظار وصوله، فهزت نهلة كتفيها بتوتر وهي تنظر نحو الباب الكبير، وكأنها تتمنى أن يُفتح في أي لحظة، ولم يطل الانتظار.
فجأة اندفع باب القصر بقوة، وارتطم بالحائط مصدرًا صوتًا جعل الجميع يلتفتون نحوه في آنٍ واحد، أما عائشة فقد أضاءت ملامحها فور رؤيته، ونهضت من مكانها وهي تبتسم ابتسامة واسعة صادقة، وكأن وجوده وحده كان كفيلًا بأن يبدد كل ما شعرت به من توتر وغربة منذ دخولها المكان.
وفي المقابل بدت علامات الارتباك والقلق واضحة على وجوه الحاضرين جميعًا، وكأن دخول عاصم قد قلب الموازين في لحظة واحدة، وحدهما نادية ونهلة تنفستا براحة واضحة، بعدما شعرتا أن الخطر الذي كان يقترب من عائشة قد تراجع أخيرًا، أما عاصم فقد دخل بخطوات ثابتة واثقة، يحمل في هيئته حضورًا قويًا فرض الصمت على الجميع.
توقفت عيناه أولًا عند عائشة، تفحصها بنظرة سريعة لكنها دقيقة، وكأنه يبحث عن أي علامة قد تدل على تعرضها للأذى، وحين تأكد من أنها بخير ارتخت ملامحه قليلًا قبل أن يتحول ببصره إلى بقية الجالسين، اجتاح المكان لحظة صمت مربك، لم يُسمع خلالها سوى صوت أنفاس متقطعة وقلوب تخفق باضطراب، ثم تقدم خطوة إلى الأمام واستقرت عيناه على الوجوه المتوترة من حوله، وحين نطق خرج صوته خشنًا صارمًا، يحمل من التحذير أكثر مما يحمل من السؤال:
-مين جاب الدكتورة هنا؟
قالت عائشة بعفوية صادقة غير مدركة لحجم التوتر الذي يسري بين الحاضرين كتيار خفي لا تراه:
-أنا جيت هنا مع خالتك همت، هي عزمتني بصراحة آجي ازور عيلة مامتك وأنا وافقت.
ما إن أنهت حديثها حتى استقرت نظرات عاصم على خالته، فكانت همت تبادله النظر بثبات، وقد ارتسمت على وجهها ملامح عتاب صامت، وكأنها تلومه على تساهله في وجود عائشة داخل الوادي من الأساس، فكانت عيناها تحملان الكثير من الرسائل غير المنطوقة، لكن عاصم لم يمنحها ما تريد فتجاهلها تمامًا، وأدار وجهه عنها وعادت عيناه إلى عائشة، التي كانت قد جلست من جديد وهي تضم كوب العصير بين كفيها الصغيرتين.
بدت هادئة بل ومطمئنة، غير مدركة أن ذلك الكوب البسيط أصبح محور صراع خفي بين جميع الموجودين، فشعرت فجأة بجفاف في حلقها نتيجة التوتر الذي بدأ يتسلل إليها دون أن تفهم سببه، لذا رفعت الكوب نحو شفتيها محاولة ارتشاف القليل منه، لكنها لم تتمكن حتى من تقريب الكوب إلى فمها.
ففي لحظة خاطفة امتدت يد عاصم وانتزعت الكوب منها بهدوء ظاهري أخفى خلفه عاصفة من الغضب والقلق، تجمدت عائشة في مكانها وهي تنظر إليه بدهشة، أما هو فظل ممسكًا بالكوب بين أصابعه ثم قال دون أن يرفع عينيه عنه:
-اعملوا للدكتورة قهوة.
وكأن كلماته كانت أمرًا لا يحتمل النقاش، هزت نادية رأسها بسرعة بالغة، ونهضت من مكانها وكأنها كانت تنتظر هذه الفرصة منذ دخول عاصم، ثم أسرعت نحو المطبخ لتتولى الأمر بنفسها، وفي المقابل اتسعت عينا عائشة باستغراب شديد، لم تفهم سبب تصرفه المفاجئ ولا سبب أخذه للكوب منها بهذه الطريقة، لكن دهشتها ازدادت عندما أكمل حديثه وهو يوجه بصره نحو أخواله وخالته:
-وأنا هشرب العصير.
صمت الجميع ينظرون إليه وكأنهم لم يسمعوا كلماته جيدًا،أما همت فقد شحب وجهها فجأة واتسعت عيناها بصدمة حقيقية،
ولأول مرة منذ بداية الجلسة بدا عليها الارتباك، بينما انتفض سالم من مقعده بسرعة جعلت الكرسي يصدر صوتًا حادًا فوق أرضية القاعة، وتقدم نحو عاصم ومد يده لانتزاع الكوب من بين أصابعه وهو يقول بابتسامة متوترة بالكاد استطاع رسمها:
-هخليهم يعملولك قهوة زي الدكتورة.
لكن محاولته لم تنجح، إذ انقبضت أصابع عاصم بقوة أكبر حول الكوب، وبرزت عروق يده بوضوح وهو يتمسك به كأن حياته متوقفة عليه، ثم قال بصوت غليظ خرج من بين أسنانه المطبقة:
-وأنا قولت هشرب العصير.
ارتجف الهواء بينهما فكانت الكلمات قليلة، لكنها حملت تهديدًا كافيًا لإشعال المكان، حاول سالم سحب الكوب مجددًا، وازدادت قوة قبضته واشتبكت نظراته بنظرات عاصم في مواجهة صامتة، مواجهة فهم الجميع معناها دون أن ينطق أحد بكلمة، أما عاصم فرفض التراجع، وكانت أنفاسه تتسارع بصورة واضحة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما أخذ يرمق الجالسين واحدًا تلو الآخر بنظرات قاتمة أشبه بنظرات وحش يوشك على الانقضاض.
في تلك الأثناء كانت عائشة تنظر إليهم جميعًا بحيرة كاملة، لم تستوعب شيئًا مما يحدث، لم تفهم سر خوفهم من كوب عصير، ولم تدرك سبب تحول الأجواء فجأة إلى ساحة مواجهة مكتومة، فبدت كطفلة ضائعة وسط معركة لا تعرف أطرافها.
وفجأة مال عاصم قليلًا نحو سالم، واقترب منه إلى درجة لا تسمح لأحد بسماع حديثه، ثم همس بصوت منخفض للغاية، لكنه حمل من القسوة ما جعل الدم يتجمد في العروق:
-لو كان حصلها حاجة، كنت قتلتكم كلكم.
تجمد سالم مكانه وشعر وكأن الكلمات هوت فوق رأسه كصاعقة، فرفع عينيه نحو عاصم بذهول حقيقي، ولأول مرة بدأ يشك في طبيعة العلاقة التي تربط ابن أخته بتلك الطبيبة، فهذا لم يكن خوف رجل على ضيفة، ولا قلق شخص على زائرة مؤقتة في الوادي، بل كان شيئًا أكبر بكثير...شيئًا لا يمكن إخفاؤه مهما حاول صاحبه.
وفي اللحظة التالية أفلت عاصم الكوب عمدًا من بين يديه، فسقط الكوب على الأرض وتحطم إلى عشرات القطع الصغيرة، بينما تناثر العصير فوق السجاد الفاخر، شهقت عائشة بفزع
ونهضت نصف وقفة وهي تنظر إليه بقلق صادق قائلة:
-معلش....اكيد مكنش يقصد.
التفتت إليه وكأنها تدافع عنه رغم أنه هو من أسقط الكوب بنفسه، فبدت كلماتها البريئة شديدة التناقض مع حجم التوتر الذي يملأ المكان، لكن قبل أن يعلق أحد، جاء صوت محمود حادًا وقويًا قاطعًا كل شيء، فكان ينظر إلى عاصم مباشرة، ونظراته تحمل التحدي والشك والتهديد، ثم قال ببطء متعمد:
-هو انت علاقتك إيه بالدكتورة يا عاصم؟
ساد الصمت مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان الصمت مختلفًا، فالجميع أدرك أن السؤال الحقيقي قد طُرح أخيرًا، التفتت عائشة نحو عاصم باستغراب، بينما بقيت الأنظار كلها معلقة به تنتظر إجابته، أما هو فلم يبدُ عليه أي ارتباك، بل تراجع إلى الخلف بهدوء، وجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى في ثقة مستفزة للجميع، ثم مد يده فجأة وأمسك بكف عائشة، فارتجف جسدها كله من المفاجأة.
نظرت إلى يده التي تحتضن يدها الصغيرة، ثم رفعت عينيها إليه بصدمة وعدم استيعاب، لكن عاصم لم يلتفت إلى دهشتها،
ولم يكترث بنظرات الحاضرين المشتعلة، بل ظل ينظر مباشرة إلى خاله محمود ثم أجاب ببساطة شديدة، وكأنه يذكر حقيقة لا تقبل النقاش:
-ام ولادي.
وفي اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمه، خُيل للجميع أن الزمن توقف، فشهقت عائشة بعنف، واتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، أما همت فسقطت الحياة من وجهها بالكامل، وتبادل الحاضرون نظرات مذهولة، وكأن قنبلة انفجرت في منتصف القاعة.
لكن عاصم ظل جالسًا في مكانه بكل هدوء، محتفظًا بيد عائشة بين يديه، بينما كانت عيناه تقولان للجميع بوضوح، إن ما أعلنه للتو لم يكن طلبًا للموافقة...بل حقيقة فرضها عليهم جميعًا.
انتفضت همت من مقعدها فور أن استوعبت الكلمات التي نطق بها عاصم، فبدت وكأن صاعقة هبطت فوق رأسها مباشرة،
اتسعت عيناها بصورة مخيفة وارتجف جسدها كله من شدة الانفعال، بينما راحت تحدق في ابن أختها غير مصدقة ما سمعته للتو، ثم صاحت بغيظ ممزوج بحقد وألم قديم لم يندمل عبر السنوات:
-ام مين؟ انت بتقول إيه؟
لكن عاصم لم يلتفت إليها، فكان قد نهض بالفعل من مكانه، وجذب عائشة معه رغم دهشتها واعتراضها الصامت، ووقفت بجواره وهي لا تزال عاجزة عن استيعاب ما يحدث حولها، بينما قبضته المحكمة على يدها لم تترك لها فرصة للتراجع أو حتى التفكير.
ثم استدار نحو أفراد عائلة وهدان جميعًا، فكان يقف شامخًا كجبل لا تهزه العواصف، وقد ارتسمت على ملامحه قسوة اعتادوا رؤيتها بهذا الوضوح ولكن لأهالي الوادي وليس لهم،
ثم قال بصوت مرتفع دوّى في أنحاء القاعة كلها:
-بقول أم اولادي، عائشة أم أولادي، واللي يمسها يمسني، واللي يزعلها يزعلني، هتشيلوها فوق راسكم هتاخدوا عنيا، اللي هيفكر بس مجرد التفكير يجي جنبها هيلاقيني في وشه.
ارتجفت الوجوه أمامه، حتى أكثرهم جرأة لم يجد كلمة واحدة يرد بها عليه، أما هو فقد ألقى عليهم نظرة طويلة...نظرة حملت تهديدًا صريحًا لا يحتاج إلى تفسير، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة وقاسية جعلت القشعريرة تسري في أجساد الحاضرين، ابتسامة رجل مستعد لإشعال الدنيا كلها إذا اقترب أحد منها.
بعدها استدار دون انتظار رد، وجذب عائشة معه نحو الخارج،
فكانت خطواته ثابتة وواثقة، بينما كانت هي تسير خلفه شبه مذهولة، لا تعرف إن كانت تحلم أم تعيش الحقيقة، وما إن اقتربا من باب القصر حتى تحرك عاصم بطريقة غريزية، جعلها تسير أمامه مباشرة ثم أحاطها بجسده العريض وكأنه يبني حولها جدارًا بشريًا يحميها، فكان يشعر بنظرات الكراهية والعداء المنطلقة من خلفه.
يشعر بها تخترق الهواء نحوهما لذلك تعمد أن يحجبها عن الجميع، وكأنما أراد أن يقول لهم دون كلمات، لن تصلوا إليها ما دمت حيًا.
واختفى الاثنان خلف الباب الكبير، وفي اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلفهما انفجرت همت وأطلقت صرخة حادة مزقت السكون الذي كان يخيم على المكان ثم راحت تضرب صدرها ووجهها بعنف وهي تبكي بحرقة موجعة:
-يالهوي...يالهوي.
وانهارت فوق أقرب مقعد وهي تردد بصوت مخنوق بالبكاء:
-اتجوزها، ومخلف منها، يالهوي.
ثم رفعت رأسها نحو السقف وكأنها تخاطب روحًا غائبة:
-يا حبيبتي يا فاطمة، دمك راح كده، ابنك راح باعه للي غدروا بيكي يا روحي.
ثم التفتت فجأة نحو سالم وصرخت فيه بعينين محتقنتين بالدموع:
-كنت سيبه يشربه ويموت يا سالم.
ضربت بيدها على الطاولة بقوة وهي تتابع:
-كنت سيبه يموت.
جلس سالم في مكانه وكأن جبال الدنيا كلها سقطت فوق كتفيه، فكانت يداه تغطيان رأسه، وعيناه معلقتين في الفراغ، لم يكن يستوعب حجم ما حدث، ولم يكن قادرًا على تصديق أن تلك هي الحقيقة، فخرج صوته خافت مليء بالمرارة:
-كنتي عايزاني أموت ابن اختك يا همت.
التفتت إليه بسرعة، وكانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، ثم أمسكت بما فوق الطاولة وألقته أرضًا في نوبة غضب هستيرية، فتناثرت الأكواب والصحون على الأرضية الرخامية، واختلط صوت تحطمها بصوت بكائها الحارق، وهي تصرخ وتنتحب:
-مش أحسن ما يموتنا بحسرتنا يا سالم.
ثم ضربت صدرها بكلتا يديها وهي تكمل:
-محدش حاسس بيا أنا الوحيدة اللي شوفتها بتموت.
ساد الصمت من جديد، فحتى الغاضبون لم يملكوا الجرأة لمقاطعتها، أما هي فكانت قد عادت سنوات طويلة إلى الماضي، عادت إلى ذلك اليوم الأسود الذي لم يفارق ذاكرتها لحظة واحدة، فقالت بصوت مرتجف:
-ماتت ودمعتها على خدها...
وأغلقت عينيها بقوة وهي ترى المشهد أمامها وكأنه يحدث الآن:
-كانت بتبص على ابنها الوحيد.
ثم أطلقت شهقة موجوعة قبل أن تكمل:
-سمموها يا حبيبتي.
خنقتها العبرة للحظات، ثم همست بانكسار وهي ترى جسد اختها ممد أرضًا تصارع أنفاسها الأخيرة:
-سمموها وهي ملهاش ذنب في حاجة.
انهارت على الأرض أخيرًا، فكانت ترتجف من شدة البكاء وتتخيل مرارًا وتكرارًا صورة فاطمة...تلك المرأة التي عُرفت بين الجميع برقتها وطيبتها، المرأة التي لم تؤذِ أحدًا يومًا، والتي رحلت تاركة خلفها قلبًا مكسورًا وطفلًا صغيرًا، بل وأكثر من ذلك...رحلت وهي تحمل في أحشائها طفلة لم ترَ النور أبدًا، طفلة كانت في شهرها السادس، طفلة كانت تحلم بملامستها واحتضانها وسماع صوتها، لكن الموت سبق الأحلام كلها.
أما محمود فكان الغضب يشتعل في صدره كالنار، فلم يكن يصغي إلى بكاء همت ولا ينتبه إلى صمت ودموع سالم، فكان عقله منشغلًا بأمر آخر تمامًا، التفت ببطء نحو زوجته نادية، وكانت نظراته كافية لإثارة الرعب.
فهو مقتنع تمام الاقتناع أن عاصم لم يكن ليصل في ذلك التوقيت المثالي لولا أن أحدًا أخبره بوجود عائشة داخل القصر، ولم يجد أمامه سوى نادية، فاقترب منها بخطوات بطيئة ومخيفة، بينما تراجعت هي خطوة إلى الخلف وقد أدركت ما يدور في رأسه، أما هو فكان ينفث غضبه بصعوبة بالغة، يحاول السيطرة على نفسه قبل أن يفقد أعصابه بالكامل، لأنه أصبح متأكدًا أن زوجته كانت السبب في إفشال الخطة كلها...
وأنها هي مَن أوصلت الخبر إلى عاصم بطريقة أو بأخرى، لتنقذ عائشة من مصير لم يكن أحد ليخرج منه سالمًا لو وقع بالفعل.
***
أما عائشة فكانت تسير إلى جوار عاصم، ترمقه بين الحين والآخر بنظرات يملؤها التيه وعدم الفهم، لم تستوعب سبب خطواته العنيفة ولا تلك النظرات الحادة التي كان يرمق بها من حولهما، وكأنه يبعث برسالة صامتة للجميع مفادها أن الاقتراب منها أو المساس بها يعني الهلاك المحتوم، أثار تصرفه دهشتها وحيرتها لكنها تماسكت حتى توقفت فجأة وقالت بحزم لا يتناسب مع ملامحها الرقيقة:
-عاصم لو سمحت ممكن توديني مكان هادي نتكلم فيه؟
أومأ برأسه موافقًا دون أن ينبس بكلمة، زمت شفتيها بضيق، فصمته الدائم من أكثر الأمور التي تستفزها فيه، لكنه في الوقت ذاته كان يفرض حضوره بطريقة تجعل الاعتراض عليه صعبًا، ومع ذلك آثرت الصمت مؤقتًا حتى تجد الوقت والمكان المناسبين لتُفرغ ما يعتمل في صدرها.
وبالفعل وبعد عدة دقائق من السير بين أرجاء الوادي، وقع بصرها على ذلك الرجل الذي تشاجرت معه من قبل، فكان يسير متكئًا على عصا حديدية، بينما التف الشاش الطبي حول رأسه، اتسعت عيناها دهشة مما أصابه، والأغرب من ذلك أنه ما إن لمحها حتى خفض رأسه سريعًا وتجنب النظر إليها تمامًا، وكأنه يخشى مجرد التقاء أعينهما.
لم تشأ أن تطيل التفكير في الأمر، فأشاحت بنظرها عنه وتابعت السير خلف عاصم، وبعد مسافة قصيرة وصلا إلى مكان بدا وكأنه قطعة معزولة من الجمال وسط الوادي؛ شجرة عملاقة باسقة يمتد أحد فروعها الضخمة حتى يقترب من سطح الأرض، ويطل على بركة ماء صغيرة تحيط بها الأشجار من كل جانب، فتوقفت تتأمل المكان بانبهار حقيقي ارتسم على وجهها، ثم قالت بدهشة صادقة:
-الله، أنا مكنتش متصورة إن الوادي فيه مكان حلو كده؟
جلس عاصم فوق الفرع العريض وكأنه اعتاد اتخاذه مجلسًا له منذ زمن بعيد، ثم أطلق زفرة هادئة وقال بنبرة رخيمة:
-الوادي في أماكن جميلة كتيرة.
التفتت إليه ولاحظت مدى الألفة التي يتعامل بها مع المكان، فاقتربت منه ومدت يدها طالبة مساعدته للصعود، فأمسك بيدها برفق شديد وكأنها شيء ثمين يخشى أن يؤذيه، وساعدها حتى جلست إلى جواره، محافظة على مسافة مناسبة بينهما.
ساد بينهما صمت قصير لم يقطعه سوى خرير الماء وحفيف الأغصان المتمايلة مع النسيم، ثم التفتت إليه وقد عاد الفضول ينهشها وسألته:
-عاصم هو الراجل اللي اتخانقت معاه إيه اللي جراله؟
ظل للحظة ينظر إلى صفحة الماء الساكنة، ثم عقد حاجبيه متظاهرًا بعدم الفهم وقال ببرود:
-مش فاكر راجل مين؟
حدقت إليه عائشة بنظرة تحمل شيئًا من التحذير والعتاب في آنٍ واحد، ثم قالت:
-أنا متخانقتش مع مية واحد، هو واحد بس الراجل بتاع اليفط، أنا استغربت من شكله تقريبًا مفيش حتة سليمة فيه!
هز عاصم كتفيه بلا مبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد، ثم قال ببرود متعمد:
-وأنا مالي باللي جراله، بس عمومًا عشان أريحك هو حصله حادثة، ارتحتي؟
أصابتها نبرته المباشرة بشيء من الحرج، فشعرت بوخزة تأنيب ضمير لأنها لمحت ولو ضمنًا إلى احتمالية تورطه فيما حدث، فخفضت عينيها قليلًا وقالت بصوت خافت:
-أنا اسفة، متزعلش مني، أنا بس استغربت من شكله، أنا عارفة كويس إنك انسان شهم ومش بلطجي، بس...
وقبل أن تكمل جملتها التفت إليها فجأة، كانت عيناه ثابتتين عليها بصورة أربكتها، ثم سألها بنبرة جامدة وحادة:
-بس إيه؟ قولي من غير لف ودوران يا دكتورة؟!
ارتبكت للحظة من حدته المعتادة، لكنها سرعان ما استعادت تماسكها وقالت معقبة بضيق:
-انت ليه مبتعرفش تتكلم باسلوب أهدى من كده يا أستاذ عاصم؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة بالكاد ظهرت، ثم أجابها:
-عشان أنا اتعودت على كده بس يا دكتورة؟
تنهدت وهي تهز رأسها بيأس خفيف ثم قالت:
-وهتفضل تقولي دكتورة وأنا اقولك أستاذ كتير؟
ساد صمت من طرفه قصير، تراقصت خلاله انعكاسات الماء على وجهه، بينما كان ينظر أمامه وكأنه يفكر في شيء أبعد من حديثهما، ثم أجابها بهدوء لم تتوقعه:
-معرفش حاسس منك بهجوم في اغلب الوقت، فبحاول احط حدود عشان لا تزعلي ولا انا ازعل.
عقدت حاجبيها باستغراب وأجابت بنبرة مكتومة بالحنق:
-بالعكس، انت اللي مبتدنيش فرصة افمهك، زي دلوقتي لما قولت لاهلك إن أنا أم اولادك.
رفع حاجبه متسائلاً بنبرة مبطنة بالضيق:
-وانتي مش امهم؟
ردت سريعًا بلهفة وهي تقول باهتمام وصدق خالص:
-لا امهم طبعًا.
-امال متضايقة ليه، المفروض تفرحي؟!
هزت رأسها بنفي واضح وبدأت بتبرير موقفها كي يفهم صدق حديثها:
-متضايقتش، أنا بس خوفت هما يزعلوا منك، أو يفهموا غلط، مش عارفة حاسة الموضوع متلعبك اوي.
راقبها وهي تخرج تنيهدة قوية من صدرها أثبتت عدم راحتها لكل شيء يحدث، فقال بثبات واضح وجمود أصبحت تقرأ إماراته فوق صفحة وجه عاصم:
-اللي عايز يفهم زي ما هو عايز يفهم براحته، أنا مش هبرر لحد، أنا اللي عندي وضحته وقولته، انتي أم اولادي واللي يمسك كأنه مسني.
شعرت بشيء من الارتباك أمام حدة صدقه، ثم قالت بنبرة أكثر لينًا:
-أنا مقدرة إنك بتحاول تحميني يا عاصم بس....
قاطعها بحسم حاد ولأول مرة كانت يده تشاركه في الحديث، فعاصم لا يستخدم لغة جسده في الحديث، ويكتفي بإلقاء أوامره وكأنه تمثال لامبراطور، ولكن يبدو أن عائشة تجعله يخالف كل شيء اعتاد عليه:
-أنا مش مستني منك تقدير، ده واجب عليا، حمايتك واجب عليا، فحاولي متجادلنيش في أي حاجة بعملها في مصلحتك أو اقولهالك.
أطرقت رأسها لعدة لحظات وكأنها تجمع شتات الكلمات العالقة في صدرها منذ قدومها للوادي، فكانت تحاول أن تُخرج ولو جزءًا يسيرًا مما يثقل قلبها، لكنها لم تعرف من أين تبدأ، وحين رفعت عينيها إليه، كان الارتباك واضحًا في ملامحها، بينما خرج صوتها مهزوزًا على غير عادتها:
-أنا مجادلتش، ولا ناقشت، حتى في حاجات كتير اوي مش قادرة افهمها ولا استوعبها ومبلاقيش تفسير ليها.
ظل صامتًا للحظات قبل أن يجيبها بنبرة هادئة لكنها حاسمة وغامضة:
-ومتحاوليش تلاقي تفسير يا عائشة، ومالكيش دعوة بأي حد من الوادي غيري وبس، لو سمحتي متتحركيش إلا بعلمي.
ارتجفت شفتاها قليلًا وترقرقت الدموع في عينيها قبل أن تقول بصوت أوشك أن يختنق بالبكاء:
-أنا عارفة ليه بتقول كده، عشان الناس كلها بتكرهني، حقيقي مش عارفة أنا عملت إيه لكرههم ده، ومش لاقيه سبب يستحق الكره ده كله، تعرف النهاردة...
وتوقفت قليلًا لتلتقط أنفاسها، ثم بدأت تسرد له ما حدث، أخبرته كيف رأت الطفل يصارع أنفاسه، وكيف اندفعت دون تفكير لتحاول إنقاذه، لكنها فوجئت بالجميع يرفضون اقترابها منه، فحدثته عن الأيدي التي دفعتها بعيدًا، وعن النظرات التي طاردتها كأنها مذنبة، وعن شعورها بالعجز وهي ترى طفلًا يحتاج للمساعدة بينما يُمنع عنها حتى مجرد المحاولة.
ومع كل كلمة كانت تستعيد مرارة ما حدث، حتى انهارت دموعها أخيرًا وقالت بقهر واضح:
-كانوا بيزقوني وكأني هجيب ليهم العار، كرههم واضح ليا، مكنتش هأذي ابنهم في حاجة، كنت بحاول انقذه بس.
خفضت رأسها خجلًا من انهيارها أمامه، ومن أنها تحدثت كل هذا الوقت دون أن يقاطعها أو يطلب منها التوقف، فكانت الكلمات تخرج منها تباعًا كأنها وجدت أخيرًا من يستمع إليها، حتى همست بتوتر وحيرة:
-هو أهلي عملوا إيه يا عاصم؟ خلوك تكرههم كده، والناس كلها تكرههم.
زم شفتيه بضيق وأدار بصره نحو المياه الممتدة أمامه، فظل صامتًا لدقيقة كاملة وكأنه يزن كلماته بعناية، ثم قال أخيرًا:
-متحاوليش تفكري في اللي فات يا عائشة، انتي خلاص مالكيش صلة بيهم، محدش هياخدك بذنبهم متخافيش من حاجة.
رفعت عينيها إليه ومن بين دموعها ظهرت ابتسامة صغيرة بريئة، كأنها وجدت في كلماته ملاذًا آمنًا من كل ما يطاردها، ثم قالت بصوت خافت صادق:
-مش خايفة وانت موجود.
نظرت إليه بثقة طفلة وجدت من تتكئ عليه، بينما بقي هو واجمًا للحظات، بعدما تفاجأ من ردها البريء وابتسامتها الصافية التي لا تشبه قسوة أهل الوادي، فشعر للحظة بأنه لا يستحق حتى أن يتبادل معها الحديث، فأبعد وجهه عنها محاولًا السيطرة على اضطرابه الذي بات يتفاقم كلما اقترب منها، بينما ظلت هي تحدق فيه لبرهة مترقبة رده، وحين لم تجد منه جوابًا، هبطت عن فرع الشجرة ومسحت دموعها سريعًا، ثم أعادت خصلات شعرها إلى الخلف قائلة بصوت خافت:
-يلا رجعني عشان الولاد وحشوني.
هبط هو الآخر ومد يده ليساعدها على تجاوز الصخور الكبيرة المنتشرة في الطريق، لكنها رفضت بلا مبالاة وهي تتحرك بخفة واندفاع:
-متخافش هعرف اعدي....
وما إن أنهت كلماتها حتى تعثرت بإحدى الصخور الكبيرة، وكادت تهوي نحو المنحدر المؤدي إلى البركة، في لحظة خاطفة اندفع عاصم وأحاط خصرها بذراعيه من الخلف، جاذبًا إياها إليه بقوة وهمس بصوت ارتجف فيه الخوف أكثر مما ارتجف فيه الغضب:
-حاسبي يا عائشة..
توقفت أنفاسها للحظة وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها حين أدركت قربه الشديد منها، وما إن استوعبت الموقف حتى دفعته بعفوية وارتباك لم يتوقعهما، فتراجع إلى الخلف مترنحًا قبل أن يرتطم جذعه بالشجرة بقوة، فأغمض عينيه متأوهًا بصمت بينما التفتت إليه هي مذعورة، تكرر اعتذارها بسرعة:
-أنا أسفة يا عاصم، يا نهار اسود والله ما اقصد، حقك عليا.
اعتدل في وقفته بصعوبة، بعدما اخترقت بعض الأشواك ظهره وتركت جروحًا مؤلمة، ثم قال بصوت متقطع من الألم:
-خلاص يا عائشة أنا كويس، حاسبي بس عشان متقعيش.
أومأت برأسها وهي تراقبه بعينين قلقتين، ثم لمحت قطرات الدم التي بدأت تظهر على قميصه من الخلف، فتجمعت الدموع في عينيها من جديد وقالت بأسف صادق:
-يا نهار ابيض انت اتعورت أنا أسفة حقيقي، يا ريتني ما جيت هنا، تعالى هوصلك لبيتك.
وأمسكت بيده كما لو كان مصابًا إصابة خطيرة، فحاول عاصم سحب يده بلطف وهو يقول بضيق:
-خلاص يا عائشة محصليش حاجة متقلقيش.
لكنها لم تستجب بل تشبثت بيده أكثر ونادت فايد الذي كان يقف بالقرب من السيارة، فاتسعت عينا عاصم بصدمة واضحة، وحاول إسكاتها قبل أن تصل كلماتها إلى مسامع رجاله، إلا أن فايد كان قد اقترب بالفعل وقال باحترام:
-أمرك يا دكتورة.
أسرعت تشرح ما حدث لعاصم بلهفة:
-عاصم ات....
لكن عاصم قاطعها بصرامة موجِّهًا حديثه إلى أحد رجاله:
-وصل انت الدكتورة والرجالة خليهم معاك، وانت يا فايد تعالى معايا يلا.
فتحت فمها محاولة الاعتراض، وقالت بقلق مهني وخوف حقيقي عليه:
-بس يا عاصم ضهرك لازم يتعقم و...
ابتسم ابتسامة مقتضبة لم تصل إلى عينيه، ثم قال بنبرة حازمة حاول أن يخفي خلفها ارتباكه:
-روحي يا عائشة لو سمحتي.
ثم ابتعد عنها سريعًا وكأن البقاء بقربها أصبح خطرًا لا يستطيع احتماله، فراقبته وهو يبتعد وشعور مرير بالإهانة يتسلل إلى قلبها، فكان نفس الإحساس الذي يطاردها منذ وطأت قدماها هذه البلدة؛ شعور الغريبة غير المرغوب بها، حتى عاصم الذي ظنته مختلفًا عن الآخرين، كان يتصرف معها أحيانًا بقسوة مربكة، وكأن قربها منه عار يخشى أن يلاحقه.
ابتلعت غصتها بصمت وحاولت منع دموعها من السقوط مجددًا، متعجبة من هشاشتها المتزايدة في الآونة الأخيرة، ربما كان السبب شعورها الدائم بعدم الانتماء إلى هذا المكان.
أما عاصم فلم يكن يدرك شيئًا مما يدور داخلها، وما إن ابتعدت حتى التفت إلى فايد وقال بصرامة:
-مش هقول تاني خلوا بالكم من الدكتورة يا فايد ومن الناس اللي بتتعامل معاها، مش عايز اسمعها تاني زعلانة من تصرفات حد أو متضايقة من حد هنا.
تردد فايد قليلًا قبل أن يجمع شجاعته ويسأله:
-هو انت سايبها هنا ليه يا عاصم باشا، هو الولاد مبقوش معانا خلاص سيبك منها.
توقف عاصم مكانه وساد الصمت لثوانٍ قصيرة قبل أن يجيبه بحدة قاسية:
-سايبها عشان هي أمهم، وأنا مش أناني عشان أحرم ولادي من أمهم، مش كفاية اتحرموا مني، عائشة هتعيش هنا بكرامتها وزي ما هي عايزة وبالطريقة اللي تناسبها، وكله عشان خاطر ولادي، حتى لو وصل بيا الحال إن احبسها في بيتي، هعملها يا فايد.
رفع عاصم حاجبه متجهمًا:
-وبالنسبة لچيني هانم؟
-آآ مقصدش، هي كل يوم والتاني بتحاول توصلك وتسأل عليك، حتى صفية بتسأل على شوقي، والموضوع وصل للدكتور ابوها لا مؤاخذة واتصل هو كمان عايز يوصلك بأي شكل.
اشتدت ملامح عاصم قسوة وقال بصوت بارد:
-سيبهم يتفلقوا كلهم، وفي الوقت اللي اشوفه مناسب هجيبهم كلهم هنا، وكل واحد هيتحاسب زي ما أنا عايز
ثم توقف قليلًا وعيناه تتجهان نحو الطريق الذي سلكته عائشة قبل لحظات، وأضاف بصوت أكثر انخفاضًا:
-بس اضمن عائشة وولادي معايا قبل أي حاجة.
****
جالت غالية بنظراتها في أرجاء المطبخ الواسع بملل واضح، وهي تحاول عبثًا أن تجد ما يشغل عقلها عن ذلك الانتظار الذي جثم فوق صدرها منذ أن وطأت قدماها القصر، فكانت تشعر وكأن الزمن قد توقف بين جدرانه العتيقة، فلا أحد يخبرها بما عليها فعله، ولا أحد يوضح لها طبيعة مهمتها أو حتى المكان الذي ستقيم فيه.
منذ الأمس وهي جالسة بحقيبة ملابسها في أحد أركان المطبخ، تراقب الخدم وهم يتحركون جيئة وذهابًا كخلية نحل منظمة، بينما بقيت هي خارج ذلك النظام تمامًا، كأنها قطعة زائدة لا يعرف أحد أين يضعها.
ازدادت ضيقتها مع مرور الوقت حتى قررت أخيرًا أن تخرج عن صمتها، فالتفتت نحو إحدى الخادمات التي بدا من هيئتها أنها كبيرة الخدم والمسؤولة عن الباقين، ثم سألتها بغيظ ظاهر:
-هو نظام موسى باشا إيه؟
التفتت إليها المرأة وقد ارتسمت على وجهها علامات الاستغراب ثم قالت:
-نظام إيه، مش فاهمة؟
أطلقت غالية زفرة حانقة وقالت من بين أسنانها:
-يعني أنا مرزوعة في المطبخ من امبارح بشنطة هدومي لا ليا مكان انام فيه، ولا عارفة هو نظامه ايه واليوم بيعدي وأنا على نفس قعدتي.
تقدمت الخادمة منها عدة خطوات، ثم أجابتها بجدية لم تزدها إلا ضيقًا:
-مفيش حد هيقدر يقولك تعملي ايه وتنامي فين؟ غير موسى باشا وبس ومش هيقولك بردو إلا بمزاجه.
اتسعت عينا غالية بصدمة واضحة، وأشارت إلى نفسها قائلة بقهر:
-يعني ايه هفضل كده؟
شعرت المرأة بشيء من الشفقة نحوها فخفضت صوتها وقالت بحذر:
-بصي كل اللي اقدر اقولهولك، إنه بيشك في صوابع ايده، فممكن يكون سايبك بيختبرك مثلاً، وخدي بالك هو مالوش نظام معين، شخص غريب ويومه اغرب، اوقات تلاقيه هادي ومبيتكلمش وساكت، واوقات تلاقي طايح فينا كلنا حتى اهله، في الحالتين ابعدي عنه بقى عشان ده مالوش أمان.
تنهدت غالية بقوة ثم قالت بنبرة ساخرة اختلط فيها التيه بالاستغراب:
-غريبة كلامك غير البنت اللي كلمتني امبارح عنه، دي كانت شايفاه فارس مبيغلطش.
ضحكت الخادمة ضحكة قصيرة ساخرة وهزت رأسها:
-دي عبيطة وصغيرة مشافتش منه حاجة غير طشاش، لكن احنا شوفنا منه المرار.
ثم نظرت إليها نظرة حملت الكثير من الأسف وأضافت:
-وانتي الله يكون في عونك.
اقتربت منها غالية أكثر وسألتها بتردد:
-تنصحيني بإيه؟
مالت الخادمة نحوها وهمست بصوت خافت:
-متخليهوش يشك فيكي لحظة، لإنه في اللحظة اللي هيشك فيكي اللحظة التانية هتقابلي رب كريم.
شعرت غالية بقشعريرة باردة تسري في جسدها رغم حرارة المطبخ المرتفعة، واستطردت المرأة:
-واه نسيت متعمليش حاجة قبل ما تسأليه وتقوليله، واقعدي بقى زي ما انتي قاعدة كده.
ثم أضافت وهي تنظر إليها بتفحص:
-صحيح انتي ايه اللي راماكي على الشغل هنا في القصر؟
فكرت قليلاً لتجد رد قوي يقنعها:
-الفلوس هنا حلوة.
ابتسمت المرأة ابتسامة باهتة وقالت:
-شكلك غريبة عن رشيد، انتي لو من هنا بصحيح مش هترضي تشتغلي معاه لحظة.
وفي تلك اللحظة دخلت خادمة أخرى إلى المطبخ على عجل، وقد بدت على وجهها علامات السخط، وقالت بسخرية مريرة:
-وكأن في حد في رشيد يرفض طلب لعيلة عزام.
ساد صمت قصير بينهم....صمت يحمل من المعاني أكثر مما تحمله الكلمات، فاسم عائلة عزام وحده كان كافيًا ليجعل الجميع يلتزمون حدودهم، ألقت الخادمة الأخرى نظرة مشفقة على غالية ثم قالت:
-قومي اعملي غدا خفيف على زوقك لموسى باشا، وروحي قدميه في الجنينة الكبيرة، خلي بالك الاكل يكون مرصوص بشكل حلو.
أومأت غالية برأسها موافقة، لكنها سرعان ما توقفت وقد عقدت حاجبيها بحيرة:
-اعمله ايه معرفش بيحب ايه؟
تبادلت الخادمتان نظرة سريعة، قبل أن تضحك إحداهما ضحكة خافتة خالية من المرح، ثم قالت:
-لو عرفنا إحنا بيحب إيه كان زمان حياتنا أسهل بكتير.
شعرت غالية باضطراب غريب وهي تستمع إلى حديثهما، فمنذ أن وصلت إلى ذلك القصر، لم تسمع عن موسى إلا أوصافًا متناقضة؛ شخص يراه البعض فارسًا مغوار، بينما يراه آخرون وحشًا لا يمكن التنبؤ به، رجل يخشاه الجميع ويطيعونه دون نقاش، وكأن مجرد ذكر اسمه يكفي لزرع التوتر في النفوس.
وها هي للمرة التي لا تعرف عددها منذ قدومها، راودها شعور حقيقي بالخطر، فهي لم تكن تخشى العمل الشاق ولا الوحدة، ولا حتى قسوة الحياة التي اعتادت عليها منذ سنوات،لكنها كانت تخشى المجهول، وذلك الرجل الذي يدور اسمه على ألسنة الجميع كأنه لعنة تسكن البلدة.
ومع ذلك، لم يكن أمامها خيار آخر، فثأر أخيها الذي جاءت من أجله لم يكن رفاهية، بل كان طوق نجاة أخير، ولن تسمح للخوف أن يعيدها إلى النقطة التي هربت منها، لذلك أخذت نفسًا عميقًا ثم اتجهت نحو موقد الطهي، وهي تعقد العزم على إعداد طعام بسيط "كشوربة خضار".
***
ما إن انتهت من إعداد الطعام حتى رتبت الأطباق بعناية فوق الصينية، ثم حملتها بين يديها واتجهت نحو الحديقة الكبيرة بخطوات واثقة.
فكانت الحديقة تمتد على مساحة شاسعة، تتخللها الأشجار العتيقة وأحواض الزهور المنسقة بعناية، إلا أن جمال المكان لم ينجح في تبديد ذلك التوتر الذي بدأ يتسلل إلى صدرها كلما اقتربت من وجهتها، وما إن وقع بصرها عليه حتى توقفت خطواتها فجأة، فكان يجلس تحت ظلال إحدى الأشجار، بينما يقف أمامه كلب ضخم يكاد حجمه يضاهي حجم ذئب بري، بدت على الحيوان علامات الشراسة والقوة، وكانت عيناه تراقبان كل حركة حوله بيقظة مخيفة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، فتراجعت خطوة لا إراديًا، في تلك اللحظة لمحها موسى، رفع رأسه نحوها ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء مستفزة جعلتها تشعر بأنه أدرك خوفها فورًا.
اتسعت عيناها برجاء صامت وهي تنظر إليه، متمنية ألا يقدم على تنفيذ الفكرة التي لمعت في عينيه، ولحسن حظها أشار بيده إلى الكلب قائلًا كلمة قصيرة، وبشكل مدهش تحرك فورًا مبتعدًا عنه، وكأنه يفهم كل إشارة تصدر منه دون الحاجة إلى أوامر متكررة، راقبت ما يحدث بدهشة قبل أن تتقدم مجددًا، ثم وضعت الصينية أمامه.
نظر موسى إلى الطعام للحظات، ثم انعقد حاجباه استنكارًا وهو يقول:
-تصدقي أنا كان المفروض اسيبه ياكلك.
ثم أشار إلى الطبق أمامه وأضاف:
-ايه اللي انتي عملتيه ده؟
نظرت غالية إلى الطبق وكأنه أعظم إنجاز طهوي في التاريخ، ثم قالت بثقة:
-شوربة خضار جميلة، دوقها كده.
حدق بها وكأنها فقدت عقلها قبل أن يقول:
-انتي بتكلمي ابن اختك؟! حد قالك إني أنا عيان؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت باستهجان:
-لا انت زي الفل وحلو اهو، وبعدين هو كل معلوماتك عن شوربة الخضار للعيان بس، لا اوقات بنقدمها عادي للناس اللي بتطلب غدا خفيف.
رفع حاجبه بسخرية:
-والله!! لا ده انتي ظريفة اوي!
ابتسمت ابتسامة جانبية وقالت:
-مش هكون اظرف منك يا موسى بيه.
ضاقت عيناه وهو ينظر إليها محذرًا:
-لمي لسانك عشان مطوحش الصينية كلها عليكي.
هزت رأسها بأسف مصطنع:
-يا بيه ده أنا بشكر فيك والله، على طول فاهم نيتي غلط.
تأملها موسى لعدة لحظات بعينين ضيقتين، وكأنه يحاول استكشاف ما يدور داخل رأسها ثم التقط الملعقة من جوار الطبق ومدها نحوها قائلًا بنبرة حملت شيئًا من السخرية:
-طيب يا بريئة خدي.
عقدت حاجبيها وهي تنظر إلى الملعقة التي كانت أمام وجهها، ثم رفعت بصرها إليه باستنكار واضح وقالت:
-أنت اللي جعان مش أنا.
أمال رأسه قليلًا ورد بهدوء:
-ما أنا عارف.
ثم أشار إلى الطبق أمامه وأكمل بشك:
-بس بعد كده أي أكل تعمليه تدوقيه قدامي.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت:
-ليه يعني؟
رفع كتفيه بلا مبالاة:
-مش يمكن مالح او دلع، تقوليه إيه بقى بتشتغلي عند واحد مدلع زيادة عن اللزوم.
زفرت بضيق وهي ترد:
-ما أنا أكيد ظبطته قبل ما اقدمه.
لكنها ما لبثت أن أدركت من نظراته الجامدة أنه لن يتراجع عن طلبه، فتمتمت على مضض:
-اه طيب لو حابب ادلعك كده وماله.
أخذت الملعقة من يده بينما كانت تشعر أنه يستمتع بإجبارها على تنفيذ أوامره أكثر من اهتمامه الفعلي بالطعام نفسه،
رفعت الملعقة إلى فمها ثم ارتشفت منها قليلًا، وفي اللحظة التالية مباشرة ألقت الملعقة من يدها فجأة وقفزت للخلف وهي تطلق شهقة مرتفعة:
-يالهوي.
انتفض حاجباه بينما ظلت هي تنفخ في فمها بصورة مبالغ فيها، ثم أخذت تلوح بيدها أمام شفتيها وكأنها تعرضت لحادث مأساوي، أما هو فقد أدرك فورًا أنها تمثل، فارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة وهو يتابع ما تفعله بصمت، وضعت غالية يدها فوق صدرها وقالت بتأثر مصطنع:
-كانت سخنة خالص.
ثم رمقته بنظرة ساخرة وأضافت:
-يقطعني، مينفعش اقدمهالك سخنة تلسعك، لا لا لازم ابردهالك.
وأمسكت بالصحن وكأنها توشك على حمله بالفعل، هنا لم يتمالك موسى نفسه أكثر، فانفجر ضاحكًا وارتفعت ضحكاته القوية في أنحاء الحديقة الهادئة، حتى إن بعض العمال والخدم القريبين التفتوا نحو مصدر الصوت بدهشة، فمن النادر جدًا أن يسمع أحد ضحكة حقيقية تخرج من موسى عزام.
أما هي فابتسمت بخفة وهي تراقبه، وقد شعرت بشيء من الانتصار الداخلي، فكان الرجل الذي يخشاه الجميع يجلس أمامها الآن يضحك بسببها، وللمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، رأت جانبًا مختلفًا منه جانبًا بدا أكثر إنسانية وأقل وحشية مما وصفه الجميع، لكن تلك اللحظة لم تعش طويلًا،
فكما ظهرت الضحكة فجأة اختفت فجأة أيضًا، وتجمدت ملامحه تدريجيًا وانطفأ بريق المرح من عينيه.
لاحظت غالية التغير فورًا، فالتفتت تلقائيًا في الاتجاه الذي ينظر إليه، ورأت رجلين يقتربان من المائدة، كان أولهما رجلًا تجاوز الخمسين بقليل، تبدو عليه ملامحه الصرامة والهيبة، بينما كان الآخر أصغر سنًا، إلا أن الإرهاق والتوتر كانا ظاهرين عليه بصورة واضحة، تبدلت أجواء المكان بأكملها.
.
استقام موسى في جلسته وعادت تلك النظرة الباردة التي اعتاد الجميع رؤيتها في عينيه، تقدم الرجلان حتى وصلا إليهما،
جلس الشاب مباشرة بجوار موسى دون استئذان، ثم نظر إلى غالية نظرة عابرة وقال بنبرة آمرة اعتاد أن تُنفذ أوامره دون نقاش:
-روحي اعمليلي قهوة بسرعة.
ظلت غالية واقفة مكانها، لم تتحرك ولم ترد، بل أخذت تتأمله للمرة الأولى عن قرب، فكان وجهه شاحبًا بصورة واضحة، وعيناه غائرتين كأنهما لم تعرفا النوم منذ أيام، أما ساقه فكانت تتحرك بوتيرة سريعة ومتواصلة أسفل الطاولة، حركة عصبية لا إرادية فضحت توتره مهما حاول إخفاءه.
شعره الكثيف بدا غير مهندم على الإطلاق، وثيابه رغم فخامتها لم تستطع إخفاء الفوضى التي تسكنه، وفجأة...عاد إلى ذهنها حديث أم ناصر عن مصعب أخيه....ذلك الاسم الذي التصق بذاكرتها منذ أيام، السبب في موت أخيها...السبب في الليالي الطويلة التي قضتها باكية، السبب في الخراب الذي حل بعائلتها، اشتدت قبضتها حول أطراف ثوبها، وللحظة واحدة فقط...راودها شعور عنيف بأن تنقض عليه الآن، أن تخنقه بيديها أمام الجميع زوأن تنتزع منه الحياة كما انتُزعت من أخيها، لكنها ابتلعت غضبها بصعوبة، وأجبرت نفسها على التنفس ببطء.
رفعت رأسها أخيرًا وقالت بنبرة جامدة خالية من أي انفعال:
-موسى باشا قالي مخدش أوامر إلا منه، وماليش دعوة بحد من القصر، مش صح يا بيه؟
ثم التفتت نحو موسى مباشر، لثوانٍ قصيرة التقت عيناهما،
ولأول مرة منذ وصولها رأت في نظراته شيئًا يشبه الإعجاب...
إعجابًا بجرأتها، أو ربما استمتاعًا برؤية ردود أفعال من حوله،
فاكتفى بهزة رأس بسيطة مؤكدًا كلامها، وكان ذلك كافيًا لإشعال غضب والده، فاعتدل عثمان في وقفته وهو يرمقها بحدة ثم التفت إلى ابنه قائلًا بعصبية:
-مين دي يا موسى؟ بنت مين دي؟ وجت اشتغلت امتى؟
أجاب موسى بهدوء مستفز:
-أنا اللي جبتها، وأنا اللي قولتلها مالكيش دعوة بحد إلا بيا وبس.
اتسعت عينا مصعب بعدم تصديق.:
-ومن امتى بتجيب واحدة لمزاجك، هو في حد بيستحملك؟
رفع موسى حاجبه وقال ببرود:
-عيب لما تكلمني كده وأنا اخوك الكبير، ما تلم ابنك يا حج؟!
اشتعل غضب عثمان أكثر وهو يهتف:
-مانت اللي غلطان يا موسى وسايب حتة بت تبيع وتشتري فينا!
نظرت غالية باستهجان وقالت بحزن مصطنع:
-هو انا فتحت بوقي يا بيه، أنا بس بنفذ أوامر موسى بيه.
التفت عثمان نحوها مباشرة وقال بحدة:
-اسمك إيه يا بت؟
رمشت غالية عدة مرات ثم التفتت إلى موسى قائلة بسخرية ممبطنة أثارت استغرابهما:
-اقول يا موسى باشا؟
رد عثمان بغيظ وهو ينظر لابنه باتهام وشك:
-ايه هو سر ولا إيه؟
هزت رأسها نافية:
-لا مش سر.
ثم أشارت نحو موسى بإبهامها وأضافت بمكر:
-بس موسى باشا بيتعصب اوي لما بيسمعه.
وأضافت بنبرة متذمرة ولكنها تحمل في باطنها سخرية مقصودة:
-تحس كأني بحضر شياطين الإنس والجن.
كاد يفقد عثمان أعصابه فقال:
-اسمك إيه يا بت انطقي، مش حتة خدامة هتقفي وتسايري فينا.
أخفضت غالية رأسها قليلًا قبل أن تقول:
-اسمي نجمة.
ثم رفعت رأسها بابتسامة صغيرة مستفزة:
-نجمة يا باشا.
وتراجعت خطوة للخلف مضيفة:
-عن إذنكم يا بشوات.
لكنها لم تكد تستدير حتى دوى صوت مصعب خلفها:
-انت ازاي سايب البت دي هنا، ازاي انت اتجننت، اكيد مش اسمها كده، مفيش حد اسمه نجمة ويبقى خدام لا عاش ولا كان اسم أمي يبقى بين الخدم.
لم يتأثر موسى بل على العكس استرخى في مقعده أكثر، ثم نظر إلى أخيه نظرة باردة جعلت التوتر يزداد في الأجواء المحيطة بهم وقال بهدوء مخيف:
-سايبها جلد ذات، تحب تتجلد معايا يا مصعب، ولا تخليك في حالك وفي مصايبك.
شعر مصعب بالإهانة فأمسك بسلاحه والده فجأة وقام بتصويبه نحو غالية التي كانت لا تزال تسير في الحديقة، وقام باطلاق رصاصة غادرة نحوها...