
_ من ست سنين في نفس المكان أنا خسرت اعز ما أملك واتسجنت بسببك والنهاردة انتي اللي هتخسري خسارة كبيرة، مش بس ماهر، ابنك كمان.
نطق جملته الأخير وارتخت قبضته عن جسم ريان، وبالفعل سابه، تزامنًا مع صراخ فريدة باسم ابنها لكنها مقدرتش تتحرك بسبب خالد اللي كتف حركتها.
في اللحظة التابعة للحظة سقوط ريان في الميه صدر صوت طشة أكبر بسبب سقوط ماهر اللي أصلًا مبيعرفش يعوم بالإضافة لوجع جسمه لكنه خاطر بنفسه على أمل إنقاذ ريان.
بسبب خفة الطفل مبعدش كتير عن سطح الميه لكن المية بالفعل كانت مغطياه، مسكه ماهر بصعوبة، وبمعافرة أكتر حاول يوصل للمرسى البحري فاتحرك وائل وهو بيتوعد:
_ والله ما هتفلتوا مني أبدًا.
تدخل آسر الشاب التالت ومسك وائل من دراعه:
_ انت رايح فين؟
نفض وائل ايده وقال بتهكم:
_ انت هنا بفلوس تنفذ اوامري ومتسألنيش حاجة!
غمض آسر عيونه بغضب قبل ما يفتحهم ويركل وائل في زاوية الركبة:
_ أنا محدش يأمرني.
وقع وائل على الأرض والشاب كتف حركته لما ثبت دراعته الاتنين ورا ضهره، فقال خالد بعصبية:
_ بتعمل ايه يا متخلف، أنت كدا هتبوظ الدنيا.
رد آسر بنفور وضيق:
_ انت اللي متخلف، معرفتنيش من الأول أننا هنشارك في جريمة قت"ل.
خالد بتبرير:
_ واحنا مالنا! احنا اللي يخصنا الفلوس ونساعد وائل بس، احنا مقتلناش حد!!
آسر بعصبية:
_ تتحرق الفلوس على صحوبيتك المهببة، منك لله شدتني في طريق فاسد مكنتش اعرف عنه حاجة.
حاول وائل يقنع الشاب يسيبه بالتهديد لكنه بدل ما يتراجع ركل وائل تاني بغضب وطلب منه مينطقش، في اللحظة دي وصل ماهر للمرسى الخرساني وحط ريان على الأرض وطلع من الميه، واتحرك لليخت تاني عشان يحرر فريدة وبالفعل خالد سابها واشتبك مع ماهر تزامنًا مع وصول أخوات ماهر والشرطة.
استجمع خالد قوته وذق ماهر واختار يهرب عن طريق السباحة، أما الشاب التاني زي ما هو مثبت وائل في مكانه، جريت فريدة لابنها اللي ساكت وكأنه نايم لكن شفايفة المزرقة ونفسه الضعيف اللي هي مش حاسة بيه كانوا كفاية عشان يفزعوها عليه.
جريت على ماهر بابنها وهي بتسأله بصوت مرتعش:
_ هو ريان مش بيتنفس ليه؟ أنت أنقذته صح؟؟
أخده منها وطبطب على كتفها قبل ما يحاوطها ويتحركوا:
_ متقلقيش، هيبقى كويس.
**************
بعد ما الدكتور قالهم إنه فقد وعيه بسبب نقص الاكسجين وهيحتاج يفضل في العناية بسبب دخول ميه للرئة، حست فريدة إنها مش قادرة تقف على رجلها، قعدت على الكرسي اللي وراها ودفنت وشها بين كفوفها وانفجرت اكتر في البكا، قعدت جنبها حماتها وطبطبت على كتفها وحاولت تطمنها لكن شهقاتها كانت بتزيد أكتر، نزل ماهر على ركبه قدامها ومسك ايديها الاتنين وبعدهم عن وشها وقال بصوت حاول يبينه كويس لأنه على تكة وينهار بسبب دموعها.
سألته فريدة بخفوت:
_ هو هيبقى كويس؟
ابتسم لها ماهر بحنان ومسح دموعها وقال:
_ بإذن الله أكيد هيبقى كويس، ابننا أصلًا قوي وشجاع زي مامته، مش شوية ميه اللي يأثروا عليه!
_ بجد؟
_ جد الجد إن شاء الله.
فريدة بعدم اقتناع:
_ بس أنا خايفة أوي، مش عايزة اخسره يا ماهر، مش عايزة ابني يحصد نتيجة غلطي في الماضي.
ماهر بهدوء:
_ ليه بتحسبيها كأنها عقاب للماضي؟ ليه مش اختبار من ربنا يا فريدة؟
فريدة بتوضيح:
_ أنا من شدة المعصية اللي كنت فيها دايمًا بحاول أقرب من ربنا بحاول أعمل كل حاجة تخليني صالحة واستحق المغفرة والجنة.
اتنهد ماهر وقال:
«أشد الناس بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسبِ دينِه، فإن كان في دينِه صلابةٌ زِيدَ في بلائِه، وإن كان في دينِه رِقَّةٌ خُفِّفَ عنه، ولا يزالُ البلاءُ بالعبدِ حتى يمشيَ على الأرضِ وما عليه خطيئةٌ».
رواه الترمذي.
اكتر حد تعرض للابتلاء هما الأنبياء ومن بعدهم الناس الأقوى في الإيمان واللي صبرهم شديد، يعني البلاء دا محبة من ربنا ليكي، واختبار انتي اكيد قده، ولو مش مقتنعة بكدا فممكن تنتهزي الفرصة عشان فعلاً تتخلصي من شعورك بالذنب.
رجعت تعيط تاني:
_ أنا والله راضية بأي حاجة من ربنا، بس مش هقدر أسامح نفسي لأن كل حاجة لها سبب وأنا هبقى السبب.
_ الموضوع مش بيتحسب كدا، وبعدين خليكي متفائلة بالخير ربنا قال «سيجعل الله بعد عسرٍ يسرًا» وقول الله حق يا فريدة.
هزت رأسها بتفهم:
_ معاك حق.
سألها ماهر بترقب:
_ تحبي نصلي ركعتين صلاة الحاجة؟؟
هزت دماغها بحماس لكنها قالت بحيرة:
_ بس هنصلي فين في المستشفى؟؟
مكنش في مكان يصلي فيه غير زاوية مخصصة للرجال، فاستأذن من التمريض اللي سمحوا لفريدة تدخل تصلي في أوضتهم.
متعرفش هي صلت كام ركعة من كتر ما كانت بتدعي في سجودها وبعد التشهد، لكنها كانت خارجة مرتاحةوأختفى إحساس الخوف اللي عندها.
سلمت السجادة لواحدة من التمريض وشكرتها قبل ما ترجع لصالة الانتظار، قابلتها نغم اللي كانت بتعيط وحاولت تعتذر منها، فمسحت فريدة دموعها وحضنتها وهمست لها:
_ ملكيش ذنب يا حبيبتي، ادعيله يبقى كويس وكفاية دموع.
قعدت بهدوء على كنبة معدنية فقربت منها هدير وشهد وحماتها اللي قعدت جنبها وسألتها باهتمام:
_ انتي كويسة يا بنتي؟؟
هزت فريدة دماغها وقالت بخفوت:
_ الحمدلله يا طنط، أنا في نعمة.
حضر ماهر بعدها بحوالي ساعة، فهمست شهد جنب ودنه:
_ انا خايفة على فريدة، بطلت عايط وكأنها مصدومة وقاعدة تتكلم مع نفسها بصوت مش مسموع.
ماهر بهدوء:
_ فريدة بتذكر الله.
******************
على الطرف التاني.
لما فتحت علياء الباب وشافت خالد قدامها سألته باستغراب:
_ ايه اللي جابك؟ خلصتوا في الموضوع؟
خالد بتكشيرة:
_ خَلصنا وخِلصنا.
ضحكت علياء بخبث وقالت:
_ طب خلي وائل يجيب لي الحلاوة بقى.
خالد باستعجال:
_ انتي لو ملحقتيش وائل بمحامي هو اللي هيحتاج الحلاوة ومعاها عيش.
ضيقت عيونها باستغراب:
_ هو ايه اللي حصل؟ مش خطف ريان عشان يطلق فريدة؟ هو ماهر مطلقهاش.
اتنهد خالد بزهق:
_ طلقها يا ستي، بس اتقبض عليه والمشكلة إنه قتل الطفل.
اتصدمت علياء وقالت بشهقة:
ق"تل الطفل! بس دا مش اتفاقنا.......
مكملتش كلامها بسبب حسن اللي ظهر من وراها وشدها من شعرها بغضب وقال:
_ اتفاق ايه يا زبالة يا ولاد ال***
حاولت علياء تفك ايده وهي بتقول بتألم:
_ اسمعني بس، أنا والله مكنتش اعرف انهم هيقتلوه.
زقها حسن لجوا وشد خالد من تلابيب قميصه، وهو بيقول بتوعد:
_ دا انت هتخرج على نقالة.
كان بيضربه بغضب وكل ما تترد على سمعه كلمة قت"ل الطفل يزيد عنفه أكتر، ولما حاولت علياء تتدخل وتبعده كذا مرة وهو يزقها وقفت وقالت بزعيق:
_ أنت بتعمل كدا ليه؟ ما انت حاولت تتخلص قبل ما يتولد ايه اللي مزعلك دلوقت.
بالفعل بعد عن خالد ورد عليها بنبرة مماثلة:
_ أنا أبوه حتى لو بظهر جفاء نحيته فدا مش معناه اني مبحبوش وعايزه بخير! وبعدين الأمر مختلف أنا حاولت اتخلص منه مش كره فيه وانما كره في أمه اللي طلعت انضف منك ومن أمثالك على الأقل هي بتخلف مش زيك عاملة زي الأرض البور.
ضربته علياء بالقلم لما سمعت جملته الأخيرة، فرجع شدها من شعرها تاني والمرة دي كان الضرب والعنف من نصيبها، امتثل خالد لطلب علياء اللي بتستنجد به فذق حسن بكل قوته لكن حسن ايده ماتت على رقبة علياء فمكنش في حل قدام خالد غير طفاية الحريق اللي جنب باب الشقة فهبدها على دماغ حسن اللي اندفع النزيف منه بغزارة.
****************
بعد مرور ٤٨ ساعة وأخيرًا طمنهم الدكتور إن الخطر زال عن ريان اللي فاق واتشالت عنه الأجهزة، وطلب منهم يفضل يوم كمان عشان يطمنوا عليه قبل ما ياخدوه.
غير ماهر هدومه وخرج مع أخوه عشان يجيب فريدة وريان من المستشفى، اخدته والدته تتكلم معه في اوضتها، وقفته قدام المرايا وسألته بغموض:
_ شايف وشك عامل ازاي؟
كانت تقصد الكدمات بكلامها ودا كان واضح جدًا لماهر اللي قال بهدوء:
_ موقف وفات على خير يا أمي.
الأم بنفاذ صبر:
_ بس بقى يا ماهر أنا ساكتة من يومها عشان مشاعر فريدة والوقت العصيب اللي كانت بتمر به، بس انت ملكش ذنب عشان تعيش حياة غير مستقرة كدا.
ماهر بتبرير:
_ ولا فريدة لها ذنب يا أمي.
_ أنا مقولتش إنها مذنبة يا ماهر، بس أنا كدا هفضل قلقانة عليك، دا أنت يادوب كتبت الكتاب وحصل معاك اللي حصل ده، لما دي البداية النهاية هتبقى ايه؟؟ وبعدين نغم قالت إنك طلقتها هتجيبها هنا ازاي؟؟
_ اللي هيحصل في المستقبل مش بتاعنا يا أمي، وأنا كنت مجبر أطلقها، سيدنا النبي قال «رُفع عن أمتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكرِهوا عليه»
عشان كدا طلاقنا باطل وهي لسه مراتي وأنا مش هتخلى عنها.
زفرت الأم بضيق:
_ أنت حر، انا عملت اللي عليا ونصحتك اعمل اللي يعجبك.
*********************
اول ما دخلوا شقتهم اتحرك ماهر قدامها وعلى ايده ريان وهو بيفرجها على الشقة وأخيرًا وصلوا أوضة نومهم تفاجأت فريدة بسرير اطفال متأرجح.
حطه ماهر بهدوء عشان ميقلقش نومه، والتفت لها وابتسم بمرح:
_ ممكن بقى تتكرمي عليا وترفعي النقاب؟
_ مينفعش طبعًا.
اتحرك لدولابه ياخد جلابية وقال بضحك:
_ ليه بس دا أنا حتى زي جوزك.
اتحرك للخروج لكنه وقف لما هي قالت:
_ أنا آسفة........
التفت لها وسألها باستغراب:
_ بتعتذري ليه؟؟
فريدة بجمود:
_ هو انت مش عايز تعرف ايه اللي خلى وائل يكرهني كدا؟؟
ماهر بهدوء:
_ الماضي أنا مكنتش موجود فيه عشان كدا مش مهم، اللي يهمني هو الحاضر والمستقبل.
فريدة بإصرار:
_ انا مش هعيد الغلط اللي عملته مع حسن تاني، عشان كدا انت لازم تسمعني.
رجع قعد على طرف السرير وهي قعدت جنبه وبدأت تفرك أيدها وقلبها بيلح عليها عشان تسكت لأنه متأكد إن ماهر هيتخلى عنها لما يعرف السر اللي بينها وبين وائل.
واخيرًا اتنهدت وحسمت أمرها، واستخرجت شنطة صغيرة من شنطة هدومها.
_ مبدأيًا دا مش مقبول........
يتبع.............