
رواية قلبي يسطا الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبد الحليم
* المسمار*
_اليوم التالي. الورشة ذاتها. لكن الهواء مثقلٌ بترقّبٍ كئيب._
دخلت دُرة الثامنة تمامًا.
سروالُ جينز قديم، وحذاءٌ رياضي. شعرها معقودٌ بإحكام. وفي يدها كوبٌ حراري.
لم تحمل الجاكيت.
بل أفرولًا كحليًّا جديدًا، مطويًّا بعناية في كيس. خاصتها.
الصنايعية صفّروا:
"يا صلاة النبي! الباشمهندسة بقت أسطى ولا إيه؟"
يوسف كان غائصًا تحت سيارة BMW، لا يظهر منه سوى ساقيه.
سمع وقع خطواتها، فتجمدت عضلة في فكه. لم يلتفت.
البارحة لم يذق النوم.
"انت ذوق اوي يايوسف" كانت تطعنه كلما أغمض عينيه.
، همس لنفسه. "يومين وتهرب مش هتكمل للاخر نفسها قصير ومش هستحمل مرمطة الشغل عمرها كله"
"صباح الفل يسطا اكمل فك وربط زي م علمتني امبارح؟"
صوتها واضح، موجهٌ لظهره المختفي تحت السيارة.
ساد الصمت.
ثم اندفعت ساقه من تحت السيارة، وضربت الأرض.
"اتاخرتي خمس دقايق"
خرج. وجهه ملطخ بالشحم، وفي قبضته شمعة احتراقٍ متفحمة.
قذف الشمعة في برميل القمامة، وأشار بذقنه نحو مرسيدس عتيقة في الركن.
"العربية دي بتاعة معالي المستشار. جابت جوان وش سلندر. هتفكي الوش معايا. ولو مسمار اتقطم... تمنه عليكِ."
ابتلع الصنايعية ريقهم.
وش سلندر؟ هذه جراحة قلب مفتوح. تحتاج أسطى له عشر سنوات.
يريد كسرها. يريدها أن ترحل.
نظرت دُرة إلى المرسيدس، ثم إليه.
فهمت.
ماشي رغم اني فاهمة حركاتك كويس بس خليني معاك للأخر."
قالتها، ودفنت خوفها في صدرها.
_الحادية عشرة. الشمس سيف، والورشة جحيم._
ذراعاها غارقتان في الشحم. وجهها يقطر عرقًا. خصلةٌ متمردة التصقت بجبينها.
ويوسف فوق رأسها. ظله يجلدها.
"حلي المسمار ده. لأ... مش كده! هتفوتي السِّن!"
صوته سوط.
"بمفتاح العزم يا هانم، مش بإيدك! فاكراه برطمان مربى؟"
"وسعي... وسعي بقولك! ولا أجي أشيلها انا؟"
كل كلمة طعنة.
كل توجيه إهانة مغلفة.
وهي صامتة. تعض شفتها حتى أدمتها.
في الجامعة حفظت النظرية.
هنا... هنا الجحيم العملي. ويده هي المرجع.
"بس... سيبي."
دفع يدها فجأة ليمسك المسمار بنفسه.
تلامست أصابعهما.
لحظةٌ واحدة.
يده خشنة، متشققة، جمرةٌ ملتهبة.
يدها ناعمة، غارقة في السواد.
ومستها الكهرباء.
انتفض، وسحب كفه كأنها لدغته. وهي تجمدت مكانها.
"إيه؟ اتشليتي م تتحركي ياهانم؟"
صرخ ليستر ارتباكه. صدره يعلو ويهبط.
"خلصي! المستشار لو جه ولقاها كده هيقفلنا الورشة!"
ابتلعت ريقها، وعادت.
قبضت على المفتاح، وهجمت على آخر مسمار.
مسمارٌ مصدٍ، متشبثٌ بالحديد كأنه جزء منه.
بذلت كل قوتها.
"يوسف... المسمار قافش، لو قرصت عليه هيـ..."
"قولتلك حلي بقا بلاش شغل عيال!"
قاطعها دون أن ينظر. كان يمسح عرقه بظاهر ذراعه، فبرزت عضلة ساعده كالحجر.
ضغطت.
تك.
صوت الكسر شق سكون الورشة.
الصمت.
صمتٌ جنائزي.
المسمار انشطر. نصفه في قلب المحرك، ونصفه يرتجف في كفها.
وجه دُرة صار رمادًا.
استدار يوسف ببطء. عيناه كانتا قطعتين من الليل.
نظر إلى الشظية في يدها، ثم إلى الجرح في المحرك.
ثم إليها.
"عملتي إيه؟"
همس. والهمس كان أرعب من صراخه.
الصنايعية تراجعوا. عبده اختفى خلف الكوريك.
لسانها انعقد.
"أنا... حذرتك... كان قافش وقولتلك هيتكسر أنا..."
"إنتِ إيه؟!"
قبض على ذراعها. أصابعه الفولاذية تركت بصمتها على الأفرول. جسده كله يهدر. كان قريبًا حد الاختناق. أنفاسه لاهبة على وجهها.
"إنتِ عارفة عشان نطلع ده لازم نخرط في البلوك؟ عارفة الموتور ده بكام؟ عارفة المستشار هيعمل فينا إيه؟!"
كان يرتجف. غضبًا، ورعبًا.
هذه سمعته. لقمة عيشه. عرق عشر سنين.
"بخمسين ألف يا باشمهندسة! هتجيبيهم منين؟
أفلت ذراعها بقرف.
"اطلعي بره. بدل م تخربي علينا انتي وش نحس"
أشار بإصبعٍ مرتجف نحو الباب. صدره العريض يتحرك كالموج.
"بره ورشتي. تدريبك خلص. روحي شوفيلك مكتب مكيف دا اللي يليق بيكي"
عيناها اغرورقتا. دموع قهر، لا ضعف.
"أنا حذرتك! قولتلك قافش! إنت اللي ماسمعتش!"
صرخت فيه. لأول مرة. صوتها شق هدوءه.
"فاكر نفسك مين عشان تدوس على الخلق؟ أنا غلطت وهدفع تمنها! بس إنت كمان غلطان!"
اقتربت منه، ودموعها تشق طريقها في الشحم على وجنتيها. لم تهب طوله، ولا اتساع منكبيه، ولا النار في عينيه.
"فاكرني هعيط وأجري؟ لا يا أسطا. مش هسيب مليم من تمن الموتور إلا لما أدفعه. من عرقي! سامع؟ مش من فلوس أبويا!"
نزعت أفرولها، وقذفته عند قدميه.
"وتدريبي... هكمله غصب عنك. الشركة بعتاني، مش سيادتك!"
استدارت. لم تركض.
مشت وظهرها مشدود كالرمح، دموعها تنهمر، وكرامتها تنزف.
الورشة صمتٌ مطبق.
لا أحد يتنفس.
يوسف واقف كالصنم، يحدق في الأفرول الملقى.
كان دافئًا. وعبقها فيه. خليطٌ مجنون من عطرها والجاز.
همس عبده من خلفه:
"يا أسطا... البت دي ماعيطتش. دي هزقتك. وأول مرة أشوف واحدة تمشي من هنا راسها في السما تعرف إنها شبهك نسختك بالظبط مش بتجلي ولا بتخاف من حد."
لم يرد يوسف.
انحنى ببطء، والتقط الشظية المكسورة.
قلبها في كفه الخشنة.
كانت محقة. المسمار ميت. وهو تعجلها. تكبره هو من كسره.
رفس برميل القمامة، فـ انبعج.
"قفلوا الورشة. كله يروّح ا."
صوته خرج مكسورًا.
_التاسعة ليلًا. شقة دُرة في المهندسين._
تجلس في غرفتها، شاشة اللابتوب تضيء وجهها.
تبحث: "استخراج مسمار مكسور من وش السلندر بدون خراطة".
كفاها ملفوفتان بالشاش الطبي.
دخل والدها.
"مالك يا دُرة؟ حد ضايقك؟
رفعت رأسها بهدوء.
"لا يا بابا. أنا اللي كسرت مسمار في موتور مرسيدس."
"بخمسين ألف جنيه."
"بسيطة. أكلم الشركة نلم الموضوع، وننقلك مكان تاني. إيه اللي جابرك على الورش والقرف؟"
أغلقت دُرة اللابتوب.
"لأ."
وقفت أمامه.
"أنا اللي كسرته، وأنا اللي هصلحه. وهكمل تدريبي في نفس الورشة. "
"إنتِ اتجننتي؟ بعد ما مسح بكرامتك الأرض؟"
" عشان خايف على لقمة عيشه يا بابا. ولو انا مكانه كنت عملت أكتر."
ابتسامةٌ متعبة شقت شفتيها.
لسانه متبري منه، بس إيده أنضف من ناس كتير. ومش هخلي حد نضيف يتأذي بسببي."
_نفس اللحظة. سطح بيت يوسف في بولاق._
يجلس وحيدًا في العتمة.
أمامه كوب شاي بارد، وعلبة سجائر فارغة.
وفي حجره... أفرولها.
الذي رمته.
غسله.
ونشره.
وينتظر أن يجف.
أصابعه الخشنة تمر على القماش الكحلي، على التطريز الذهبي "م. دُرة".
"خمسين ألف يا يوسف يا حمار."
حدث نفسه بصوتٍ أجش. فكه المربع متصلب.
"هتجيبهم منين؟ ولو جابتهم هي... كسرت عينك العمر كله. هتفضل شايف نفسك طول عمرك مديون لواحدة لابسة حرير."
رفع الأفرول إلى أنفه دون وعي.
وهنا أدرك أنه وقع ف حبها...