
رواية قلوب علي الهامش الفصل الاول 1 بقلم يارا علاء الدين
هل يختار القلبُ حقًّا… أم أننا نُجبره على ما نراه مناسبًا؟
كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً حين امتلأت فيلا آل "المنشاوي" الواقعة على أطراف المعادي بهمسات المدعوين، وضجيج الكريستال، وصوت العازفين وهم يجتهدون في عزف مقطوعات كلاسيكية، تُخفي ما خلفها من توتر يُثقل الجو.
الفيلا ذات الطابع الأوروبي العتيق، كانت تتلألأ بأضواء ناعمة تتدلى من ثرياتٍ تشبه السحب، وأزهار الأوركيد تملأ الزوايا بعطر خافت ومترف.
على رأس السلم الحلزوني، وقف يوسف المنشاوي، بثبات رجل يعرف تمامًا مايريد. كان يرتدي بذلة رمادية داكنة، خيطت له خصيصًا في إيطاليا، وربطة عنق تُضفي على ملامحه الوسيمة مسحة من الجدية.
عيناه الرماديتان كانتا تنظران إلى الأسفل، حيث يحتشد الحضور، كأنه يبحث عن شيء لا يعرفه، أو يهرب من شيء يعرفه جيدًا.
وراءه، وقفت أمه لبنى هانم، بكامل أناقتها المعتادة، ترتدي فستانًا كحليًا مطرّزًا بخيوط فضيّة، وعقد لؤلؤ يحيط بعنقها النحيل. ملامحها الجامدة لم تخفِ ضيقًا مكتومًا, إلى جوارها وقف الأب، رؤوف بك المنشاوي، رجل الأعمال المعروف، بهيبة رجل لم يتعود أن يُسأل، ولا أن يُعارَض.
أما هدى، أخت يوسف الصغرى، فبدت كأنها الوحيدة التي تبتسم بصدق، ترتدي فستانًا ناعمًا بلون الزمرد، وتلتقط الصور دون أن تكلّف نفسها عناء إخفاء حماسها الطفولي.
بدأ يوسف ينزل الدرج بخطوات محسوبة، كل نَقرة من حذائه الجلدي تُحدِث صدى في القاعة، وكأنها تدقّ طبول معركة غير مرئية.
وفجأة، انفتح باب الفيلا الرئيسي, ودخلت رنا الجارحي.
كأن الهواء تغير. حتى الموسيقى خفّ صوتها،
كانت ترتدي فستانًا أبيض عاجيًّا، بخيوط ذهبية دقيقة تنسدل على جانبيه كأشعة شمس خجولة. شعرها مربوط إلى الخلف في تصفيفة بسيطة، يزينها طوق من الياسمين.
وراءها سارت عائلتها، يتقدّمهم والدها سليم الجارحي، رجل الأعمال العصامي الذي صعد من الصفر، يرتدي بذلة سوداء تقليدية ونظرة لا تخلو من التحدي.
أما الأم، ميسون هانم، فكانت تمشي ببطء، أنيقة كعادتها، تحيط بها هالة من الكبرياء الأرستقراطي.
وراءهما، وقف شقيق رنا، آدم، شاب في منتصف العشرينات، ينظر بعينيه بثبات لا يصطنعه.
حين اقتربت رنا من يوسف، لم يبتسم أحدهما. فقط نظرات جامدة، قصيرة، صامتة، ثم التفّت حولهما الأعين، والتُقطت الصور، وبدأت الطقوس.
جلسا إلى الطاولة الطويلة، المصنوعة من الخشب العتيق، والمزيّنة بأطقم الصين الفاخر، وورود بيضاء ناعمة تملأ المنتصف.
وفي المنتصف تمامًا... جلسا هما، يوسف ورنا، كأنما تم وضعهما هناك كديكور، لا كعروسين.
بدأت مراسم حفل الخطوبة بصوت عمّ رنا المستشار منصور، وهو ينهض من مقعده, حيث ابتسم ابتسامة رسمية، ونظر للحضور قائلاً:
أهلًا وسهلًا بحضراتكم جميعًا... انهارده مش بنحتفل بخطوبة يوسف ورنا بس, لكن بنحتفل باتحاد عائلتين، وامتداد اسمين كبيرين في المجتمع.
ارتفعت أصوات التصفيق، وانحنت رؤوس المجاملة، لكن يوسف لم يصفّق، فقط نظر إلى الطاولة أمامه، ثم إلى رنا التي جلست بجواره... جامدة كالصخر.
لبنى هانم, أخرجت علبة مخملية صغيرة من حقيبتها، ناولتها لابنها، وهمست:
لبسها الخاتم، وابتسم يا يوسف... الناس بتبص عليك.
تناول العلبة بيد ثابتة، فتحها، وأخرج خاتمًا من الذهب الأبيض مرصعًا بحجر ألماسي صغير.
التفت إلى رنا وقال بصوت خافت لم يسمعه سواها:
- مبروك ياعروسة!
لم تنظر إليه، فقط مدّت يدها بخفة، كأنها تقدّمها لغريب في مراسم دبلوماسية، لا لعريس.
أدخل الخاتم في إصبعها، والتقطت الكاميرات اللحظة...
ثم نهض رؤوف بك المنشاوي، صافح والد رنا، وعلت الزغاريد من ركن النساء كعادتهم في تلك المواقف.
رنا بدورها تناولت خاتم يوسف من علبة ثانية، زينتها أمها بشريط مخملي، وألبسته له بحركة باردة، دقيقة...
ثم قالت بصوت منخفض وهي تضحك ضحكة قصيرة:
- بقيت خطيبي رسميًا.
يوسف لم يجب, فقط ابتسم بهدوء وهو يهمس لها:
- لحد دلوقتي!
حين انتهت الكلمات الرسمية، والتُقطت الصور، ووضِعت الخواتم، عاد الجميع إلى أماكنهم كأنهم خرجوا من مسرحٍ مكتمل، يخلعون أدوارهم في خفية.
التقط يوسف كأس العصير من على الطاولة، لا يشرب، بل يحدّق فيه برتابة.
رنا إلى جانبه، تعدّل طرف الفستان وقد أخذ منها الإرهاق مأخذه، لكن عينيها كانتا يقظتين... تُراقبان الحضور، وتحفظان تعليقاتهم, دون أن تلقي بالًا له!
قال يوسف، دون أن ينظر إليها:
متوقعتش إنك توافقي بسهولة.
قالت، وهي تنظر إليه بتحدي:
- مش لوحدي, مانت كمان وافقت!
في الجهة المقابلة من القاعة، كانت هدى، تقف قرب طاولة الحلويات، تراقب المشهد بعينٍ ناقدة.
اقترب منها آدم وهو يبتسم بهدوء:
- مبروك ليوسف, عقبالك ياهدى.
ضحكت برقة كعادتها:
- بعد عمرٍ طويل.
نظر لها في صمت، وهو يراقب حركاتها, ولم يرد.
في الزاوية الأخرى, اقترب أحد رجال الأعمال من رؤوف بك، وربت على كتفه:
- زواج مبارك... وشراكة رابحة، إن شاء الله.
ضحك رؤوف وقال بثقة:
- أكيد, محدش بيخسر في صفقة محسوبة زي دي.
لكن في تلك اللحظة، كان يوسف يحدّق إليه من بعيد، وقد فهم مايحدث دون أن يسمع!
لم يكن في وجهه غضب، بل خيبة... تشبه الغبار الذي لا يُرى، لكنه يملأ كل مكان.
تسلّلت رنا من بين الحضور، دون أن يشعر بها أحد. مشت نحو الحديقة الخلفية، حيث الشموع لا تزال تضيء الطريق الطويل بين الأشجار.
توقفت عند بركة الماء الصغيرة، نظرت إلى وجهها المنعكس، وقالت بصوت خافت:
- قمر يارنا, خسارة في يوسف الكئيب ده والله.
لم تنتبه إلى أن والدتها، قد لحقت بها.
سألتها بغضب واضح على ملامحها:
- إيه اللي جابك هنا؟ فيه عروسة تسيب عريسها في يوم خطوبتهم وتقف لوحدها؟
استدارت رنا وقالت، بوجهٍ ساكن:
- أنا!
همت أن تنطق بكلام, حين قاطعتها رنا بصرامة
-عدي اليوم زي ما إنتوا عايزين وإلا هبوظ كل حاجة!
2-
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل،
حين خرجت مريم من الورشة الصغيرة التي تعمل بها نهارًا، وتسكن أعلاها ليلًا.
الشارع الضيق، الممتد خلف سوق العتبة، بدا أكثر ظلمة من المعتاد.
البرد ينهش أطرافها، فتضم المعطف على جسدها النحيل، وتسرع الخطى نحو سلّم البناية.
لكن قبل أن تفتح الباب الحديدي الصدئ، سمعت الصوت.
بكاء؟ رفيع. متقطّع. خائف.
تجمّدت.
استدارت ببطء... تلتقط الصوت بأذنيها, كان يأتي من ناحية الحاوية، تحت عمود الإنارة المكسور.
اقتربت… ترددت… ثم لمعت عيناها.
صندوق؟
وطفل؟
طفل… وحيد
أوشكت أن تتراجع، أن تركض وتطرق باب الجيران، أو تتظاهر أنها لم تسمع شيئًا…
لكن قدميها لم تطاوعاها, انحنت, رفعت البطانية الرخيصة. وجه صغير، شاحب، يصرخ بلاذنب.
همست:
- ياحبيبي, مين عمل فيك كده؟
لمحت الإسورة التي تحيط بيديه الصغيرتين، فقرأتها…
ثم أخذته إلى صدرها…
وقفت، تحمل الطفل وتحدق في الظلام.
ثم قالت، بصوت أقرب إلى النذر:
- ما أعرفش إنت مين… بس من النهاردة، بقيت النور اللي هينور حياتي.
3-
في صباح شتوي هادئ, حيث تنغمس المدينة في ثوب من الضباب البارد، والناس تبدأ يومها بخطى متثاقلة، والأزقة تملأها أصوات خطوات مترددة وأحاديث متقطعة، وكأن البرد يضغط على الجميع ليظلوا في فراشهم قليلاً أطول.
كانت صفية جابر تسير في شارع جانبي، حقيبتها اليدوية تتدلّى من كتفها،
وحذاؤها الأسود الملمّع يسير على إسفلت لم يلمع منذ زمن.
صفية فتاة رقيقة في منتصف العشرينات.
نحيلة، متوسطة الطول، بشرتها قمحية، ملامحها عادية لدرجة أنك قد لا تتذكرها لو مرّت بجوارك…
لكن في عينيها شيءٌ ثابت، حاد، لا يلين.
تُدرّس اللغة العربية في مدرسة ابتدائية، خلف سوق المطرية.
لم تكن صارمة، لكنها كانت تُحب النظام.
ولم تكن محبوبة من الجميع، لكنها كانت محترَمة.
وحين تقف أمام السبورة، لا يعود شيء في العالم أهمّ من "الفاعل والمفعول"،
وكأن النحو هو الشيء الوحيد الذي لم يخنها.
في بيتها، تعيش مع أختها الأرملة سناء، وابن أختها ياسين.
هي التي تُجهّز الفطور، وتُراجع الواجبات، وتدفع الفواتير في صمت.
صفية لم تتزوج.
ليس لأنها لم تُخطَب… بل لأنها لم تُحب.
كانت دائمًا تقول:
- مش هدخل القفص إلا مع واحد يستاهل.
في المساء، تجلس في غرفتها، تقرأ من كتاب اللغة العربية،
تشرب شايها الثقيل، وتفكّر كثيرًا… ثم تُطفئ النور قبل أن تنتهي أفكارها.
وفي كل ليلة، تسأل نفسها:
- هل نسيتني الحياة؟ أم تركتني لحكمةٍ لا أعرفها بعد؟
كان جرس الحصة الثالثة قد رنّ للتو،
وصوت الأطفال في الفصل, يشبه سوقًا صغيرًا من الضوضاء والضحك والمناكفات.
دخلت صفية الفصل بثوبها الكحلي البسيط، حقيبتها في يد، ودفتر التحضير في الأخرى.
لم تصرخ.
لم تطرق على الطاولة.
فقط وقفت لحظة، وانتظرت.
ثوانٍ معدودة، وبدأ الصغار يهدؤون، واحدًا تلو الآخر، كأن حضورها في ذاته هو القانون.
قالت بصوت هادئ:
- "افتحوا كراسات العربي يا حبايبي عندنا انهارده درس عن توماس إديسون.
رفع طفلٌ يده، هو أدهم، دائم المقاطعة، وسأل بعفوية:
- مين ده ياميس؟
ابتسمت صفية، لأول مرة ذلك الصباح، وقالت:
- ده اللي اخترع المصباح الكهربائي يا أدهم.
قالت سلمى، التي تجلس في الصف الأول، وهمست كأنها تخشى الخطأ:
- اللي بينور البيت ياميس؟
سكتت صفية لحظة، ثم قالت برقة:
- اه, وبينور كل مكان, زي ضحكتك الجميلة دي.
ضحك بعض التلاميذ، وجلست سلمى في خجل.
تحرّكت بين الصفوف، تُصحّح جلوس الأطفال، تعدّل من طريقة الإمساك بالقلم،
وكلما نظرت في وجه صغير، فكّرت:
- من منهم يستطيع يومًا أن يخترع شيئًا ليضيء القلب بعد ظلمته؟
يتبع........