
ليلى
كنت حاسة إن الأرض هتقع بيا.
الخبر اللي سمعته من ثواني كان أكبر من إن عقلي يستوعبه.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة وجعتني.
ونفسي بقى متقطع.
كأني مش قادرة أخد نفس كامل.
رجعت خطوة لورا من غير ما أحس.
وكنت بالفعل هقع.
لكن مسكت في جذع الشجرة اللي مستخبية وراها.
للأسف...الحركة عملت صوت واضح.
خلّى الاتنين ينتبهوا فجأة.
اتلفتت مرات عمي بسرعة.
وقالت بشك:
__مين هنا؟
اتجمدت مكاني.
وحطيت إيدي على بوقي بسرعة.
منعت الشهقة اللي كانت هتفضحني.
حتى النفس بقيت باخده بالعافية.
فضلت واقفة ثانية...واتنين...
وأول ما حسيت إنهم مترددين ومش شايفين حد.
لفيت وجريت.
جريت ناحية البيت من غير ما أبص ورايا.
رجلي كانت بتخبط في بعض.
ودقات قلبي كانت أعلى من أي صوت حواليا.
كنت حاسة إني ممكن أغمى عليا في أي لحظة.
وإن كل حاجة عرفتها طول عمري...
اتقلبت في ثانية واحدة.
________________
مروان
غيرت هدومي وقعدت على الكنبة، ساند كوعي على رجلي وحاطط وشي بين إيديا.
عقلي كان شغال بألف اتجاه.
هو أنا زودتها؟
اتضايقت مني؟
ولا أنا مكبر الموضو؟
نفخت بضيق وهززت راسي كأني بحاول أطرد الأفكار دي كلها.
بس مكنتش بتروح.
خدت تلفوني وافتكرت فارس.
من وقت الخناقة وهو مش بيرد.
فكلمت واحد من صحابنا وطلبت منه يروح يطمن عليه.
وبالفعل رد عليا وقال إنه هيعدي عليه ويكلمني.
اتنهدت براحة بسيطة.
لكن فجأة...سمعت خبط سريع على الباب.
قومت وفتحت.
وأول ما شفت ليلى...اتجمدت.
وشها كان شاحب بشكل مخيف.
وعيونها حمرا.
كأنها كانت بتعيط من شوية.
قلبي انقبض فورًا.
وقولت بقلق:
__ليلى؟
مالك؟ إيه اللي حصل؟
بصتلي ثانية واحدة.
لكنها شالت عينيها بسرعة.
وقالت وهي داخلة الشقة:
__مفيش حاجه
يلا عشان هنسافر القاهرة دلوقتي.
قفلت الباب وراها وفضلت باصصلها باستغراب.
وقولت:
__قولتي لعمي؟
لفت ناحيتي بسرعة.
وكان واضح إنها متعصبة بشكل مش طبيعي.
وقالت:
__هو مش ولي أمري عشان أستأذن منه.
وانت راجل كفاية إنك تاخد قرارك بنفسك
لو انت خايف منه خليك.
لكن أنا مش هقعد هنا لحظة واحدة.
واتحركت ناحية الأوضة وبدأت تجمع حاجتها بسرعة.
فضلت واقف مكاني مش فاهم.
دي أول مرة أشوفها بالحالة دي.
وقولت بحذر:
__في إيه يا ليلى؟
عمي قالك حاجة؟
وبعدين أنا مقولتش نستأذن منه.
أنا بقول نعرفه بس إننا ماشيين.
وقفت لحظة.
وخدت نفس عميق.
وبعدين رجعت شعرها لورا بإرهاق.
وقالت:
__ماشي يا مروان.
لو سمحت... جهز شنطتك.
عايزة نمشي.
بصيتلها شوية.
كان واضح إن في حاجة كبيرة مخبياها.
حاجة كسراها من جوا.
بس في نفس الوقت...واضح إنها مش هتتكلم.
دلوقتي على الأقل.
ف هزيت راسي بهدوء.
ودخلت أجهز حاجتي.
بعد كام دقيقة كنت جاهز.
ولما خرجت لقيتها واقفة عند الباب.
ماسكه شنطتها بإيد، والتانية قابضة عليها بقوة.
كأنها مستنية الهروب مش السفر.
قربت منها.
وقولت بهدوء:
__يلا.
السواق مستنينا تحت.
بصتلي.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت...
صوتها هدي شوية.
وقالت:
__جبت كتبك معاك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقولت:
__جبتها يا ستي.
متقلقيش.
هزت راسها برضا بسيط.
ف أخدت منها الشنطة.
ونزلنا سوا.
لكن طول الطريق للسلم...كان عندي إحساس واحد بس.
إن في حاجة حصلت برا.
وحاجة كبيرة جدًا.
ولما نوصل القاهرة...هعرف الحقيقة كلها.
نزلنا تحت.
وكانت العربية مستنيانا بالفعل.
وقبل ما نركب، بصيت ناحية البيت وسألتها:
__مش هتسلمي على مامتك وفتون؟
ردت وهي بتفتح باب العربية:
__بعتلهم رسالة إني ماشية.
هزيت راسي بهدوء.
وحسيت إن ردها مختصر أكتر من المعتاد.
ركبت جنبها وانطلقت العربية.
طول الطريق...كانت ساكتة.
ساكتة بشكل غريب.
لا بتتكلم.
ولا بتبص في تلفونها.
ولا حتى بتتفرج من الشباك.
كانت سرحانة في نقطة بعيدة قدامها.
وكأن عقلها في مكان تاني خالص.
بصيتلها أكتر من مرة.
وكل مرة كنت أتراجع عن السؤال.
واضح إنها مش مستعدة تتكلم.
لكن في نفس الوقت...كان واضح إن في حاجة مأثرة فيها جدًا.
حاجة أكبر من مجرد زعل أو خلاف عابر.
عدت حوالي ساعة.
وهدوء العربية بدأ يغلبنا.
وفجأة حسيت بحاجة خفيفة استندت على كتفي.
لفيت براسي ناحيتها ...لقيتها نامت.
ملامحها كانت مرهقة بشكل وجعني.
وكأنها بقالها أيام مش نايمة.
وعند أطراف عينيها...كان باين أثر دموع جفت من وقت قريب.
اتقبض قلبي.
معقول كانت بتعيط طول الوقت ده وأنا مش واخد بالي؟
اتنهدت بهدوء.
وعدلت قعدتي بحذر عشان تبقى مرتاحة أكتر من غير ما تصحى.
وبصيت من الشباك عقلي مليان أسئلة.
لكن مفيش ولا إجابة.
كل اللي كنت متأكد منه...إن ليلى شايلة جواها حاجة تقيلة جدًا.
وحاجة مخلياها خايفة بالشكل ده.
ومهما كانت...فأنا لازم أعرفها.
مش فضول عشان أطمن عليها.
سندت راسي على الكرسي.
وغمضت عيني بالتدريج.
ومع صوت الطريق الطويل...غلبني النوم أنا كمان.
_________________
ليلى
صحيت على خبطة خفيفة على خدي.
فتحت عيني بالتدريج، ولقيت مروان قدامي مباشرة.
وشه كان قريب بشكل خلاني أتوتر للحظة، خصوصًا لما استوعبت إني كنت نايمة على كتفه طول الطريق!
شهقت بسرعة واتعدلت في قعدتي وأنا بقول:
— يلهوي! هو أنا طول الطريق نايمة على كتفك؟
رفع حاجبه وهو بيبتسم وقال:
— تخيلي! مكنتش أعرف إن كتفي مريح للدرجة دي.
بصيتله من فوق لتحت كعادتي وقلت:
— طب متتغرش في نفسك أوي كده... أنا بس كنت مرهقة شوية.
نزلت من العربية بسرعة، وهو نزل ورايا.
وكنت ماشية ناحية العمارة وسايباه، لحد ما سمعت صوته بيناديني:
— تعالى بس يا أستاذة... رايحة فين؟ شيلي شنطتك.
اتديرتله وبصيتله بصدمة مصطنعة وقلت:
— أخس عليك! فين الجنتلة؟
ضحك وهو بيهز راسه وقال:
— مفيش منه الكلام ده. تعالى يا حبيبتي شيلي حاجتك، كتفي لسه واجعني منك.
حطيت إيدي على قلبي بحزن تمثيلي وقلت:
— طيب... طالما كده.
وقربت منه كأني فعلًا هآخد الشنطة.
لكن الحقيقة إني كنت بكتم ضحكتي، وعارفة كويس إنه مستحيل يسيبني أشيلها.
وبالفعل...
أول ما مديت إيدي للشنطة، سحبها بعيد بسرعة وقال:
— اطلعي يا آخر صبري!
ابتسمت بانتصار ولفيت ناحية العمارة.
وأنا طالعة السلم، كنت سامعاه بيتمتم ورايا:
— أهو... قلبي الطيب ده هو اللي مشندل حالي!
ضحكت أكتر وأنا مكملة طلعتي، وسيباه ورايا شايل الشنط كلها لوحده... كالعادة.
أول ما طلعت المفتاح وفتحت باب الشقة، حسيت براحة غريبة.
راحة وهدوء افتقدتهم من زمان.
على الرغم إن الشقة أصغر من شقق بيت العيلة بكتير، إلا إن فيها حاجة مختلفة... حاجة بتخليني أحس إنها مكاني فعلًا.
دخلت وأنا باخد نفس عميق.
وبعدي دخل مروان، وبدأ يبص حواليه بانبهار واضح.
وقال وهو بيتأمل المكان:
— دي شقتك؟
هزيت راسي بابتسامة خفيفة.
— أيوه.
كان بيتفرج على كل تفصيلة، كأنها أول مرة يشوفها.
وعلى الرغم من بساطة الأثاث، إلا إن كل ركن فيها كنت مختاراه بنفسي... وكل حاجة اتفرشت بحب وتعب سنين.
لكن فجأة...
رجع الصوت يتردد في دماغي من جديد.
"عايزني أقتلك زي ما خليتك تقتل توفيق..."
اتجمدت مكاني.
وحسيت بوخزة مؤلمة في قلبي.
كأن الحزن اللي كنت بحاول أكتمه طول الطريق قرر يهجم عليا مرة واحدة.
فجأة حسيت بإيد مروان على كتفي.
وصوته الهادي بيقول:
— مالك يا ليلى؟
رفعت عيني ليه.
فكمل بقلق:
— انتي من الصبح مش طبيعية... في إيه؟ احكيلي.
هزيت راسي بسرعة وأنا بحارب دموعي.
— م... مفيش حاجة يا مروان.
بلعت ريقي بصعوبة.
— متشغلش بالك.
سكت لحظة.
وبدون أي مقدمات، مسك إيدي وسحبني بهدوء لحد الكنبة اللي في نص الصالة.
وقعدني عليها.
وبعدين قعد قدامي وهو بيقول:
— لو مش هشغل بالي بيكي... هشغل بالي بمين يا ليلى؟
بصيتله كام ثانية.
كأني بستوعب الجملة.
وحاولت أهرب كعادتي.
فضحكت ضحكة صغيرة ومسحت دموعي اللي خانتني وقلت:
— انت مالك بتكلمني كأني طفلة كده ليه؟
ابتسم.
الابتسامة الهادية اللي دايمًا بتخليني أهدى غصب عني.
وقال:
— لأنك طفلة فعلًا يا ليلى.
اعترضت فورًا:
— نعم؟!
ضحك بخفة، ثم كمل:
— طفلة شايلة فوق كتافها حمل أكبر منها.
سكت ثانية وهو مركز في عيني.
— وبتحاول تبان قوية طول الوقت... عشان محدش يشوف إنها تعبت.
نزلت عيني للأرض.
لأن كل كلمة كان بيقولها كانت بتصيب حاجة جوايا مباشرة.
حاجة أنا نفسي بحاول أتجاهلها.
كملت بصوت خافت:
— ومين قالك إني تعبانة؟
رد بهدوء:
— عيونك.
سكتت.
فكمل:
— عيونك من ساعة ما خرجتي من البلد وهي بتقول إن في حاجة كسراكي.
عضيت على شفايفي.
وحطيت إيدي وسط شعري بتوتر.
عقلي كان بيصرخ إني أسكت.
وقلبي كان بيقول إني تعبت من السكوت.
تعبت من إني شايلة كل حاجة لوحدي.
رفعت عيني ليه ببطء.
لقيته مستني.
من غير ضغط ...من غير أسئلة.
مجرد مستني.
وأول مرة...حسيت إني نفسي أحكي.
حتى لو الكلام ده هيغير كل حاجة بعده.
يتبععع